16 (ق ال اللَّهُ : أ ن ا الرَّحمح نُ و ه ى الرَّح مُ ، ش ق قحتُ له ا اسمحًا م ن اسمح ي م نح و ص ل ه ا و ص لحتُهُ ، و م نح ق ط ع ه ا ب ت ت هُ ) ( ) .وع نح ع بحد اللَّه بحن ع محرٍو ي ب حلُغُ ب ه النَّب َّ :( الرَّاحم ُون ي رححم ُهُمُ الرَّحمح نُ ارححم ُوا أ هحل الأ رحض ي رححم حكُمح م نح في السَّم اء ) ( ) ، فحظ العبد من الاسمين الجليلين أن يمتلئ قلبُ ه رجاءً وطمعا في رحمة ربه وأن يزداد محبةً له وشوقا للقائه ، وأن يتخل ق بُ لُ ق الرحمة مع عباد الله ، و المتدب ِّ رُ في السورة الكريمة يزداد بقراءتُا رقَّةً ورحمةً ولطفا ، وباستحضار واستشعار رحمة الله كلما قرأنا الفاتحة ما يزيدنا بهجة وأنسا وطمأنينة وب شرا ، وفي تكرار الاسمين الجليلين بتدب رٍ وخشوعٍ استمطارٌ واستجلابٌ لرحمة الله – تعالى - . رابعا : شخصٌ عادلٌ : ترسِّخُ هذه السورةُ العظيمةُ قواعد العدل بطريقةٍ فريدةٍ ، تأمَّلح قول هُ تعالى : مالك يوم الدين فإن وجود هذا اليوم دليلٌ على العدل الإلهي ودافع إلى تحقيق العدالة في الدنيا قبل الحساب في الآخرة ، وإن تفر د ه تعالى بملك هذا اليوم ، وورود قراءتين متواترتين (مالك) ، (ملك) ( ) مما يزيد المؤمن يقينا بالعدل المطلق في هذا اليوم ، فالملك التام المطلق في هذا اليوم لله – تعالى - ، العظمة والسلطان لله وحده ، وم لكُ هذا اليوم لله وحده ، وفي هذا ما يزيدُ المؤمن يقينا بالعدالة المطلقة في هذا اليوم ، وفيه تذ كيرٌ وتحذيرٌ لكل من ظلم أو استبدَّ أن يراجع نفسه ويتوب لربه ، ويأتي التعبير عن يوم القيامة ب ( يوم الدين ) أي يوم الحساب والقصاص والجزاء ، والاقتران بين رحمة الله – تعالى - ومُ لكه المطلق لهذا اليوم تثبيتٌ للمؤمنين ، وتشويقٌ للمحبين ، وتسليةٌ للم بتلين ، و تعزيةٌ للمظلومين والمستضعفين ، وإنذارٌ للمفرِّ طين والمُفرط ين ، وردعٌ للظالمين ، وزجرٌ للعاصين ، وترهيبٌ للمجرمين ، الإيمان بيوم الدين ينير الطريق ، ويقوِّم السلوك ، ويثبِّتُ الخائف ، ويسلِّي المبتلى ، ويجلي الأحزان ، ويهدي الحيران ، ويهذِّب النفوس ، ويداو ي القلوب ، ويضبط السلوك ، ويقيم ميزان العدل ، ويرسِّخُ القيم ، ويوحِّد الغايات ، والمؤمن في حاجة إلى الإكثار من ذكر هذا اليوم ، إلى استحضاره في كل وقت ، إلى معايشته في كلِّ حالٍ ، وهذا دأبُ السلف يكثرون من ذكر الآخرة في جميع الأحوال ، فمن كان في ضيقٍ ومحنة فإن ذكر الآخرة تسلية للقلوب وبرد للأكباد ، ومن كان في حالة نعمةٍ ومنحةٍ فإن ذكر الآخرة مما يحفظه من الاغترار والغفلة ، ومن كان مقيما على معصيةٍ فإن ذكر يوم الدين يزجرُه ويرهِّبه ، ومن كان على طاعةٍ ففي ذكر يوم الدين ما يحفزه ويرغِّبه ، ذكر القرطبي في التذ كرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة : " أن عمر بن عبد العزيز كان يجمع العلماء فيتذاكرون الموت ، والقيامة ، والآخرة ، - رواه أبو داود في السنن ( / 77) باب ف ص ل ة الرَّح م حديث 292 ورواه أحمد في المسند ( / 9 ) وإسناده صحيح. - رواه أبو داود في السنن باب في الرحمة (7 /770) ح والترمذي في السنن أ ب حو ابُ البر ِّ و الصِّل ة ب ابُ م ا ج اء في ر حمح ة الحمُسحل م ين (3 /377) 7973وقال ه ذ ا ح د يثٌ ح س نٌ ص ح يحٌ . 3- قرأ عاصم والكسائي : (ملك يوم الدين ) بألف ، وقرأ الباقون ( ملك ) بغير ألف . السبعة في القراءات ( / 07) ، والحجة في القراءات السبع ( / 2 ) .
عدد الصفحات ١٧17 فيبكون حتى كأن بين أيديهم جنازة ، وكان بعض الصالحين ينادي بليل على سور المدينة : الرحيل . الرحيل . فلما تُ وفي فقد صوت ه أميرُ المدينة فسأل عنه . فقيل : إنه قد مات فقال : ما زال يلهجُ بالرحيل وذكر ه حتى أناخ بباب ه الج مَّ الُ فأصاب هُ متيقِّ ظاً متشمِّ راً ذا أهبةٍ لم تلهه الآمالُ " ( ) قال الرازي : " وأما قوله تعالى : م ال ك ي وحم الدِّين فاعلم أن الإنسان كالمسافر في هذه الدنيا ، وسن ُ و ه كالفراسخ ، وشهورُ ه كالأميال ، وأنفاسُ ه كالخطوات ، ومقصدُ ه الوصول إلى عالم أخراه ؛ لأن هناك يحصل الفوز بالباقيات الصالحات ، فإذا شاهد في الطريق أنواع هذه العجائب في ملكوت الأرض والسموات فلينظر أنه كيف يكون عجائب حال عالم الآخرة في الغبطة والبهجة والسعادة" ( ) وفي هذا من إصلاح النفس والمجتمع وتطهيره ما يصل إلى المقصود ، ويحقق الأمل المنشود ، فالإيمان باليوم الآخر ركيزةٌ من ركائز الإصلاح ، ومنطلقٌ لكلِّ خيرٍ ، حيث يسعى العبد لإصلاح آخرته بإصلاح دينه ودنياه ، ويدَّخر من الأعمال الصالحات ما يُثقل موازينه ويرفع درجته ، بل ويتنافس إلى الخيرات لتكون ذخيرةً له ، ولقد ذكر الله في مقدمة سورة البقرة أثر الإيمان بالآخرة في تحقيق الفلاح قال تعالى : ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ [البقرة : -7 ]. بينما ذكر تعاضلال وتخبط من لم يؤمن بهذا اليوم ، قال تعالى : ﭽ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭼ [سبأ: 7 . ] فالذين أنكروا الآخرة أو غفلوا عنها لا يقيمون للعدل ميزانا ولا يحملون للحساب همًّا ، فتراهم يجترئون على المحارم و يعتدون على حدود الله ، و يهتكون الأستار ويضيِّعون الأعمار ، قال تعالى عن المطففين الذين يطففون في الكيل والموازين وسائر الحقوق : ﭽ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﭼ [المطففين: - 2 ] ، بينما الذين آمنوا بالآخرة وتذاكروها لا يكتفون بإقامة موازين العدل بل يحسنون إلى الآخرين وإن لم يحسنوا إليهم ﭽ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﭑ ﭒ ﭓ - التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة للقرطبي ( 4) بتصرف . - التفسير الكبير للرا زي ( / 32) .
عدد الصفحات ١٨11 ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭼ [الإنسان: 7 – 0 . ] إن الإيمان بالآخرة واليقين بالرجوع لرب العالمين يدفع لصالح الأعمال ، ويُذكي روح التنافس الشريف على الخيرات ، ويصقلُ النفوس ويزيدها إشراقا ، ويُفجر الطاقات ، ويشحذُ الهمم ، قال تعالى : ﭽ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭼ [المؤمنون: 74 – 2 ] . وإنعبدا يتذاكر الآخرة في يومه وليلته ويضع نصب عينيه موازين العدل الإلهي الأخرو ي لحريٌّ بأن يتحرى العدالة ويجتهد في ترسيخها ، وإزاحة كل ما يقف عقبة في طريقها قال تعالى : ﭽ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟﭠ ﭼ [النساء: 37 ] . فلا يكفي للمسلم أن يكون عاد، بل إنه حارسٌ للعدالة ، داعٍ إليها يحميها بروحه ودمه . خامسا : شخصٌ متحر رٌ : يكافحُ من أجل الحرية ويناضلُ لنيلها والمحافظة عليها ، مهما كلَّفه ذلك من تضحياتٍ ، فالحريةُ في نظره من أسمى الأمنيات ، الحرية غايةٌ إنسانيةٌ نبيلةٌ ، وقيمةٌ عظيمةٌ يجودُ الإنسان في سبيلها بمهجته ، ويضحي في سبيل تحقيقها بماله وراحته ، فإذا ناق شنا مفهوم الحرية نجد تباينا كبيرا بين الناس في تحديدها وفهمها ، نظرا لاختلاف العقول وتباين الأهواء ، حتى فسرها البعضُ بالتحرر من القيم و الأخلاق التي تضبط سلوك الإنسان وتميزه ، و ير ونها فوضى وعبثا بلا نظامٍ أو منهجٍ حقٍّ يهذِّبها ويسمو بها ، ويظن ون أنهم أحر ار بينما هم في الواقع وإن لم يشعروا عبيدٌ لشهواتُم ، عبيدٌ لأهوائهم ، مثقلون بقيود العادات ومغارم التقاليد ال راكدة ، وتكاليف التقاليد الوافدة ، يرسفون في أغلال الأديان الباطلة ، أو يز ج ون بأنفسهم في سجون الفلسفات الهدَّامة المظلمة ، أو يُساقون كالقطيع خلف رُ عاة الضلال وسدنة الكفر في مذلةٍ وهوانٍ ، أو يطلقون العنان لشهواتُم التي تكبِّلهم وتعرقلُ انطلاقهم نحو السموِّ و الارتقاء ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ [البقرة : 40 – 4 ]. ﭽﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓﯔ ﭼ [الأعراف : 42]
عدد الصفحات ١٩٢ أو يَضعون للسادة والكبراء الذين يقودونهم إلى الجحيم فيتبرءون منهم ولكن بعد فوات الأوان ﭽ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﭼ [الأحزاب : 24 – 27 . ] أو يشركون بالله غيره من معبوداتٍ أو أعراضٍ ، فيعيشون في شتاتٍ عجيبٍ وتناقضٍ مريبٍ ، ونزاعٍ نفسيٍّ ، وعراكٍ داخليٍّ ﭽ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷﯸ ﯹ ﯺﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﭼ [الزمر : 9] بينما الحرية الحقيقية في إخلاص العبودية لله - تعالى - والاستعانة به وحده ، نقرأ في الفاتحة : ﭽ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭼ فنعلن ليل نهار تحر رنا من عبودية غير الله ، و إيماننا بعبادة الله وحده ، فهي عز نا وشرفنا ، لا تستهوينا فلسفاتٌ ضالة ، ولا تغر نا شعاراتٌ برَّاقةٌ ، ولا تستبد بنا أوهامٌ وخرافاتٌ ، ولا تخدعنا بهارج زائفة ، إن عبادة الله – تعالى - كما أنها غايةُ وجودنا ومحور حياتنا فهي أيضا التحرر الحقيقي ، وبهذا التحر ر الحقيقي ينطلق المؤمن نحو المعالي ، وينافس في الخيرات ، ويرتاحُ بالُه ، ويجتمعُ قلبُه ، وتشرقُ روحه . وبسبب غياب المفهوم الصحيح للعبودية والحرية عانت كثيرٌ من المجتمعات صنوف الظلم والقهر والأسى والاستبداد ، فما أحوجنا أن نقف وقفة متأنية أمام ﭽ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭼ نعبد الله وحده ونستعين به . لقد أدركت أم مريم معنى الحرية فتمنَّ ت لجنينها أن يعيش حرا : ﭽ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﭼ [آل عمران : 37 ]خالصا لوجهك مقيما على طاعتك مُلصا لك ، عاكفا على عبادتك . سادسا : عابدٌ لربه : سورة الفاتحة متضمِّنةٌ لأجلِّ الغايات وأفضل الوسائل ، فأجل الغايات عبوديته وأفضل الوسائل إعانته فلا معبود يستحق العبادة إلا هو ولا معين على عبادته غيره، فعبادته أعلى الغايات وإعانته أجل الوسائل ، و حينما نقرأ : ﭽ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭼ ندرك أن مهمة العبد ووظيفته الأساسية في هذا الكون ومحور حياته عبادة الله - تعالى - وحده ، ودلَّ تقديم المفعول ( إياك ) على الاختصاص فلا معبود سواه تعالى ، والعبودية هي مطلق الطاعة لله – تعالى - ، فتشمل العبادات كالصلاة والزكاة والصوم والحج والدعاء والذكر ، وتشمل غيرها فطلب العلم النافع عبادة والجهاد عبادة والعمل الصالح الذي يعود بالنفع للمجتمع عبادة ، بل حياة الإنسان كلها عبادة ، يقظته ونومه ، فراغه
عدد الصفحات ٢٠0 وشغله ، صحته وسقمه ، أفراحُه وأتراحهُ ، ﭽ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﭼ [الأنعام: 2 ] ، إن المؤمن يستحضر رسالته في هذا الوجود ، يتذكر مهمته التي من أجلها خُلق ، ينشدُ غاية وجوده كلما قرأ سورة الفاتحة ؛ ليظل على يقظةٍ ووعي وإدراكٍ لمهمته ورسالته ، فإذا كانت العبادة محور حياة المسلم ورسالته عاش مطمئن القلب ، هادئ البال ، طيِّب النفس ، مستقيما على طريق الحقِّ ، يحققُ التقدم المنشود والنهوض المأمول والر قي الذي يتطلع إليه ، قال القشيري : " إياك نعبد وإياك نستعين العبادة نزهة القاصدين ، ومستروح المريدين ، ومربع الأنس للمحبين ، ومرتع البهجة للعارفين . بها ق ُرَّةُ أعينهم ، وفيها مسرة قلوبهم ، ومنها راحة أرواحهم . وإليه أشار بقوله : ( أر حنا بها يا بلال ) ( ) " ( ) . إننا في كل قراءة للفاتحة نراجع أنفسنا ونعرض أعمالنا على كتاب الله : هل قمنا بواجب العبادة ؟ قال الحسن : " ر ح م اللهُ ع بحد اً ع ر ض ن فحس هُ ، و ع محل هُ ع ل ى ك ت اب الله ، ف إ نَّ و اف ق ك ت اب الله حم د الله ، و س أ ل هُ الزِّي اد ة ، و إ نح خ ال ف ك ت اب الله أ عحت ب ن فحس هُ ، و ر ج ع م نح ق ر يبٍ " ( ) . وقال ابن القيم - رحمه الله - : " فيا ويح من يكذب على ربه وهو يناجيه فيقول : ﭽ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭼ وإنما يقصد غيره بالعبادة ، يتعهد لربه ويناجيه : لا أعبد إلا أنت وهو خائن لعهده ، إلا أن يقصد بكلامه الدعاء والطلب للوفيق والإعانة " ( ) . سابعا : يعمل في جماعة : من معالم شخصية المسلم أنه مؤهلٌ للعمل في الجماعة لا يعرف الأنانية ولا الأثرة ، ولا العزلة عن المجتمع ، بل يهضم حظَّ النفس في سبيل الصالح للجماعة المسلمة التي يذوب فيها وينتمي إليها ، وهذه سورة الفاتحة ، مناجاةٌ مع الله – تعالى - بلسان الجماعة وليس بلسان الفرد ﭽ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭼ لتغرس في نفس المؤمن روح الأخو ة ، وعُرى المحبة ، وأصول الوحدة ، وحدة الكلمة ، و العقيدة ، وحدة الرسالة ، وحدة العبادة ، وحدة المنهج ، وحدة الغاية والوسائل ، وحدة الرؤ ية ، وحدة الفكر والمشاعر ، وحدة الطموحات والآمال ، وحدة الأمة ، وحدة التصور لهذا الكون ، حين يقرأ الإمام الفاتحة وينصت إليه المأمومون خاشعين ، وقد توحدت مشاعرهم ومطالبهم ، تأمل في قوله تعالى : ﭽ ﭢ ﭣ ﭤ - رواه أبو داود في سننه في كتاب الأدب ، ورواه أحمد في مسنده (7/327 )، والطبراني في المعجم الكبير برقم (2 7 )2/ 44. - لطائف الإشارات للإمام القشيري /79 باختصار. 3- أخلاق حملة القرآن للآجري ( ص7) . 7- بدائع التفس / 0 .
عدد الصفحات ٢١1 ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭼ " كأن العبد يقول : إلهي ما بلغت عبادتي إلى حيث أستحق أن أذكرها وحدها ؛ لأنها ممزوجة بجهات التقصير ، ولكني أخلطها بعبادات جميع العابدين ، وأذكر الكل بعبارة واحدة ، وأقول : ﭽ ﭢ ﭣ ﭼ ، إن الرجل إذا باع من غيره عشرة من العبيد ، فالمشتري إما أن يقبل الكل أو لا يقبل واحدا منها ، وليس له أن يقبل البعض دون البعض في تلك الصفقة ، فكذا هنا إذا قال العبد : ﭽ ﭢ ﭣ ﭼ فقد عرض على حضرة الله جميع عبادات العابدين فلا يليق بكرمه أن يميز البعض عن البعض ويقبل البعض دون البعض ، فإما أن يرد الكلَّ وهو غير جائز ؛ لأن قوله ﭽ ﭢ ﭣ ﭼ دخل فيه عبادات الملائكة و عبادات الأنبياء والأولياء ، وإما أن يقبل الكل وحينئذ تصير عبادة هذا القائل مقبولة ببركة قبول عبادة غيره ، والتقدير كأن العبد يقول : إلهي إن لم تكن عبادتي مقبولة فلا تردَّ ني لأني لست بوحيد في هذه العبادة ، بل نحن كثيرون فإن لم أستحق الإجابة والقبول ، فأتشفع إليك بعبادات سائر المتعبِّ دين فأج بني" ( ) . كذلك الأمر في طلب الهداية بصيغة الجمع ( اهدنا ) لأنها أقرب إلى الإجابة من ( اهدني ) " فالدعاء كلما كان أعم كان إلى الإجابة أقرب ، والمؤمن لا يطلب الهداية لنفسه فحسب بل يطلبها أيضا لجميع المؤمن ، وفي هذا ما يدل على محبته لإخوانه وحرصه على نيلهم الخيرات ، والدعاء لجماعة المؤمنين أرجى للقبول وأقرب إلى الإجابة . وفي توحيد العبادة والاستعانة أقوى رابط من روابط المجتمع المسلم وأوثق العُرى التي يستمسكُ بها . وفي التعبير ب ( نعبد) ، و ( نستعين ) بيان لوحدة المشاعر حتى صار الفرد يتكلم باسم الجماعة ويعبرِّ عن حالها ، فالمسلمون سواسية كأسنان المشط ، وهم كالجسد الواحد ، والبنيان الواحد ، وتلك أسمى صور الوحدة ، وحدة القلوب ووحدة الخواطر . وفي طلب الهداية إلى الصراط المستقيم دليلُ حرص المسلم على وحدة الصف وجمع الشمل على صراط واحد ومنهج واحد ، فإن الناكبين عن الصراط المستقيم تتشعَّ بُ بهم الطرقُ وتتبلبلُ الأفكارُ وتتفرعُ الس بُ ل ، فتحل الفرقة و يقعُ التباعد ، عن ابن مسعود ق ال: : خ طَّ ر سُولُ الله ، خ طًّا ب ي د ه ، ثََُّ ق ال : ( ه ذ ا س ب يلُ الله مُسحت ق يمً ا ) ، ق ال : ثََُّ خ طَّ ع نح يم ين ه ، و شم ال ه ، ثََُّ ق ال : ( ه ذ ه الس بُلُ ، ل يحس م ن حه ا - التفسير الكبير للرازي ( / 0 ) بتصرف .
عدد الصفحات ٢٢٩٩ س ب يلٌ إ لاَّ ع ل يحه ش يحط انٌ ي دحعُو إ ل يحه ) ثََُّ ق ر أ : ﭽ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﭼ [الأنعام:73] ) ( ) . وفي طلب المؤمن الهداية له ولجماعة المسلمين دليلٌ على سلامة صدره ونقاء سريرته وطهارة قلبه ، حيث يطلبُ لإخوانه ما يطلبُ لنفسه . وفي قوله تعالى : ﭽ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭼ بيان لمعالم هذا الطريق وأنه ليس طريقا فرديًّا ، بل طريقٌ جماعيٌّ تجتمع عليه القلوب وتتآلف الأرواح . متواضع : من سمات الشخصية المسلمة التواضع ، تأمل ذلك في سورة الفاتحة حين يناجي العبد ربه ﭽ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭼ قال ابن القيم - رحمه الله - : " ثَ إن القلب يعرض له مرضان عظيمان إن لم يتداركهما العبد تراميا به إلى التلف ولابد ، وهما الرياء والكبر ؛ فدواء الرياء ب ﭽ ﭢ ﭣ ﭼ ودواء الكبر ب ﭤ ﭥ ؛وكثيرا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يقول: " ﭽ ﭢ ﭣ ﭼ تدفع الرياء ، و ﭤ ﭥ تدفع الكبرياء " ( ) . "فإذا عوفي من مرض الرياء ب ﭽ ﭢ ﭣ ﭼ ومن مرض الكبرياء والعجب ب ﭤ ﭥ ومن مرض الضلال والجهل ب ﭧ ﭨ ﭩ عو من أمراضه وأسقامه ورفل في أثواب العافية ، وتمت عليه النعمة ، وكان من المنعم عليهم غير المغضوب عليهم ، وهم أهل فساد القصد الذين عرفوا الحق وعدلوا عنه ، والضالين وهم أهل فساد العلم الذين جهلوا الحق ولم يعرفوه ، وحُ ق لسورة تشتمل على هذين الشفاءين أن يستشفى بها من كل مرض " ( ) . كما أن طلب المؤمن للهداية بضمير الجمع لا الإفراد فيه لطيفةٌ سبق ذكرها ، وهي استشعار المؤمن بأن عمله لا يرقى إلا بأعمال إخوانه ، ودعاؤه لا يرفع إلا مشفوعا بدعوات إخوانه فإذا كان في الصلوات المكتوبة شُفع الدعاء بتأمين الملائكة الذين يشهدون ع نح أ بي هُر ي حر ة أ ن النَّبي َّ ق ال: ( إ ذ ا أ مَّن الإح م امُ ف أ مِّنُوا ؛ ف إ نَّهُ م نح و اف ق ت أحم ينُهُ ت أحم ين الحم لا ئ ك ة غُف ر ل هُ م ا ت ق دَّم م نح ذ نحب ه ) ( ) . - رواه الإمام أحمد في المسند ( / 727) ، والحاكم في المستدرك ( / 377) وقال هذا حديث صحيح الإسناد و لم يَرجاه ووافقه الذهبي ، و الدار م ي في السنن 0 . - مدارج السالكين لابن القيم ( / 77) . 3- نفس المرجع - ( / 77) . 7- رواه البخاري في صحيحه ب اب ج هحر الإح م ام ب التَّأحم ين حديث 474 ، ومسلم في صحيحه ، الصلاة باب التسميع والتحميد والتأمين حديث 7 0.
عدد الصفحات ٢٣3 ففي هذا التعبير تواضع من العبد وذل واعتراف بالتقصير؛ فهو يرى عبادته قاصرة ضعيفة فيتكثر بعبادة إخو انه من المؤمنين . والإتيان بضمير الجمع في الموضعين إ يَّاك ن عحبُدُ و إ يَّاك ن سحت ع ينُ أحسن وأفخم فإن المقام مقام عبودية وافتقار إلى الرب – تعالى - وإقرار بالفاقة إلى عبوديته واستعانته وهدايته ، فأتى به بصيغة ضمير الجمع أي نحن معاشر عبيدك مقر ون لك بالعبودية ، وهذا كما يقول العبد للملك المعظم شأنه : نحن عبيدك ومماليكك وتحت طاعتك ولا نخالف أمرك ، فيكون هذا أحسن وأعظم موقعا عند الملك ..." ( ) . ثامنا : شخصٌ طموح راق : لا يمكن لمسلم أن يحيا بدون غاية كبرى يطمح إليها ، ومثَُُلٍ يقتدي بها ، و الطموح أن يحيا الإنسان لغاية نبيلة ، ويسعى لهدف منشود ، وتتوق نفسُه إلى معالي الر تب ، ويحُلِّ ق فؤادُ ه في قمم النجاح ، وللمسلم مطالبه التي يجددها ويرفعها لربه ص باح مساء ، و أهمها الهداية إلى الصراط المستقيم ، لينال الفلاح في الدارين ، يتمنى ذلك لنفسه ولإخوانه ، ويطمح إلى السير على درب الأنبياء والصالحين الذين سبقوا ، يطمح أن يكون من الذين أنعم الله عليهم بوجوه الإنعام ، فرضا الله تعالى أسمى الغايات فالطموح زاد الس الكين ، ونبراس السائرين ، و إنسانٌ بلا طموحٍ عُليا إنسانٌ خاملٌ قاعدٌ عن المعالي ، وسورة الفاتحة تبعث الأمل في النفوس وتشحذ الهمم ، وهذه الطموح التي ينشدها المؤمن واقعيةٌ حقيقيةٌ يمكن تحقيقها ، فقد سُب ق إليها ، ولذا أضيف الصراط إلى الذين أنعم الله عليهم لبيان أن هناك من سلك هذا الطريق وسبق إليه ، وأن سلوكه أمرٌ واقعيٌّ ، وأنه توفيقٌ من الله تعالى وإنعامٌ ، وأن لهذا الطريق دليلا وحاديًا "... إذ لا بد فيه من دليل ، وإلا ضل سالكها عن سواء السبيل : و إ نمَّ ا الق وحمُ مُس اف رُون ... لح ضحر ة الحح قِّ و ظ اع نُون ف اف حت ق رُوا ف يه إلى د ل يل... ذ ي ب ص رٍ بالسَّيرح و الحم ق يل ق دح س ل ك الطَّر يق ثََُّ ع اد ... ل يُخحبر الحق وحم بم ا اسحت ف اد ( ) كان عمر بن الخطاب يَاطب حاملي كتاب الله بقوله: " يا معشر القراء ارفعوا رؤوسكم فقد وضح لكم الطر يق ، فاستبقوا الخيرات لا تكونوا عيالا على الناس " ( ) . - بدائع الفوائد - (3 /77) - البحر المديد لابن عجيبة ( / 3 ) بتصرف والأبيات لابن البنا . 3- ذكره النووي في التبيان (ص 9.)
عدد الصفحات ٢٤4 تاسعا: وسطي : الإنسان في حاجة إلى الصراط المستقيم في كل خطوة يَطوها ، وفي كل خطرة وفي كل نفس ، ولا يكاد يسلم في حياته من الوقوع بين جنبتي الإفراط والتفريط فهو في حاجة للوسطية والاستقامة ، في حاجة للمنهج الواضح الوسطي المعتدل من هنا كان دعاء المؤمنين : ﭽ ﭧ ﭨ ﭩ ﭼ الطريق الواضح المستقيم الذي يتسع للجميع ، الطريق اليسير المختصر ، الطريق المطروق الآمن ، إنها دعوة لاستقامة الفرد و استقامة الجماعة ، وهدايتها لما فيه صلاحها وخيرُها . " فلا بدَّ من معرف ة العدل الذي هو الخط المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط في الأعمال الشهوانية وفي الأعمال الغضبية ، وفي كيفية إنفاق المال فالمؤمن يطلب من الله – تعالى - أن يهديه إلى الصراط المستقيم الذي هو الوسط بين طرفي الإفراط والتفريط في كل الأخلاق وفي كل الأعمال " ( ) . إن ما بين مكارم الأخلاق وحميد الخصال خيوطٌ دقيقة لا يوفَّقُ إلى ملاحظتها إلا من هداه الله -تعالى - وبصَّره ، إن التوسط والاعتدال ميزانٌ دقيقٌ لا يدركه إلا ذ و بصيرةٍ نافذةٍ وحكمةٍ بالغةٍ ؛ لذا كان طلب الهداية إلى الصراط المستقيم من الله - تعالى وحده - ، إن التوازن بين مط الب الروح والجسد ونداء العقل والقلب ، والاعتدال في الأخلاق والسلوك ، من سمات الشخصية المتميزة . والصراط المستقيم هو الوسط ، فلا غلو ولا تقصير ولا إفراط ولا تفريط ، ولا تشدد ولا تساهل ، "وف دعاء المؤمنين بأن يهديهم الل ه الصراط المستقيم ، ويجنبهم صراط المغضوب عليهم ، والضالين عن الطريق القويم في هذا الدعاء غاية في تحر ي الطريق إلى الل ه ، والتماسه مستقيما خالص الاستقامة ، بعيدا عن مزالق المفتونين في دينهم ، والمنحرفين عن سواء السبيل " ( ) . وهذا الدعاء من المؤمنين مع كونهم على الهداية، بمعنى التثبيت وبمعنى طلب مزيد الهداية ؛ لأن الألطاف والهدايات من الل ه – تعالى - لا تتناهى ( ) . عاشرا : شخصيةٌ متوازنة : من ثمرات تلاوة الفاتحة وتدبرها تحقيق التوازن في الشخصية : التوازن بين مطالب الروح والجسد ، التوازن بين العقل والعاطفة ، التوازن بين ال فكر والوجدان ، التوازن بين الخوف والرجاء ، التوازن بين الفرد والجماعة ، التوازن بين المعرفة والسلوك ، التوازن بين مصالح الدنيا ومصالح الآخرة ، التوازن بين الحقوق والواجبات ، ﭽ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭼ . - التفسير الكبير للرازي ( / 02) . - معالم التنزيل للبغوي ( / 47). 3- معالم التنزيل للبغوي ( / 44) .
عدد الصفحات ٢٥5 فإذا توازنت هذه الأمور وانضبطت مسار ها الصحيح كان الفلاح و تحقق النجاحُ ، ولا شك أن طلب الاستقامة وهي السير على الطريق القويم المعتدل الواضح مما يحقق هذا التوازن في حياة الإنسان ﭽ ﭧ ﭨ ﭩ ﭼ . حادي عشر : إيجابي : تلاوة هذه السورة الكريمة وتدب رها مما يساهم في صياغة الشخصية الإيجابية ، الإيجابية في النظرة للكو ن والحياة : فالمؤمن يوقنُ بربوبية الله للكون خلقا وملكا ورزقا وتدبيرا وتصريفا ، ويعرف قيمة الحياة فيعمرها بالصلاح والطاعة ، ويعلم أن للكون نهاية كما أن له بدايةً ، فهو على بينة من أمره . الإيجابية في العمل والعطاء : فالمؤمن يتذكر دائما أن هناك يوما للجزاء ، وأن مالك هذا اليوم العظيم هو المستحق للمحامد كلها ، ومجيء ﭽ ﭛ ﭜ ﭼ بين ﭽ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭼ و ﭽ ﭞ ﭟ ﭠ ﭼ ، مما يزيد المؤمن تفاؤلا واستبشارا وتشو قا لما ينتظره من رحمات ونفحات ، فيحث الخُطى ويغذ السير إلى الخير ، لينال رحمته تعالى في الدا رين . الإيجابية في المداومة على العبادة لا يمل من الطاعات : كما يفيد التعبير بالفعل المضارع ( نعبد ) المداومة والمواظبة على عبادة الله وحده ، الإيجابية في طلب العون من الله – تعالى - على العبادة والعمل الصالح ، فلا يعرف الإحباط أو الكسل ، أو اليأس أو ا لملل ، بل إن عبادته لله تزيده نشاطا وهمة وإقبالا ، واستعانته بالله تزيده تثبيتا ويقينا وتيسر له العسير وتذلل له الصعاب . الإيجابية في حبه للخير وحرصه عليه لنفسه ولإخوانه المؤمنين : فيطلب الاستعانة للجميع والهداية للجميع . الإيجابية في تقويم الذات والمرا جعات : فكلما قرأ : ﭽ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭼ يراجع نفسه هل هو عبدا لله حقا ؟ هل يجرِّد الاستعانة لله وحده ؟ وكأني بالقارئ حين يقرأ : ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ يذوب شوقا وحنينا إلى أ و لئك الركب الذين سبقوا على هذا الصراط ويجد في السير على دربهم ويرجو اللحاق بهم ، وهذا يحمله على متابعة أخبارهم والعناية بأحوالهم وتحري مناقبهم وتتبع فضائلهم ، فإذا مر على ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ تأ منهم وتعوَّ ذ بالله من مسالك هم الملتوية ودروبه م المتشعبة في الضلال والتِّ يه ، فكان على حذرٍ من الفرقتين ، الذين عرفوا الحق فلم يعملوا به ، والذين ضلوا عنه وزاغت قلوبهم ، وهذا يحمله على معرفة أحوالهم وعواقبهم للحذر منهم ومُالفتهم ، والعظة والاعتبار .
عدد الصفحات ٢٦6 الإيجابية في النصح لإخوانه والتأسي بالصا: وإن عزَّ بهم الزمان وسلوك طريقهم وإن قل السالكون ، كما قال تعالى : ﭽ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﭼ [الأنعام: 2 ] .وقال الفُض يحل بن ع ياض - رحمه الله - : " لا تستوحشح طرق الهدى لقل ة أهلها، ولا تغتر بكثرة الهالكين " ( ) . الايجابية في الثبات على الحق والمضي قُ دما على طريقه . الإيجابية : في البراء من أهل الجحود والضلال وإن علا بنيانهم وكثر نفيرُهم . ثاني عشر : شخصية سوية : الفاتحة سورة الرقية والشفاء من أسقام الأبدان واعتلال الأ رو ا ح و أمر اض القلو ب ، بما تغرسه من أصول الإيمان وما تجدِّ ده ، وما ترسِّ خهُ ، والإيمان حصن حصينٌ وركنٌ ركينٌ ، والفاتحةُ شفاءٌ لل عقول يجد الإنس ان فيها الإجابة الشافية عما حار فيه الفلاسفةُ والطبيعيون ووصلوا بفلسفتهم وبحثهم إلى طرق مسدودة ، من أين جئنا ؟ وإلى أين نمضي ؟ وما هي ثمرة وجودنا وغايته ؟ وكيف نسلك طريق النجاة ؟ كل هذه التساؤلات الحائرة نقرأ في الفاتحة أجوبتها الكافية ، أما إذا لم يجد الإ نسان إجابتها الصحيحة فإنه يعيش في قلقٍ وحيرةٍ وكآبةٍ وهمٍّ ينعكسُ على سلوكه وتصر فاته . شخصيةٌ سوية : على بيِّ نة من أمرها وبصيرة من ربها وثقة في طريقها ، ومحبةٍ ونصحٍ لأهل الإيمان ، وموالاة لهم وبراءٍ من أهل الجحود والزيغ . شخصية سوية راجيةٌ لرحمة ربها ، مطمئنةٌ لحكمه ، راضيةٌ بقضائه ، موقنةٌ بلقائه . شخصية سوية تميِّ ز بين الحق والباطل والهدى والضلال ، وتلتمس العون والهُدى من الله . شخصية سوية : متفائلةٌ لمستقبلها الدنيوي والأخروي ليقينها بأن رب العالمين هو الرحمن الرحيم ، والرحمن الرحيم هو مالك يوم ال دين ، فهي في نعيم برحمات الله الدنيوية ، و شوقٍ لرحمات الله الأخروية . " والشخصية الإسلامية هي الشخصية الإنسانية الوحيدة التي توسم بأنها شخصية سوية ، سوية في صفاتُا وخصائصها ، في آمالها وطبائعها ، في مقاييسها وموازينها ، هي الشخصية السوية التي لم تمسخ فطر تُا ، ولم تشوه جبلتها ، هي الشخصية الإنسانية السوية التي تسعى في هذا الكون لتكون الإنسان - الأذكار للإمام النووي ( / 7 ).
عدد الصفحات ٢٧7 الذي شاءه خالق الكون ومبدع الحياة وفاطر الإنسان ، وغيره يجري في الحياة منكس القلب مشوش الفكر ، لا يعرف طريقه ولا سبيله " ( ) . وصدق الله تعالى : ﭽ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﭼ [الملك: ] شخصيةٌ سوية تأنس لكتاب ربها فترى فيه سرورها وبهجتها ، وتقر عينُ ها بتلاوته وتدبره ؛ ولذا قال نبينا :(وجعلت قرة عيني ) ( ) ، وكان يقول : ( أرحنا بها يا بلال ) ( ) ؛ إذ الصلاة قُ رة عينه ، وأنسُ روحه ، وبهجة فؤاده و رياضُ قلبه ، وتدبر القرآن حدائقه المونقة وجنته المورقة وربيعه المزهر ، قال ابن القيم : " وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يقول : إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة . وقال لي مرة : ما يصنع أعدائي بي ؟ أنا جنتي وبستاني في صدري إن رحت فهي معي لا تفارقني ، إن حبسي خلوة وقتلي شهادة وإخراجي من بلدي سياحة ... وعلم اللهُ ما رأيتُ أحدا أطيب عيشا منه قط ، مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم بل ضدها ، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشا و أشرحهم صدرا ، وأقواهم قلبا ، وأسر هم نفسا تلوح نضرة النعيم على وجهه " ( ) ، و قال الزركشي : " ومن لم يكن له علم وفهم وتقوى وتدبر لم يدرك من لذة القرآن شيئا " ( ) . و قال الغزالي : " إن في القرآن ميادين وبساتين ومقاصير وعرائس وديابيج ورياضا وخانات ... فإذا دخل القارئ الميادين وقطف من البساتين ، ودخل المقاصير ، وشهد العرائس ولبس الديابيج ، وتنزه في الرياض ، وسكن غرف الخانات استغرقه ذلك ، وشغله عما سواه ، فلم يعزب قلبه ، ولم يتفرق فكره ( ) . - معالم الشخصية الإسلامية ، د. عمر سليمان الأشقر ص . - ع نح أ ن سٍ ق ال: ق ال ر سُولُ الله " :حُبِّب إ لي َّ م ن الد ن حي ا النِّس اءُ، و الطِّيبُ، و جُع ل تح ق ُرَّةُ ع يحني في الصَّلا ة " رواه أحمد في المسند (3 / 77) ، والنسائي في السنن(4 /2 ) ح3970 وصححه الألباني كما في صحيح الجامع الصغير ( 3 7 ) . 3- رواه أبو داود في سننه في كتاب الأدب ، ورواه أحمد في مسنده (7/327 )، والطبراني في المعجم الكبير (2/339 )، وقال ابن الأث" وقيل : كان اشتغاله بالصلاة راحة له ، فإنه كان يعد غيرها من الأعمال الدنيوية تعباً ، فكان يستريح بالصلاة ، لما فيها من مناجاة الله تعالى "جامع الأصول - (2 / 27) . 7- الوابل الصيب لابن القيم ( / 24) . 7- البرهان في علوم القرآن للزركشي ( / 77) . 2- إحياء علوم الدين للغزالي ( / 7 ) .
عدد الصفحات ٢٨1 وقال عثمان " :لو ط هُ ر تح قلوبُ كم ما شبعتم من كلام الله " ( ) . "وإنما قال ذلك لأنها بالطهارة تترقى إلى مشاهدة المتكلم في الكلام ، ولذلك قال ثابت البناني : " كابدت القرآن عشرين سنة ، وتنعَّ متُ به عشرين سنة " ( ) . ثالث عشر : شخصيةٌ واعيةٌ : فتدب ر الفاتحة مما يجمع شتات القلب و يقوي ملكة التفكير ، حيثُ يعي المرءُ ما يقول ، ويطلب العون من الله - تعالى - في سائر الشؤون والهداية لكل خيرٍ ، والسير على خطى من أنعم الله عليهم ، فيرقى الإنسان بذاته ويرقى بتفكيره ليصبح ثاقب الذهن عميق الفكرة واسع الأفق فالصلاة معراجٌ للنفس ومرقاةٌ للروح ، ومشكاةٌ للقلب ، ومصباحٌ للعقل ، وتنويرٌ للأذهان . جاء في كتاب روح الصلاة : " الفرق بين العباقرة وغيرهم من الناس إنما مرجعه إلى الموضوعات والغايات التي يوجهون إليها هممهم ، وإلى درجة التركيز التي يسعهم أن يبلغوها " ، تأمل قوله تعالى ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﮊ [المؤمنون: ١ – ٢ ] ، كيف ربط بين الفلاح والخشوع في الصلاة بما يستلزمه من تركيز وتدبر " ( ) . شخصيةٌ واعيةٌ بما حولها حين يقرأ : ﭽ ﭖ ﭗ ﭼ فإنه لا يغفل عن حمد ربه وشكره على نعمه الظاهرة والباطنة ، وحين يقرأ : ﭽ ﭘ ﭙ ﭼ يتذكر تلك العوالم التي تعيش حوله ، ويظلُّ على وعيٍ بالكون وال حياة ، وإذا قرأ : ﭽ ﭞ ﭟ ﭠ ﭼ يتذكر هذا اليوم فلا يغيب عن خاطره ولا يغفلُ عنه بل يصبح ويمسي على حذرٍ من هذا اليوم ، قال تعالى : ﭽ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﭼ [الإسراء: ٥٧ ] ، فإذا قرأ: ﭽ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭼ فإنه لابد أن يكون على وعيٍ بمفهوم العبادة وأحكامها ومقاصدها وحكمها ، فإذا قرأ : ﭽ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭼ فلا بد أن يكون على وعي بهذا الطريق ومن سبق إليه من المؤمنين المهتدين يتوخَّاها ، كما يكون على حذر بطرق أهل الجحود والضلال ، يتجنبُها ويتوقَّاها ، إنه يسير على نور من ربه وبينة من أمره بتدبُّره وفهمه ، قال إياس بن معاوية: " مثل الذين يقرءون القرآن وهم لا يعلمون تفسيره ، كمثل قوم جاءهم كتاب من ملكهم ليلا وليس عندهم مصباح، فتداخلتهم - الزهد لابن حنبل ( / 7) - إحياء علوم الدين - ( / 77) 3- روح الصلاة ، عفيف طبارة .
عدد الصفحات ٢٩٢٩ روعة ولا يدرون ما في الكتاب، ومثل الذي يعرف التفسير كمثل رجل جاءهم بمصباح فقرءوا ما في الكتاب " ( ) . رابع عشر : شخصٌ مثقَّ فٌ : له معرفةٌ ودرايةٌ بالكون والعوالم والأمم والممال ك والحضارات والثقافات والأفكار والتوجهات ، فحينما ي قح ر أُ المؤمنُ : ﭽ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭼ يدركُ أن هناك عوالم كثيرةً ، فيتطلَّعُ إلى التعر ف عل يها ، ليملك تصو رًا للكون الذي يعيشُ فيه ، ويعرف دور ه في هذه المنظومة الكونية ، ويزداد يقينا بعظمة الخالق جلَّ وعلا ، فقد جمع بين المعرفة والغاية والمنهج والثمرة : معرفة الله تعالى وحقِّه على العباد ، والغاية التي من أجلها خلقنا ، والمنهج الذي نترسَّم به طريقنا نحو تحقيق هذه الغاية الأسمى ، والثمرة التي نرجوها من وراء سعينا نحو غايتنا . و هذا المسلم المثقف مرهف الإحساس رقيق المشاعر ؛ لأنه يتذكر دائما رحمة الله - تعالى - ، حين يقف مراتٍ كثيرةً في يوم ه وليلت ه أمام الاسمين الجليلين ( الرحمن الرحيم ) وهذه الثقافة ثقافةٌ واعيةٌ مبصرةٌ ؛ إذ أنها لا تقف عند أقطار هذا الكون المادي و حدود تلك الدنيا الفانية ، بل تشمل ما وراء هذا الكون من غيبياتٍ كُشفت عن طريق الوحي ، وما وراء هذه الحياة من حياةٍ باقيةٍ ، ثَ إن هذا المثقف لا بُ دَّ له من رسالةٍ واضحةٍ ورؤيةٍ مبصرة وإدراكٍ لواجبه نحو خالقه ورجائه منه ﭽ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭼ . شخصٌ مثقَّ فٌ حر يصٌ على المنهج القويم والسلوك المعتدل في سائر أموره ﭽ ﭧ ﭨ ﭩ ﭼ. مصادر هذه الثقافة واسعةٌ وثرَّة وأصيلةٌ ومتجددةٌ ، مصدرها الأول ربانيٌّ يلمسه في الكتاب والسنة . له معرفةٌ بالأمم الصالحة ، والمجتمعات الفاضلة ، يُعنى بتتب ع أخبار ها والاقتباس من هدايتها والاهتداء بصلاحها ﭽ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭼ . له معرفةٌ بطرق الضلال وسُبُل الغ واية ، والأديان المحرَّف ة والوضعية ، والفلسفات الضالَّة والتيارات المنحرفة ، و البدع والأهواء ، والطوائف التي عرفت الحق وجحدته والتي ضلت عنه ، يحذرُها ويحذِّرُ الناس منها . خامس عشر : مرهف الحسّ : سورة الفاتحة ترققُ القلوب وتثيرُ الوجدان ، وتسمو بالأرواح وتحلِّق بها في آفاقٍ رحيبةٍ ، بتعظيم الله ومحبته ، والشوق إلى لقائه ، وحفظ العهد معه بعبادته وحده والاستعانة به ، وطلب الهداية منه . ولين القلوب ورقتها ب استحضار الاسمين الجليلين ﭽ ﭛ ﭜ ﭼ ما يرقِّق القلوب ويثير بواعث الشفقة والرفق . - المحرر الوجيز لابن عطية ( / 39) والجامع لأحكام القرآن للقرط ( / 2) .
عدد الصفحات ٣٠30 مرهف الحس: تذوبُ مشاعرُه مع أهل الإيمان ، ويشعرُ بالألفة والانسجام ، حتى صار يدعو بلسانهم ويطلب الخير لنفسه ولهم ﭽ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭼ فكأنهم جميعا قلبٌ واحدٌ وروحٌ واحدة، على حد قول الشاعر معبرا عن هذه الألفة والوحدة : لقد فنيتُ بك عني حتى ظننت أنك أني . وقول الآخر : يا أخي في الهند أو في المغرب أنت لي أنت مني أنت بي مرهفُ الحسِّ يحب أهل الإيمان ويطلب الخير لهم، ويَفقُ القلبُ شوقا ولهفةً للحاق بركب الصالحين . سادس عشر : شخصية قيادية رائدة : لابد لكل مجتمعٍ صالحٍ من مناراتٍ يهتد ي بها ، ونجومٍ يستنير بها ، ومُثُلٍ عليا يطمحُ إليها ، وتاريخٍ مشرقٍ يعلِّمه أبناءه ، ويلتمسُ منه العبرُ والعظاتُ ، ويستلهمُ منه البطولات والأمجاد ، وسورة الفاتحة يفوحُ منها عبقُ هذا التاريخ وتلوحُ تلك المنارات التي أضاءت للإنسانية طريق ها ﭽ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭼ والذين أنعم الله عليهم جاء بيانهُم في قوله تعالى : ﭽ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﭼ [النساء: 29 ] ،والقرآن الكريم سجلٌّ زاخرٌ بمآثر الأنبياء والصالحين ومناقبهم والدعوة إلى التأسي بالأنبياء والاقتداء بهم والتماس طريقهم واقتباس أنوارهم ﭽ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ ﭼ [الأنعام: 90 ]فمن أراد ا لقدوة الطيبة والأسوة الحسنة في شتى الميادين وسائر المجالات فسيجدها في قصص القرآن وسيرة نبينا وحياة الصحابة والتابعين والأئمة المهدي . مع ما في قراءة هذه السورة وتدب رها من خير وبركة وتثبيت للفؤاد وربطٌ للقلب وتزكيةٌ للنفس ، وقوة للعقل ، ورياضةٌ للذِّ هن ، ودُربةٌ على التفكير والاستنباط ، وطلب العون والهداية والاستقامة من الله ، وتلك من أهم مؤهلات القيادة ومقومات الريادة . سابع عشر : شخصيةٌ أبيةٌ : تدبر السورة الكريمة والعيش في معانيها يكسبُ المؤمن قوةً وإباءً ، وصلابةً ومنعةً ، فقلبه معلَّقٌ بربه ، ور وحهُ ترنو إلى منازل عاليةٍ فلا تُ بطُ إلى سفاسف الأمور : على قدحر أهل العزم تأتي العزائمُ ... وتأتي على قدحر الكرام المكارمُ
عدد الصفحات ٣١31 فتعظُمُ في عين الصَّغير صغارُها ... وتصغر في عين العظيم العظائمُ ( ) . شخصيةٌ أبية : كلما قرأتح السورة بتدب ر وخشوع يزيد إيمانها ومعرفتها بربها ومحبته وتعظيمه ، وثقتها بطريقها ، فتهون في ناظريها الحياةُ ، وتذل أمامها الصِّعابُ ، وتكتسبُ حصانةً وقوةً ومنعةً تواجهُ بها التحديات وتجابهُ الأزمات، وتصمدُ أمام أعاصير المحن ، ورياح الفتن ، فلا تذل ولا تُونُ . يقول الشيخ الدوسري - رحمه الله - : " عقيدة المسلم وأخلاقه المنبثقة من شعاره الصادق ، وضراعته الخالصة ب ﭽ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭼ هي في صميمها قوة بناءة ، وحركة دافعة إلى النمو المطرد ، وانطلاق إلى الحركة الدائبة في سائر المجالات التي بها تحقيق الذات ، وفرض الإرادة " ( ) . شخصية حرةٌ أبيةٌ لا تحني الجباه إلا لله ولا تخضع لأحد سواه ولا تستعين بغيره ﭽ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭼ . ثامن عشر : عاملٌ متعاونٌ : ﭽ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭼ : في طلب العون من الله – تعالى - دليلٌ على اشتغال العبد بالعمل الصالح ، فطلب العون لا يكون إلا لمن استغرق في عبادة أو طاعة أو عمل نافع يطلب العون على إتمامه ، فالمسلم يعملُ بجدٍّ وتفانٍ ، ويعاون الآخرين ليكون أهلا لعون الله – تعالى - (و اللَّهُ في ع وحن الحع بحد م ا ك ان الحع بحدُ في ع وحن أ خ يه ) ( ) ، والتعاون من معالم الشخصية المسلمة ومن القيم الإنسانية الرائعة والأسس الحضارية الرصينة ، وهو ضرورة من ضرورة الحياة ، لولاه لما استقامت ، فاللبنات المتناثرة هنا وهناك لا قيمة لها لكن حين يبنى بها جدارٌ متينٌ فترى البنيان مرصوصا تدرك أهمية التماسك ومتانة الترابط وقوة التعاون ، والإنسان لا ينهض وحده بكل متطلبات الحياة ، بل جعل الله الناس متفاوتين متفاضلين ليكمل بعضهم بعضا ، ويَدم بعضهم بعضا ، هذا على مستوى الأفراد والشعوب ، كذلك على مستوى الأمم ﭽ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﭼ [الزخرف : 3 . ] والحياة ليست كما يصورها أعداء ا لإنسانية صراعا وصداما ، واتكالا على الأسباب المادية وحدها ، لكنها كما يريدها الإسلام تعاون وتكامل ، وتنافسٌ في الخيرات ، والتماس العون من الله – تعالى - ، - للمتنبي . ينظر : ديوان المتنبي (ص377. ) - صفوة الآثار والمفاهيم للدوسري /9 . 3- رواه مسلم في صحيحه ، الذكر والدعاء والتوبة ، باب ف ضحل الا جحت م اع ع ل ى ت لا و ة الحقُرحآن و ع ل ى الذِّكحر 37 - ( 299 ) .
عدد الصفحات ٣٢