0 الكنز المنشود أثر تدبر سورة الفاتحة في صياغة الشخصية المسلمة إعداد أحمد بن محمد الشرقاوي أستاذ التفسير وعلوم القرآن الجامعة الإسلامية المدينة المنورة وجامعة الأزهر
عدد الصفحات ١1 بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة نزل القرآن الكريم هداية للناس وتوجيها لهم نحو ما فيه الخير والصلاح لدنياهم وأخراهم ، ومقاصد القرآن إنما تتحقق في مجتمعاتنا بقدر تدب ر نا وفهمنا للقرآن الذي به نجاتُنا وحياتُنا ، و هو الدرعُ الحصين الذي نواجه به التحديات ، والمخرجُ الآمن من الأزمات ، والمنهاجُ الذي نسير عليه ، والسراجُ الذي نبصرُ به ، والك تابُ الذي نتعبَّدُ بتلاوته ، ونرتقي بتدب ره و العمل به ، وهو طريقُ الفلاح والفوز بالنعيم الأبدي ، قال تعالى : ﭽ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭼ [ص: ٢٩] . فهذا الكتاب العظيم الشأن المبارك ، نزل لتدب ره ، والتدب ر مفتاحُ التذك ر ، والتذك ر يعني حضور القلب والوعي ، وهو منهج هدايةٍ وإصلاحٍ لمن تدبَّره ، ق ال الحح س ن : " و إ نمَّ ا ت د ب رُ آي ات ه ات ِّب اعُهُ ب ع م ل ه " ( ) ، فالقرآن ليس للتلاوة فحسب ، نعم في التلاوة أجرٌ عظيم وثواب جزيل ، لكن التدبر واجبٌ شرعيٌّ ، فهو السبيل إلى الاستجابة والعمل ، قال إياس بن معاوية: " مثل الذين يقر ؤو ن القرآن وهم لا يعلمون تفسيره كمثل قوم جاءهم كتابٌ من ملكهم ليلا وليس عندهم مصباحٌ ، فتداخلتهم ر وعةٌ ولا يدرون ما في الكتاب ، ومثلُ الذي يعرفُ التفسير كمثل رجلٍ جاءهم بمصباحٍ فقرءوا ما في الكتاب " ( ) . ولقد تأملتُ في سورة الفاتحة فوجدتُُا كنزا زاخرا ، نتلوها ونكررُ ها في صلواتنا بالليل والنهار ؛ في الخلوات والجلوات ، ولقد ورد فيها من الفضائل ما يحفِّ زنا على قراءتُا وتدب رها ، ويلفت أنظارنا إلى عظمتها وتفر دها ، ففيها صياغةٌ للشخصية الإسلامية ، وبناءٌ وارتقاءٌ بالمجتمع المسلم ، تلك الصياغة التي تحتاج لحرارة إيمانية عاليةٍ ، تصهر القلوب وتلينها ، وها نحن نقرأها بين يدي ربنا كلَّ يومٍ في صلواتنا ، فُرادى وجماعات ، لكني لمست عزوف أكثر الناس عن تدب رها وانصراف هم عن هداياتُا وحرمانهم من ثمراتُا ، و مما يبعثُ الأسى أن البعض ربم ا لا يقرؤ ها إلا للتبرك واستفتاح الأعمال ، غافلا عما فيها من حكم وأحكام ومقاصد ومعانٍ ، لها تأثيرها على النفوس ، مع تنويه الله تعالى في كتابه بفضلها ، ومع الأحاديث والآثار الكثيرة الواردة في فض ائلها ، ومع كثرة أسمائها وأوصافها ، وجلال مقاصدها وسموِّ أهدافها وروعة أسلوبها وتدف ق معانيها ، وثراء كلماتُا ، فهي كنزٌ زاخرٌ و طاقةٌ تتجددُ ولا تتبدَّ دُ ، وشجرةٌ مغدقةٌ بأطايب الثمرات . - شعب الإيمان للبيهقي (3 /704) . - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ( / 2) .
عدد الصفحات ٢٩ وصياغة الشخصية الإنسانية من أهمِّ مقاصد الدين ، فالفرد المسلم لبنةٌ في بناء المجتمع ، بصلاحه واستقامته وإيمانه وإيجابيته واعتداله وتوازنه ووعيه وثقافته ، ينهض المجتمع ويرق ى ، ويسعدُ دُنيا وأُخرى ، وحين نتأمل في واقعنا نلحظُ تلك المؤامرات المت لاحقة لسلخ المسلم عن هويته وانتزاعه من قيمه ، واستبدالها بقيم وأعراف غريبةٍ عن المجتمع ، أو الخلط بين القيم الإسلامية وإفرازات الديانات المحر فة والفلسفات والمذاهب الوضعية لتمييع الشخصية الإسلامية وتذويبها في بحار العولمة والتغريب . من هذا المنطلق راودتني فكرة هذا البحث ، الذي س يدور – بإذن - الله حول بيان أثر تدبر سورة الفاتحة في صياغة الشخصية المسلمة ، كيف أنها منهاجُ حياةٍ ، وقواعدُ إصلاحٍ للفرد والمجتمع ، كيف تنهضُ بقارئها ، كيف ترقى به إلى آفاق الفضيلة ، وللعلماء عندها وقفاتٌ جليلةٌ ، و نظراتٌ عم يقةٌ ، يحتاجُ التنقيبُ عنها للغوص بنف سٍ طويلٍ في كتب التفسير لاستخراج ما يتيسر من تلك الدرر التي تنتظم في قلادة الحمد وتعمِّقُ تدب رنا للسورة . أهداف البحث : صرف الأفكار ولفت الأنظار إلى عظمة سورة الفاتحة ، وتأثيرها العجيب ، وفضائلها الكثيرة وح كمة قراءتُا في الصلوات . العيش في رحاب سورة الفاتحة ، وتيسير تدب رها، وشحذ الهمم ، وجمع الف ك ر ، وتُيئة النفوس ، وتفتيح العقول لتدب رها . إبراز معالم الشخصية المسلمة وأُطُر صياغتها من خلال سورة الفاتحة. المساهمة في الدراسات القرآنية المتعلقة بالتدبر وتوجيهها توجيها عمليا ، ينتفع به الناس . بيان أثر القرآن الكريم في إصلاح النفس والمجتمع . الدراسات السابقة : للمفسرين وقفاتٌ ونظر اتٌ في سورة الفاتحة من خلال تفاسيرهم ، وهناك من أفردها بالتأليف ، ومنهم : الإمام عبدالعزيز بن أحمد بن سعيد الديريني 297ه في الأنوار الواضحة في تفسير الفاتحة . الإمام عفيف الدين عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني الشافعي (ت 427 )في التجارة الرابحة على مقاصد الفاتحة . الحافظ ابن رجب الحنبلي ( ت 497 : )تفسير سورة الفاتحة . الإمام محمد بن عبد الدائم بن محمد ،ابن بنت الميلق (ت494 ) :التجارة الرابحة في الدلالة على مقاصد الفاتحة .
عدد الصفحات ٣3 الشيخمحمد بن عبد الوهاب بن سليمان النجدي (ت 02) :تفسير سورة الفاتحة . ومن العلماء من أولاها عناية خاصة في مؤلفاته كالإمام ابن القيم - رحمه الله - . وكتب أخونا الشيخ د . عبد الحكيم بن عبد الله القاسم كتابا بعنوان " سورة الصلاة ترتج بها المساجد والمصليات، ولكن !! " ، طبعه المنتدى الإسلامي 7 ه ، في 47 صفحة فسر فيه السورة آية آية ، وذكر ما ورد في فضائلها وأبرز جملة من لطائف ها ، ساق كثيرا منها من كتب ابن القيم - رحمه الله - ، وشيخه الإمام ابن تيمية . أما عملي في هذا البحث فإبراز معالم الشخصية المسلمة التي يصوغها الإسلام في ضوء هذه السورة العظيمة وقد اطلعت على أهم ما كُ تب في الشخصية المسلمة لتتعمق الفكرة لدي وتتضح الرؤية لي من ذلك : الشخصية الإسلامية ، د. عائشة بنت الشاطئ ، ط دار العلم للملايين 39 ه، ويقع في 9 صفحة، أبرز مباحثه : الإسلام والإيمان . بشر لا ملائكة . بين المادية والروحية . بين العبادة والعمل . بين الدين والعقل . بين المحافظ والتجديد . الذاتية الإسلامية بين الفردية والجماعية . و أسلوبها أدبي فلسفي ، مع كثرة الاستطراد . شخصية المسلمكما يصورها القرآن ، د . مصطفى عبد الواحد فرغ منه سنة 349 ،ط مكتبة المتنبي ، ويقع في 70 صفحة، وله ثلاثة أبواب : أساس البناء العقيدة ، الثاني : صلة المسلم بربه ، الثالث : صلة المسلم بالناس : صدقه أمانته تسامحه صبره تعففه وقناعته استزادته من المعرفة ، قوته وصحته ، إباؤه وكرمه ، بذله للعون ، بُ عده عن الحرام ، ويكثر فيه الاستطرادات ولا أراه مندرجا تحت التفسير الموضوعي كما قد يوحي بذلك عن وانه . معالم الشخصية الإسلامية ، د عمر سليمان الأشقر ، ط مكتبة الفلاح بالكويت 399 ه ، ويقع في 74 صفحة من الحجم المتوسط، ومن أبرز عناوينه : صبغة الله ، العبادة ، العمل ، الدعوة ، التربية ، البصيرة ، العزة ، التمسك بالحق ، المجاهدة ، الثبات ، الرضا ، إدرا ك غاية الحياة . شخصية المسلم كما يصوغها الإسلام في ضوء الكتاب والسنة ، ط دار البشائر الإسلامية ، د. محمد علي الهاشمي يقع في 332 صفحة فرغ منه سنة 70 ه، وفيه تحدث عن علاقة المسلم بر به ، وعلاقته بأهله وجيرانه ، وعلاقته مع مجتمعه مبيِّ نا القيم والآداب الإسلامية . خطة البحث : وأقترح أن يكون هذا البحث من مقدمة ومبحثين :
عدد الصفحات ٤4 المبحث اول : أسماء سورة الفاتحة وأوصافها وفضائلها. المبحث الثاني : أثر تدبرها في صياغة الشخصية المسلمة . 1. شخصٌ ربا . ٩. شخصيةٌ مؤمنةٌ . 3. شخصٌ رحيمٌ. 4. شخصٌ عادلٌ. 5. شخصٌ متحررٌ . 6. عابدٌ لربه . 7. يعملُ في جماعةٍ. 7. شخصٌ طموحٌ راقٍ . ٢. وسطي . 10. إيجا. 11. شخصيةٌ متوازنة. ٩. شخصية سوية . 13. شخصية واعية. 14. شخصٌ مثقَّفٌ. 15. مرهف الحس. 16. شخصية قيادية رائدة . 17. شخصيةٌ أبيةٌ . 11. عاملٌ متعاونٌ. ٢. يؤدي واجباته ويعرف حقوقه . 0. شخصية ثابتة. الخاتمة وفيها النتائج والتوصيات ومراجع البحث . منهج البحث
عدد الصفحات ٥5 . تدبر سورة الفاتحة وا قتباس الهدايات التي تساهم في صياغة الشخصية المسلمة التي يرتكز عليها المجتمع . . جمع ما تيسر من اللطائف والفوائد - المتعلقة بصياغة الشخصية و التي استنبطها العلماء أو تجلَّت لهم من خلال سورة الفاتحة – من بطون كتب التفسير وغيرها ، مع التعليق على ما يحتاج لتعليق ، وربطها بالواقع . 3. بيان سماتالشخصية المسلمة في ضوء سور ة الفاتحة ، مع تجلية أثر قراءة السور ة في إصلاح النفس .
عدد الصفحات ٦6 المبحث اول : أسماء السورة وأوصافها وفضائلها تحتاج النفوس في تغييرها وصياغتها إلى طاقة متوهجة ، وانطلاقة قوية ترتكز على قاعدة حصينة ، والقرآن الكريم هو الركيزة الأساسية بما يرسِّخه من إيمان ومعرفة ، وقيمٍ وأخلاق ، واعتقاد وسلوك ، من هنا تأتي أهمية التلاوة والتدبر وأثرهما العظيم في صياغة الشخصية المسلمة التي تعظ م كتاب ربها وتأخذه بقوة وعزيمة ، والفاتحة أعظم سورة في القرآن ، لها من الفضائل والمزايا ما لم يجتمع لغيرها من سور القرآن ، فهي سورة الصلاة وسورة الشفاء ، و مما يعين على تدب ر هذه السورة والمداومة على تلاوتُا والجدِّ في التماس بركاتُا واقتباس أنوارها ، ما حُفَّت به من فضائل وما زُفَّت به من محامد ، وما لها من أسماء وأوصافٍ ، تجعلُ القارئ أشدَّ شوقا وأعظم حرصا على الانتفاع بها ، فقد أثنى الله عليها في كتابه ، ونوَّه النبي ونبَّه على فضائلها. المطلب الأول : أسماء السورة وأوصافها : لسورة الفاتحة أسماءٌ عديدة وأوصافٌ مديدة ، منها ما هو توقيفيٌّ ومنها ما هو توفيقيٌّ ، وقد عُني العلماءُ بذكرها وبيانه ا ، وربما خل ط بعضُ هم بين الأوصاف والأسماء والفضائل ، حتى عدَّ السيوطي لها فوق العشرين اسما ، قال : "وقد وقفتُ لها على نيِّ فٍ وعشرين اسما ، وذلك يدل على شرف ها ، فإن كثرة الأسماء دالةٌ على شرف المسمَّ ى " ( ) . وقال الفيروز أبادي في البصائر : " أسماؤها قريبة من ثلاثين: الفاتحة، فاتحة الكتاب، الحمد، سورة الحمد، الشافية، الشفاء، سورة الشفاء، الأ ساس، أ ساس القرآن، أُم القرآن، أُم الكتاب، الوافية، الكافية، الص لاة، سورة الص لاة ، الس بع المثاني؛ لأنها ت ُث حنى في كل صلاة، أ و لاشتمالها على الثَّناء على الله تعالى، أ و لتثنية نزولها، سورة الفاتحة، سورة الثناء، سورة أُم القرآن، سورة أُم الكتاب، سورة الأًساس، الر قحية، لقوله (وما أ دراك أ نه ا رُقحية ) " ( ) . و سمُ يت السورة الكريمة بفاتحة الكتاب والفاتحة ديباجته ، حيث استفتح الله – تعالى - بها آخر كُ تبه المنز ل على خاتم رسله ، فكانت عنوانا ودليلا على هذا الكتاب ، يطوي لنا في أوجز بيان وأيسر عبارةٍ مقاصد ه الجليلة ، ومعاني ه الجامعة ، وفاتحة الكتاب تدل على مضمونه ومقصو ده ، ففيها من روعة الاستهلال وحُ سح ن المطلع ما ي ُ بح ه رُ البُ لغاء ويُطربُ الأُ دباء ، ومن ثَ َّ فقد أعطتنا السورةُ مقدمةً موجزة لهذا الكتاب ، تطوي لنا مقاصد ه وتمهِّد لمعانيه ، بما اشتملت عليه من كلياتٍ - الإتقان في علوم القرآن ( / 74) - بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز ( / 77) وسيأتي تخريج الحديث .
عدد الصفحات ٧7 وعموميات توطئةً لما يليها من تفصيل وبيان ، وهذا هوسر تسميتها بأم الكتاب وأم القرآن ، و وصفها بأعظم سو ره ؛ لأنها تضم مقاصده وتحوطُ بمعانيه ، ولكونها تقدِّم لنا رسالة الإسلام في كلماتٍ يسيرة ، جمعت بين المعرفة والغاية والمنهج والثمرة : معرفة الله – تعالى - وحقِّه على العباد ، والغاية التي من أجلها خُ لقنا ، والمنهج الذي نترسَّم به طريق نا نحو تحقيق هذه الغاية الأسمى ، والثمرة التي نرجوها من وراء سعينا نحو غايتنا . وحيث نزل القرآن خطابا للإنسان وهداية له ومنهاجا ؛ فقد جاءت الفاتحةُ ببيان رسالة الإنسان في هذا الوجود ، ونظرته للكون والحياة ، والتعريف بأصل ه ونشأته ، والتبص رة بآمال ه وطموحات ه التي ينبغي أن ينشد ها ويسعى لها ، وبيان معالم المنهج الذي يترسمَُّ ه والقدوة الصالحة التي يتمث َّ لُ ها مع التحذير من المسالك المعوجَّة والبراءة من سالكيها . وهي أم الكتاب وأم القرآن ؛ لأنها جمعت مع إيجازها أصول ا لإيمان : الإيمان بالله – تعالى - وصفاته العلى ، والإيمان باليوم الآخر ، و الإيمان بالقدر ، والإيمان بالرسل والكتب التي أنزلها الله تعالى لتبينِّ هذا الصراط ، والإيمان بجميع العوالم الغيبية فضلا عن المشاهدة ، ومن جملة تلك العوالم : الملائكة الذين هم سفراءُ الوحي ، والإيمان بما قصَّ ه القرآن على وجه الإجمال و التفصيل من أحوال السابقين ومواقفهم من الصراط ومصيرهم ، فضلا عن إعلان الولاء للمهتدين والبراء من الذين عرفوا الحق فجحدوه ، فباءوا بغضب من الله ، والذين ضل وا عنه فتخبَّطوا في متاهات الضلال . ومن جوامع هذه السورة الكريمة اشتمالها على حق الله - تعالى - على عباده وحقهم عليه جلَّ وعلا ، فحقه عليهم حمده و إخلاصُ العبادة له ، وحقهم عليه رعايتهم ورحمتهم ومعونتهم وهدايتهم والإنعام عليهم . وهي سورة الحمد لما اشتملت عليه من محامد ، فقد استُ هل ت بالحمد لله على ربو بيته لهذه العوالم ، ولما اتصف به من صفات الكمال والجلال ، وهي سورةٌ من بين خمس سور استُ فتحت بالحمد . وسميت بالسبع المثاني لأنها سبعُ آيات ، ولكونها تثنى في الصلاة مما يدل على عظمت ها وجلاله ا وما انطوتح عليه من معانٍ جامعة ، جديرةٍ بأن تُكرَّر ، و لمسيس حاجة المؤمن لقراءتُا مرات عديدة في يومه وليلته ، قال تعالى : ﮋ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﮊ [الحجر: 17 ] ، والتعبير بالإيتاء لبيان عظم المنة وخصوصيتها ، فهي عطاءٌ لا يضارعُه عطاء ، وقرةُ عينٍ ونعيم لا ينفدُ ، وكنزٌ لا يبيدُ ، ونهرٌ مطَّرد ؛ لذا أعقب الله هذه الآية بقوله : ﮋ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﮊ [الحجر: 11 ]،و ع نح أ ب هُر ي حر ة ق ال:
عدد الصفحات ٨1 ق ال ر سُولُ اللَّه ( : ﭽﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭼ أُم الحقُرحآن و أُم الحك ت اب و السَّبحعُ الحم ث ان ) ( ) ، من هنا يظهر لنا سر تسميتها بالسبع المثاني لأن آياتُا نرددها في كل الصلوات ، وتكرارها للتذكير بمعانيها واستحضارها ،كذلك لت جديد العهد مع الله – تعالى - ، وحفز النفوس وشحذ الهمم وتقوية العزائم ؛كي تمضي قُدُمًا على طريق الهداية ، وفي التكرار أيضًا تجديد الإيمان ، وزيادته ، وفي تثنيتها إلحاحٌ في الدعاء والطلب ، وفي تكرارها شفاءٌ للأرواح ورواحٌ للقلوب وزكاةٌ للنفوس. ومن أوصافها : سورة ال رقية وسورة الأساس وسورة الشفاء ؛ لكونها أساس القرآن ، ولتأثيرها العظيم كرقية وعلاجٍ للأمراض البدنية والنفسية ، وهي مجربةٌ كما سيأتي في فضائلها . المطلب الثاني : فضائلها أولا : أعظم سورة في القرآن : القرآن كله عظيمٌ ، فهو كلام ربنا العظيم ، نزل بمقاصد عظيمة ، واشتمل على معانٍ كلها عظيمة ، وقارئه تتجلى له عظمة منزِّله في كل آيةٍ ، وفي كل معنى وفي كل خطاب ، وسورة الفاتحة هي أعظم السور ، لها من المزايا و الفضائل ما لم يجتمع لغيرها ، ع نح أ بي س ع يد بحن الحمُع لَّى ق ال: كُنحتُ أُص لِّي في الحم سحج د ف د ع اني ر سُولُ اللَّه َ ف ل مح أُج بحهُ ، ف قُلحتُ : ي ا ر سُول اللَّه إ نيِّ كُنحتُ أُص لِّي . ف ق ال : ( أ لم ح ي قُلح اللَّهُ : اسحت ج يبُوا ل لَّه و ل لرَّسُول إ ذ ا د ع اكُمح ل م ا يحُحي يكُمح )، ثَُ ق ال لي : ( لأ ُع لِّم نَّك سُور ةً ه ي أ عحظ مُ الس و ر في الحقُرحآن ق بحل أ نح تخ حرُج م نح الحم سحج د ) ثََُّ أ خ ذ ب ي د ي ف ل مَّا أ ر اد أ نح يَ حرُج ق ُلح تُ ل هُ : أ لم ح ت قُلح لأ ُع لِّم نَّك سُور ةً ه ي أ عحظ مُ سُور ةٍ في الحقُرحآن ؟ ق ال : ( الْحَمْد لِلَّهِ رَب الْعَالَمِينَ :ه ي السَّبحعُ الحم ث اني و الحقُرحآنُ الحع ظ يمُ الَّذ ي أُوت يتُهُ ) ( ) . يلفت النبي هذا الصحابي إلى عظمة السورة بهذا الأسلوب المشوِّق ؛ ترغيبا في تلاوتُا وحثًّا على تدب رها وتمث لها ؛ لنيل خيراتُا وجني ثمراتُا . ثانيا : سورة الصلاة : - رواه البخاري في صحيحه كتاب التفسير ب ابُ ق وحل ه و ل ق دح آت ي حن اك س ب حعًا م ن الحم ث اني و الحقُرحآن الحع ظ يم ح77 4 . - رواه البخاري في صحيحه ك ت اب فضائل القرآن - ب اب م ا ج اء في ف اتح ة الحك ت اب حديث 7 7 .
عدد الصفحات ٩٢ الفاتحة سورة الصلاة يناجي بها المؤمن ربَّه في اليوم والليلة ، يبحرُ في معانيها ، ويغوصُ في دقائق ها ، ويحلِّقُ في أجوائها ، و يُرطِّبُ قلب هُ بكلماتُ ا ، ويُروِّحُ فؤاده بنسمات لطائفها ، وهو واقفٌ بين يدي ربه في خشوعٍ ، يقر ؤ ها في كلِّ ركعةٍ يصلِّيها فلا يزدادُ تكرارُ ها إلا عذوبةً وحلاوةً ، فهي السبع المثاني ، التي تُثنىَّ في كلِّ صلاةٍ ، ويعاهد ربه على عبادته وحده والاستعانة به ، ويطلب الهداية منه وأن يرزقه الاستقامة ، ولأنها سورة الصلاة والمناجاة فلقد حسُن استهلالها بالحمد ، فهو خيرُ ما نستهل بها مناجاة خالقنا وبارينا وقد خُت م تح بالدعاء . " فأو ل السورة رحمة ، وأوسطها هداية ، وآخرها نعمة. وحظ العبد من النعمة على قدر حظ ه من الهداية، وحظ ه منها على قدر حظ ه من الرحمة ، فعاد الأمر كل ه إلى نعمته ورحمته " ( ) . و قد جرت عادة الأدباء والبلغاء من تدبيجهم خطبهم وقصائدهم بقلائد الحمد وأكاليل الثناء ، كما قال الشاعر مادحا : أ أ ذحكُرُ حاجتي أم ق دح ك فاني ... حياؤك إن شيمت ك الحياءُ إذا أثنى عليك المرءُ يوماً ... كف اه عن تعر ضه الثناءُ ( ) . ع نح أ ب هُر ي حر ة ع ن النَّب ِّ ق ال : ( م نح ص لَّى ص لا ةً لم ح ي قحر أح ف يه ا ب أُمِّ الحقُرحآن ف هحي خ د اجٌ - ث لا ثًا - غ ي حرُ تم امٍ ) ، ف ق يل لأ ب هُر ي حر ة : إ نَّا ن كُونُ و ر اء الإ م ام ؟ ف ق ال اق حر أح به ا في ن فحس ك ف إ نيِّ سم عحتُ ر سُول اللَّه ي قُولُ : ( ق ال اللَّهُ – ت ع الى - : ق س محتُ الصَّلا ة ب يحني و ب ينح ع بحد ي ن صحف ينح و ل ع بحد ي م ا س أ ل ف إ ذ ا ق ال الحع بحدُ : ﭽ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭼ ق ال اللَّهُ – ت ع الى - : حم د ني ع بحد ي ، و إ ذ ا ق ال : ﭽ ﭛ ﭜ ﭼ ، ق ال اللَّهُ – ت ع الى - : أ ث حنى ع ل ىَّ ع بحد ى ، و إ ذ ا ق ال : ﭽ ﭞ ﭟ ﭠ ﭼ ، ق ال : مج َّد ني ع بحد ي ، و ق ال م رَّةً : ف وَّض إ لي َّ ع بحد ي ، ف إ ذ ا ق ال : ﭽ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭼ ، ق ال : ه ذ ا ب يحني و ب ينح ع بحد ي و ل ع بحد ي م ا س أ ل ، ف إ ذ ا ق ال : ﭽ ﭧ ﭨ ﭩ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭼ ق ال : ه ذ ا ل ع بحد ي و ل ع بحد ي م ا س أ ل ) ( ) . ثالثا : سورة الشفاء والرقية : - الفوائد لابن القيم ( / 0) . - قالهاأميةُ بنُ أبي الصلت يمدحُ عبد الله بن جُدحعان . ينظر : عيون الأخبار لابن قتيبة (3/ 27) . 3 - رواه البخاري في صحيحه كتاب الصلاة ب اب وُجُوب ق ر اء ة الحف اتح ة في كُلِّ ر كحع ةٍ و إ نَّهُ إ ذ ا لم ح يحُحس نح الحف اتح ة و لا أ محك ن هُ ت ع ل م ه ا ق ر أ م ا ت ي سَّر ل هُ م نح غ يرح ه ا حديث 907 .
عدد الصفحات ١٠10 اشتملتالسورة على أعظم ترياقٍ ؛ ففيها تعظيم الله ومحبته ، و قد جمعت بين الرهبة والرغبة ، وامتزج ت فيها حرارةُ الخوفُ مع نسيم الرجاء ، ور وح الإيمان مع برد اليقين ، وإخلاص العبادة مع تمحيض الاستعانة ، فكان لها تأثيرها العميق في تزكية النفوس و شفاء الأرواح و عافية الأبدان ، ع نح أ بي س ع يدٍ الخحُدحر يِّ ق ال: كُنَّا في م س يرٍ ل ن ا ف ن ز لحن ا ، ف ج اء تح ج ار ي ةٌ ف ق ال تح إ نَّ س يِّد الحح يِّ س ل يمٌ ، و إ نَّ ن ف ر ن ا غ يحبٌ ف ه لح م نحكُمح ر اقٍ ؟ ف ق ام م ع ه ا ر جُلٌ م ا كُنَّا ن أحب ُنُهُ ب رُق حي ةٍ ف ر ق اهُ ف ب ر أ ، ف أ م ر ل هُ ب ث لا ث ين ش اةً و س ق ان ا ل ب نًا ، ف ل مَّا ر ج ع ق ُلحن ا ل هُ : أ كُنحت تحُحس نُ رُق حي ةً أ وح كُنحت ت رحق ي ؟ ق ال لا م ا ر ق يحتُ إ لاَّ ب أُمِّ الحك ت اب ، ق ُلحن ا : لا تحُحد ثُوا ش يحئًا ح تىَّ ن أحتي أ وح ن سحأ ل النَّبي َّ ، ف ل مَّا ق د محن ا الحم د ين ة ذ ك رحن اهُ ل لنَّبي ِّ ف ق ال : ( و م ا ك ان يُدحر يه أ ن َّه ا رُق حي ةٌ ؟ اقحس مُوا و اضحر بُوا لي ب س هحمٍ ) ( ) . فهي سورة الصلاة وسورة الرقية والشفاء ، تغمرُ صاحب ها بالسكينة وتغشاه بالطمأنينة ، حين يلهج لسانُ ه بحمد من تفرَّد بالحمد ، ويجري على لسانه أسماء الله الحسنى التي تملأ القلب يقينا وثباتا ، وخشوعا وإجلالا وتعظيما ، ومحبةً ورجاءً ، فمالك يوم الدين هو الذي وسعت رحمته كل شيء ، هنالك يطمئن العبد على حاضره ومستقبله ، وتقر عينه وينشرح صدره ويبتهج فؤادُه ، وهي سورة الشفاء فيها استحضارٌ لعظمة الله ﭽ ﭘ ﭙ ﭼ و استمطارٌ لرحم ته ﭽ ﭛ ﭜ ﭼ و الخشوع له ﭽ ﭢ ﭣ ﭼ ، والتماس العون منه وحده ﭽ ﭤ ﭥﭼ و طلب الهداية منه ، ﭽ ﭧ ﭨ ﭩ ﭼ ، ومدح أهل الاستقامة ، ﭽ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭼ ودحر وإقصاء أهل الزيغ والانحراف ﭽ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭼ ، وحضور الملائكة عند التأمين ، وهذا يعني إقصاء وقمع الشياطين ، من هنا يتجلى لنا خصوصية هذه السورة في الرقية والشفاء ، والقرآن كل ه شفاءٌ وترياق . قال ابن القيم - رحمه الله - : " و ق دح ق يل إن م وحض ع الر ق حي ة م ن حه ا : إ ي اك ن عح بُدُ و إ ي اك ن سحت ع ينُ و ر يحب أ ن ه ات ينح الحك ل م ت ينح م نح أ ق حو ى أ جحز اء ه ذ ا الد و اء ف إ ن ف يه م ا م نح عُمُوم الت فحو يض و الت و ك ل و الا لحت ج اء و الا سحت ع ان ة و الا فحت ق ار و الط ل ب و الجح محع ب ينح أ عحل ى الح غ اي ات و ه ي ع ب اد ةُ الر ب و ححد هُ و أ شحر فُ الحو س ائ ل و ه ي الا سحت ع ان ةُ ب ه ع ل ى ع ب اد ت ه م ا ل يحس في غ يرح ه ا ، و ل ق دح م ر بي و قحتٌ بم ك ة س ق محتُ ف يه و ف ق دحتُ الط ب يب و الد و اء ف كُنحت أ ت ع ال ُ به ا آخُذُ ش رحب ةً م نح م اء ز محز م و أ ق حر ؤُه ا ع ل ي حه ا م ر ارًا ، ثَُ أ شحر بُهُ ف و ج دحتُ ب ذ ل ك الحب ُرحء الت ام ، ثَُ - رواه البخاري في صحيحه ك ت اب الطِّبِّ ب اب الر ق ى ب ف اتح ة الحك ت اب حديث 72 3 ، ورواه مسلم في صحيحه ك ت اب السَّلا م ب اب ج و از أ خحذ الأحُجحر ة ع ل ى الر ق حي ة ب الحقُرحآن و الأح ذحك ار حديث 7070 .قال الإمام النووي: " ق وحله : ( م ا كُنَّا ن أحب نُهُ ب رُق حي ة ) : هُو ب ك سحر الحب اء و ض م ه ا أ يح ن ظُن هُ ك م ا س ب ق في الرِّو اي ة الَّتي ق بحله ا ، و أ كحث ر م ا يُسحت عحم ل ه ذ ا اللَّفحظ بم عحنى ن تَّه مهُ ، و ل ك نَّ الحمُر اد هُن ا ن ظُن هُ ك م ا ذ ك رحن اهُ . و اللَّهُ أ عحل م . " شرح النووي على صحيح مسلم 4 /370 .
عدد الصفحات ١١11 ص رحت أ عحت م دُ ذ ل ك ع نحد ك ث يرٍ م نح الأح وحج اع ف أ ن حت ف عُ به ا غ اي ة الا نحت ف اع " ( ) . وقال أيضا : " وأما شهادة التجارب بذلك فهي أكثر من أن تُ ذكر ، وذلك في كل زمان ، وقد جر بت أنا من ذلك في نفسي وفي غيري أمورا عجيبة ولا سيما مدة المقام بمكة ، فإنه كان يعرض لي آلام مزعجة بحيث تكاد تقطع الحركة مني وذلك في أثناء الطواف وغيره ، فأبادر إلى قراءة الفاتحة وأمسح بها على محل الألم فكأنه حصاة تسقط ، جر بت ذلك مرارا عديدة ، وكنت آخذ قدحا من ماء زمزم فأقرأ عليه الفاتحة مرارا فأشربه فأجد به من النفع والقوة ما لم أعهد مثله في الدواء ، والأمر أعظم من ذلك ، ولكن بحسب قوة الإيمان وصحة اليقين ، والله المستعان " ( ) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - قد س الله روحه - : " تأملت أنفع الدعاء فإذا هو سؤال العون على مرضاته ثَ رأيته في الفاتحة في إياك نعبد وإياك نستعين " ( ) . رابعا: نورٌ أوتيه نبي نا لم يؤته أحدٌ من قبله : كذلك تدل أوصافها على مقصودها : فهي نورٌ يض يء لنا معالم الطريق إلى الله ، نورٌ لقلوبنا وبصائرنا ، نورٌ للأذهان ، نورٌ يزيدُنا هُدًى وبصيرةً نورٌ يُزيِّنُ حياتنا ، ع ن ابحن ع بَّاسٍ - رضي الله عنهما - ق ال : " ب ي حن م ا ج برح يلُ ق اع دٌ ع نحد النَّبي ِّ إذ سم ع ن ق يضًا م نح ف وحق ه ف ر ف ع ر أحس هُ ، ف ق ال : ه ذ ا ب ابٌ م ن السَّم اء فُت ح الحي وحم لم ح ي ُفحت حح ق ط إ لاَّ الحي وحم ف ن ز ل م نحهُ م ل كٌ ف ق ال : ه ذ ا م ل كٌ ن ز ل إ لى الأ رحض لم ح ي نحز لح ق ط إ لاَّ الحي وحم ف س لَّم و ق ال : أ بحش رح ب نُور يحن أُوت يت هُم ا لم ح ي ُؤحت هُ م ا ن ب ٌّ ق ب حل ك : ف اتح ةُ الحك ت اب و خ و ات يمُ سُور ة الحب ق ر ة ، ل نح ت قحر أ بح رحفٍ م ن حهُم ا إ لاَّ أُعحط يت هُ " ( ) .. فإذا قام العبدُ للصلاة مستحضرا عظمة هذه السورة الكريمة وفضائلها ، مع جلال ورهبة الوقوف بين يدي ربه وحلاوة ولذة مناجاته ، وذوق وموجدة حديثه ، كان حريًّا بتدبر معانيها والغوص في دقائقها واجتلاء أنوارها وجني ثمارها . فأفضى القلب إلى معاني القرآن ، ووقع في رياضه المونقة وشاهد عجائبه التي تبهر العقول ، واستخرج من كنوزه وذخائره ما لا يَطر ببال . - زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم (7 / 2 ) - مدارج السالكين لابن القيم ( / 74) . 3- نفس المرجع ( / 47) . 7 - رواه مسلم في صحيحه ك ت اب ص لا ة الحمُس اف ر ين و ق صحر ه ا ب اب ف ضحل الحف اتح ة و خ و ات يم سُور ة الحب ق ر ة و الحح ثِّ ع ل ى ق ر اء ة الآحي ت ينح م نح آخ ر الحب ق ر ة حديث 9 3 .
عدد الصفحات ١٢٩ المبحث الثاني : أثر تدب رها في صياغة الشخصية . تمهيد بناء الشخصية لا يقوم إلا على أسس متينة ، ومنهجيةٍ قويمة ، تراعي طبيعة الإنسان وتلبي نداء فطرته ، وتحفظ له إنسانيته ، وتجعل منه شخصا متوازنا ، نافعا لنفسه ولغيره ، محبًّا لدينه ولوطنه ولأهله وعشيرته ، هذا البناء المحكم أساسه الإيمان ، وسياجه تقوى الله ، ومنارُه رضا الله ، وعناصر هذا البناء النفسُ الإنسانية بعنصريها : الروح والجسد ، النفس الإنسانية بما تطويه بين جوانحها من قلبٍ ، وبما تفيضُ به من مشاعر ، لقد عجزت كل الن ظم وقصرت كل الفلسفات وأخفقت الأديان المحر فة والو ضعية وفشلت المذاهب والقوانين في صياغة الشخصية الإنسانية ، فلا سبيل لذلك إلا بالمنهج الرباني الذي بي نه رب العالمين من خلال الإسلام الذي ارتضاه دينا للعالمين ، ذلك الدين الذي يجمع بين العقيدة والسلوك ويربط بين العاطفة والفكر ، ويوفِّق بين العبادة والعمل ، " إنه دين حي ليس دينا عقليا يعيش في العقل أو في فلسفة أو في مكتبة ، بل عقيدة عمل وسلوك وأخلاق ، وعاطفة وشعور وذوق ، يسيطر على الفكر والمشاعر ، ويتحكم في موازين الأشياء والقيم ، إنه يسبك الإنسان سبكا جديدا " ( ) . لقد جاء القرآن لإصلاح الإنسان وتزكيته وصياغة شخصيته وصبغته كما يريده الله تعالى له ويرضيه عنه ، قال تعالى ﭽ ﮚ ﮛﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﭼ [البقرة : 37 ] ، فالإيمان بالله – تعالى - وكتبه ورسله ، والاقتداء بهم واتباعهم هو المعل مُ الرئيسُ للشخصية المسلمة " فالمسلم يمتاز بأنه صبغة إلهية ، وهذا يوجب علينا أن نتوجه إلى الإسلام نستمد منه عقائد نا وتصوراتنا ، ونرسم أهدافنا وغايتنا في ضوء تعاليمه ، ونقيِّمُ سلوكنا وأعمالنا وعلاقاتنا مهتدين بهديه " ( ) . إن هناك محاولاتٍ مستميتةً لانتزاع المسلم من دينه وفصله عن حياته ، وتمييع شخصيته ، أو تذويبها في قوالب غريبةٍ عن ديننا وقيمنا وأصالتنا وتاريَنا ، بدعوى التحض ر والتط ور ، أو تحت شعار الدمج والتغريب أو العولمة ؛ لطمس معالم هذه الشخصية ومسخها ، وإخراجها في ثيابٍ مُرقَّعة وفي صورةٍ مُزحر يةٍ ت ُق لِّد عن غير وعيٍ أعداء الإنسانية وتسيرُ على خطاهم ، وتنهزمُ أمام أفكار هم وتنطرحُ على طريقهم ، وترتمي في أحضانهم ، وتسلِّم لهم القياد في تبعيةٍ مُُزيةٍ وسلبيةٍ مُرحد ي ة . - العقيدة والسلوك في ضوء الكتاب والسنة ، لأبي الحسن الندوي ص 23 . - معالم الشخصية الإسلامية ، د. عمر سليمان الأشقر ص 9 .
عدد الصفحات ١٣13 وأن لهذه المحاولات أن تحقق أهدافها وبين أيدينا حصنٌ متينٌ ونبراس مبين ودرعٌ حصينٌ ، كتابُ ربِّنا عصمتُنا ونجاتُنا ومُرجُنا من هذا الليل الطويل ، قال تعالى : ﭽ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﭼ [الأنعام: 77 ]،ﭽ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭼ [النحل: 79 ]. ولسورة الفاتحة تأثيرٌ كبيرٌ في صياغة الشخصية المسلمة ، فهي تمد نا ونحن نقرؤ ها ليل نهار بهذا الوقود الحيوي وتلك الطاقة المتجددة من خلال ما تغرسُه فينا من محبة الله وتعظيمه وتمجيده ومعرفته وعبادته ، والاستعانة به وحده وطلب الهداية منه ، والولاء لأهل الهداية والاستقامة ، والبراء والحذر من أهل الجحود والغواية ، وهي مفتاحٌ للشخصية المسلمة ، يفتح مغاليقها ويسري إلى مركزها ، وهي زادٌ ونبراسٌ لنهوضها ، ووقودٌ حيويٌّ لانطلاقها وارتقائها ، وذلك بتلاوتُا ومعايشتها وتدب رها ؛ إذ لا يمكن أن تتحقق هذه الخيرات وتتفتق هذه الثمرات بدون تدب رها والنَّظر في معانيها . " ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقه ، ولا خير في فقه ليس فيه تفهم ، ولا خير في قراءة ليس فيها تدبر" ( ) . قال ابن القيم عن أولئك الذين حُرموا من التدب ر : " وهؤلاء لا يجدون حلاوة العبادة ولا لذتُا ولا يتنعمون بها ، وليست الصلاةُ قرة أعين هم ، وليست الأوامرُ سرور قلوبه م وغذاء أرواحهم وحياتُم ، ولهذا يسم ونها تكاليف ، أي قد كُلِّفوا بها ولو سمى مدَّعٍ لمحبة م ل كٍ من الملوك أو غير ه ما يأمرُه به تكليفا ، وقال إني إنما أفعلُه بكُلفةٍ لم يعد ه أحدٌ محبًّ ا له " ( ) . هذا وللأجواء أو المقامات التي ت ُقحر أُ فيها السورةُ سيَّما الصلوات ، مع ما اشتملت عليه الفاتحة من طلب العون من الله والدعاء بالهداية أعظمُ الأثر في إصلاح النفس وتزكيتها ، وفي تكرار هذه السورة في اليوم والليلة إرادةٌ وتصميمٌ من العبد على طريق الهداية والاستقامة ، والإرادةُ هي الوقود اللازم لانطلاقة التغيير . أولا : شخصٌ رباني : إنَّ أول ما يستفتح الله – تعالى - به فاتحة كتابه بيان استحقاقه للحمد ، فهو تعالى رب الأكوان ، وهبها الوجود ، ودبَّ ر حياة كل موجود ، وربوبيته للعالم عامة وخاصة ، ربوبية عامة تشمل المؤمن والكافر ، المطيع والعاصي ، فهو تعالى رب كل شيء ومليكه وخالقه ، ورازقه ومدبره ، و ربوبية خاصة لأهل الإيمان يرب يهم ويهديهم ويحفظهم ويعل مهم ويرشدهم ، ويشرِّع لهم ما يصلحهم - مُتصر قيام الليل لمحمد بن نصر المروزي ( / 7) . - مدارج السالكين - ( / 72) .
عدد الصفحات ١٤14 في معاشهم ومعادهم ، حينما يقرأ العبد : الحمد لله رب العالمين يدرك أن لهذا الكون خالقا مدبرا ، رازقا مقدِّرا يستوجب الحمد على ربوبيته لهذا العالم ، ولكل العوالم المرئية وغير المرئي ة ، المشاهدة والغيبية ، هو و حده الذي يشرِّ ع لعباده ، ومنه وحده ال عون والهداية ، فهو جديرٌ بأن يتفرَّد بالحمد على كمال ربوبيته ، حينما نلهج ب رب العا نقر بأن الأمر أمرُه والحكمحكمُه ، وأننا عبيدُه نصدرُ عن أوامره ، ونُ صدِّ ق برسالاته . و الشخصُ الرباني غايتُ هُ المنشودة رضا ربه ، ومنهاجه دينُه الذي ارتضاه لعباده ، وشعاره في هذه الحياة ﭽ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﭼ [الأنعام: 2 ] ، وإيمان العبد بربوبية الله للعالم مما يزيده تعظيما ومحبة لله ، وإجلالا وتقديسا له ، ورغبة ورهبة فيه ، و خوفا ورجاء ، وثقة ويقينا ، وطمأنينة وثباتا ، كلما قرأ الفاتحة يستشعر هذه المعاني ، و يستحضره ا ، و تترسَّخ لديه ، حين يعلم أن للكون ربًّ ا مدبِّ را حافظا ، فيمسي ويصبح قرير العين منشرح الصدر قوي الجنان ، حين يعلم بأن الله يتعه د عباده المؤمنين بالرعاية والحفظ و الهداية والتربية ، حين يوقن أنه المشرِّع لعباده ، فشريعته هي التي تجب أن تسود وكتابه رسائل لا بد من العمل بها ، وتلك من ثمرات التدبر ، أن يعي الناس معاني الربوبية ومقتضياتُا . قال الحسن البصري - رحمه الله - : " إن من ك ان قبلكم رأوا القُرآن رسائل من ر بهم فكانوا يتدبرونها بالليل، وينفذونها بالنهار " ( ) . وقال الغزالي - رحمه الله - : " قال بعض العلماء : هذا القرآن رسائل أتتنا من ق بل ربنا بعهوده نتدبرها في الصلوات ونقف عليها في الخلوات ، وننفذها في الطاعات والسنن المتبعات " ( ) ثانيا : شخصيةٌ مؤمنةٌ : تستوعب سورةُ الفاتحة مع إيجاز ها أركان الإيمان ، تبي ِّنُ ه وترسِّخُ ه ، وترو ي شجرت ه الطيبة ؛ لتتغلغل جذورُ ها في قلب المؤمن ، وتمتدَّ أغصانهُ ا وتخضرَّ أوراقُ ها وتزه رُ وت ُ ثح م ر ، ففي الفاتحة الإيمان بالله ربا ، ذي المجد و الكمال والعظمة والجلال ، المحمود و لا يزال على ما أبداه من النعم وأسداه من الكرم ، والإيمان بالعوالم التي خلقها رب نا الغيبية والمشاهدة ، والإيمان بالرسل والكتب ،كما يتجلى في ﭽ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭼ والإيمان بالقدر ، فالله -تعالى - رب العالمين مدبِّ ر هذه العوالم ، نخلصُ له العبادة و نستعين به على سائر أمورنا ونستهديه ، وهكذا يعيشُ قارئُ الفاتحة في أجواءٍ إيمانية تتجدد مع كل تلاوة و تدب رٍ ، تشحذُ طاقته ، و تعمرُ قلبه ، و تمد ه بالزاد ، و تحف زُ ه على العمل الصالح الذي يعود بالخير له ولمجتمعه ، وتحصِّنُه من الفتن والأهواء ، والأباطيل والأوهام . - التبيان في آداب حملة القرآن ص 7 . - إحياء علوم الدين للغزالي ( / 77).
عدد الصفحات ١٥15 إن لكل سورة قرآنيةٍ سم ح ت ها في عرض العقيدة - تلك الركيزةُ الأساسيةُ للقرآن الكريم والمقصود الأول من نزوله ، والمنهج الرباني لصياغة الشخصية – و المتدبر لسورة الفاتحة يلحظُ سم تها الفريدة في عرض عقيدة التوحيد وتقريرها ، و كيف جمعت السورة الكريمة ب ين العلم والإيمان ، بين المعرفة واللزوم ، بين الاعتقاد والسلوك ، بين المحبة والتعظيم ، بين الرجاء والخوف ، بين الرغبة والرهبة ، بين الجلال والجمال ، بين الوسيلة والقصد ، بين العبادة والاستعانة ، بين الولاء والبراء ، بين حقِّ الله وحقِّ العباد ، بين أسماء الله الجامعة وحظ العبد منها . ق ال محُ مَّدُ بحنُ الححُس ينح : " أ لا ت ر وحن ر حم كُمح اللهُ إ لى م وحلاكُمح الحك ر يمح ؛ ك يحف يح ُث خ لحق ه ع ل ى أ نح ي ت د ب َّرُوا ك لام هُ ، و م نح ت د ب َّر ك لام هُ ع ر ف الرَّبَّ ، و ع ر ف ع ظ يم سُلحط ان ه و قُدحر ت ه ، و ع ر ف ع ظ يم ت ف ض ل هُ ع ل ى الحمُؤم ن ين ، و ع ر ف م ا ع ل يحه م نح ف رحض ع ب اد ت ه ، ف أ لحز م ن فحس هُ الحو اج ب ، ف ح ذ ر مم َّا ح ذَّر هُ م وحلاهُ الحك ر يمحُ ، و ر غ ب ف يم ا ر غَّب هُ ف يه ، و م نح ك ان تح ه ذ ه ص ف تُهُ ع نحد ت لاو ت ه ل لحقُرحآن ، و ع نحد اسحت م اع ه م نح غ يرح ه ، ك ان الحقُرحآنُ ل هُ ش ف اءً ، ف اسحت غحنى ب لا م الٍ ، و ع زَّ ب لا ع ش ير ةٍ ، وأ ن س بم ا ي سحت وح شُ م نحهُ غ ي حرُهُ ، و ك ان هم هُ ع نحد ت لاو ة الس ور ة إ ذ ا اف حت ت ح ه ا : م تىَّ أ تِّع ظُ بم ا أ ت حلُوهُ ؟ ، و لم ح ي كُنح مُر ادُهُ م تىَّ أ خحت مُ الس ور ة ؟ ، و إ نمَّ ا مُر ادُهُ : م تىَّ أ عحق لُ ع نح الله الخح ط اب ؟ ، م تىَّ أ زحد ج رُ ؟ ، م تىَّ أ عحت بر ُ ؟ ، لأ نَّ ت لاو ت هُ ل لحقُرحآن ع ب اد ةٌ ، و الحع ب اد ةُ لا ت كُونُ ب غ فحل ةٍ ، و اللهُ الحمُو فِّقُ " ( ) . ثالثا : شخصٌ رحيمٌ : إن أول صفة إلهية استفتح الله بها كتابه صفة الرحمة ، الرحمن الرحيم ، وقد استوقف الاسمان الجليلانعامة المفسرين واستفرغوا وسعهم في بيان الفرق بين الاسمين ، على أقوال عديدة ، منها: أن الرحمن في الدنيا والرحيم في الآخرة ، الرحمن بالمؤمن والكافر والبر والفاجر ، الرحيم بعباده المؤمنين ، ولا شك في أن ورود اسمين جليلين يجتمعان في وصفٍ واحدٍ ، وهو الرحمة مما يقرِّ ر ويؤكد رحمة الله - تعالى - بعباده المؤمنين ، قال ابن عباس :"ذكر أحدهما بعد الآخر تطميعا لقلوب الراغبين إليه " ( ) ، وفي هذا ترغيبٌ للمؤمنين في التعر ض لرحمات الله - تعالى - واستجلابه ا بالطاعات والقُ رُ بات ، وبالتراحُ م فيما بينهم ، ولقد بينَّ الله ذلك في كتابه الكريم ، تأمَّلح قوله تعالى : ﭽ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﭼ [التوبة: 4 ] فإن الإيمان والإخاء والتناصح من الأسباب الجالبة لرحمة الله ، وفي السنة النبوية ربطٌ بين رحمة الله وبين التراحم بين العباد وصلة الأرحام ، ع نح ع بحد الرَّحمح ن بحن ع وحفٍ ق ال : سم عحتُ ر سُول اللَّه ي قُولُ : - أخلاق حملة القرآن للآجري (ص3) - معالم التنزيل للبغوي - ( / 4 ) .
عدد الصفحات ١٦