التراث حوليات ،مجلة العدد4،2005 ص ،113 - 125 ISSN 1112-5020 اﻟﻨﺸﺮﺗﺎرﻳﺦ15/9/2005 unecriv@net.sy © الجزائر مستغانم، جامعة2005 حوار الروحانيات جمانة طه ، سوريةدمشقاب العرب، اتحاد الكتّ الملخص: لا شك في أن التطور البشري والتقدم الإنساني هما نتيجة تراكم معرفي تراثي وثقافي وعلمي، أسهم فيه العرب بقسط وافر وبنّاء حين كانوا في مرحلة سابقة سادة العلم والثقافة يوم يعيش آخر مراحل هذا التقدم وهي مرحلة العصرنة التقنية والحضارة. وإذا كان العالم ال والتحديث العلمي، فهذا لا يعني أنه استطاع أن يتخلص من التشوهات النفسية والاجتماعية وأن يعيش براحة ومثالية. بل على العكس زادت تشوهاته وسقط في بؤرة المادية التي سلبت يوم في العالم العربي أشد ما نكون بحاجة إلى تمثل منه ألق الروح ورهافة الإحساس. ونحن ال تراثنا الروحي واستنهاض المحبة في قلوبنا والحياة في أرواحنا. ولا سيما أن همجية الحروب المنظمة المزودة بالسلاح وبالإعلام وبالاقتصاد، تناوشنا، تغزونا، وتحاول تخريب التراث معتقدات الدينية.وتهشيم الـكبرياء وطمس الهوية والنيل من ال الكلمات الدالة: .الحضارة العربية، الحوار، التراث الروحي، المحبة، التسامح الديني o Dialogue of spirituality Jumana Taha Arab Writers Union, Damascus, Syria Abstract: There is no doubt that human development and human progress are the result of an accumulation of knowledge, heritage, cultural and scientific, to which the Arabs contributed abundantly and constructively when they w ere in a previous stage masters of science, culture and civilization. And if the world today is experiencing the last stages of this progress, which is the stage of technical modernization and scientific modernization, this does not mean that it has m a n a g e d t o g e t r i d o f p s y c h o l o g i c a l a n d s o c i a l d i s t o r t i o n s a n d to live comfortably and in perfection. O n the contrary, his deformation s increased and he fell into the focus of materialism that robbed him of the br illiance of the soul
عدد الصفحات ١١٣طه جمانة 114 - اﻟﺘﺮاث ﺣﻮﻟﻴﺎت ﻣﺠﻠﺔ and the delicacy of feeling. Today, in the Arab world, we despe rately need to represent our spiritual heritage , to stimulate love in our hear ts and life in our s o u l s . E s p e c i a l l y s i n c e t h e b a r b a r i s m o f o r g a n i z e d w a r s a r m e d with weapons, information and economics, confronts us, invades us, and tries to sabotage the heritage, smash pride, obliterate identity and undermine religious beliefs. Keywords: Arab civilization, dialogue, spiritual heritage, love, religious tolerance. o إن انتهاج مبدأ الغيرية وأسلوب الاهتمام بالآخر والنظر إليه، يسهم في إعادة العلاقات الاجتماعية إلى سدة السلامة وفي تجذير المحبة داخل النفوس لغ إذا قلنا إن محبة الآخر والحوار البشرية لخلق عالم إنساني جميل. ولا نبا والتواصل تخلق في النفس قوة سحرية، وإنها تساعدنا على مواجهة تحديات الحياة وتحمل مشاقها واجتياز مصاعبها. أليس الحوار هو الهادي لنا في استكشاف فضاءات إنسانية من الرهافة والصداقة والأخوة؟ ساني هما نتيجة تراكم معرفي لا شك في أن التطور البشري والتقدم الإن تراثي وثقافي وعلمي، أسهم فيه العرب بقسط وافر وبناء حين كانوا في مرحلة سابقة سدنة العلم والثقافة والحضارة. وإذا كان العالم اليوم يعيش آخر مراحل هذا التقدم وهي مرحلة العصرنة التقنية والتحديث العلمي، فهذا لا يعني أنه من التشوهات النفسية والاجتماعية وأن يعيش براحة استطاع أن يتخلص ومثالية. بل على العكس زادت تشوهاته وسقط في بؤرة المادية التي سلبت منه ألق الروح ورهافة الإحساس. فالتشوهات أصابت إنسان الحضارة الحديثة في عمقه الإنساني حتى تحول أو الحياة غير جوانبها المادية، مما كاد إلى مخلوق لا يفكر إلا بغرائزه ولا يرى من أدى به إلى انتهاج أسلوب الحروب والدمار، فما إن يخرج من حرب حتى يدخل في أخرى. لذا نرى أن العالم من شرقه إلى غربه وعلى مختلف انتماءاته يعاني في هذه المرحلة من غياب القيم والأخلاق الإنسانية. نكون حاجة إلى تمثل تراثنا الروحي ونحن اليوم في العالم العربي أشد ما
عدد الصفحات ١١٤الروحانيات حوار 115 - اﻟ ﻌﺪد4 ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ ،2005 واستنهاض المحبة في قلوبنا والحياة في أرواحنا. ولا سيما أن همجية الحروب المنظمة المزودة بالسلاح وبالإعلام وبالاقتصاد، تناوشنا، تغزونا، وتحاول تخريب ية والنيل من المعتقدات الدينية.التراث وتهشيم الـكبرياء وطمس الهو لعروس: الحوار في اللغة هو حديث يجري بين شخصين أو جاء في تاج ا أكثر. والتحاور هو التجاوب، والحواريّ هو الحميم الناصح. ويمكن أن نضيف إلى هذه المعاني معنى آخر هو المعرفة، وذلك استدلالا من الحوار الذي بدأت الدعوة الروح، فهي الإسلامية به، أي حوار جبريل مع النبي )ص( وقوله له: اقرأ. أما جمع أرواح: ما به حياة الأنفس، يذكر ويؤنث. والنسبة روحاني. يقول الرسول .الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف"")ص(: )متفق عليه(. والروحية: تقابل المادية، وتقوم على إثبات الروح وسموها على المادة. العلاج لمعاناة البشر وآلامهم، تقدم لهم الدفء والروحانيات تمثل نوعا من وتشعرهم بالأنس والمودة. من هذه الترجمة البسيطة نخلص إلى أن الروح هي روح الخلق والحياة، وثمارها: "المحبة والفرح والسلام والأناة واللطف والصلاح 5/22-23(. ر الروح يستطيع أن يجملها بكلمة واحدة هي الجمال. إن من يمعن النظر في ثما فمن يملك روحا جميلة، وذاتا متحضرة لا بد أن تكون دواخله عامرة بالمحبة والإيثار والفرح والسلام واللطف والصلاح والعفاف. قد يتعذر على الباحث أن يحدد البدايات الأولى للحوار، لـكن ليس من المتعذر عليه أن يتوصل إلى أن الحوار كقيمة إنسانية موجود بقوة في تراث الحضارات العالمية والديانات الوضعية. فبوذا على سبيل المثال، اتبع أسلوب المحاورة في نشر تعاليمه، وكان محبا للسلام ومتحمسا له. يدعو إلى ردّ السيئة بالحسنة والـكراهية بالحب، وإلى إزالة فقة، ويزورُّ عن غلظة المعاملة ازورارا. الشر بالخـير والتغلب على الغضب بالش وكان يرى أن النصر يولِّد المقت، لأن المهزوم في شقاء والـكراهية لا تزول 1(.
عدد الصفحات ١١٥طه جمانة 116 - اﻟﺘﺮاث ﺣﻮﻟﻴﺎت ﻣﺠﻠﺔ وقد حض بوذا الإنسان على أن يحب كل كائن حي، حبا لا يرجو من م النرفانا. والنرفانا هي ورائه غاية غير الحب. فإن هو فعل ذلك صار قريبا من نعي حالة روحية تعني صفاء الروح واطمئنانها، تدعو إلى التخلي عن الغايات الشخصية التي تهبط بالحياة وتملؤها بالهم والشقاء. ولا يصل أحد إلى النرفانا إلا إذا انمحت ذاته من تفكيره. فكلما سار الإنسان خطوة في إنكار نفسه دنا منها، ره في نفسه بعد عنها. وكل ما في الحياة من ألوان الهم والشقاء وكلما حصر تفكي مصدره الأنانية التي لا تشبع، وهذا العذاب الأليم الذي يشقى به الناس مرده 2(. وفي التراث المصري القديم، يوصي الحكيم بتاح حوتب ابنه بممارسة الحوار في التربية، فيقول: "إن الولد المطيع، عندما يتقدم في السن ويصل لما له من أهمية إلى درجة من الهيبة والاحترام، فإنه سيحاور أبناءه بنفس الطريقة التي تحاور فيها مع أبيه. والطفل الذي يحاور أهله، سيتحاور هو وأولاده". ويدعوه إلى أن يكون تدع قلبك يمتلئ عجبا وغرورا متواضعا ولا يتشاوف بمعارفه على الآخرين: "لا بسبب معارفك، خذ المشورة من الجاهل والحكيم على السواء. إن الكلام الطيب أكثر استتارا من الزمرد، ولـكن يمكن العثور عليه مع الخادمات عند حجر الطاحون". في حين يوصي خيتي الثالث ابنه خيتي الرابع، بأن يكون رحيما كي لك أن تكون رحيما. اجعل وكدك أن يقيم لك الناس يحبه الناس: "من الخـير ، ويدعون لك تمثالا من الحب في قلوبهم. فإن فعلت فسيذكرون لك جميلك بالصحة وطول العمر". في البداية وجد الإنسان صعوبة في اللقاء مع الآخرين، وفي معالجة القلق الصراع والخوف وإرساء قواعد سلامية تؤمن ديمومة التلاقي، خارج دائرة والتناحر ومنطق المحاذرة من الآخر للحفاظ على الذات. ومع الأيام أدرك أنه لا ه. وأدرك أيضا يستطيع أن يعيش بنفسه بعيدا عن غيره، أو بعيدا عن التواصل مع السلام. ختصر مع تشعباتها وتعقيداتها في مسألة واحدة:أن قضيته الـكبرى ت من ن كشرط أساس للحصول على نوع السلام مع الذات، والسلام مع الآخري
عدد الصفحات ١١٦الروحانيات حوار 117 - اﻟ ﻌﺪد4 ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ ،2005 السعادة النسبية وإذا كانت الحضارة البشرية هي نتاج إبداع الإنسان، فإن المحبة الإنسانية هي خلاصة التعاليم الدينية. قال الرسول )ص(: "إن من عباد الله أناسا ما هم الله عز بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من وجل. فقال رجل: من هم، وما أعمالهم؟ قال: قوم يتحابون بروح الله عز وجل من غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها بينهم. والله إن وجوههم لنور وإنهم 3( . وحديقة مشرعة للآخر عامرة بالتعاطف والبذل فالمحبة باب مفتوح على الإنسانية، والعناية والحدب. وهي إلى جانب ذلك قضية اجتماعية يمكنها أن تشكل قيمة تستطيع أن تخرق المشاعة المعاصرة. إنّ وجود الحوار الروحي في تراثنا الحضاري الديني بأشكال وصور إرث الحضاري متعددة، يعطي الحق للمسيحيين والمسلمين باستدعاء هذا ال وممارسته، ولا سيما في غمرة هذا التصدع الطارئ على المجتمعات، وفي هذه ة وحضارة المرحلة الحرجة التي يمر فيها وطننا العربي المستهدف ترابا وديانة وثقاف من الصهيونية وأعوانها. فالدين المسيحي، رسالة تقوم في أساسها على القيم السامية وعلى محبة الدين الإسلامي يمتاز بخاصية التفتح على الـكون ومن فيه وما فيه. الإنسان. و الإنسان فيه مكرم وهو المركز )ولقد كرمنا بني آدم(. دين يؤمن بالحوار ويعترف نهاجا وم القرآن: "لكلٍّ جعلنا منكم شِرعةبالآخر ويترك له حرية العقيدة. جاء في . وقال الرسول )ص "نحن الأنبياء أخوة، ديننا واحد، وشرائعنا شتى". بان حواريان بامتياز، والحوار فيهما كتافالإنجيل المقدس والقرآن الـكريم مفتوح على جميع الاتجاهات ويشمل الناس أجمعين مؤمنين وغير مؤمنين. وقد ب، وحوار الله: كتالحوار مع أهل الورد في القرآن حوار الأنبياء مع أقوامهم، وا مع الأنبياء، ومع إبليس، ومع الكافرين.
عدد الصفحات ١١٧طه جمانة 118 - اﻟﺘﺮاث ﺣﻮﻟﻴﺎت ﻣﺠﻠﺔ هذا إلى جانب وجود الـكثير من الرؤى والأفكار فيهما، والتي تصلح لترميم العلاقة الإنسانية. ولا سيما أنهما أعطيا الآخر موقعا لا تغيره ازدحام المفاهيم، ار، والحقيقة سبيلا للمعرفة.مادام هذا الآخر يتوسل الكلمة طريقا للحو وهذا كله يؤكد أن الدين لا يدفعنا إلى الانزواء، بل يجعلنا متعاونين متفانين في خدمة الآخر. لأنّ الذات والآخر ليسا كيانين منفصلين، بل هما متلاحمان . وكلما كان ا يكفل للمجتمع سلاما واستقراراوكل واحد منهما يكمل الآخر بم قلوبنا استطعنا أن ننسلخ من طائفيتنا في سبيل تواصلنا مع الآخر الدين حيّا في وانفتاحنا على الإنساني، وتمكنا من إذابة الجليد بيننا وبين الذين يخالفوننا في العقيدة والرأي. والحوار هو أرقى مراحل تمثل التراث الروحي، لأنه يكبح جماح ه يوجد إلى جواره أخ له ذكر أنجعل الإنسان يتالتطرف الديني والغلو الفكري، وي في الإنسانية والمواطنة، وإن اختلف عنه في العقيدة الدينية، وعليه أن يراه ويسمعه ويهتم به ويتواصل معه ويحـترم فكره وعقيدته. لم يتخذ الحوار في الديانتين المسيحية والإسلامية شكلا واحدا ثابتا، وإنما مواضيعه. فالرسول )ص( لم يترفع اتسعت آفاقه وتعددت أغراضه، واختلفت عن محاورة الناس على اختلاف مستواهم الاجتماعي والفكري ونوع عقيدتهم. ب: "ولا تجادلوا أهل كتاواتسم حواره بالرفق والمحبة والتسامح واللين مع أهل ال ومع المشركين: "لو 159.( والمسيح عليه السلام أيضا حاور تلاميذه ومريديه، مثلما حاور أعداءه والرافضين له، وعاملهم جميعا على قدم المساواة برحمة ومحبة، وطلب إليهم أن يرفق "قد بعضهم ببعض. وقد توجه للناس جميعا مصححا لهم بعض المقولات القديمة: سمعتم أنه قيل للقدماء لا تقتل، ومن قتل يكون مستوجب الحكم. وأما أنا فأقول لـكم إن كل من يغضب على أخيه باطلا يكون مستوجب الحكم، ومن يقول لأخيه رقا يكون مستوجب المجمع، ومن قال يا أحمق يكون مستوجب نار جهنم" 5/21-22( ا لهم من دور . ونبههم إلى قيمة وجودهم في الأرض وم
عدد الصفحات ١١٨الروحانيات حوار 119 - اﻟ ﻌﺪد4 ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ ،2005 فاعل في صلاح الـكون وإعماره، قائلا لهم: "أنتم ملح الأرض. ولـكن إن فسد الملح فبماذا يملح؟ لا يصلح بعد لشيء إلا لأن يطرح خارجا ويداس من الناس. أنتم نور العالم. فليضئ نوركم هكذا قدام الناس لـكي يروا أعمالـكم الحسنة" 5/12-16(. بالأخلاق الجيدة وبحسن التصرف وعدم إيذاء وحضهم على أن يتحلوا الآخرين بالكلمة أو بالموقف: "اسمعوا وافهموا. ليس ما يدخل الفم ينجس 15/10-11(. وفي هذا المجال يقول الرسول )ص(: "ألا أنبئكم بشر الناس؟ قالوا بلى يا ب ولا يقيل العثرة. قال: ألا أنبئكم بشر من ن لا يغفر الذنرسول الله. قال: م ذلك؟ قالوا بلى يا رسول الله. قال: من لا يؤمن شره ولا يرجى خيره". وقال: "إن أخلاقا وأبغضكم إلي وأبعدكم أحسنكمأحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة وعندما سألوه من هم .ن"مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون المتشدقون المتفيهقو المتفيهقون قال: المتكبرون. تعاليم المسيح عليه السلام وآيات القرآن وأحاديث الرسول لقد أسست )ص(، لعلاقة إنسانية سليمة تحث على نبذ العنف ومحاربة الظلم، وعلى عدم مبادلة الشر بالشر. يقول المسيح: "وسمعتم أنه قيل: عين بعين وسن بسن. وأما أنا ول له الآخر" فأقول لـكم: لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الأيمن، فح 5/38-39(. وهذا ما قصد إليه القرآن الـكريم في ذكره موقف هابيل من أخيه قابيل، وما قال له عندما أراد قتله: "لئن بسطتَ إليَّ يدَك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك 28(. ير وعدم زجره، يقول المسيح عليه السلام: "ومن وعلى إعطاء السائل الفق 5/43(. وأما بنعمة الـكريم: "فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر ويقول القرآن 11(.
عدد الصفحات ١١٩طه جمانة 120 - اﻟﺘﺮاث ﺣﻮﻟﻴﺎت ﻣﺠﻠﺔ ي يريد الإنسان أن يعامله الآخرون وعلى معاملة الآخرين المعاملة نفسها الت بها، يقول المسيح: "فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم، افعلوا هكذا أنتم أيضا بهم". وأن يتغاضى عن السلبيات إن وجدت: "لماذا تنظر إلى القذى في عين 7/2-3(. رأس العقل بعد الدين، التودد إلى "ل: وفي حديث للرسول )ص( يقو . ويقول في حديث (أخرجه البيهقي) "الناس واصطناع الخـير إلى كل بَرٍّ وفاجر ثلاثة تحت ظل العرش يوم القيامة: رجل أحب لأخيه ما أحب لنفسه. "آخر: ورجل بلغه أمر فلم يقدم فيه ولم يتأخر حتى يعلم أن ذلك الأمر لله رضي أو يعب أخاه بعيب حتى يصلح ذلك العيب من نفسه، فإنه كلما سخط. ورجل لم ."أصلح من نفسه عيبا بدا له منها آخر وكفى بالمرء في نفسه شغلا وقد دعا المسيح إلى محبة الإنسان أي إنسان سواء كان قريبا، أم غير ذلك: وسمعتم أنه قيل لـكم: أحبب قريبك وابغض عدوك، وأما أنا فأقول لـكم: أحبوا " ءكم باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم. وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم أعدا وإن سلمتم على ". "؟حببتم الذين يحبونكم فأي أجر لـكملأنه إن أ". "ويطردونكم 5/43-47(. وجوهر هذه الدعوة نجدها في العديد من أحاديث الرسول )ص(، فهو من الذي يعاشر الناس ويصبر على أذاهم، خير من الذي لا يخالطهم المؤ"يقول: ".المؤمن آلف مألوف لا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف" ".ولا يصبر على أذاهم ويقول: ".مداراة الناس نصف الإيمان، والرفق بهم نصف العيش"ويقول: قول: وي ".طوبى لمن حسن مع الناس خلقه وبذل لهم معونته وعدل عنهم شره" لا تدخلون الجنة ": وأيضا ."يحب لأخيه ما يحب لنفسه لا يؤمن أحدكم حتى" ؟ لـكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتمحتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا. أفلا أد ".أفشوا السلام بينكم ويشير المسيح )ع( إلى أن رحمة الله سوف تحل على الودعاء الذين يعاملون طوبى "يسعون إلى صنع السلام في الأرض، فيقول: غيرهم برحمة وعطف، و
عدد الصفحات ١٢٠الروحانيات حوار 121 - اﻟ ﻌﺪد4 ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ ،2005 طوبى للودعاء "و. "للرحماء لأنهم يرحمون. طوبى للأنقياء القلب، لأنهم يعاينون الله "طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يدعون"و. "فإنهم يرثون الأرض ه . في حين يؤكد الرسول )ص( بأنَّ من لا يرحم الناس لن يشمل ".من لا يرحم الناس لا يرحمه الله"الله برحمته: وأجمل تلخيص لمفهوم المحبة والغيرية هو الحديث الذي رواه أبو ذر أوصاني خليلي رسول الله، بسبع: "الغفاري عن الرسول )ص(، حيث يقول: أمرني بحب المساكين والدنو منهم. وأمرني أن أنظر إلى من منهم دوني ولا أنظر م فوقي. وأمرني أن لا أسأل أحدا شيئا. وأمرني أن أصل الرحم وإن إلى من ه مة أدبرت. وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرا. وأمرني أن لا أخاف في الله لو ول ولا قوة إلا بالله، فإنهما من كنز تحت لائم. وأمرني أن أكثر من لا ح 4(. يها دين توحيدي آخر هو جاء الدين الإسلامي إلى المنطقة العربية وكان ف الدين المسيحي، ومع ذلك لم نسمع عن أي صدام بينهما، فالرسول صلوات الله عليه احترم الديانة المسيحية ومن يؤمن بها، وبلَّغ أتباعه بموقف الوحي منها. ومثله فعل المسيحيون الذين كانوا في الجزيرة العربية وبلاد الشام، فلم يتعرضوا بأذى لا ن ولا للدين.للمسلمي أما أول حوار بين المسلمين والمسيحيين، فكان عندما بعث الرسول بعدد من أصحابه إلى النجاشي النصراني ملك الحبشة. لقد وضع النبي ثقته بالنجاشي، لتيقنه من إيمانه والتزامه بتعاليم المسيح عليه السلام. لهذا اقترح على أصحابه بالهجرة لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكا لا يُظلم "لهم: إلى تلك البلاد، قائلاً ".عنده أحد ولم يخب الظن بالنجاشي الذي أحسن وفادة المسلمين وأمَّنَ جوارهم، ولم يلاقوا في أرضه ما يؤذيهم ولم يسمعوا فيها ما يكرهون. ومما يجدر ذكره أن الرسول )ص(، لم يصلِّ صلاة الغائب إلا على النجاشي. دنا التاريخ إلى الوثيقة التي وضعها الرسول )ص( في المدينة، وكانت ويقو
عدد الصفحات ١٢١طه جمانة 122 - اﻟﺘﺮاث ﺣﻮﻟﻴﺎت ﻣﺠﻠﺔ بمثابة دستور لطبيعة العلاقات بين الإسلام وأتباع الديانات الأخرى. بحيث عروف، ويقوم يعيش الجميع في المدينة كأمة واحدة تفدي كل طائفة عانيها بالم القسط بين المؤمنين. ولنجران "ارى نجران، وجاء فيه: وأيضا إلى الصلح الذي عقده مع نص وحاشيتها جوار الله وذمة محمد رسول الله، على أموالهم وأنفسهم وملتهم وبيعهم وغائبهم وشاهدهم، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، لا يُغيَّر أسقف من أسقيفته ولا راهب من رهبانيته ولا كاهن من كهانته، ولا يحشرون ولا يطأ ما شدد على عدم ظلم أي معاهد سواء بتكليفه ما لا يستطيع أو ك". أرضهم جيش بأخذ أشياءه قسرا، فقال: "من ظلم معاهدا أو تنقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ .منه شيئا من غير طيب نفس، فأنا خصمه يوم القيامة" وتجدر الإشارة إلى أن الرسول )ص( تعهد لأتباع عيسى عليه السلام ولمن ي مشارق الأرض ومغاربها، بالحماية والأمن ووضعهم في ذمة تنحل دينه ف الإسلام. ولهذا سموا بأهل الذمة، ونهى عن الإساءة إليهم وتوعد المسيء واعتبره ناكثاً لعهد الله، وقال: "هم في ذمتي وميثاقي وأماني من كل مكروه". وهذا الموقف النبيل مستمد من صلب الدين الإسلامي، الذي يحرم ولا سيما في أثناء الحرب قتل المرأة والطفل والرجل العجوز ومن لا يقاتل من الرجال، والقسيسين والرهبان. ويحرم حرق الأشجار المثمرة وتعذيب الأسير والتمثيل بجثة القتيل، لأنّ الأصل في كل هذا عدم إتلاف النفوس. اع عن وإذا كان الإسلام قد شرع كغيره من الأديان والثقافات حق الدف النفس والمبدأ والوطن، وأعلى من شأن من يضحي في هذا السبيل المشروع، إلا أنه أظهر احتراما عاليا للحياة وحقوق الإنسان فيها، لقوله تعالى: "من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا 32(. وعلى هذا الهدي سار الخلفاء الراشدون، فهاهو عمر بن الخطاب يقتص للشاب القبطي من أحد سادة العرب ويقول قولته الشهيرة: "متى استعبدتم الناس
عدد الصفحات ١٢٢الروحانيات حوار 123 - اﻟ ﻌﺪد4 ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ ،2005 وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا". وهاهو علي بن أبي طالب يؤكد على حرية الإنسان مفهوم الأخوة الإنسانية: "الناس ويعزز ."لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا" صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق". وبالتأكيد لا يمكن أن تتحقق هذه الأخوة ما لم يبدأ الإنسان بتهذيب نفسه وتنقية ضميره وتحسين علاقته ومعاملته مع الآخرين. وهذا ما قصد إليه الإمام علي بقوله: "احصد الشر من بقلعه من صدرك"، "خالطوا الناس مخالطة إن متم معها بكوا عليكم، صدر غيرك وإن عشتم حنوا إليكم"، فهذه هي الطريق السليمة التي تجعل الإنسانية تزدهر إحسانا ومحبة وإيثارا. أما موقفه من أتباع المسيح )ع(، فيقرره بقوله: "من آذى إنجيليا فقد ئنا".آذاني، أموالهم كأموالنا، ودماؤهم كدما لقد استمدت الانتفاضة الفكرية في العالمين العربي والغربي قوتها من حضارة المحبة التي أرستها الديانتان المسيحية والإسلامية، على الوحدة في التنوع التسامح وتقديم المساعدة والعون.وقبول الآخر، وعلى قواعد التضحية و ديه من أدبيات دينية ولـكن أليس غريبا أن العالم اليوم رغم كل ما ل وأخلاقية روحانية، قد فقد كل أدوات التواصل ومفردات المحبة ومضامينها؟ يعاني اليوم من وأن الإنسان الذي اخترع أجهزة الاتصال الجماهيري هو نفسه انعدام التواصل؟ لقد تغلبت قرقعة السلاح على همس الشرائع، عندما نسي مروجو الحروب ام ومعناه. لشعوب، الدين وتعاليمه ونسوا بذلك السلالطامعون في خيرات ا : "ليست إلا حصيلة فساد البشر وتقهقرهم الأخلاقي. كما يقول روسو فالحرب، إنها المرض الفتاك الذي يجتاح الجسد السياسي والاجتماعي، فالحالة الصحية .والطبيعية هي حالة السلام" بالمحبة سبيلا إلى الرخاء في السعي وهنا يبرز دور المفكرين والمثقفين المؤمنين للقضاء على أسباب الحروب في مهدها. "فهناك حالات تفرض علينا واجب شراء السلام. ولو قمنا بعملية إحصائية لتكاليف الحرب ولعدد المواطنين الذين سينجون
عدد الصفحات ١٢٣طه جمانة 124 - اﻟﺘﺮاث ﺣﻮﻟﻴﺎت ﻣﺠﻠﺔ من الموت، يبدو السلام كأنه اشتري بسعر زهيد، مهما كان ثمنه. وعندما نفكر، ، في الأوجاع التي تفاديناها والممتلكات التي أنقذناها، لن نتأسف كثيرا بعد ذلك 5(. لقد فقد الإنسان العربي الـكثير من إنسانيته المفطور عليها، لأنه مقهور نفسيا ومبتز ماديا ومستلب فكريا. ينضاف إلى ذلك معاناته من التراجع وضعه بين فكي كماشة، وتركه يواجه عملية افتراس مستمرة في الاقتصادي الذي الداخل والخارج. ولن ننسى التحديات الخارجية المستمرة التي تهدد كيان أمتنا، وتعرض مجتمعنا إلى تفسخ في نسيجه الإنساني. ولا سبيل للرد على التحديات الخارجية ما لم نتمكن من الرد على التحديات احم الوطني يؤسس لاستقرار وطني ويسمح للجميع بالتآلف الداخلية. فالتل والقيم والتفاهم والبذل والعطاء. وهذا هو السبيل الوحيد لتغليب قوى الخـير الإنسانية على قوى الشر. إن انتهاج مبدأ الغيرية وأسلوب الاهتمام بالآخر والنظر إليه، يسهم في في تجذير المحبة داخل النفوس إعادة العلاقات الاجتماعية إلى سدة السلامة و البشرية لخلق عالم إنساني جميل. ولا نبالغ إذا قلنا إن محبة الآخر والحوار ة وإنها تساعدنا على مواجهة تحديات الحيا والتواصل تخلق في النفس قوة سحرية، وتحمل مشاقها واجتياز مصاعبها. ن الرهافة أليس الحوار هو الهادي لنا في استكشاف فضاءات إنسانية م والصداقة والأخوة؟ ولا أرى بأسا من استعادة بعض ما يقوله جبران خليل جبران في شأن المحبة والغيرية: ليملأ كل واحد منكم كأس رفيقه، أعطوا من خبزكم لرفاقكم. العمل يكون باطلا وبلا ثمر إن لم يقترن بالمحبة. ماذا أقول في أولئك الذين لا ينظرون سوى ظلالهم؟ صديقك هو كفاية حاجاتك. هو حقلك الذي تزرعه بالمحبة وتحصده بالشكر. إنّ
عدد الصفحات ١٢٤الروحانيات حوار 125 - اﻟ ﻌﺪد4 ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ ،2005 هو مائدتك وموقدك. لأنك تأتي إليه جائعا، وتسعى إليه مستدفئا الإنسانية نهر من النور. أنت أعمى وأنا أصم أبكم، إذن ضع يدك بيدي فيدرك أحدنا الآخر. كان البياض أصم، ولولا بعضنا كالحـبر وبعضنا كالورق. فلولا سواد بعضنا ل بياض بعضنا لكان السواد أعمى. ويقول جبران أيضا: ليس السخاء بأن تعطيني ما أنا بحاجة إليه أكثر منك، بل السخاء بأن تعطيني ما تحتاج إليه أكثر مني. أخيرا أقول: دعونا أيها الأخوة ننادي بالمحبة ونصرخ بها، لعل صرختنا وبغضاء. منشدين مع الشاعر: فرقة توقظنا مما نحن فيه من لولا شعور الناس كانوا كالدمى أيقظ شعورك بالمحبة إن غفا أبغض فيمسي الـكون سجنا مظلما أحبب فيغدو الـكوخ قصرا نيرا الهوامش: 74. 59. 5. 229. عن مقال للأب جورج حبيقة في جريدة النهار اللبنانية References: 1 - Al-Isfahānī: Ḥiliyat al-awliyyā’ wa ṭabaqāt al-aṣfiyyā’. 2 - Amīn, Aḥmad and Zakī N. Maḥmūd: Qiṣṣat al-adab fī al-‘ālim. 3 - Durant, Will and Ariel: The story of civilization. 4 - Ḥabīqa, Georges: In Jaridat al-Nahār, Beirut. 5 - Ibn Sa‘d al-Baghdādi: At-ṭabaqāt al-kubra. o
عدد الصفحات ١٢٥مجلة حوليات التراث نصوص باللغة الأجنبية
عدد الصفحات ١٢٦ISSN 1112-5020 *** AAnnnnaalleess dduu PPaattrriimmooiinnee Revue académique annuelle en libre accès dédiée aux domaines du patrimoine et de l'interculturalité 0404 20052005 Publication de l'Université de Mostaganem, Algérie
عدد الصفحات ١٢٧© Annales du patrimoine, Université de Mostaganem (Algérie) AAnnnnaalleess dduu PPaattrriimmooiinnee Revue académique annuelle dédiée aux domaines du patrimoine Editée par l'Université de Mostaganem NN°° 44,, SSeepptteemmbbrree 20020055
عدد الصفحات ١٢٨