17 على سعة علم واطلاع وعناية وتحرير الإمام؛ أن الذي فات الإمام الراغب الأصفهاني من كل الألفاظ القرآنية ربما ستة ألفاظ فقط التي تم الت عق ب عليه بأنه نسي أن يحررها في كتابه ، وحررها محق الكتاب، وأفضل طبعة هي طبعة دار القلم. فالذي كنت أفعله أن أرجع إلى (مفردات القرآن ) للراغب الأصفهاني فأقيد المعنى الذي ذكره الراغب لتلك اللفظة ثم أُديم النظر في هذا الدفتر، لأني صنعت لنفسي دفترًا هو من قبيل غريب القرآن بالنسبة إلي. فالكت ب المؤل فة في مجال غريب القرآن هي عمليًا محاولة أن تستصحب ما الذي ينبغي أن يوضع مما يستشكله جموع الناس، لما تقرأ كتب غريب القرآن تدرك أن ثمة ألفاظًا قرآنية كثيرة جدً ا تعرف معناها وليس عندك إشكال فيها، والقليل منها هو الذي تحتاج أن تُفرده بالبحث بجهة خاصة. فميزة هذا الدفتر وإدامة النظر فيه هو الذي يعبر عن مرا تب الإشكال الذاتية المتعلقة بك، فبالتالي يستطيع الإنسان فعلاً أن ينقل نفسه نقلة نوعية في تثبيت مثل هذه الألفاظ القرآنية. والخطوة الأولى أن يفضي الإنسان إلى تدبر كتاب الله -تبارك وتعالى -، ثم يفضي إلى ما يتعلق بإدخال النص القرآني كحل لمعضلات وإشكالات فكرية عبر معرفة معاني كتاب الله -تبارك وتعالى -. والخطوة الأولى تبدأ بالمفردة القرآنية. وهناك كتب متعدّ دة في غريب القرآن بالمناسبة، ومن الكتب التي أعجبتن حقيقة كتاب (السراج في غريب القرآن) للشيخ محمد الخضيري، والكتب متعددة وكثيرة جدًا وأظن أن أي كتاب بالجملة يُغن، ولكنن لا أنصح كثيرًا بمجرد معاودة النظر فيها، ولا أنصح أكثر بالمصحف الذي يكون لفظ غريب القرآن موجودًا على هامشه؛ لأني وجدت بالتجربة أن هذه المعاني تتفل ت بالعادة كما تتفل ت الجمل من عُقلها..
عدد الصفحات ١٧18 استوى الثاني من التدبر: هو تدبر القرآن الكريم على مستوى الجملة القرآنية، على مستوى التركيب، على مستوى السيِ ياق.. أحيانًً تمر بآيات قرآنية هذه الآيات القرآنية على مستوى مفردات ألفاظها لا تمثّ ل مشكلة، لكن منطقة الإشكال الذي تمثله هي على مستوى التركيب، بعض الآيات القرآنية حين تتلوها يُفترض أن يتفجر في نفسك السؤال: ما الذي أراده الله -تبارك وتعالى - حين ساق هذا الكلام؟ ونذكر مثالاً عمليًا طريفًا، يدل على حالة التكاسل، ثم يتنبه الإنسان إلى ضرورة أن يتشج ع ويتجاسر أن يتقحّم لمعرفة كلام ربه -تبارك وتعالى -، فينبغي أن يمارس هذا الدور.. من طفولتي حين كنت أقرأ القرآن الكريم كانت تعرض لي آية معينة فكنت أستشكل معناها ولا أعرفه، فكانت تسبب لي إشكالاً ومع ذلك كان الإنسان يتجاوزها عجلاً، يقول الله -عز وجل -: ﴿ أَوْ كَالهذِي مَره عَلَى ق َرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِ ِ اللَّهُ ب َعْدَ مَوْتهَِا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُُه ب َعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ هَا قَالَ أَنَّه يُُْيِي هَذِه قَالَ لَبِثْتُ ي َوْمًا أَوْ ب َعْضَ ي َوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلىَ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لمَْ ي َتَسَنههْ وَانْظُرْ إِلىَ حَِْارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنهاسِ وَانْظُرْ إِلىَ الْعِظَامِ كَيْفَ ن ُنْشِزُهَا ثُُه نَكْسُوهَا لحَْمًا ف َلَمها ت َب َينهَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنه اللَّهَ عَلَى كُليِ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾؛ أين موطن الإشكال في هذه الآية القرآنية؟ موطن الإشكال الذي كان يت فج ر في نفسي حين أقرأ قول الله -عز وجل -: ﴿ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلىَ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لمَْ ي َتَسَنههْ ﴾، (لم يتسن ه) أي لم يتغير ، الله -عز وجل - يحكي قصة وهذه القصة تُنسب لعُزير أنه مر على قرية فوجدها ميتة خا وية على عروشها، فتعج ب من عظيم قدرة الله -عز وجل - فقال: ﴿ أَنَّه يُُْيِي ِ اللَّهُ ب َعْدَ مَوْتهَِا هَذِه ﴾؟! فالله -عز وجل - يريد أن يبينّ لعبده عزير أنه قادر على ذلك وأنه قادر على ما هو أ بلغ منه، ﴿ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُُه ب َعَثَهُ ﴾، قال له : كم لبثت؟ فقال الرجل: لبثت يومًا أو بعض يوم، والإنسان النائم يدرك هذه الإشكالية، يعن أحيانًً تنام وحين تستيقظ لا تستطيع أن تدرك الفاصل الزمن وتقدّ ر الأزمان المتعلّ قة بحالة النوم، فقال: ﴿ لَبِثْتُ ي َوْمًا أَوْ ب َعْضَ ي َوْمٍ ﴾.
عدد الصفحات ١٨19 الله-عز وجل - يريد أن يُ بينِّ لعبده أن حقيقة الأمر أنه لم يلبث يومًا أو بعض يوم، قال له: ﴿ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ ﴾، تريد دليلاً على أنك لبثت مائة عام؟ ﴿ فَانْظُرْ ﴾؛ والفاء كما يقول العلماء أنها تتضمن معنى التعليل، ﴿ فَانْظُرْ إِلىَ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لمَْ ي َتَسَنههْ ﴾، طيب الآن عدم تغير الطعام والشراب هل يدل على أن عزيرًا لبث مائة عام أم لبث يومًا أو بعض يوم؟ يومًا أو بعض يوم؛ يعن المفروض العزير لما ينظر إلى هذا يقول: يا رب هذا يؤكد كلامي!. فلا أخفيكم أني كنت أستشكل هذا، لكن سبحان الله كنت على العادة الجارية، أن يقرأ الإنسان ويمضي. بعد ذلك لما أراد الإنسان أن يمارس فعلاً هذه العبودية سوف يتوق ف عند هذه القضية، ويحاول أن يفتّ ش في كتب التفسير عن حلّ لهذه الإشكالية. مما وقفت عليه من الأشياء الطريفة؛ الإمام محمد بن علي الشوكاني عنده (مجموعة الأعمال الكاملة) طُبعت حديثًا بحمد الله -عز وجل -، من ضمنها رسالة خص صها لتفسير هذه الآية القرآنية وذكر في أثن ائها أن هذه الآية أ ش ك ل آية قرآنية موجودة عند المفسرين، فقلت الحمد لله يعن من طفولتي الاستشكال الذي عندي وارد على ألسنة أهل العلم، وبحمد الله وعبر التجربة لم يطرأ لي سؤال يتعلق بالنص القرآني إلا وجدت إجابته في كتب التفسير، فما استطعت بحمد الله أن أبتكر شيئًا معينًا لم يقف عليه أحد. لما رجعت إلى كتب التفسير ذكروا جملة من المعاني، من المعاني اللطيفة التي ذكروها ربط مدول هذه الآية القرآنية بآية قرآنية أخرى تكشف عن شيء من المقصود، وهي قصة موسى -عليه الصلاة والسلام- حين كان في محادثة ربه -تبارك وتعالى - في الطور، يقول الله -عز وجل - مخاطبًا موسى: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياَ مُوسَى ﴾، طيب هذا السؤال الرباني لموسى -عليه الصلاة والسلام- هل باعثه وغرضه استكشاف ما بيد موسى؟ أن الله لا يعلم ما بيد موسى؟ قطعًا أن الله -عز وجل - من كمال علمه يدرك ما بيد موسى أكثر من إدراك موسى لهذه القضية. فقال موسى -عليه الصلاة والسلام-: ﴿ ِيهَا مَآَرِبُ هِيَ عَصَايَ أَت َوَكهأُ عَلَي ْهَا وَأَهُشُّ بهَِا عَلَى غَنَمِي وَليَِ ف أُخْرَى ﴾، فالعلماء تحد ثوا عن الحكمة الإلهية من سؤال موسى هذا السؤال، فبعض العلماء تعد دت جواباتهم،
عدد الصفحات ١٩20 وبعض الجوابات لطيفة،لكنها لا تبدو أنها هي المكافئة للمقصود، وبعضها إجابات تبدو أقرب للتعبير عن حقيقة ما جرى . فبعض الإجابات اللطيفة والتي تدل فعلاً على أنه حصل جزء من الغرض بهذه القضي ة أن الله -عز وجل - قصد بذلك الإيناس؛ أن هناك حدثاً عظيمًا بمخاطبة الله -عز وجل - لعبد موسى -عليه الصلاة والسلام-، فأحب الرب أن يُ ؤنس عبده فيأخذه في قضية جانبية -كما يقال-، فقال: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياَ مُوسَى ﴾، فتلق ى موسى ذلك الإيناس الرباني وقال: ﴿ هِيَ عَصَايَ ﴾، ما هو الجواب المفترض من موسى -عليه الصلاة والسلام-؟ أن يقول: (هي عصا)، حتى قوله: (هي عصاي) فيه قدر زائد لأنه لم يُسأل عم ن هو مالك تلك العصا. فقال: ﴿ هِيَ عَصَايَ أَت َوَكهأُ عَلَي ْهَا وَأَهُشُّ بهَِا عَلَى غَنَمِي وَليَِ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى ﴾، فتخيلوا هذا المقام العجيب لهذا الرجل الذي يخاطب الله -عز وجل - فأحب أن يطوّل هذا الكلام والمخاطبة وما أحب أن ينتهي الموضوع سريعًا، هذا أحد الأوجه. لكن الوجه الذي أعتقد أنه الأقرب لمكاشفة المقصود؛ أن الله -عز وجل - يريد أن يُ قرِّّ ر عبد موسى -عليه الصلاة والسلام- بأن التي في يده هي عصا، كما يقال: بكامل قواه العقلية، لماذا؟ لأنه بعد قليل سيقول له الله -تبارك وتعالى -: ألقِّها، فإذا ألقاها ستتحول إلى ثعبان. فالآن تخيلوا لو أن الله -عز وجل - قال له: ألقِّها، فألقاها فتحو لت لثعبان أو حية، قد يتسر ب إلى و همه أن التي كانت في يده ابتداءً حية، ولكن الآن يسأله ما في يدك؟ فينظر إليها ويقول هي عصا، فيكشف الله -تبارك وتعالى- له عن كمال قدرته فيأمره أن يلقيها فتتحو ل إلى حية، فيدرك عظيم قدرة الله -تبارك وتعالى -. بعض العلماء يستلهم من هذا المعنى جواباً فيما يتعل بهذه القضية؛ أنه لم يكن مقصود الرب -تبارك وتعالى - مجر د بيان كمال قدرته على المستوى الذي يجُ يب به مباشرة على سؤال عزير، بل يريد أن يكشف له عن قدرته الأعظم مما يتخي ل؛ يقول له: ﴿ فَانْظُرْ إِلىَ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لمَْ ي َتَسَنههْ ﴾، ثم اقلب رأسك إلى ا لناحية الثانية وانظر إلى الحمار وقد تحل ل وتغير وأصبح عظامًا بالية.
عدد الصفحات ٢٠21 والآن تخيلوا أيهما أبلغ في الكشف عن القدرة الإلهية؛ كون الطعام تغير أو تحجر أو تعفن، لأن أصلاً بقاء الطعام مائة عام سيفسد بالكلية، أيهما أبلغ أن يحصل تغير في الطعام وتغير في الحمار؟ أم أن الله -تبارك وتعالى- لم يحافظ على عزير فقط بل حافظ عليه وعلى طعامه ؟! تريد أن تستدل على عظيم قدرة الله -عز وجل - فانظر إلى الحمار. لاحظوا اللقطة أنه لما يقلّ ب الن ظر بين الط رفين يستكشف فعلاً أن الله -عز وجل - استطاع أن يحافظ على ما يتعج ل إليه سريان الفساد، وحال الحمار في الطرف المقابل، فهذا يكشف عن المقصود. كيف يتوصه ل الإنسان إلى عظيم المعاني المتعلقة بهذا؟ بات الإنسان يتصور قدرة الله -تبارك وتعالى - تصورًا مختلفًا عما أفضى إليه في الآية ابتداءً، صار لديه انطباع مختلف تمامًا، كيف تخل قت هذه الحالة؟ من خلال فرض أداة السؤال. بعض الزملاء لما طرحت هذه الفكرة ابتداءً كانوا يستكشلون؛ يقولون: كيف يلي للإنسان أن يستشكل ويتساءل؟ والفكرة -حتى لا يُ ساء فهمها- ليس الغرض من السؤال هو معارضة النص القرآني، بل المقصود هو استكشاف عظمة النص القرآني، يعن باعث السؤال هو اعتراف بفقر العبد وعجزه أن يعرف عظمة هذا الكلام، فيريد أن يستكشف عبر أداة السؤال ما هو المعنى العظيم الذي جعله -عز وجل - في هذا النص. وبالمناسبة هذه الممارسة موجودة عند السلف الصالح، سواء في زمن النبوة أو بعده، وخذ من الأ مثلة الآيات المستشكِّ لة التي مارس ها سلفنا الكرام ، الإمام التابعي الجليل عروة بن الزبير -رضي الله تعالى عنه - يحاور خالته أم المؤمنين عائشة، فيقول لها مُ ستشكِّ لاً قول الله تعالى -وهو فعلاً يفرض إشكالاً -: ﴿ إِنه الصهفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجه الْب َيْتَ أَوِ اعْتَمَ رَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطهوهفَ بهِِمَا وَمَنْ تَطَوهعَ خَي ْرًا فَإِنه اللَّهَ شَاكِرٌ ِيمٌ عَل ﴾، ما وجه الاستشكال في هذه الآية؟
عدد الصفحات ٢١22 ما حكم السعي بين الصفا والمروة؟إما أنه واجب أو ركن، وإذا تخف فنا نقول أنه مستحب. ما مدلول الآية القرآنية على حكم السعي بين الصفا والمروة؟ ﴿ إِنه الصهفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجه الْب َيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطهوهفَ بهِِمَا ﴾؛ قد يتوه م الإنسان أنه مباح، بل قد يتوه م أن تركه أولى؛ لأنه يقول: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَ يْهِ ﴾ كأنه يقول: المفترض ألا تسعى بين الصفا والمروة ولكن إن عزمت على الس عي بين الصفا والمروة فلا جناح عليك. ممكن أن يتو هم إنسان هذا التوهم. فعروة بن الزبير توه م هذا التوهم –رضي الله عنه وأرضاه -، قال: "ما أظن بمن ترك السعي بين الصفا والمروة بأسًا"، ولاحظوا أنه لم يبتدِّ ر مواجهة الناس والفُ تيا به، بل واضح أنه كان ي ستشكل هذا المعنى، فبسبب سطوة المنهج الفقهي الموجود لم يستطع أن يستخرج هذه القضية فأفضى بهذا الاستشكال إلى عائشة -رضي الله عنها-، قالت العالمة الصِّّ ديقة بنت الصّ دي : "بئسما قلت يا ابن أخي"؛ فالاستشكال وجيه لكن الاستنبا غير وجيه. تحكي عائشة قصة نزول هذه الآية أن الأنصار في جاهليتهم كانوا يعظّ مون صنمين: إيساف و نًئلة، إيساف موجود على الصفا ونًئلة موجود على المروة، فكان سعيهم بين الصفا والمروة في حقيقة الأ مر تعظيمًا لإيساف ونًئلة، فدخلوا في الإسلام، وحج وا مع النبي ﷺ فوقع في نفوسهم حرج كيف نفعل ما كنا نفعله في جاهليتنا؟ فأخبرهم الله -عز وجل -: ﴿ إِنه الصهفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾ وليس من شعائر إيساف ونًئلة، ﴿ فَمَنْ حَجه الْب َيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ ﴾ فلا ينبغي أن يقع في نفسه حرج م ن الس عي بينهما لأنه يسعى بين شعائر الله -عز وجل -. لاحظ أن سياق سبب النزول يكشف للإنسان مراد الله -عز وجل - و يحل الإشكال. موطن الشاهد أن هذه الممارسة -ممارسة السؤال والاستشكال - هي ممارسة سلفية، بل ممارسة أر ها بها النبي ﷺ كما في الحديث المشهور عن حفصة -رضي الله عنها وأرضاها - أن النبي ﷺ لما قال: "ِ والله لا يل جُ النار أحد بايع تحت الشجرة"، قالت -رضي الله عنه ا وأرضاها - : "أليس الله -عز وجل - يقول: ﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاه
عدد الصفحات ٢٢23 وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبيِكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ﴾؟"، فقال ﷺ :"إنَّا ذلك المرور على الصراط"؛ فالآية لها صلة بالمرور على الصرا ولا صلة لها بقضية دخول النار ضرورة. عائشة -رضي الله عنها وأرضاها - لما سمعت قول النبي ﷺ : "من نُ وقش الحساب عُ ذيِ ب"، فقالت عائشة - رضي الله عنها وأرضاها -: "أما يقول الله -تبارك وتعالى - : ﴿ فَسَوْفَ يَُُاسَبُ حِسَاباً يَسِ يرًا ﴾؟" فكيف الحساب اليسير وكل من نوقش الحساب عُ ذِّّ ب؟ فقال: "إنَّا ذلك العرض"؛ فالمحاسبة المقصودة في الآية هي مجرد عرض صحائف الأعمال، فإذا عُرضت على العبد فقط وغفر الله -عز وجل - للعبد وتجاوز عنه وغفر له وستر عليه في الآخرة كما ستر عليه في الدنيا ﴿ فَسَوْفَ يَُُاسَبُ حِسَاباً يَسِيرًا ﴾. يقول النبي ﷺ : "من نوقش الحساب" يعن بدأت المجادلة و المسجالة والأخذ والرد، فمصيره أنه سوف يُ عذ ب. الشاهد أنه فعل يُفرض أن يكون طبيعيً ا، ولا يستصحب الإنسان نوعًا من أنواع الت خو ف فضلاً عن التثاقل من ممارسة هذه العبودية ؛ التساؤل طلبًا لمعرفة عظمة كلام الله -تبارك وتعالى -. والآيات بالمناسبة متعدّ دة وكثيرة جدًا، فقط أذكر نماذج دون تقديم الجوابات التفصيلية عليها: يقول الله -تبارك وتعالى -: ﴿ حَتىه إِذَا اسْت َي ْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَن ههُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُناَ ف َنُجيِيَ مَنْ نَشَاءُ وَلاَ ي ُرَدُّ بَِْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾، استيأس الرسل من ماذا؟ وهذا يجعل هناك نوعًا من الإشكال كيف ييأس الأنبياء والرسل من روح الله؟ هذا جزء من الإشكال. لكن الإشكال الأكبر لاحظ في قوله -تبارك وتعالى -: ﴿ وَظَنُّوا أَ ن ههُمْ قَدْ كُذِبُوا ﴾، ما معنى أنهم (قد كُذِّبُوا)؟ لو أنه قال : (كُذِّّبوا) لفهمنا أن قومهم كذ بوهم، ولكن ما الفرق بين القضيتين؟ هناك فرق بين الكذب والتكذيب. ﴿ وَظَنُّوا أَن ههُمْ قَدْ كُذِبُوا ﴾: مشت ّ من (الكذب)، طيب من الذي كذب عليهم؟ المفروض من فهم ا للغة العربية أن يصل الإنسان إلى إشكال؛ هل يمكن أن يصل الأنبياء والرسل إلى حالة يتوهم ون فيها أن الله -عز وجل - قد كذب عليهم؟! فهذا إشكال.
عدد الصفحات ٢٣24 ولذا من الاشياء الطريفة، وهذه في كتب التفسير هناك جدال طويل حولها، أن عبد الله بن مسعود جاءه رجل يسأله عن هذه الآية فقال -والله أعلم بما كان يريده ابن مسعود -، قال: "هي التي تكره"، لكن الأظهر والله أعلم ذُ كرت عدة أشياء ، عائشة -رضي الله عنها وأرضاها - لما عرضت عليها تأولتها بمعنى القراءة الأخرى: (وظنوا أنهم قد كُذِّّبوا)، كجزء مما يتعل بالحال. وبعضهم قال أنه انتقال من الخطاب، أن الذين ظنوا هم أتباع الرسل أنهم قد كُذبوا من قبل الرسل، فيدل على هذا المعنى، والشاهد هناك نقاش، وهذا موطن القضية، وليس الغرض الآن تفصيل الكلام حول كل آية، إنما مثال: كيف يستطيع الإنسان أن يدرك معاني كلام -عز وجل - وأن ينقل القرآن إلى لب ما يتعل بمجال تأسيس وتأصيل الفكر العقدي؟ بالخطوة الأولى: بأن يتفه م كتاب الله -تبارك وتعالى -، والذي يُ فضي بالعبد إلى ممارسة هذه القضية ممارسة الس ؤالات أثناء تلاوته له. أذكر أننا كنا مجموعة من الزملاء كنا نتدارس في حلقة، وكان جزء من الحلقة تفسير، وأحد الزملاء -جزاه الله خيرًا- كان يقدّ م لنا تفسيرًا ملخصًا، سبحان الله أثناء تلاوتنا للقرآن مررنً بسورة الجن، واحد من الإخوة رفع يده سائلاً -جزاه الله خيرًا- وفعلاً كلنا خطر ببالنا ذات الإ شكال، يقول الله -تبارك وتعالى -: ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْت َقَامُوا عَلَى الطهرِيقَةِ لأََسْقَي ْ نَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ﴾، فالذي حصل أن الأخ رفع يده وطرح السؤال الآتي: هل يناسب أن تكون نعمة الس قيا موضع ابتلاء وفتنة؟ يعن الله -عز وجل - يقول: ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْت َقَامُوا عَلَى الطهرِيقَةِ ﴾ ما معناها؟ دعنا نفسرها على المعنى الد ارج؛ أي استقام الكفار على طريقة أهل الح لأنعم الله -عز وجل - عليهم وكافأهم بسُ قيا غدقًا. فهل يناسب بعدها أن يقول الله -عز وجل - : ﴿ ِيهِ لِن َفْتِن َهُمْ ف ﴾؟ أي نجعل سقيا الماء -التي يُ فترض أن تكون نعمة على اهتدائهم- فتنة وابتلاء، فإن هم أطاعوا بحمد الله -عز وجل -، وإلا ﴿ وَمَنْ ي ُعْ رِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبيِهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَدًا ﴾؟
عدد الصفحات ٢٤25 الآن تخيل لو قيل لك أن-عز وجل - سينعم عليك بنعمة مكافئة على إيمانك، فإن قص رت بواجب شكره فسوف يعذبك، فممكن أن يختار العبد فيقول: لا داعي للنعمة، نتجاوزها أ فضل، كان المظنون أن الله - سبحانه وتعالى- لما أراد أن يرغّب عباده بالإيمان به قال: ﴿ لأََسْقَي ْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ﴾ لكن لما يقول بعدها: ﴿ِيهِ لِن َفْتِن َهُمْ ف وَمَنْ ي ُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبيِهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَدًا ﴾ الآن هذه ليست نعمة هي فتنة ابتلاء واختبار، قد يؤمن وقد لا يؤمن. ولذلك لما يرجع الإنسان إلى كتب التفسير سيجد نقاشً ا طويلاً ، بل بعض العلماء قال: ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْت َقَامُوا عَلَى الطهرِيقَةِ ﴾ ليس طريقة أهل الح بل طريقة ما هم عليه من الباطل، ﴿ لأََسْقَي ْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا لِن َفْتِن َهُمْ ِيهِ ف ﴾ فيكون المعنى مستقيمًا بخلاف التصو ر الأو لي الذي قد يُ تو هم. ولاحظ كيف استطاع الإنسان أن يدخل إلى مثل هذه القضية؟ من خلال إعمال هذه الطريقة. والتطبيقات والتمثيلات كثيرة، ليست قليلة، ولا أريد الاستطالة بذكرها.. الخطوة الثالثة: الإفضاء إلى عوالم العلوم القرآنية بعد أن استطاع الإ نسان أن ينفذ إلى بعض معاني كتاب ربه -تبارك وتعالى - عبر تفعيل أداة التساؤل بمعرفة معاني كلمات القرآن الكريم والجمل القرآنية، الآن يستطيع الإنسان أن يفضي بسؤالاته للتعرف على البلاغة في النص القرآني، ويفضي إلى معرفة جوابات سؤالاته الفكرية وغير ذلك. لنأخذ بعض النماذج المتعلقة بفضاء العظمة القرآنية، بلاغة النص القرآني وغيرها من الفضاءات، ثم نفضي سريعًا إلى بعض ما يتعل بتفعيل النص القرآني في مجال السِّّ جال الفكري المعاصر. نأخذ المثال: عندما يقرأ العبد قول الله -تبارك وتعالى -: ﴿ إِنْ ت ُعَذيِب ْهُمْ فَإِن ههُمْ عِ بَادُكَ وَإِنْ ت َغْفِرْ لَُمْ فَإِنهكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الحَْكِيمُ ﴾، أنً أزعم أننا لو عمِّ لنا أشبه باستفتاء عام: أكمل الآية القرآنية التالية: ﴿ إِنْ ت ُعَذيِب ْهُمْ
عدد الصفحات ٢٥26 فَإِن ههُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ ت َغْفِرْ لَُمْ فَإِنهكَ أَنْتَ .. ﴾؟ أجزم أن 99% من المسلمين يكتبون فورًا كما هو متوق ع: (الغفور الرحيم). فحين قال: ﴿ ِيمُ الْعَزِيزُ الحَْك ﴾ يُفترض أن يتفج ر في نفسك السؤال: لماذا قال العزيز الحكيم؟ ترجع إلى كتب التفسير فلا تجد جواباً أو جوابين بل تجد جوابات ونقاشات ويتعم معك في كتاب الله -عز وجل -. أذكر مرة ك نت في السوق متجوِّّ لاً مع الأهل، وبالنسبة إلي أعتبر أن من بلايا العصر والزمان الذهاب إلى السوق!، أنً يصيبن الملل الشديد جدًا جدًا من هذه القضية. وطبعً ا من نعمة الله -عز وجل - علينا في هذا الزمان أن عندنً جوالات ، ومعها اختراع جميل آخر يسمونه: ( head phones) السماعات، فأضع السماعات وأجلس أستمع، فهناك انتفاع بحمد الله واستفادة من الوقت، وطبعًا يحصل إزعاج للأهل لأنهم يسألونن عن رأي ي في شيء معين، فأقول انتظروا قليلاً، ثم نقوم بإغلاق الصوت، ثم أطلب منهم أن يُعيدوا السؤال وهكذا الشاهد، كنت مرة مع الأهل في السوق وأستمع لقراءة عذبة جميلة، بالنسبة لي من أجمل تلاوات الشيخ سعد الغامدي لسورة الزمر، وهي تلاوة قديمة وأظنها أو ل تلاوة سجلت للشيخ، تلاوة حقيقة مؤثر ة وجميلة جدًا9،في أثناء تلاوته لتلك السورة مر على قوله -تبارك وتعالى - وتأملوا في الآية: ﴿ أَفَمَنْ ي َتهقِ ي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ ي َوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾، لا أخفيكم أن ه لما قرأ هذه الآية أقفلت الجهاز مباشرة وبدأت بترداد هذه الآية، كنت أكررها متسائلاً؛ أن المعهود فطرة وبشري ة أن الإنسان يت قي العذاب بيده، فالمعهود أن الإنسان يقي وجهه إذا قصد العذاب وجهه بيده، فيكون مستعدًا إذا جاء شخص ليضربه مثلاً أن يضحي بأي عضو من أعضائه في سبيل حفظ وجهه، يعن لو أُعطي إنسان على سبيل المثال سكينًا وقيل له اطعن يدك، فاستسهال طعن اليد أكثر بكثير مما لو قيل له: افقأ عينك، هناك فرق كبير جدًا. 9 لعلها هذه التوة: -_-http://www.4shared.com/audio/kTTqSPax/___1990 BY_Musle.html-TUNiSiA_WeB
عدد الصفحات ٢٦27 الله-عز وجل - لم يقل: (أفمن يقي وجهه العذاب بيده) ولم يقل: (أفمن يتقي العذاب بيده) مثلاً، بل قال: ﴿أَفَمَنْ ي َتهقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ ي َوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾، فوقع في نفسي معنى لهذه الآية، ولكن أحببت أن أتوث منه، وبحمد الله من نعم الله -عز وجل - أن كتب التفسير موف رة حتى داخل هذه الأجهزة، عندي (الموسوعة الشاملة الكتبية) ومن ضمنها تفسير (التحرير والتنوير) للطاهر بن عاشور 10،وأظنه من التفاسير التي يتفاخر بها أهل القرن الحالي، ففتحت التفسير ووقفت على كلام عذب جميل للطاهر بن عاشور، ومؤثر إيمانيًا، خلاصته: أن هذا العبد الكافر في النار لو كان عنده وقاية من النار لات قى العذاب بتلك الوقاية، فلما لم يجد تلك الوقاية اضطر أن يت قي العذاب بوجهه. لما يستحضر الإنسان هذا المعنى سيدرك الآن أحد صور العذاب المرعبة الموجودة في النص القرآني والتي تحمل الإنسان على الانكفاء عن الذنوب والمعاصي استحضارًا لهذا المشهد الرهيب المهيب. مثلاً حين يقول الله -عز وجل -: ﴿ عَي ْنًا يَشْرَبُ بهَِا عِبَادُ اللَّهِ ﴾، أو مثلاً يقول: ﴿ سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ ِعٍ وَاق ﴾، المفروض في لغتنا الد ارجة أن يقول: (يشرب منها)، ويقول: (سأل سائل عن عذاب واقع)، فالتركيب غريب ﴿ ِعٍ سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاق ﴾، فبمجر د أن يصادف الإنسان مثل هذا التركيب الغريب المفروض أن يدور بنفسه: ما معنى هذا؟ لماذا اختار الله -عز وجل - أن يعبرّ بهذا؟ هل هو تعبير كان يستخدم سابقًا؟ أم أن هناك أمرًا آخر؟ لما ترجع لكتب التفسير ستجد أن أحد الحقائ التي تحد ث عنها علماء التفسير أن حروف الجر لما تتناوب يتم تضمين حرف الجر الـمُ ظه ر معنى كلام مُ ضم ر؛ الله -عز وجل - ليس من غرضه أن يبينّ للعباد في الدنيا أن موضع إنعامه وإكرامه لأهل الجنة أن يجعلهم يشربون من عين، هذه القضية ليس فيها شيء كثير، لكن الله ير يد أن يبينّ لعباده أنهم يشربون منه ا فيرتوون بها، فلما يقول الله -عز وجل -: ﴿ عَي ْنًا يَشْرَبُ بهَِا عِبَادُ اللَّهِ ﴾ المقصود بهذا الكلام الكشف عن معنى الشرب والارتواء، يشربون منها فيرو و ن بها. 10 تفسير (التحرير والتنوير) علىالمكتبة الشاملة): 2-9776/page-http://shamela.ws/browse.php/book
عدد الصفحات ٢٧28 لما يقول-عز وجل -: ﴿ ِعٍ سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاق ﴾، الآن من هو هذا السائل؟ من الذي طرح هذا السؤال؟ كفار قريش، طيب طرح كفار قريش هذا السؤال على النبي ﷺ هل سؤال الجاد المستفسر المستعلم الذي يريد لأن يعرف تفاصيل هذا العذاب الواقع؟ لا؛ سؤالهم كان على سبيل السخرية والاستهزاء والتكذيب، ولذا الله -عز وجل - يريد تبي ين هذا المعنى، كأنه يقول: (سأل سائل مكذّ باً بعذاب واقع)، فلاحظوا كيف أن حرف الجر يبينّ جزءًا من عظمة النص القرآني. وكل إنسان استحضر هذه الأداة يجد أن الميزة التي تتشك ل مع الوقت أن يتعميق تدقيقه فيما يتعله ق بالنص القرآني، خذ مثالاً في قول الله -عز وجل - في ح الوالدين: ﴿ فَلاَ ت َقُلْ لَُمَا أُفيٍ وَلاَ ت َن ْهَرْهَُُا ﴾، ما هو وجه الإشكال الذي يُفترض أن يسأل عنه المرء؟ المفترض أن الله -عز وجل - حين ينهى عباده عن قولهم: (أف) للوالدين، فنحن نفهم أن ما هو أسوأ منها لا يصح بح الوالدين، يعن لو قال الله -عز وجل - مثلاً: (فلا تقل لهما أف ولا تضربهما) تحس فعلاً أن هناك إشكال، في حين لو قال قائل: (لا تضرب والديك ولا تنهرهما ولا تقل لهما أف) هذا التسلسل يُعتبر تسلسلاً منطقيًا، فالمفترض حين يقرأ الإنسان: ﴿ فَلاَ ت َقُلْ لَُمَا أُفيٍ ﴾ أن يقول العبد: يا رب إذا حرّمت علينا (أف) فنعرف أنه يحرُ م علينا النـ ه ر، فلماذا عق بت بهذا التعقيب؟ فلو ترجع لكتب التفسير تجد أقوالاً متعددة، و إحدى اللفتات الجميلة التي ذكرها صاحب (تسهيل علوم التنزيل)، قال: "لا تقل لهما أف لمصلحتك ولا تنهرهما لمصلحتهما"، يكون مثلاً الوالد أو الوالدة كبيرً ا في السنة، تحتاج أ ن تذهب بهما للمستشفى أو لمصلحتهما وليس لمصلحتك، ومع ذلك يتضج ر الوالدان ولا يريدان الذهاب للمستشفى، فُ يذكّرك الله أنك حتى في هذه الحال، وحتى لو كان الأمر في مصلحة الوالدين لا تنهرهما، لا تتجاوز حدودك في الأمور اللفظية. لاحظ الآن أن الإنسان حين أدرك الإشكال وفت ش في الكتب، تنب ه إلى معنى من معاني بر الوالدين ما كان يستحضره فيما سب .
عدد الصفحات ٢٨29 - مداخلة أحد الإخوة (الصوت غير واضح.. الشيخ: كما ذكرت وحاولت أن أؤكّ د حتى يُزال هذا الإشكال؛ نحن لما نريد تفعيل هذه الأداة ليس القصد من هذه الأداة طرح ا لاعتراض على النص القرآني، يعن يُ فترض أن الروح المضمنة داخل الإطار نفسه إشعار الطرف المقابل أنك بضوء عُ جمة لسانك في هذا الزمان عاجز عن الإطلالة على ع ظ مة النص القرآني، ويُفترض أن عندك نوعًا من أنواع التأسيس العقدي المسب ، يُ فترض أن هذا الإنسان المقابل عنده خلفية عالية بدلائل نبوة النبي ﷺ، بمعجزة هذا النص القرآني، بالإيمان الوثي بالله -تبارك وتعالى -، يجعلك حين تطرح التساؤل تكون مستحضرًا أنك تريد الإفضاء إلى عظيم النص القرآني في حالة من حالاته. فهذه الروح المقصودة، وليس القصد من مجرد طرح التساؤل الطرح الح يادي أو الطرح الت شكيكي، ولاحظوا معي أنه بِمد الله -تبارك وتعالى- لا يوجد سؤال يمكن أن يُستشكَ ل على النص القرآني إلا ويُفضي بك إلى إدراك عظمة النص القرآني!، لاحظوا من التجربة الآن ذكرتُ لكم بعض الأمثلة كتطبيقات وتلاحظون فعلاً أنه يتعم نظر الإنسان فيما يتعل بالنص القرآني، وأفضى إلى ع الم عظيم مما يتعل بهذا النص. فبمجرد أن تثير سؤالاً، وما أكثر السؤالات، ستجد بحمد الله -تبارك وتعالى - حزمة من الجوابات الجيدة والمميزة والعظيمة من العلماء، لما يخطر في بالك وما لا يخطر في بالك، لأنهم مشتغلون بهذا الجانب و بشيء أبلغ. و أنا أعتبر أن من عبقرية علماء المسلمين أنه عندهم قدرة مذهلة في توليد السؤالات وتوليد الاعتراضات، فيما قيل وفيما لم يقل. من الأمثلة اللطيفة، من أعظم القصص القرآنية قصة يوسف -عليه السلام-، في ثناياها يقول الله -عز وجل - حكاية على لسان إخوة يوسف: ﴿ فَأَكَلَهُ الذيِئْبُ ﴾، لماذا اختار الله -عز وجل - هذه اللفظة؟ الآن الذئب حيوان مفترس، وعلاقة هذا الحيو ان بالفريسة أن يقال: (فافترسه الذئب)، لكن لماذا قال الله -عز وجل -: ﴿ فَأَكَلَهُ الذيِئْبُ ﴾؟ وإخوة يوسف قد اختاروا هذه الكلمة مع س ب إصرار وترص د -كما يقال- لغرض؛ الآن لو قالوا: (افترسه) سيقول يعقوب -عليه السلام-: هاتوا ابن أدفنه، لكن هم أحبوا أن يخُ فوا الجريمة بالكلية فقالوا: "الله المستعان أكله الذئب"!، أي أكله جميعه، لإخفاء الجريمة.
عدد الصفحات ٢٩30 والمدلولات كثيرة، ومن ا يات المذهلة الموجودة في القرآن الكريم، وال تي فعلاً تُفضي إلى إدراك عم عبودية الدعاء لله -تبارك وتعالى -، قول الله -تبارك وتعالى - في هذه الآية الجليلة العظيمة: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِيِ فَإِنييِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدهاعِ إِذَا دَعَانِ ف َلْيَسْتَجِيبُوا ليِ وَلْي ُؤْمِنُوا بِِ لَعَله هُمْ ي َرْشُدُونَ ﴾، لنعقد مقارنة بين هذا السؤال القرآني والجواب الرباني، وبين جملة طويلة من السؤالات القرآنية وجواباتها ، يقول الله -عز وجل - مثلاً: ﴿ِيتُ لِلنهاسِ وَالحَْجيِ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَْهِلهةِ قُلْ هِيَ مَوَاق ﴾. ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا ي ُنْ فِقُونَ قُلْ مَا أَن ْفَقْتُمْ مِنْ خَيرٍْ فَلِلْوَالِدَيْنِ .. ﴾ الآية. ﴿ِعُ لِلنهاسِ ِيهِمَا إِثٌُْ كَبِيرٌ وَمَنَاف يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَْمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ ف ﴾. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النيِسَاءَ فيِ الْ مَحِيضِ ﴾. ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِله لَُمْ قُلْ أُحِله لَكُمُ الطهييِبَاتُ ﴾. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السهاعَةِ أَياهنَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّهَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِيِ لاَ يَُُليِيهَا لِوَقْتِهَا إِلاه هُ وَ ﴾. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَْن ْفَالِ قُلِ الأَْن ْفَالُ للَِّهِ وَالرهسُولِ ﴾. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِيِ ﴾. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْن َينِْ قُلْ سَأَت ْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا ﴾. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجِْبَالِ ف َقُلْ ي َنْسِفُهَا رَبِيِ نَسْفًا ﴾. لاحظوا أن ظاهرة السؤال وتقديم الجواب ظاهرة قرآنية موجودة. الآية الوحيدة التي تختلف عن هذا الن س بذكر السؤال وتقديم الجواب هي هذه الآية القرآنية العجيبة؛ يقول الله -عز وجل -: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِيِ فَإِنييِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدهاعِ إِذَا دَعَانِ ف َلْيَسْتَجِيبُوا ليِ وَلْي ُؤْمِنُوا بِِ لَعَلههُمْ ي َرْشُدُونَ ﴾، ما مظهر الاختلاف ومدلولات الاختلاف الموجودة؟
عدد الصفحات ٣٠31 أول ملاحظة: أن-عز وجل - ما قال : (فقل) يا محمد، بل تولى الله -عز وجل - تقديم الجواب بشكل مباشر: ﴿ فَإِنييِ قَرِ يبٌ ﴾. الملحظ الثاني: أن السؤال لم يُطرح أساسًا؛ فالعباد لم يسألوا محمدًا ﷺ: هل ربنا قريب أم بعيد؟ وإنما الله -عز وجل - من محبته -تبارك وتعالى - لافتقار عبده إليه ودعائه له أنه أثار السؤال في النفس: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِيِ ﴾، لم يقل : فأخبرهم يا محمد، بل قال: ﴿ فَإِنييِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدهاعِ ﴾، حتى الجواب يت سم بالتعبير عن قرب الله من عباده. لاحظوا الآن موقف الإنسان في إدراكه لمحبة الله -تبارك وتعالى - للدعاء، وإدراك العبد أن هذه المحبة تستوجب منه الإفضاء إليه بالدعاء، يجعل موقف الإنسان من ممارسة العبودية مختلفًا جدًا. التمثيلات كثيرة، وليس الغرض الاسترسال بالحديث عنها، والقضية وما فيها أن الإنسان إذا مر على قول الله -عز وجل - : ﴿ ِرُونَ ( قُلْ ياَ أَي ُّهَا الْكَاف 1) لاَ أَعْبُدُ مَا ت َعْبُدُونَ 2) وَلاَ أَن ْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلاَ أَناَ عَابِدٌ مَا عَبَدْتمُْ (4) وَلاَ أَن ْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ 5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَليَِ دِينِ ﴾، المفروض أن يتساءل: لماذا هذا التكرار؟ ولماذا حصل تكرار وتطاب في آيتين ثم اختلاف وتباين في آية دون أخرى؟ إذا أفضى الإنسان إلى كلام ابن القيم في (بدائع الفوائد) على سبيل المثال، سيجد تعليلاً حسنًا جميلاً بما يتعل بمثل هذه الآية القرآنية. أذكر أني لما كنت أقرأ مثلاً في سورة القيامة، تأملوا في قول الله -عز وجل -: ﴿ لاَ أُقْسِمُ بِي َوْمِ الْقِيَامَةِ ( 1) وَلاَ أُقْسِمُ باِلن هفْسِ اللهوهامَ ةِ (2) أَيَُْسَبُ الإِْنْسَانُ أَلهنْ نجَْمَعَ عِظَامَهُ ﴾، لاحظوا أن الحديث كله عن يوم القيامة، ﴿ لاَ أُقْسِمُ بِي َوْمِ الْقِيَامَةِ ( 1) وَلاَ أُقْسِمُ باِلن هفْسِ اللهوهامَةِ 2) أَيَُْسَبُ الإِْنْسَانُ أَلهنْ نجَْمَعَ عِظَامَهُ 3) ب َلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَويِيَ ب َنَانَهُ (4) بَلْ يُرِيدُ الإِْنْسَانُ لِي َفْجُرَ أَمَامَهُ5) يَسْأَلُ أَياهنَ ي َوْمُ الْقِيَامَةِ 6) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَخَسَفَ الْقَمَرُ 8) وَجُِعَ الشهمْسُ وَالْقَمَرُ9) ي َقُولُ الإِْنْسَانُ ي َوْمَئِذٍ أَيْنَ الْ مَفَرُّ (10) كَلاه لاَ وَزَرَ ( 11) إِلىَ رَبيِكَ ي َوْمَئِذٍ الْمُسْت َقَر 12) ي ُن َبهأُ الإِْنْسَانُ ي َوْمَئِذٍ بَِِا قَدهمَ وَأَخهرَ 13) بَلِ الإِْنْسَانُ عَلَى ن َفْسِهِ بَصِيرَةٌ ( 14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾، كل الحديث المسترسِّ ل يتعل بحقيقة يوم القيامة. ثم فجأة يتوقف النص القرآني ويقول: ﴿ لاَ تحَُريِكْ بِهِ لِسَانَكَ لِت َعْجَلَ بِهِ ( 16) إِنه عَلَي ْنَا جَْعَهُ وَق ُرْآَنَهُ17 ) فَإِذَا ق َرَأْناَهُ فَاتهبِعْ ق ُرْآَنَهُ18) ثُُه إِنه عَلَي ْنَا ب َيَانَهُ ﴾، فأسلوب إقحام هذه الآيات القرآ نية غريب.
عدد الصفحات ٣١32 والأعجب من ذلك أن-عز وجل - بعد ذلك يقول: ﴿ كَلاه بَلْ تحُِبُّونَ الْعَاجِلَةَ ( 20) وَتَذَرُونَ الآَْخِرَةَ (21) وُجُوهٌ ي َوْمَئِذٍ ناَضِرَةٌ 22) إِلىَ رَبهيَِا ناَظِرَةٌ 23) وَوُجُوهٌ ي َوْمَئِذٍ باَسِرَةٌ 24) تَظُنُّ أَنْ ي ُفْعَلَ بهَِا ِرَةٌ فَاق ﴾؛ بقية الآيات تتحدث عن يوم القيامة، فهذه الجملة المعترِّضة ما هو موضوعها؟ عندما يرجع الإنسان إلى كتب التفسير سيُفضي إلى فهم تنز ل مثل هذه الآيات القرآنية بحديث ابن عباس -رضي الله عنه وأرضاه - أن النبي ﷺ حين كان يتلق ى القرآن من جبريل -عليه السلام-، كان يخشى من تفل ت القرآن، واستكشاف هذا يدل على قرب الله -تبارك وتعالى - من عبده، وقرب الوحي من عبده ونبيه ﷺ، وكأن الآيات تتنزل من الله -عز وجل - مباشرة على نبيه 11. المشهد الذي كان يجري بكل بساطة أن جبريل -عليه السلام- كان يقول:﴿ لاَ أُقْسِمُ بِي َوْمِ الْقِ يَامَةِ ﴾ فالنبي ﷺ يقول: ﴿ لاَ أُقْسِمُ بِي َوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾، ﴿ وَلاَ أُقْسِمُ باِلن هفْسِ اللهوهامَةِ ﴾، ﴿ وَلاَ أُقْسِمُ باِلن هفْسِ اللهوهامَةِ ﴾، وهكذا يقرأ النبي ﷺ، فلما استرسل النبي ﷺ بهذا الفعل خشية أن يتفل ت القرآن، جاءت الآ يات منبِّّ هة له. تمامًا كما يجري بين شخصين -كما يقال-، تخيل أني جالس أخاطب إنسانًً معينًا ثم سرح هذا الإنسان في خياله بعيدًا، ماذا أقول له؟ أقول: (يا أخي انتبه لي)، فهذه جملة معترضة، لا علاقة لها بالسياق الساب ولا بالضرورة في السياق اللاح . فالآن المدلول ليس كأنم ا جبريل هو الذي يخاطب النبي ﷺ وإنما هو مجر د وسيط عن الله -تبارك وتعالى -، الله يخاطب عبده محمدًا مباشرة، كأن الآيات نزلت مباشرة والنبي ﷺ يمارس هذا الفعل، فيقول الله -عز وجل - له: ﴿ لاَ تحَُريِكْ بِهِ لِسَانَكَ لِت َعْجَلَ بِهِ ( 16) إِنه عَلَي ْنَا جَْعَهُ وَق ُرْآَنَهُ (17) فَإِذَا ق َرَأْناَهُ فَاتهبِعْ ق ُرْآَنَهُ18) ثُُه إِنه عَلَي ْنَا ب َيَانَهُ ﴾، اطمئن سيُجمع هذا القرآن، وإذا قرأنًه سيُجمع في صدرك فاطمئن لهذه القضية، الآن فترة الاستماع والإنصات لما يُلقى إليك. ثم يتابع: ﴿ كَلاه بَلْ تحُِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20 ) وَتَذَرُونَ الآَْخِرَةَ ﴾، كأن النبي ﷺ انسحب عن ممارسة هذا الفعل. فضروري أن يدرك الإنسان هذه الحقيقة؛ أن أداة التساؤل -كما أعتقد- هي أداة إذا أحسن الإنسان توظيفها 11 (عن سَعِيدُ بْنُ جُب َيرٍْ عَنْ ابْنِ عَبهاسٍ فيِ ق َوْلِهِ ت َعَالىَ: ﴿ لاَ تحَُريِكْ بِهِ لِسَانَكَ لِت َعْجَلَ بِهِ ﴾ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ي ُعَالِجُ مِنْ الت هنْزِيلِ شِدهةً ، وَكَانَ ممِها يَُُريِكُ شَفَت َيْهِ، ف َقَالَ ابْنُ عَبهاسٍ: فَأَناَ أُحَريِكُهُمَا لَكُمْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَُُريِكُهُمَا، وَقَالَ سَعِيدٌ: أَناَ أُحَريِكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبهاسٍ يَُُريِكُهُمَا فَحَرهكَ شَفَت َيْهِ، فَأَن ْزَلَ اللَّهُ ت َعَالىَ: ﴿ لاَ تحَُريِكْ بِهِ لِسَانَكَ لِت َعْجَلَ بِهِ * إِنه عَلَي ْنَا جَْعَهُ وَق ُرْآنَهُ ﴾ قَالَ: جَْعُهُ لَكَ فيِ صَدْرِكَ وَت َقْرَأَهُ، ﴿ فَإِذَا ق َرَأْناَهُ فَاتهبِعْ ق ُرْآنَهُ ﴾ قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ، ﴿ ثُُه إِنه عَلَي ْنَ ا ب َيَانَهُ ﴾: ثُُه إِنه عَلَي ْنَا أَنْ ت َقْرَأَهُ. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ب َعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتاَهُ جِبرِْيلُ اسْتَمَعَ فَإِذَا انْطَلَقَ جِبرِْيلُ ق َرَأَهُ النهبيُِّ ﷺ كَمَا ق َرَأَهُ5.]
عدد الصفحات ٣٢