المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

وشاح القمرالمرأة بين الحجاب والسفور

ايوان

صفحة ٣ من ٦

37 وقد اختلف في تحديد الجلباب؛ فقيل: إنّ الجلباب هو: الرداء فوق الخمار، وهو: ثوب أوسع من الخمار، ودون الرداء تلويه المرأة على رأسها، وتبقي منه ما ترسله على صدرها، وقيل: الجلباب هو الرداء الذي يستر من الأعلى إلى الأسفل، أي : يستر جميع البدن، وقيل: هو الملحفة وكل ما يُ تستّ ر به من كساء أو غيره، وقيل: هو المُ لاءة التي تلتحف بها المرأة فوق الدرع والخمار، تغطي ثغرة نحرها بجلبابها تدنيه عليها(1). والمتأمّل لهذه الأقوال عموماً ، يجدها مجتمعة على معنى واحد وهو: أنّ الجلباب هو الثوب الذي يستر جميع الجسم، وقد أجمع العلماء على وجوب الحجاب الذي يستر الرأس والجسد(2). ويفسّره حديث عائشة ، حيث قالت: (لقد كان رسو ‘يصلي الفجر، فيشهد معه نساء من المؤمنات متل فعات في مروطهن ، ثم يرجعن إلى بيوتهن ، ما يعرفهن أحد؛ من الغلس)(3). فقد كانت النساء، إذا شهدن الصلاة في المسجد، تلفعن بمروطهنّ ، أي : تلففن وتغطين، والتلفّ ع يستعمل في الالتحا مع تغطية الرأس(4)، فيلتحفن بالم ر ط: وهو لحا غير مخيط(5) فوق دروعهنّ وخمرهنّ . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) انظر الكشا للزمخشري (3/559)، عون المعبود للعظيم آبادي (11/106)، تفسير ابن كثير، (6/481.) (2) انظر مراتب الإجماع لابن حزم (ص: 29)، الروض الباسم لابن الوزير (1/202.) وخرج من الإجماع الوجه واليد، لم يتّ فقوا على كونهما عورة، ففيه خلا . (3) رواه البخاري في صحيحه (1/84)، (372.) (4) انظر فتح الباري لابن حجر (1/183) (5) انظر لسان العرب (8/321)، (7/402.)

عدد الصفحات ٣٨

38 وهذا نظير أمر النبي ‘ لهنّ إذا شهدن العيدين بالجلباب(1)، فعن أمّ عطية ، أنّها قالت: (إن النبي ‘، لما أمر بإخراج النساء إلى مصل ى العيد، قلن: يا رسو الله، إحدانا لا يكون لها جلباب، فقا النبي‘: لتلبسها أختها من جلبابها)(2). فالمعتاد عند نساء الصحابة، أنّ المرأة لا تخرج إلا بجلباب، وأنها عند عدمه، لا يمكنها أن تخرج، مع أنّ الخروج إلى مصلّ ى العيد مشروع، مأمور به للرجال والنساء، فإذا كان رسول الله ‘، لم يأذن لهنّ بالخروج، بغير جلباب، في ما هو مأمور به، فغيره من باب أولى. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) انظر: فتح الباري لابن رجب (2/417.) (2) متّفق عليه، انظر: صحيح البخاري (1/80)، (351)، صحيح مسلم (2/606)، (890)، واللفظ لمسلم. المرأة المصرية بالعباءة السوداء عام (1870م)

عدد الصفحات ٣٩

39 وحتى يكون هذا اللباس ساتراً ، ويغطّ ي جميع الجسد، إلاّ ما استثني، فلابد أن يكون طويلاً ، وهذا يتوافق مع معنى الجلباب، فعن عبدالله بن عمر ، أنّ رسول الله ‘، قال: (من جر ثوبه؛ خيلّء، لم ينظر الله إليه، يوم القيامة، فقالت أم سلمة: فكيف يصنع النساء بذيولهن ؟ قا : يرخين شبرا ، فقالت: إذن تنكشف أقدامهن ، قا : فيرخين ذراعا ، لا يزدن عليه)(1)، فللمرأة أن ترخي بقدر الذراع، ولها أن ترخي شبراً ، وعلى ذلك: فيجب أن تلبس ما يغطّ ي جميع جسمها، بما في ذلك القدمان، وفي هذا يحضر الجمال الحقيقيّ ، ويبدو العالم نقياً ، لا زيف فيه. قال الشاعر: جمــــا الــــروح ، ذاك هــــو الجمــــا تطيـــــب بـــــه الشـــــما والخـــــلّ زهـــــور الشـــــمع فاتنـــــة، ولكـــــن: زهــــور الــــرو لــــيس لهــــا مثــــا نساء البوسنة والهرسك (1906م) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) رواه الترمذيّ في سننه (3/275)، (1730) وقال حديث حسن صحيح، والنسائيّ في سننه، سنن النسائي (8/209)، (5336.)

عدد الصفحات ٤٠

40 (4 ) ر ن ي ة ليس الجمال الأنثويّ ، إلا إشارة إلى عظيم صنع الباري، ولكن من الصعب أن يتصوّ ر الجمال بغير الفضيلة، وقد يفتقر الجمال إلى الفضيلة، لكنّ الفضيلة لا تفتقر للجمال. وقد عُني الإسلام بزينة المرأة؛ مراعاة لأنوثتها، ولفطرتها، فرخّ ص لها ما لم يرخّ ص للرجل، بضوابط يتّ ضح منها جلياً ، الفرق بين التبرّ ج المحرّ م، والزينة المباحة. وحرص الإسلام، على أن يُ خَ لّ ص المرأة بحجابها من كلّ متعلّ قات الجاهليّ ة، فنهاها عن التبرّ ج المحرّ م، في قوله تعالى: {ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽﭾ} [الأحزاب: 33]. فيشير النصّ القرآنيّ ، إلى أن هذا التبرّ ج من مخلفات الجاهلية، التي يرتفع عنها من تجاوز عصر الجاهليّ ة، وارتفعت تصوراته ومشاعره عن تصورات الجاهلية ومشاعرها. والتبرج: أن تبدي المرأة من زينتها ومحاسنها ما يجب عليها ستره، مما تستدعي به شهوة الرجل(1)، وقد أجمع علماء المسلمين على تحريم هذا التبرج والسفور للمرأة(2). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) انظر فتح القدير للشوكانيّ (4/320.) (2) انظر منحة الغفار للصنعانيّ (4/2011، 2012.)

عدد الصفحات ٤١

41 ولم يقتصر النهي على ما كان من صور تبرّ ج الجاهليّ ة، بل يتعدّ ى ذلك، فيشمل النهيُ : التعمدَ في إظهار الزينة للرجال الأجانب، وإن كانت بالثياب نفسها، ولذلك قال تعالى: {ﭴ ﭵ ﭶﭷ} [النور: 60]، وقال تعالى: {ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝﮞ} [النور: 31]، أي : لا يظهرن شيئاً من الزينة للأجانب، إلاً ما لا يمكن إخفاؤه، مثل ما كان يتعاطاه نساء العرب من الم ق نَ عة التي تجلّ ل ثيابها، والمقصود بالم ق نَ عة: ما يبدو من أسافل الثياب، فلا حرج عليها فيه؛ لأنّ هذا لا يمكن إخفاؤه(1). فهذا العموم، يشمل الثياب الظاهرة، إذا كانت مزيّ نة بأيّ نوع من أنواع الزينة التي تلفت أنظار الرجال إليها، فلو كان اللباس مزيّ ناً ، فإنّ الخروج به، يُعدّ من التبرّ ج المنهي عنه؛ فالمقصود من الجلباب هو ستر الزينة، وأن يَ ردّ أعين الناظرين عنها، فإذا زُ يّ ن بنقوش جذّ ابة، وألوان خلاّ بة، أو مطرّ زة، وغيرها ممّ ا يدعو نظر الرجال لها؛ انتفت حكمة مشروعيّ ته، لذا كان منهيا عنه. أميرات من الدولة العثمانية عام (1900م) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) انظر تفسير ابن كثير (6/45)، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (5/511.)

عدد الصفحات ٤٢

42 والشريعة الإسلاميّ ة، وبالرغم من كلّ هذه الأوامر والمنهيات، في لباس المرأة المسلمة، لم تغفل عن إيراد ترخيص للكبيرات في السنّ ، بشروط مخصوصة، قال تعالى: {ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻﭼ ﭽ ﭾ ﭿ} [النور: 60]. فقوله تعالى: {ﭧ ﭨ ﭩ} هن اللواتي انقطع عنهنّ الحيض، ويئسن من الولد(1)، وقوله تعالى: {ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ} أي: لم يبق لهُ نّ تشوّ إلى التزويج(2)، فقد رخّص الشارع لهنّ ، واشترط عليهنّ عدم التبرّج بزينة، في قوله: {ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ} وبالرغم من هذا الترخيص، والاشتراط، إلاّ أنّ الله قال: {ﭸ ﭹ ﭺ ﭻﭼ}، أي : وتر ُ وضعهنّ لثيابهن ــ وإن كان جائزا ــ خير وأفضل لهنّ (3)، والله : {ﭾ ﭿ} ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) انظر تفسير ابن كثير (6/83.) (2) انظر المرجع السابق. (3) انظر المرجع السابق. المرأة في إيران بالعباءة السوداء (1880م)

عدد الصفحات ٤٣

43 وتبقى الأشياء الأكثر جمالاً ، بحاجة لأن تشعر بها قلوب تتحلّى بأرواح صادقة؛ فالجمال الحقيقي يتمادى إلى الأرواح، ليتهادى في القلوب، سالباً منها كلّ دهشة إلاّ إليه، إلى الجمال الساحر الأخّاذ . وقد قال مصطفى صادق الرافعيّ : (المرأة للرجل: نفس لنفس، لا متاع لشاريه)(1). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) انظر وحي القلم (1/108.)

عدد الصفحات ٤٤

44 (5 ) ص ِب غ ة الجمال الحقيقيّ : مبارزة تخرج منها المرأة منتصرة إن أرادت، ظافرة زهاءً وبهاءً ؛ حيث يصبغها الإسلام جمالاً وانتصاراً . وقد كانت المرأة المسلمة، منذ نزول آيات الحجاب، تلبس ثياباً لها صبغة خاصة، فقد كانت تلبس الثياب الفضفاضة الثخينة، التي لا تصف جسدها، ولا تحكي تقاسيمه، مبتعدة عن الثياب الضيقة، والشفافة، التي تصف لون جسدها وتقاسيمه، ولم تأت هذه التواصيف من فراغ، إنّما هي تعاليم ربانيّة، وشريعة سماويّة. فنهت الشريعة الإسلاميّة، عن لبس الملابس الضيقة الشفّافة، فعن أبي هريرة ، قال: قال رسول الله ‘: (صنفان من أه النار، لم أرهما: قوم معهم سياط، كأذناب البقر، يضربون بها الناس، ونساء كاسيات، عاريات، مميلّت، ما لّت، رؤوسهن كأسنمة البخت الما لة، لا يدخلن الجن ة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا)(1). ومعنى (كاسيات عاريات): أنّ ها تستر بعض بدنها وتكشف بعضه، أو تلبس ثوباً رقيقاً أو ضيّقاً ، يصف بدنها، ولا يستره(2). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) رواه مسلم في صحيحه (3/1680)، (2128.) (2) انظر نيل الأوطار (2/135.)

عدد الصفحات ٤٥

45 ولذا فالمسلمة لا تلبس من الثياب، إلاّ ما كان مشتملاً على الأوصا الشرعيّة الصحيحة؛ لأنّه به تكسب رضا ربّها، وبه يتحقّق سترها، الذي تتساقط أمامه الفتنة، فالثوب الرقيق، الذي يحكي تفاصيل أعضائها، لن يزيدها من ربّها إلاّ بعداً ، وتبرّ جها معرّض لها للفتنة والأذى، وهذا منهي عنه. ويذكّرنا هذا، بقصة النبيّ ‘، مع أسامة بن زيد وزوجته ، فعن أسامة بن زيد ، قال: (كساني رسو الله ‘ ق بطي ة(1) كثيفة، مم ا أهداها له دحية الكلبي ، فكسوتها امرأتي، فقا رسو الله ‘: >مالك لا تلبس الق بطية؟< قلت: كسوتها امرأتي، فقا : >مرها فلتجع تحتها غلّلة(2)، فإن ي أخاف أن تصف حجم عظامها<)(3). فقد أمر النبيّ ‘، أسامة ، أن يُ لبس زوجته غلالة، حتى لا يكون اللباس ضيّ قاً يصف بدنها؛ ولا شكّ أنّ ذلك ممّا يدلّ على عناية الشريعة بالمرأة المسلمة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) القُبطية: نسبة إلى القُ بط بكسر القا وهم أهل مصر، وهي ثياب رقاق لا تستر البشرة عن رؤية الناظر انظر: نيل الأوطار (2/135). (2) الغلالة: بكسر الغين، شعار يُ لبس تحت الثوب. انظر: المرجع السابق. (3) رواه أحمد في مسنده (36/120)، (21786)، والبيهقي في سننه الكبرى (2/331)، (3262)، وهو حديث حسن، حسنه الألباني، انظر: الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب (1/318.) المرأة في المغرب (1930م)

عدد الصفحات ٤٦

46 (6 ) ه وي ة ليست الأنوثة، لوحة فنيّة، تمتزج بها الألوان فحسب، إنّما هي ــ على الحقيقة ــ سلو وهُويّة، فليست كلّ امرأة أنثى، ولكن حتماً كلّ أنثى امرأة. والله  جعل للمرأة طبيعة خاصّة بها، تتناسب مع أنوثتها، فلو تشبّهت بالرجال مثلاً ؛ فإنّ تشبهها هذا يخرجها عن إطارها الأنثوي الذي وضع لها، فتضطرب الفطرة الإنسانيّة التي خُ لقت عليها، وقد حذّرنا النبي ‘ من ذلك، في الحديث الذي رواه أبو هريرة ، حيث قال: (لعن رسو الله ‘، الرج الذي يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرج )(1)، وعن ابن عباس  قال: (لعن النبي ‘ المتشب هات من النساء بالرجا ، والمتشب هين من الرجا بالنساء)(2)، ومعلوم أنّ اللعن لا يكون إلاّ على فعل محرّ م(3). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) رواه أبو داود في سننه (6/195)، (4098)، والحديث صحيح، صححه الألباني، انظر: صحيح الجامع الصغير وزيادته (2/907.) (2) رواه أبو داود في سننه (6/194)، (4097)، سنن الترمذي (5/105)، (2874)، وابن ماجه في سننه (1/614) (1904)، وهو حديث صحيح، صححه الألباني، انظر: صحيح الجامع الصغير وزيادته (2/908.) (3) انظر نيل الأوطار (2/137.) النساء في سراييفو (1944م)

عدد الصفحات ٤٧

47 وأمّا الفرق بين لباس المرأة والرجل، فإنّه يكون بحسب عر أهل البلد، وفي سياق ذلك، ذُ كر في الفتح: (فأمّ ا هيئة اللباس، فتختلف باختلا عادة كلّ بلد؛ فربّ قوم لا يفترق زي نسائهم من رجالهم في اللبس، لكن يمتاز النساء بالاحتجاب والاستتار)(1). وهذا يدلّ على اهتمام الشريعة بإبراز شخصيّة المرأة المسلمة، فنهتها عن المشابهة بالرجال، وأَ كسبتها هُويّة خاصّة ، فالحجاب واللباس عموماً ، مكوّن من مكوّنات الهُويّة؛ ولذا نهت الشريعةُ المسلمين عن كلّ ما يمكن أن يؤدّ ي إلى المشابهة الظاهرة المُ سهمة إلى اجتلاب بعض العقائد المنحرفة، والأخلاق الفاسدة، لدى المتشبّ ه بهم، فكان حجاب المرأة مبرزاً لهُويّتها الإسلاميّة بشكل واضح، وفي سياق ذلك، يروي عبد الله بن عمر ، عن رسول الله ‘ أنّه قال: (من تشب ه بقوم، فهو منهم)(2). والمقصود بذلك: من تزيّ ا ظاهراً بزيّ هم، وتخلّق بخلقهم، وسار بسيرتهم وهديهم، في ملبسهم، وبعض أفعالهم، حتى صار التشبّ ه بحقّ ، قد طابق فيه الظاهرُ هذا الباطن، فإنّ ه منهم(3). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) انظر فتح الباري لابن حجر (10/332.) (2) رواه أبو داود في سننه (6/144)، (4031) حديث صحيح، صححه الألباني، انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (1/747.) (3) انظر فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي (6/104.) مسلمات من بانيا لوكا (1910م)

عدد الصفحات ٤٨

48 ولذلك يحرم في الإسلام، التشبّ ه بأهل الكتاب أو بغيرهم من الكفّ ار، في اللباس الخاصّ بهم، كما يحرم التشبّ ه بلباسهم، لمن لبسه حبّ اً بدينهم، أو قاصداً التشبّ ه بهم، أو تهاوناً بالإسلام؛ باعتقاده أنّ لباسهم أرقى من لباس الإسلام، وأنّ لباس الإسلام أصبح قديماً متأخّ راً ، لا يصلح للحياة العصريّ ة الحديثة، أمّ ا لبس ما يشبه لباسهم؛ للضرورة، أو لجلب مصلحة، ودفع مضرّ ة، فلا بأس بذلك، خصوصاً إذا كان من ذوي الحر ، والمهن القاضية على متعاطيها باختيار الأنسب والأوفق والأخف والألين، فيجوز لبس ثيابهم عند عدم قصد التشبّ ه(1). واللباس عموماً ، يضفي الاتزان للمرأة والرجل، على حدّ سواء، فاهتمام الشرع به منذ بَدء الخليقة، أكبر دليل على ذلك، فعند ارتداء المرأة للباس الشرعي، فهي لا تضع خرقة جوفاء على رأسها، ومن ثمّ تمارس كلّ ما تريد، وإنّما الحجاب سمت وشعار، له آداب خاصة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) انظر اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية (1/95.)

عدد الصفحات ٤٩

49 (7 ) ات ز ان الحياة بكلّ ما فيها، تقف على حدّ الوسطية والاتّزان، بين طرفي الإفراط والتفريط، فإمّا أن تقف المرأة بقدميها على هذا الحدّ ، أو تحيد عنه. واللباس كذلك، له خطّ اتّزان، ومن اتزانه: ترفّعه عن لباس الشهرة، ولذلك نهت الشريعة عن لباس الشهرة، ويقصد بلباس الشهرة، أن يشتهر الثوب بين الناس؛ لمخالفة لونه لألوان ثيابهم، فيرفع الناس إليه أبصارهم، سواء أكان من رفيع الثياب الخارجة عن العادة، أم وضيعها الخارجة عن العادة، فالتحريم يدور مع الاشتهار(1). المرأة في الكويت بالعباءة السوداء (1950م) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) انظر نيل الأوطار (2/131)، عون المعبود (11/50.)

عدد الصفحات ٥٠

50 وقد كان السلف يكرهون المترفّع والمتخفّض أيضاً؛ لأنّ الترفّع يدلّ على التفاخر بالدنيا، والآخر يدلّ على التظاهر بالزهد والقناعة، فخيار الأمور أوساطها(1). عن ابن عمر ، قال: قال رسول الله ‘: (من لبس ثوب شهرة، ألبسه الله يوم القيامة ثوبا مثله)(2)، فمن لبس جميل الثياب؛ إظهاراً لنعمة الله، واستعانة على طاعته، كان مأجوراً ، ومن لبسه فخراً وخيلاء وغروراً ؛ ليلفت أنظار الناس إليه كان آثما، فإنّ الله لا يحبّ كلّ مختال فخور(3). نساء من تركيا ــ أضنا 1909م ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) انظرمجموع الفتاوى لابن تيمية، (22/138)، زاد المعاد، لابن القيم (1/138)، نيل الأوطار (2/132.) (2) رواهأبوداود في سننه (6/143)، (4029)، رواه ابن ماجه في سننه (4/601)، (3606)، حديث صحيح، صححه الألباني، انظر: صحيح الجامع الصغير وزيادته (2/1113 .) (3) للاستزادة في موضوع الحجاب، انظرلباس المرأة وزينتها في الفقه الإسلامي، مهدية شحادة الزميلي، ( 1987)، اللباس والزينة في الشريعة الإسلامية، د. محمد عبدالعزيز عمرو، (1403ه1983م)، ا للباس والزينة من السنة النبوية المطهرة، دراسة وتحقيق: محمد عبدالحكيم القاضي، ( 1409ه1989م)، شروط الحجاب الإسلامي، د. محمد فؤاد البرازي، ( 1420هـ2000م)، اللباس في الإسلام، المرأة المسلمة، محمد بن عثيمين، (1408هـ1988م)، لباس المرأة المسلمة وزينتها، عبدالحليم أبوشقة، (1416هـ1996م)، حجاب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة، محمد ناصر الدين الألباني، (1403هـ1983م

عدد الصفحات ٥١

بين الحجاب والسفور شروق وغروب >وإذا استعبدت أمّ ة، ففي يدها مفتاح قيدها، مادامت محتفظة بدينها ولغتها< علي الطنطاويّ َّ

عدد الصفحات ٥٢

53 (1 ) ي واي ة ع ي ور قبل الذهاب، فكر: كيف الإياب؟ فالطريق نحو الخطايا قصير جداً ، وما أطول العودة منه. كانت بداية السفور، في العالم الغربيّ ، وبشكل واضح في >أوروبا< تحديداً . وانتشر بعد ذلك في أقطار العالم، وقد كان غطاء الرأس في أوروبا زيّاً سائداً ، تلبسه النساء لمدلول دينيّ أخلاقيّ (1)، ممّا حدا بعض المدن الأوروبيّة، إلى منع المرأة التي ترتكب جريمة الزنى، من أن تغطي رأسها(2) حتى لا يخلط الناس بينها وبين النساء العفيفات في أوروبا. إلى أن جاءت حركة عصر النهضة، والتي استمرت من القرن الرابع عشر إلى القرن السابع عشر، وتسم ى هذه الحركة بحركة الإحياء: (Renaissanse)، حيث كان روادها يَ عدّون الفترة التي سبقت النهضة، فترةَ جمود وركود وتخلّ ف، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) ورد في رسالة بولس الأولى إلى كورنثوس11/4 ــ10: (وكل امرأة تصلي أو تتنبأ، وليس على رأسها غطاء، تجلب العار على رأسها، لأن كشف الغطاء كحلق الشعر تماما. فإذا كانت المرأة لا تغطي رأسها، فليقص شعرها! ولكن، مادام من العار على المرأة أن يقص شعرها أو يحلق، فلتغط رأسها). (2) رسالة بولس الأولى إلى كُورنثُوس: (11/1 ــ 22.) تصوير إيزابو بافاريالملكة فرنسا وهي ترتدي الحجاب في أواخر القرن الثالث عشر

عدد الصفحات ٥٤