81 لبعض تلك االة العجيبة، كىي حاؿ الذين كفركا حبْ يركف بوارؽ الشر: من شهادة شهداء الأمم على مؤمنهم ككافرىم، كيوقنوف بأف ابؼشهود عليهم بالكفر مأخوذكف إلذ العذاب، فينابؽم من ابػوؼ ما يودكف منو لو تسول بهم الأرض كبصلة "لو تسول بهم الأرض" بياف بعملة "يود" أم يودكف كدا يبينو قولو: "لو تسول بهم الأرض"، كلكوف مضمونها أفاد معبُ الشيء ابؼودكد صارت ابعملة الشرطية بدنزلة مفعوؿ (يود)، كقولو: "تسول" أم بساثل، كابؼماثلة ابؼستفادة من التسوية برتمل أف تكوف بفاثلة بُ الذات، فيكوف ابؼعبُ أنهم يصبّكف ترابا مثل الأرض، على معبُ قولو تعالذ: ﴿ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ﴾(ُ)، كىذا تفسبّ ابعمهور، كبوتمل أف تكوف بفاثلة بُ ابؼقدار، فقيل: يودكف أنهم لد يبعثوا كبقوا مستوين مع الأرض بُ بطنها، كقيل: يودكف أف يدفنوا حينئذ كما كانوا قبل البعث، كبصلة "كلا يكتموف ا﵁ حديثا" بهوز أف تكوف مستأنفة، كالواك عاطفة بؽا على بصلة "يود" كبهوز أف تكوف حالية، أم يودكف لو تسول بهم الأرض بُ حاؿ عدـ كتمانهم، فكأنهم بؼا رأكا استشهاد الرسل، كرأكا جزاء ابؼشهود عليهم من الأمم السالفة، علموا أف النوبة مفضية إليهم، كخامرىم أف يكتموا ا﵁ أمرىم إذا سأبؽم ا﵁، كلد تساعدىم نفوسهم على الاعبَاؼ بالصدؽ، بؼا رأكا من عواقب ثبوت الكفر، من شدة ىلعهم، فوقعوا ببْ ابؼقتضي كابؼانع، فتمنوا أف بىفوا كلا يظهركا حبٌ لا يسألوا فلب يضطركا إلذ الاعبَاؼ ابؼوبق كلا إلذ الكتماف ابؼهلك (ِ). كقاؿ تعالذ: ﴿ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ﴾(ّ). النزع: جذب شيء من ببْ ما ىو بـتلط بو، كاستعبّ ىنا لإخراج بعض من بصاعة، كذلك أف الأمم تأبٌ إلذ ا﵀شر تتبع أنبياءىا، كىذا المجيء الأكؿ، بٍ تأبٌ الأنبياء مع كل كاحد منهم من آمنوا بو، كما كرد بُ ابغديث «يأبٌ النبيء معو الرىط كالنبيء كحده ما معو أحد »(ْ)، كابؼخاطب ب ىاتوا ىم ابؼشركوف، أم ىاتوا برىانكم على إبؽية أصنامكم، كيقع نزع شهيد من كل أمة عليهم فهو شامل (ُ) سورة النبأ، الآية: َْ. (ِ) ابن عاشور، التحرير والتنوير، طُ، ٓ/ٓٗ- َٔ. (ّ) سورة القصص، الآية: ٕٓ. (ْ) أخرجو أبضد بُ مسنده، مسند عبد ا﵁ بن العباس بن عبد ابؼطلب، ْ/ ِِٔ.
عدد الصفحات ٩٧81 بؼشركي العرب كغ بّىم من الأمم، كجيء بفعل ابؼضي بُ "نزعنا" إما للدلالة على برقيق كقوعو حبٌ كأنو قد كقع، كإما لأف الواك للحاؿ، كىي يعقبها ابؼاضي ب (قد) كبدكف (قد)، أم يوـ يكوف ذلك النداء، كقد أخرجنا من كل أمة شهيدا عليهم، كأخرجنا من ىؤلاء شهيدا، كىو بؿمد صلى ا﵁ عليو كسلم، كما قاؿ تعالذ: ﴿ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﴾(ُ)، كشهيد كل أمة رسوبؽا، كىاتوا اسم فعل معناه ناكلوا، كاستعبّت ابؼناكلة للئظهار، كالأمر مستعمل بُ التعجيز فهو يقتضي أنهم على الباطل فيما زعموه من الشركاء، كبؼا علموا عجزىم من إظهار برىاف بؽم بُ جعل الشركاء ﵁ أيقنوا أف ابغق مستحق ﵁ تعالذ، أم علموا علم اليقبْ أنهم لا حق بؽم بُ إثبات الشركاء كأف ابغق ﵁ إذ كاف ينهاىم عن الشرؾ على لساف الرسوؿ بُ الدنيا، " كﮢ ﮣ ﮤ ": يشمل ما كانوا يكذبونو من ابؼزاعم بُ إبؽية الأصناـ، كالضلبؿ: أصلو عدـ الاىت داء إلذ الطريق، كاستعبّ ىنا لعدـ خطور الشيء بُ الباؿ، كابؼراد: ضل عن عقوبؽم كعن مقامهم، كعلق بالضلبؿ ضمبّ ذكاتهم ليشمل ضلبؿ الأمرين، فيفيد أنهم لد بهدكا حجة يركجوف بها زعمهم إبؽية الأصناـ، كلد بهدكا الأصناـ حاضرة للشفاعة فيهم فوبصوا عن ابعواب كأيقنوا بابؼؤ اخذة(ِ). عاشر ا: حشر فوج من كل أمة كافرة يوم القيامة للسؤال والتعذيب: قاؿ تعالذ: ﴿ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﴾(ّ). يقوؿ تعالذ بـبرا عن يوـ القيامة، كحشر الظابؼبْ ابؼكذببْ بآيات ا﵁ كرسلو إلذ ببْ يدم ا﵁، عز كجل، ليسأبؽم عما فعلوه بُ الدار ا لدنيا، تقريعا كتوبيخا، كتصغبّا كبرقبّا، فقاؿ: { ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ } أم: من كل قوـ كقرف فوجا، أم: بصاعة، { ﮝ ﮞ ﮟ }، كما قاؿ تعا ﴿ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﴾(ْ)، كقاؿ تعالذ ﴿ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﴾(ٓ)، كقولو:{ ﮠ (ُ) سورة النحل، الآية: ٖٗ. (ِ) ابن عاشور، التحرير والتنوير، طُ، َِ/ ُِٕ- ُّٕ. (ّ) سورة النمل، الآية: ّٖ. (ْ) سورة الصافات، الآية ِِ. (ٓ) سورة التكو ير، الآية ٕ.
عدد الصفحات ٩٨82 ﮡ}قاؿ ابن عباس رضي ا﵁ عنهما: يدفعوف، كقاؿ قتادة: كزعة(ُ) ترد أكبؽم على آخرىم، كقاؿ عبد الربضن بن زيد بن أسلم (ِ): يساقوف، ﴿ ﮣ ﮤ ﮥ ﴾أم: أكقفوا ببْ يدم ا﵁ عز كجل، بُ مقاـ ابؼساءلة، ﴿ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﴾(ّ) أم: كيسألوف عن اعتقادىم، كأعمابؽم(ْ). حادي عشر: كون كل أمة جاثية تدعى إلى كتابه ا يوم القيامة: قاؿ تعالذ:﴿ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ﴾(ٓ). يقوؿ تعالذ ذكره : كترل يا بؿمد يوـ تقوـ الساعة أىل كل ملة كدين جاثية: يقوؿ: بؾتمعة مستوفزة على ركبه ا من ىوؿ ذلك اليوـ، ﴿ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﴾: كل أىل ملة كدين تدعى إلذ كتابها الذم أمل على حفظتها، ﴿ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﴾ يقاؿ بؽا: اليوـ بذزكف: أم تثابوف كتعطوف أجور ما كنتم بُ الدنيا من جزاء الأعماؿ تعملوف بالإحساف الإحساف، كبالإساءة جزاءىا ، فلب بذزعوا من ذلك، فإنو ينطق عليكم إف أنكربسوه بابغق فاقرءكه ﴿ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﴾: إنا كنا نستكتب حفظتنا أعمالكم، فتثبتها بُ الكتب كتكتبها (ٔ). (ُ) الوزعة: ىو بصع كازع، قاؿ ابغسن : "لابد للناس من كازع "، أبين سلطاف يكفهم، يقاؿ: كزع ابعيش، إذا حبس أكؿ ىم على آخرىم، قاؿ ا﵁ تعالذ { : ﮠ ﮡ }، ابعوىرم، الصحاح، طْ، ْ / ِّْ. (ِ) سبق تربصتو ص ٕٓ. (ّ) سورة النمل، الآية: ْٖ. (ْ) ابن كثبّ، تفسير القرآن العظيم، طُ، ٔ/ ُِٓ. (ٓ) سورة ابعاثية، الآيتاف: ِٖ – ِٗ. (ٔ) الطبرم، جامع البيان، طُ، ِِ / ِٖ ػ ْٖ.
عدد الصفحات ٩٩83 المطلب الثاني ما يختص بو ىذه الأمة، وىو ثلاثة أمور: أولا: وجوب توفر دعاة في كل مجتمع: قاؿ تعالذ: ﴿ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﮲ ﮳ ﮴ ﮵ ﴾(ُ). يعبِ بذلك جل ثناؤه أنو يتعبْ على ابؼؤمنبْ أف يقوـ منهم بصاعة يدعوف الناس إلذ ابػبّ، يعبِ إلذ الإسلبـ كشرائعو البٍ شرعها ا﵁ لعباده، كيأمركف الناس باتباع بؿمد صلى ا﵁ عليو كسلم كدينو الذم جاء بو من عند ا﵁، كينهوف عن الكفر با﵁ كالتكذيب بدحمد كبدا جاء بو من عند ا﵁، بجهادىم بالأيدم كابعوارح، حبٌ ينقادكا بؽم بالطاعة، كأف أكلئك القائمبْ بذلك ىم ابؼنجحوف عند ا﵁ الباقوف بُ جناتو كنعيمو، بٍ ينهاىم أف يكونوا كا لذين تفرقوا من أىل الكتاب كاختلفوا بُ دين ا﵁ كأمره كنهيو من بعد ما جاءىم البينات من حجج ا﵁، فيما اختلفوا فيو، كعلموا ابغق فيو فتعمدكا خلبفو، كخالفوا أمر ا﵁، كنقضوا عهده كميثاقو جراءة على ا﵁، كأف بؽؤلاء الذين تفرقوا، كاختلفوا من أىل الكتاب من بعد ما جاءىم عذاب من عند ا﵁ عظيم، يقوؿ: فلب تتفرقوا، يا معشر ابؼؤمنبْ، بُ دينكم تفرؽ ىؤلاء بُ دينهم، كلا تفعلوا فعلهم، كتستنوا بُ دينكم بسنتهم، فيكوف لكم من عذاب ا﵁ العظيم مثل الذم بؽم(ِ). أم: كليكن منكم أيها ابؼؤمنوف الذين من ا﵁ عليهم بالإبياف كالاعتصاـ بحبلو ﮘ } بصاعة { ﮙ ﮚ ﮛ } كىو اسم جامع لكل ما يقرب إلذ ا﵁ كيبعد من سخطو { ﮜ ﮝ } كىو ما عرؼ بالعقل كالشرع حسنو { ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ } كىو ما عرؼ بالشرع كالعقل قبحو، كىذا إرشاد من ا﵁ للمؤمنبْ أف يكوف منهم بصاعة متصدية للدعوة إلذ سبيلو كإرشاد ابػلق إلذ د ينو، كيدخل بُ ذلك العلماء ابؼعلموف للدين، كالوعاظ الذين يدعوف أىل الأدياف إلذ الدخوؿ بُ دين الإسلبـ، كيدعوف ابؼنحرفبْ إلذ الاستقامة، كالمجاىدكف بُ سبيل ا﵁، كابؼتصدكف لتفقد أحواؿ الناس (ُ) سورة آؿ عمراف، الآية: َُْ ، َُٓ. (ِ) السعدم، تيسير الكريم، طُ، ٕ/ُٗ – ِٗ.
عدد الصفحات ١٠٠84 كإلزامهم بالشرع كالصلوات ابػمس كالزكاة كالصوـ كابغج كغبّ ذلك من شرائع الإسلبـ، ككتفقد ابؼكاييل كابؼوازين كتفقد أىل الأسواؽ كمنعهم من الغش كابؼعاملبت الباطلة، ككل ىذه الأمور من فركض الكفايات كما تدؿ عليو الآية الكربية بُ قولو ﴿ﮖ ﮗ ﮘ ﴾ إلخ أم: لتكن منكم بصاعة بوصل ابؼقصود بهم بُ ىذه الأشياء ابؼذكورة، كمن ابؼعلوـ ابؼتقرر أف ا لأمر بالشيء أمر بو كبدا لا يتم إلا بو، فكل ما تتوقف ىذه الأشياء عليو فهو مأمور بو، كالاستعداد للجهاد بأنواع العدد البٍ بوصل بها نكاية الأعداء كعز الإسلبـ، كتعلم العلم الذم بوصل بو الدعوة إلذ ابػبّ كسائلها كمقاصدىا، كبناء ابؼدارس للئرشاد كالعلم، كمساعدة الن واب كمعاكنتهم على تنفيذ الشرع بُ الناس بالقوؿ كالفعل كابؼاؿ، كغبّ ذلك بفا تتوقف ىذه الأمور عليو، كىذه الطائفة ابؼستعدة للدعوة إلذ ابػبّ كالأمر بابؼعركؼ كالنهي عن ابؼنكر ىم ابؼؤمنو ف، كبؽذا قاؿ تعالذ عنهم: {ﮢ ﮣ ﮤ } الفائزكف بابؼطلوب، الناجوف من ابؼرىوب، بٍ نهاىم عن التشبو بأىل الكتاب بُ تفرقهم كاختلبفهم، فقاؿ: { ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ }كمن العجائب أف اختلبفهم{ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ } ابؼوجبة لعدـ التفرؽ كالاختلبؼ، فهم أكلذ من غبّىم بالاعتصاـ بالدين، فعكسوا القضية مع علمهم بدخالفتهم أمر ا﵁، فاستحقوا العقاب البليغ، كبؽذا قاؿ تعالذ: { ﮱ ﮲ ﮳ ﮴}(ُ). والمقصود من ىذه الآية: أف تكوف فرقة من الأمة متصدية بؽذا الشأف، كإف كاف ذلك كاجبا على كل فرد من الأمة بحسبو، كما ثب بُ صحيح مسلم عن أبي ىريرة قاؿ: قاؿ رسوؿ ا﵁ صلى ا﵁ عليو كسلم: "من رأل منكم منكرا فليغبّه بيده، فإف لد يستطع ف بلسانو، فإف لد يستطع فبقلبو، كذلك أضعف الإبياف"، كبُ ركاية: "كليس كراء ذلك من الإبياف حبة خردؿ" (ِ). (ُ) السعدم، تيسير الكريم، طُ، ُ/ ُِْ. (ِ) أخرجو مسلم بُ صحيحو، كتاب الإبياف، باب بياف كوف النهي عن ابؼنكر من الإبياف، ُ/ٗٔ، برقم ( ْٗ) من حديث أبي موسى الأشعرم، قاؿ الشيخ أبضد شاكر ربضو ا﵁: "كىم ابغافظ ابن كثبّ كبنا شديدا، فحديث: "من رأل منكم منكرا" ىو حديث أبي موسى".
عدد الصفحات ١٠١85 كعن حذيفة بن اليماف، أف النبي صلى ا﵁ عليو كسلم قاؿ: "كالذم نفسي بيده لتأمرف بابؼعركؼ كلتنهوف عن ابؼنكر، أك ليوشكن ا﵁ أف يبعث عليكم عقابا من عنده، بٍ لتد عنو فلب يستجيب لكم"(ُ). بٍ قاؿ تعالذ: ﴿ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﮲ ﮳ ﮴ ﴾(ِ). ينهى ىذه الأمة أف تكوف كالأمم ابؼاضية بُ تفرقهم كاختلبفهم، كتركهم الأمر بابؼعركؼ كالنهي عن ابؼنكر مع قياـ ابغجة عليهم(ّ). عن أبي عامر عبد ا﵁ بن بغي(ْ)، قاؿ: حججنا مع معاكية بن أبي سفياف، فلما قدمنا مكة قاـ حبْ صلى صلبة الظهر فقاؿ: إف رسوؿ ا﵁ صلى ا﵁ عليو كسلم قاؿ: "إف أىل الكتاببْ افبَقوا بُ دينهم على ثنتبْ كسبعبْ ملة، كإف ىذه الأمة ستفبَؽ على ثلبث كسبعبْ ملة - يعبِ الأىواء- كلها بُ النار إلا كاحدة، كىي ابعماعة، كإنو سيخرج بُ أمبٍ أقواـ بذارل بهم تلك الأىواء، كما يتجارل الكلب بصاحبو (ٓ)، لا يبقى منو عرؽ كلا مفصل إلا دخلو، كا﵁ - يا معشر العرب- لئن لد تقوموا بدا جاء بو نبيكم صلى ا﵁ عليو كسلم لغبّكم من الناس أحرل ألا يقوـ بو" (ٔ). (ُ) أخرجو البَمذم بُ سننو، كتاب أبواب الفبً، باب ما جاء بُ الأمر بابؼعركؼ كالنهي عن ابؼنكر، ْ/ْٖٔ. حديث رقم: ُِٗٔ، قاؿ الألباني: صحيح الجامع الصغير وزيادتو، ِ/ ُُٖٗ. (حسنالقارم، المشكاة، ط ُ، َُْٓ. (ِ) سورة آؿ عمراف، الآية: َُْ. (ّ) ابن كثبّ، تفسير القرآن العظيم، طُ، ِ/ ُٗ- ِٗ. (ْ) ىو أبو عامر ابؽوزني عبد ا﵁ بن بغي، كالد أبي اليماف، من قدماء التابعبْ، توبُ سنة إحدل كبشانبْ للهجرة، كركل لو أبو كالنسائي كابن ماجة. الصفدم، الوافي بالوفيات، ط ُ، ٓ / ْٓٓ. (ٓ) (تتجارل بهم الأىواء) أم: أف الأىواء توجد فيهم، كتتمكن من عقوبؽم، (كما يتجارل الكلب بصاحبو)، كالكلب: ىو الداء الذم بوصل من الكلب الذم أصيب بداء الكلب، فإذا عض أحدا فإنو بوصل لذلك ابؼعضوض بسبب ىذه العضة ضرر كألد يصل إلذ بصيع جسده، كلا يبقى منو مفصل أك عرؽ إلا دخلو. العباد، شرح سنن أبي داود، ُ / ِ. (ٔ) أخرجو أبضد بُ مسنده، ِٖ/ُّٓ، مسند الصحابة في الكتب التسعة، ّٖ/ ّٕٗ، حديث رقم: ُّٗٔ، قاؿ الشيخ شعيب الأرناؤكط: إسناده حسن، كحديث افبَاؽ الأمة منو صحيح بشواىده.
عدد الصفحات ١٠٢86 ثانيا: وسطية ىذه الأمة: قاؿ تعالذ: ﴿ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ﴾(ُ). يقوؿ تعالذ: إبما حولناكم إلذ قبلة إبراىيم عليو السلبـ، كاخبَناىا لكم لنجعلكم خيار الأمم، لتكونوا يوـ القيامة شهداء على الأمم؛ لأف ابعميع معبَفوف لكم بالفضل، كالوسط ىاىنا: ابػيار كالأجود، كما يقاؿ: قريش أكسط العرب نس با كدارا، أم: خبّىا، ككاف رسوؿ ا﵁ صلى ا﵁ عليو كسلم كسطا بُ قومو، أم: أشرفهم نسبا، كمنو الصلبة الوسطى، البٍ ىي أفضل الصلوات، كىي العصر، كما ثب بُ الصحاح كغبّىا، كبؼا جعل ا﵁ ىذه الأمة كسطا خصها بأكمل الشرائع كأقوـ ابؼناىج كأكضح ابؼذاىب، كما قاؿ تعالذ: ﴿ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﮲ ﮳ ﮴﮵ ﮶ ﮷ ﮸ ﮹ ﮺ ﮻ ﮼ ﮽ ﮾ ﮿ ﯀ ﯁ ﯂ ﴾(ِ) (ّ). يعبِ جل ثناؤه بقولو:"ككذلك جعلناكم أمة كسطا"، كما ىديناكم أيها ابؼؤمنوف بدحمد عليو كالسلبـ كبدا جاءكم بو من عند ا﵁، فخصصناكم بالتوفيق لقبلة إبراىيم كملتو، كفضلناكم بذلك على من سواكم من أىل ابؼلل، كذلك خصصناكم ففضلناكم على غبّكم من أىل الأدياف، بأف جعلناكم أمة كسطا(ْ). قاؿ أبو جعفر الطبرم: "كأنا أرل أف"الوسط" بُ ىذا ابؼوضع، ىو"الوسط" الذم بدعبُ: ابعزء الذم ىو ببْ الطرفبْ، مثل "كسط الدار"، كأرل أف ا﵁ تعالذ ذ كره إبما كصفهم بأنهم"كسط"، لتوسطهم بُ الدين، فلب ىم أىل غلو فيو، غلو النصارل الذين غلوا بالبَىب، كقيلهم بُ عيسى ما قالوا فيو - كلا ىم أىل تقصبّ فيو، تقصبّ اليهود الذين بدلوا كتاب ا﵁، كقتلوا أنبياءىم، ككذبوا على ربهم، ككفركا بو؛ كلكنهم أىل توسط كاعتداؿ في و، فوصفهم ا﵁ بذلك، إذ كاف أحب الأمور إلذ ا﵁ (ُ) سورة البقرة، الآية : ُّْ. (ِ) سورة ابغج، الآية: ٖٕ. (ّ) ابن كثبّ، تفسير القرآن العظيم، طُ، ُ/ْْٓ. (ْ) الطبرم، جامع البيان، طُ، ّ/ ُُْ.
عدد الصفحات ١٠٣87 أكسطها، كأما التأكيل، فإنو جاء بأف "الوسط" العدؿ، كذلك معبُ ابػيار، لأف ابػيار من الناس عدكبؽم"(ُ). كىذه ابعملة معبَضة ببْ بصلة: ﴿ ﭒ ﭓ ﴾(ِ) إلخ كبصلة: ﴿ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﴾(ّ)إلخ، كالواك اعبَاضية، كىي من قبيل الواك الاستئنافية، فالآية السابقة بؼا أشارت إلذ أف الذين ىدكا إلذ صراط مستقيم ىم ابؼسلموف، كأف ذلك فضل بؽم ناسب أف يستطرد لذكر فضيلة أخرل بؽم ىي خبّ بفا تقدـ، كىي فضيلة كوف ابؼسلمبْ عدكلا خيارا ليشهدكا على الأمم، لأف الآيات الواقعة بعدىا ىي بُ ذكر أمر القبلة، كىذه الآية لا تتعلق بأمر القبلة، كقولو: (ككذلك) : مركب من كاؼ التشبيو كاسم الإشارة، فيتعبْ تعرؼ ابؼشار إليو كما ىو ابؼشبو بو، قاؿ الزبـشرم « :أم مثل ذلك ابععل العجيب جعلناكم أمة كسطا»فاختلف شارحوه بُ تقرير كلبمو كتببْ مراده، فقيل «الإشارة إلذ ابؼفهوـ، أ م ما فهم من قولو: ﴿ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﴾(ْ) أم كما جعلناكم أمة كسطا ، أك كما جعلنا قبلتكم أفضل قبلة، جعلناكم أمة كسطا»، أم أف قولو(ﭣ ﭤ ﭥ ) يومئ إلذ أف ابؼهدم ىم ابؼسلموف، كإلذ أف ابؼهدم إليو ىو استقباؿ الكعبة كق قوؿ السفهاء: ما كلاىمُِْ] كىذابهعل الكاؼ باقية على معبُ التشبيو، كقد يكوف مرادا منو التنويو بابػبر ، فيجعل كأنو بفا يركـ ابؼتكلم تشبيهو، بٍ لا بهد إلا أف يشبهو بنفسو، كبُ ىذا قطع للنظر عن التشبيو بُ الواقع، كأكضح منو بُ ىذا ابؼعبُ قولو تعالذ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﴾(ٓ)، فإنو لد يسبق ذكر شيء غبّ الذم بظاه ا﵁ تعالذ فتنة أخذا من فعل فتنا، كالوسط: اسم للمكاف الواقع ببْ أمكنة بريط بو أك للشيء الواقع ببْ أشياء بؿيطة بو ليس ىو إلذ بعضها أقرب منو إلذ بعض، كبؼا كاف معبُ النفاسة كالعزة كابػيار من لوازـ معبُ الوسط عرفا، أطلقوه على ابػيار النفيس كناية، قاؿ ز ىبّ: ىػػػػػػػػػػػم كسػػػػػػػػػػػط يرضػػػػػػػػػػػى الأنػػػػػػػػػػػاـ بحكمهػػػػػػػػػػػم إذا نزلػػػػػػػػػػػػػػ إحػػػػػػػػػػػػػػدل الليػػػػػػػػػػػػػػالر بدعضػػػػػػػػػػػػػػل (ُ) الطبرم، جامع البيان، طُ، ّ /ُُْ- ُِْ. (ِ) سورة البقرة، الآية: ُِْ. (ّ) السورة السابقة، الآية: ُّْ. (ْ) سورة البقرة، الآية: ُِْ. (ٓ) سورة الأنعاـ، الآية: ّٓ.
عدد الصفحات ١٠٤88 كقاؿ تعا﴿ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﴾(ُ). كأما إطلبؽ الوسط على الصفة الواقعة عدلا ببْ خلقبْ ذميمبْ فيهما إفراط كتفريط كالشجاعة ببْ ابعبن كالتهور، كالكرـ ببْ الشح كالسرؼ كالعدالة ببْ الر بضة كالقساكة، فذلك بؾاز بتشبيو الشيء ابؼوىوـ بالشيء ا﵀سوس، فلذلك ركم حديث: «خبّ الأمور أكسطها»،(ِ)، كقد شاع ىذاف الإطلبقاف حبٌ صارا حقيقتبْ عرفيتبْ، فالوسط بُ ىذه الآية فسر بابػيار لقولو تعالذ: ﴿ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﴾(ّ)، كفسر بالعدكؿ، كالتفسبّ الثاني ركاه البَمذم بُ «سننو»من حديث أ سعيد ابػدرم عن النبيء صلى ا﵁ عليو كسلم، كقاؿ : حسن صحيح، كابعمع بُ التفسبّين ىو الوجو، ككصف الأمة بوسط بصيغة ابؼذكر، لأنو اسم جامد، فهو بعموده يستوم فيو التذكبّ كالتأنيث، مثل الوصف بابؼصدر بُ ابعمود كالإشعار بالوصفية، بخلبؼ بكو: رأي الزيدين ىذين، فإنو كصف باسم مطابق لعدـ دلالتو على صفة، بل ىو إشارة بؿضة لا تشعر بصفة بُ الذات، كضمبّ ابؼخاطببْ ىنا مراد بو بصيع ابؼسلمبْ لبَتبو على الاىتداء لاستقباؿ الكعبة فيعم كل من صلى بؽا، كلأف قولو: ﴿ ﭮ ﭯ ﴾ فسر بُ ابغديث الصحيح بأنها شهادة الأمة كلها على الأمم، فلب بىتص الضمبّ بابؼوجودين يوـ نزكؿ الآية، كالآية ثناء على ابؼسلمبْ بأف ا﵁ قد ادخر بؽم الفضل ، كجعلهم كسطا بدا ىيأ بؽم من أسبابو بُ بياف الشريعة بيانا جعل أذىاف أتباعها سابؼة من أف تركج عليهم الضلبلات البٍ راج على الأمم، كقولو: ﴿ ﭮ ﭯ ﴾ علة بععلهم كسطا، فإف أفعاؿ ا﵁ تعالذ كلها منوطة بحكم كغايات لعلمو تعالذ كحكمتو، ك (الناس) عاـ، كابؼراد بهم الأمم ابؼاضوف كابغاضركف، كىذه الشهادة دنيوية كأخركية، فأما الدنيوية فهي حكم ىاتو الأمة على الأمم ابؼاضبْ كابغاضرين بتبرير ابؼؤمنبْ منهم بالرسل ابؼ بعوثبْ بُ كل زماف كبتضليل الكافرين منهم برسلهم كابؼكابرين بُ العكوؼ على مللهم بعد بؾيء ناسخها كظهور ابغق، كالشهادة الأخركية ىي ما ركاه البخارم كالبَمذم عن أبي سعيد ابػدرم قاؿ رسوؿ ا﵁ صلى ا﵁ عليو كسلم «بهاء بنوح يوـ القيامة، (ُ) سورة القلم، الآية: ِٖ. (ِ) كسنده ضعيف، قاؿ السخاكم: "ركاه ابن السمعاني بُ ذيل تاريخ بغداد بسند بؾهوؿ، السخاكم، المقاصد الحسنة، طُ، (رقم ْٓٓ)، أحاديث لا تصح، ُ/ ٓ. (ّ) سورة آؿ عمراف، الآية: َُُ.
عدد الصفحات ١٠٥89 فيقاؿ لو: ىل بلغ ؟ فيقوؿ نعم يا رب، فتسأؿ أمتو ىل بلغكم؟ فيقولوف: ما جاءنا من نذير، فيقوؿ ا﵁: من شهودؾ؟ فيقوؿ بؿمد كأمتو، فيجاء بكم، فتشهدكف، بٍ قرأ رسوؿ ا﵁ صلى ا﵁ عليو كسلم: ﴿ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﴾، قاؿ: عدلا، ﴿ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵﭶ﴾(ُ)، كىذا يدؿ على أف ىذه الشهادة من بصلة معبُ الآية، لا أنها عبْ معبُ الآية، كالشهادة على الأمم تكوف بؽم كعليهم، كلكنو اكتفى بُ الآية بتعديتها بعلى إشارة إلذ أف معظم شهادة ىذه الأمة كأبنها شهادتهم على ابؼعرضبْ، لأف ابؼؤمنبْ قد شهد بؽم إبيانهم، فالاكتفاء بعلى برذير للؤمم من أف يكونوا بحيث يشهد عليهم، كتنويو بابؼسلمبْ بحالة سلبمتهم من كصمة أف يكونوا بفن يشهد عليهم، كقولو: ﴿ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ﴾ معطوؼ على العلة، كليس علة ثانية، لأنو ليس مقصودا بالذات، بل ىو تكميل للشهادة الأكلذ، لأف جعلنا كسطا يناسبو عدـ الاحتياج إلذ الشهادة لنا كانتفاء الشهادة علينا، كتعدية شهادة الر سوؿ على الأمة بحرؼ (على) مشاكلة لقولو قبلو: ﴿ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﴾، كإلا فإنها شهادة للؤمة، كقيل: بل، لتضمبْ (ﭵ) معبُ رقيبا كمهيمنا بُ ابؼوضعبْ، كتقدنً ابعار كالمجركر على عاملو للبىتماـ بتشريف أمر ىذه الأمة حبٌ أنها تشهد على الأمم كالرسل، كىي لا يشهد عليها إلا رسو بؽا (ِ). ثالثا: فضل ىذه الأمة على سائر الأمم: قاؿ تعالذ: ﴿ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﴾(ّ). بىبر تعالذ عن ىذه الأمة ا﵀مدية بأنهم خبّ الأمم، فقاؿ: ﴿ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﴾، كاختلف أىل التأكيل بُ تأكيل قولو:﴿ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﴾، فقاؿ بعضهم: ىم الذين ىاجركا مع رسوؿ ا﵁ صلى ا﵁ عليو كسلم من مكة إلذ ابؼدينة، كخاصة من أصحاب رسوؿ ا﵁ صلى ا﵁ عليو كسلم، كقاؿ آخركف: معبُ ذلك: كنتم خبّ أمة أخرج للناس، إذا كنتم بهذه الشركط البٍ (ُ) ابن حجر، فتح الباري، ط ُ، ُّ/ ُّٔ، كتاب الاعتصاـ ( ُٗ) باب ﴿ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ﴾. (ِ) ابن عاشور، التحرير والتنوير، طُ، ِ/ ُْ- ِِ. (ّ) سورة آؿ عم راف، الآية: َُُ.
عدد الصفحات ١٠٦91 كصفهم جل ثناؤه بها، فكاف تأكيل ذلك عندىم: كنتم خ بّ أمة تأمركف بابؼعركؼ كتنهوف عن ابؼنكر كتؤمنوف با﵁، أخرجوا للناس بُ زمانكم، كقاؿ آخركف: إبما قيل: ﴿ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﴾، لأنهم أكثر الأمم استجابة للئسلبـ، كقاؿ بعضهم: عبُ بذلك أنهم كانوا خبّ أمة أخرج للناس (ُ)، كابؼعبُ: أنهم خبّ الأمم كأنفع الناس للناس، كالصحيح أف ىذه الآية عامة بُ بصيع الأمة، كل قرف بحسبو، كخبّ قركنهم الذين بعث فيهم رسوؿ ا﵁ صلى ا﵁ عليو كسلم، بٍ الذين يلونهم، بٍ الذين يلونهم، كما قاؿ بُ الآية الأخرل: ﴿ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﴾، أم: خيارا ﴿ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵﭶ﴾(ِ). عن أبي ىريرة: ﴿ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﴾، قاؿ: خبّ الناس للناس، تأتوف بهم بُ السلبسل بُ أعناقهم حبٌ يدخلوا بُ الإسلبـ، كبُ ركاية أخرل قاؿ رسوؿ ا﵁ صلى ا﵁ عليو كسلم: "أنتم توفوف سبعبْ أمة، أنتم خبّىا، كأنتم أكرـ على ا﵁ عز كجل" (ّ). كإبما حازت ىذه الأمة قصب السبق إلذ ابػبّات بنبيها بؿمد صلى ا﵁ علي و كسلم، فإنو أشرؼ خلق ا﵁ أكرـ الرسل على ا﵁، كبعثو ا﵁ بشرع كامل عظيم لد يعطو نبيا قبلو كلا رسولا من الرسل، فالعمل على منهاجو كسبيلو، يقوـ القليل منو ما لا يقوـ العمل الكثبّ من أعماؿ غبّىم مقامو(ْ). كأما قولو: " ﭣ ﭤ "، فإنو يعبِ: تأمركف بالإبياف با﵁ ك رسولو، كالعمل بشرائعو "ﭥ ﭦ ﭧ "، يعبِ: كتنهوف عن الشرؾ با﵁، كتكذيب رسولو، كعن العمل بدا نهى عنو، كأصل"ابؼعركؼ" كل ما كاف معركفا فعلو، بصيلب مستحسنا، غبّ مستقبح بُ أىل الإبياف با﵁، كإبما بظي طاعة ا﵁"معركفا"، لأنو بفا يعرفو أىل الإبياف كلا يستنكركف فعلو(ٓ). (ُ) الطبرم، جامع البيان، طُ، ٕ/ََُ – َُْ. (ِ) سورة البقرة، الآية : ُّْ. (ّ) أخرجو أبضد بُ مسنده، ّّ/ِّٖ، حديث رقم: ََِِٓ. (ْ) ابن كثبّ، تفسير القرآن العظيم، طُ، ِ/ ّٗ – ْٗ. (ٓ) الطبرم، جامع البيان، طُ، ٕ/ َُْ – َُٔ.
عدد الصفحات ١٠٧91 قاؿ أبو جعفر الطبرم: "فإف سأؿ سائل فقاؿ: ككيف قيل:"كنتم خبّ أمة"، كقد زعم أف تأكيل الآية: أف ىذه الأمة خبّ الأمم البٍ مض ، كإبما يقاؿ:"كنتم خبّ أمة"، لقوـ كانوا خيارا فتغبّكا عما كانوا عليو؟ قيل: إف معبُ ذلك بخلبؼ ما ذىب إليو، كإبما معناه: أنتم خبّ أمة، كما قيل: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﴾(ُ)، كقد قاؿ بُ موضع آخر: ﴿ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﴾(ِ)، فإدخاؿ"كاف" بُ مثل ىذا كإسقاطها بدعبُ كاحد، لأف الكلبـ معركؼ معناه، كلو قاؿ أيضا بُ ذلك قائل:"كنتم"، بدعبُ التماـ، كاف تأكيلو: خلقتم خبّ أمة، أك: كجدبً خبّ أمة، كاف معبُ صحيحا، كقد زعم بعض أىل العربية أف معبُ ذلك: كنتم خبّ أمة عند ا﵁ بُ اللوح ا﵀فوظ، أخرج للناس، كقاؿ آخركف: معبُ ذلك: كنتم خبّ أىل طريقة، كقالوا:"الأمة": الطريقة، كالقولاف الأكلاف اللذاف قلنا، أشبو بدعبُ ابػبر الذم ركيناه"(ّ). كقولو تعالذ: ﴿ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ﴾(ْ) يعبِ: كلو صدؽ أىل التوراة كالإبقيل من اليهود كالنصارل بدحمد صلى ا﵁ عليو كسلم كما جاءىم بو من عند ا﵁؛ لكاف خبّا بؽم عند ا﵁ بُ عاجل دنياىم كآجل آخرتهم، "منهم ابؼؤمنوف"، يعبِ: من أىل الكتاب من اليهود كالنصارل، ابؼؤمنوف ابؼصدقوف رسوؿ ا﵁ صلى ا﵁ عليو كسلم فيما جاءىم بو من عند ا﵁، كىم: عبد ا﵁ بن سلبـ(ٓ) (ُ) سورة الأنفاؿ، الآية: ِٔ. (ِ) سورة الأعراؼ، الآية: ٖٔ. (ّ) الطبرم، جامع البيان، طُ، ٕ/ َُٔ. (ْ) سورة آؿ عمراف، الآية: َُُ. (ٓ) ىو عبد ا﵁ بن سلبـ بن ابغارث الإسرائيلي ، صحابي، قيل إنو من نسل يوسف بن يعقوب، أسلم عند قدكـ النبي صلى ا﵁ عليو كسلم ابؼدينة، ككاف ابظو " ابغصبْ " فسماه رسوؿ ا﵁ صلى ا﵁ عليو كسلم عبد ا﵁، كفيو الآية : ﴿ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﴾ سورة الرعد، كالآية ﴿ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﮲ ﮳ ﴾ الآية: َُمن سورة الأحقاؼ، كشهد مع عمر فتح بي ابؼقدس كابعابية، كبؼا كان الفتنة ببْ علي كمعاكية، ابزذ سيفا من خشب، كاعتزبؽا، كأقاـ بابؼدينة إلذ أف مات ّْ ىػ، لو ِٓ حديثا. الصفدم، الوافي بالوفيات، ط ُ، ٓ / ّٓٗ.
عدد الصفحات ١٠٨92 كأخوه(ُ)، كثعلبة بن سعية(ِ) كأخوه(ّ)، كأشباىهم بفن آمنوا با﵁ كصدقوا برسولو بؿمد صلى ا﵁ عليو كسلم، كاتبعوا ما جاءىم بو من عند ا﵁ " ﭵ ﭶ "، يعبِ: ابػارجوف عن دينهم، كبُ كلب الكتاببْ صفة بؿمد صلى ا﵁ عليو كسلم كنعتو كمبعثو، كأنو نبي ا﵁، ككلتا الفرقتبْ -أعبِ اليهود كالنصارل - مكذبة لو، فذلك فسقهم كخركجهم عن دينهم الذم يدعوف أنهم يدينوف بو (ْ). (ُ) ىو ثعلبة بن سلبـ – بـفف اللبـ – الصحابي، أخو عبد ا﵁ بن سلبـ، فيو كبُ أخيو عبد ا﵁ كبُ سعنة، بالنوف، كمبشر كأسد بن يكع بن زل : ﴿ ﮯ ﮰ ﮱ ﮲ ﮳ ﮴ ﮵ ﮶ ﮷ ﮸ ﮹ ﮺ ﮻ ﴾ سور ة آؿ عمراف. ذكرىا ابن جريج. الوابُ بالوفيات، ّ / َْٗ، كلعبد ا﵁ بن سلبـ أخ آخر، كىو سلمة بن سلبـ أخو عبد ا﵁ بن سلبـ ذكرىا ابن منده بُ الصحابة، كقاؿ: ق اؿ ابن عباس فيو نزل : ﴿ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﴾ الآية: ُّٔ، من سورة النساء. البغدادم، تكملة الإكمال، طُ، ّ / ِٖٓ. (ِ) ىو ثعلبة بن سعية – بالياء آخر ابغركؼ – الصحابي، ىو أحد الثلبثة الذين أسلموا يوـ قريظة، فمنعوا دماءىم كأموابؽم، بؽم خبر بُ السبّ: بىرج بُ أعلبـ نبوة بؿمد ص ِ، قاؿ البخارم : توبُ ثعلبة بن سعية كأسيد بن سعية بُ حياة النبي صلى ا﵁ عليو كسلم. الصفدم، الوافي بالوفيات، ط ُ، ّ / َْٗ. (ّ) ىو أسيد بن سعية الصحابي، أخو ثعلبة بن سعية السابق تربصتو. (ْ) الطبرم، جامع البيان، طُ، ٕ/ َُٕ.
عدد الصفحات ١٠٩93 المبحث الثاني: التركيز على بعض الأمم ، وفيو عشرة مطالب: لقد خصص ا﵁ الكلبـ على أمم بأعيانها، كخصها بأشياء كثبّة من ابغديث القرآني، بلغ عدد تلك الأمم إلذ عشرة أمم، كذلك بؼا حظي ىذه الأمم بدا لد برظ بو الأمم الأخرل من منازؿ عالية، كدرجات رفيعة، كإمكانات قوية، ككان بؽا آيات عظيمة كدركس كعبر كمواعظ بليغة، جعلتها جديرة كحقيقة بالذكر كالإفرا د بقسط كافر من السور كالآيات القرآنية، كىي كالتالر: المطلب الأول: قوم نوح عليو السلام: قوـ نوح ىم أكؿ الأمم البٍ كرد ذكرىا بُ القرآف الكرنً، ككانوا سكاف الأرض بُ تلك الفبَة الزمنية البٍ كان بعد آدـ عليو السلبـ، بعشرة قركف، كقد أرسل ا﵁ إليهم نبيو نوحا ع ليو السلبـ بعد ابكرافهم عن التوحيد إلذ الشرؾ، فدعاىم إلذ عبادة ا﵁ كحده كنبذ عبادة الأصناـ، لكن العناد كاف قد بسكن من القوـ، فلم يزدادكا إلا كفرا كتكذيبا، رغم طوؿ الفبَة الزمنية البٍ قضاىا نوح عليو السلبـ ببْ ظهرانيهم، كىي ألف سنة إلا بطسبْ عاما، كرغم الأ ساليب كالوسائل البٍ استخدمها نوح عليو السلبـ بُ دعوتو، فقد سخر كافة السبل كالوسائل بُ دعوتو، إلا أف ذلك لد ينفع بُ تغيبّ ابذاىهم، فقد عكفوا على عبادة الأصناـ ابؼعهودة لديهم: كد، كسواع، كيغوث، كيعوؽ، كنسر، كقد تفنن الناس بُ عبادتهم للؤصناـ، فصنعوا على صورتها الأكثاف العديدة، كانقسموا إلذ طوائف، كبصاعات، حيث عبدت كل طائفة صنما معينا، كابزذت صورا عديدة لعبادتو (ُ). ككجد بُ قوـ نوح الأغنياء، كىم ابؼلؤ الذين بستعوا بدستول فكرم متقدـ، مكنهم من ابعدؿ كابغوار، كجعلهم يتيهوف بو؛ استعلبء كتكبرا، كتصوركا بسببو أنهم أعظ م من الفقراء شأنا كمقاما، كما كاف بُ قومو -عليو السلبـ- الفقراء، كيبدك أنهم كانوا يعملوف بُ خدمة الأغنياء بُ ضعف كىواف، ككاف للقوـ حضارة؛ لأف ا﵁ جعل بؽم الأرض بساطا، فسلكوا فيها طرقا، كعملوا بالزراعة كساركا بالتجارة، كصنعوا الأصناـ، كأقاموا التماثيل كابز ذكىا آبؽة، كعبدكىا من دكف ا﵁ تعالذ(ِ). (ُ) ابن كثبّ، قصص الأنبياء، طُ، ُ/ ْٕ-ُُٗ، وغلوش، دعوة الرسل، طُ، َٔ. (ِ) غلوش، دعوة الرسل، طُ، َٔ-ُٔ.
عدد الصفحات ١١٠94 كبؼا يئس نوح عليو السلبـ من استجابة قومو، كجاءه الوحي الإبؽي بأنو لن يؤمن من قومو إ من قد آمن، دعا عليهم بابؽلبؾ، فاستجاب ا﵁ دعوتو، كجاءه الأمر بهلبؾ قومو بالطوفاف، فأغرقهم ا﵁ بصيعا، كطهر الأرض من دنس شركهم، ا لذم بقس الأرض بعد طهارتها بعشرة قركف، قاؿ تعالذ: ﴿ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﴾(ُ). كبعد ىلبؾ القوـ عاد كل شيء إلذ طبيعتو، كما كاف بأمر ا﵁ تعالذ، كىكذا طوي صفحة الظابؼبْ، ليبدأ فصل جديد من فصوؿ التاريخ بنوح كمن معو بُ السفينة، ق اؿ تعالذ:﴿ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ﴾(ِ)(ّ). كقد ذكرىم ا﵁ بُ بشانية عشر موضعا من القرآف الكرنً. (ُ) سورة القمر، الآيتاف: ُُ-ُِ. (ِ) سورة ىود، الآية: ْٖ. (ّ) غلوش، دعوة الرسل، طُ، َٔ-ُٔ.
عدد الصفحات ١١١95 المطلب الثاني: قوم ىود عليو السلام قوـ "ىود" ىم قبيلة "عاد"، ك"عاد" قبيلة عربية، من العرب العاربة البائدة (ُ)، كىم بنو عاد بن عوص بن إرـ بن ساـ بن نوح عليو السلبـ، سكن جنوب جزيرة العرب، بُ منطقة الأحقاؼ (ِ) الواقعة ببْ عماف كحضرموت، (جنوب منطقة الربع ابػالر) حاليا. كقد أشار ا﵁ إلذ مواطنهم بُ القرآف بُ قولو تعالذ:﴿ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﴾(ّ)، ككانوا خلفاء لقوـ نوح عليو السلبـ، يدؿ على ذلك قولو تعالذ على لساف نبيهم ىود عليو السلبـ:﴿ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ﴾(ْ). كقد أنعم ا﵁ على ىذه القبيلة بطيب العيش، كرغد ابغياة، فتمكنوا من إقامة حضارة راق ية، مزدىرة، شاملة لصور عديدة من الرقي، كابؼدنية، ففي المجاؿ الزراعي أمدىم ا﵁ بابؼاء، فأسسوا البساتبْ، كحفركا الأنهار كالعيوف، كربوا ابؼاشية كالدكاب، يذك رىم ا﵁ بذلك، كىو يدعوىم، يقوؿ تعالذ: ﴿ﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄ ﴾(ٓ). (ُ) قسم ابؼؤرخوف العرب إلذ ثلبثة: عاربة كمتعربة كمستعربة، فالعاربة ىم العرب الأكؿ الذين ذىب عنا أخبارىم؛ لتقادـ عهدىم، كىم شعوب كثبّة، منهم عاد كبشود كجديس كجرىم، كقد يسمى ى ذا النوع بالبائدة، بدعبُ ابؽالكة؛ لأنهم لد يبق على كجو الأرض أحد من نسلهم، كأما ابؼتعربة فهم بنو قحطاف بن عابر الذين نطقوا بلساف العرب العاربة، كسكنوا ديارىم، كأما ابؼستعربة فهم بنو إبظاعيل بن إبراىيم، كىم بنو عدناف بن أد. النويرم ، نهاية الأرب في فنون الأدب، طُ، ِ/ِِٗ. (ِ) الأحقاؼ: بصع حقف، كىو الرمل ابؼعوج، ابن منظور، لسان العرب، طُ، مادة حقف، ُ/ ّٗٗ، وابغموم، معجم البلدان، طِ، ُ/ ُِْ، كما ذكر بُ موضع الأحقاؼ ىو القوؿ ابؼشهور فيو، كىناؾ قوؿ ثاف يؤيده بعض ابؼعاصرين، كىو أنها تقع بُ شماؿ ابعزيرة إلذ ناحية ال شاـ، دراسات تاريخية، ِْٕػِْٗ، وابغموم، معجم البلدان، طِ، ُ/ُِْ. (ّ) سورة الأحقاؼ، الآية: ُِ. (ْ) سورة الأعراؼ، الآية: ٗٔ. (ٓ) سورة الشعراء، الآيات: ُِّ-ُّْ.
عدد الصفحات ١١٢