المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مركزية القرآن الكريم في السجال الفكري المعاصر

عبد الله العجيري

صفحة ١ من ٤

تفريغ محاضرة م ر ك ز ي ة الق ر آن الك ر ي م ف ي الس ج ال الف ك ر ي الـم ع اص ر للشيخ: عبد الله العجيري - والتي أقيمت ضمن زيارة الشيخ للأردن - 1438هـ - 2016

عدد الصفحات ١

2 بسم الله الرحمن الرحيم *1 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا مح مد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:  مقدمة في البدء أرحب بالأحبة الزملاء الحضور مشكورين، سواء من الإخوة أو الأخوات، و أثنّ بالشكر الجزيل حقيقة للإخوة في هذه الجمعية الطيبة المباركة على إتاحة هذه الفرصة وهذا المجال للتقد م بين يديكم بحديث أعتقد أنه في غاية الأهمية، ولا أخفيكم أني أجد من نفسي حرجًا عظيمًا أن أتحدث عن مثل هذا العنوان الضخم -كما يقال-: (مركزية القرآن في السجال الفكري المعاصر )، ودعوني أسرّب لكم جزءًا من التسريبات بما يتعل بالإعداد لهذه المحاضرة. مر عنوان هذه المحاضرة بجملة من الأطوار المتعاقبة، وحصل نوع من أنواع سوء الفهم -إن صح التعبير- فاضطر الإنسان أنه يُقحم بعض القضايا التي هي أكبر دائرة من العنوان الأساسي، العنوان الذي كان مقترحًا للزملاء: (السؤال كأداة للتدب ر)، ولكن فوجئت أن كلمة (التدبر) لم تُفهم، و كنت متوهمًا أنها مرتبطة بالقضية القرآنية، لكن كان هنا ك انطباع متخلِّّ عن المتحدّث أنه مشتغل بالقضايا والملفات المتعلقة بالمجال الفكري، ف فُهم التدبر بالمجال الفكري وكذا، فقلت لهم لا، فخرج العنوان في النهاية كنوع من أنواع الالتقاء في منتصف الطري ؛ أ ن القضية تتعل بالتدبر نعم، لكنها تتعل بتدبر القرآن في المجال الفكري، إن صح التعبير. في الحقيقة لما بدأ الإنسان بالانشغال فيما يتعل بملف الإلحاد وملف إنكار وجود الله -تبارك وتعالى - وتوغّل الإنسان فيما يتعل باستكشاف الدلائل الفطرية المتعلقة بهذه الحقيقة الوجودية الهائلة والكبير ة جدًا، وما يتعل بالدلالات العقلية الدالة على وجود الإله، لا أخفيكم أنه ترس خ في نفسي من خلال المطالعة والقراءة أن أعظم الحقائق الوجودية على الإطلاق هي حقيقة وجود الرب -تبارك وتعالى-، وأجد مصداق ذلك في القرآن الكريم بقوله -تبارك وتعالى -: ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْ ءٍ أَكْب َرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ ب َيْنِِ وَب َي ْنَكُمْ ﴾. 1 تسجيل المحاضرةa/o6vj58rg2glm-https://soundcloud.com/muslima

عدد الصفحات ٢

3 الأمر الهائل بالنسبةالذي يتعل بحقيقة هذا الوجود الإلهي، أن الله -تبارك وتعالى - مع عظمته ومع كماله - تبارك وتعالى - ومع استغنائه -تبارك وتعالى - عن خليقته، ومع حقارة وفقر هذا الإنسان ، إلا أنه هذا الرب الرحيم العليم الحكيم الخبير قد مده حبلاً للتواصل مع خليقته عبر هذا الكتاب العجيب، هذا الكتاب الجليل المهيب العظيم! نحن نستسهل أحيانًً بعض الحقائ بحكم التدي ن الذين عشنا به، وبحكم أن الإنسان ما فك ر كثيرًا بطبيعة هذه العلاقة بين العبد و بين ربه -تبارك وتعالى -. الفلاسفة عندما يتكلمون عن مسألة: ما هي أخصّ صفات الخال -تبارك وتعالى - بقابل صفات المخلوق، يتحدثون عن صفة الخال هي الوجوب مقابل إمكان العبد، المتكلِّّ مة يقولون بالقِّدم مقابل الحدوث، ابن تيمية -عليه رحمة الله تبارك وتعالى - وتلميذه ابن القيم لهما تعبير في غاية الأنًقة والجمال، يقولون: "أخص صفات الر ب -تبارك وتعالى- هو كماله وغناه -سبحانه وتعالى- في مقابل كمال فقر العبد والإنسان ". تخيلوا عقد المقارنة بين الطرفين؛ هذا الرب المتعالي الكامل -سبحانه وتعالى- لما يتواصل مع خليقته بكلامه - تبارك وتعالى-، فهذه قضية ينبغي ألا يتجاوزها الإنسان مُستسهلاً لها، ولذا أحد الشخصيات التي و ع ت هذه الحقيقة العظيمة هو عثمان بن عفان -رضي الله عنه وأرضاه - حين قال: "لو صلحت قلوبنا لما شبعت من كلام ربنا"..! والإنسان عادة يتلق ى مثل هذه العبارات بنوع من أنواع ال سطحية، في حين ثمة دلالات ومضامين معم قة بما يتعل بهذه القضية وهذه الحقيقة، خذوا هذه اللقطات العجيبة من سيرة الصدي -أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه-، وحتى ندرك لماذا صار الصدي صديقًا؛ أنه استطاع أن ينفذ بعقله إلى هذه الحقيقة الهائلة الكبيرة؛ أن الرب -تبارك وتعالى- قد بسط رحمته على العبد الفقير بتواصله -تبارك وتعالى - معه بأن يكلمه ويُنزل إليه وحيًا ويصطفي إليه رسولاً يبلّغه وحيه وكتابه.. تبتدئ هذه الحكاية في طبيعة الحال مع النبي ﷺ، النبي ﷺ يتحد ث عن نفسه بعد حادثة الإسراء والمعراج يقول: "لَمها كَانَ لَي ْلَةَ أُسْرِيَ بِِ وَأَصْبَحْتُ بَِِكهةَ، ف َفَظَعْتُ بَِِمْرِي، وَعَرَفْتُ أَنه النهاسَ مُكَذيِبِِي "، النبي ﷺ

عدد الصفحات ٣

4 مشاعره الأولية التي يعبرّ عنها ابن عباس صريحًا في الرواية: " فأصبح النبي ﷺ مهمومًا حزينًا"، دائمًا لما أقف مع هذا الحديث عند هذه اللفظة كان يبرز إلى ذهن تساؤل معينّ: ما الذي حمل النبي ﷺ أن يكون مهمومًا حزينًا؟! كنت أتوقع أن النبي ﷺ سوف يكون مسرورًا مبتهجًا سعيدًا بعظيم منة الله -تبارك وتعالى - عليه، تخيلوا أن النبي ﷺ أُسري به إلى بيت المقدس، وصل ى بالأنبياء والمرسلين، بعد أن أُسري به على ظهر البراق، عُرج به إلى السماء مع جبريل -عليه السلام-، قابل الأنبياء والمرسلين وسل م على إخوانه وأصحابه، وأفضى إلى الله -تبارك وتعالى-، وخاطب الله -تبارك وتعالى - مخاطبة مباشرة، وكل مه الله -سبحانه وتعالى - و أفضى إليه بإجاب الصلاة، رأى من آيات ربه الكبرى.. تخيلوا ضخامة الحدث الذي جرى للنبي ﷺ والذي يُفترض أن يكون الإنسان سعيدًا مسرورًا بهذه النعمة الهائلة التي أفضى الله -تبارك وتعالى - بها عليه. العلماء يتكل مون أن جزءًا من الحكمة الإلهية بما يتعل بحدث الإسراء والمعراج هو التسلية والتسرية عن النبي ﷺ على عقب عام الحزن و على عقب تكذيب أهل الطائف له ﷺ. فما بالك يا رسول الله مهمومًا حزينًا؟! لأن من كمال رحمة النبي ﷺ بمن يدعوهم أنه يعرف أنه رسول الله، وأن واجبًا عليه أن يبلّغ الناس الخبر، وهو مدرك ﷺ ضخامة الخبر، فكيف سيصدّقه الناس؟! يقدّر الله -عز وجل - لنبيه ﷺ أن أول رجل يم ر عليه وهو في هذه الحال هو أبو جهل، فتقول الرواية: "فقال له أبو جهل كه يئة الساخر به"؛ أي أنه يور د عليه السؤال و حقيقة هذا السؤال ومضمونه السخرية بالنبي ﷺ، "يقول: يا محمد هل كان من شيء؟"؛ يعن هل عندك خبر جديد؟ وحي جديد؟ قصة جديدة؟ على هيئة السخرية . فقال له النبي ﷺ: "نعم"، قال: "وما ذاك؟"، قال: "أُسري بِ الليلة إلى بيت المقدس"، ولم يدعه أبو جهل يكمل كلامه فقال: "وأصبحت بين ظهرانينا؟!"، فقال النبي ﷺ: "نعم". فقال: "يا ابن أخي"، ولاحظوا تغير اللفظ، فهناك نوع من الخبث ومحاولة المقاربة وتلطيف الأجواء، قال: "يا ابن أخي إن جمعتُ لك قومك تحدثهم

عدد الصفحات ٤

5 بالذي حدثتن به؟"، قال النبي ﷺ: "نعم"، فبدأ أبو جهل يصيح: "يا معشر ق ريش، يا معشر كعب بن لؤي.."، وجم ع القرشيين حول النبي ﷺ و قال بخبثه: "يا ابن أخي حدّثهم بالذي حد ثتن به"، فقال النبي ﷺ ملتفتًا إلى الناس: "إنه قد أُ سري بِ الليلة إلى بيت المقدس"، ونفس الموقف الذي حصل من أبي جهل فصرخ الجمع: "وأصبحت بين ظهرانينا؟"، فقال النبي ﷺ: "نعم"، تقول الرواية ولاحظوا د قة توصيف الصحابي الذي يشهد هذا المشهد: "فما بين ضارب كفًا بكف وما بين واضع يديه على رأسه". "فما بين ضارب كفًا بكف" كأن لسان حاله يقول أن هذا الرجل قد جُ نّ ، "وما بين واضع يديه على رأسه" كأنه يقول: ما أكبرها من كذبة! الشاهد من الرواية والقصة طويلة-: "وذهبت جماعات من الناس إلى أبي بكر رضي الله عنه، وقا لوا له: أما علمت ما يقول صاحبك؟ قال: وما قال؟ قالوا: يزعم أنه أُسري به اللي لة إلى بيت المقدس وأصبح بين ظهرانينا" ، لاحظوا أن اللطيف في الرواية أن لا أحد حتى الآن علم بموضوع المعراج، ما زال الاستشكال حول موضوع الإسراء وما يتعل به. فقال أبو بكر -رضي الله عنه وأرضاه- عبارة منهجية تعبرّ عن لب دين الإسلام: "لئن كان قاله فقد صدق "؛ يعن القضية وما فيها عند أبي بكر -رضي الله عنه وأرضاه - ليست بطبيعة مضمون الكلام الخارج من شفتي النبي ﷺ كي يصدقه أو لا يصدقه، القضية التي تهمه هل خرج هذا الكلام من شفتي النبي ﷺ أم لا؟ إن خرج فهو صادق ﷺ، و إلا فقد كُذب عليه. فقالوا له، وهنا موضع الشاهد: "عجبً ا لك يا أبا بكر أتصدقه بمثل هذا؟ فقال -رضي الله عنه وأرضاه -: إني لأصدقه بِعظم من ذلك؛ أصدقه بخبر السماء يأتيه في لحظة". لاحظوا إدراك أبي بكر -رضي الله عنه وأرضاه - لهذه الحقيقة ؛ أن هذا القرآن هو أعظم الآيات وأعظم الحقائق التي خاطبنا الله -تبارك وتعالى- بها، و التي كشفت له عن هذا المبدأ العظيم الذي يُفضي بالإنسان إلى التسليم لله -تبارك وتعالى -، و هو الذي أفضى به رضي الله عنه وأرضاه إلى منزلة الصِّّديقية. حتى أن ابن القيم في بيان منزلة التسليم في (مدارج السالكين) كان يتحدث أن أكثر الناس صديقية أكثرهم تسليمًا، أن هناك قناة ومعبرًا يُفضي بالعبد إلى منزلة الصِّّديقية و هو تمام التسليم.

عدد الصفحات ٥

6 فكيف تشك لت هذه الروح المسلِّّمة-تبارك وتعالى - المصدِّّقة له ﷺ ؟ تشك لت في ظل وعيه بهذه الحقيقة الوجودية الهائلة، وهي أن المؤمن حينما يعتقد أن هذا الرب الخال الرحيم العظيم الكبير -سبحانه وتعالى- قد ات صل بعباده بهذا الكتاب ينبغي أن تكون بقية القضايا سهلة، العقل البشري للإنسان إذا استطاع استيعاب مثل هذه الحقيقة الوجودية الكبرى لا ينبغي أن يتوق ف كثيرًا عند التفاصيل. من القصص المؤثرة التي قرأتها قديمًا في صحيفة (العالم الإسلامي) لرئيس التحرير واسمه مراد عرقسوس، وكلما أستحضر هذه القصة أشعر بعظيم من ة الله -تبارك وتعالى - أن وُجدنً في زمان ومكان يستطيع الإنسان منا أن يُفضي إلى كتاب الله -تبارك وتعالى - مباشرة.. تقول القصة، وهي في إحدى قرى جمهوري ة أوزباكستان -في الاتحاد السوفييتي المسب -: "أدركتنا صلاة العصر ونحن بالقرب من أحد المساجد فولجنا لأداء الصلاة، وبد انتهائها رأيت المصلِّّ ين يتسابقون للجلوس في طابور طويل يبدأ عند أحد أعمدة المسجد وينتهي عند المدخل"، مشهد غريب ! يقول: "ثم قام إمام المسجد بعد ذلك بفتح صندوق حديدي مثبّت في المسجد وأخرج مصحفًا قديمًا، وبدأ كل واحد في المسجد يقرأ صفحة واحدة من المصحف تحت إشراف الإمام ويغادر المسجد ثم يأتي الذي يليه وهكذا، ثم تبين أن هذا الطابور من المصلين ينتهي عند صلاة المغرب ؛ نظرًا لأن هذا المسجد لا يوجد فيه سوى هذا المصحف فقط، وأن جميع المصلين لا يملكون مصاحف خاصة بهم في منازلهم..."! لما قرأت هذه القصة الحقيقة أذهلتن!، ي عن هل يُتصو ر أنه يوجد مسلم يجد معانًة ليس في مجاهدة نفسه على تلاوة كتاب الله -تبارك وتعالى -، على تدبر كتاب الله -تبارك وتعالى -، يجد معانًة للوقوف فقط على آياته - تبارك وتعالى -، ونحن نعيش بحمد الله في زمان يستطيع الإنسان أن يُفضي إلى كتاب الله -تبارك وتعالى - بكل سهولة ويسر، إن لم يكن مصحفًا مطبوعًا، حتى الأجهزة الكفي ة تجد فيها مصحفًا تستطيع الإفضاء إلى كتاب ربك -تبارك وتعالى - مباشرة. طبعًا بحمد الله -تبارك وتعالى - ومِّ ن ته نحن نعيش في سياق زمن ثمة نوع من الأوبة والعودة إلى الاهتمام بالنص القرآني، يعن لما أعود بالذاكرة إلى بداياتي في طلب العلم كانت ال قضية العلمية الشائعة بين طلبة العلم ما يتعل

عدد الصفحات ٦

7 بعلوم الحديث النبوي، ما يتعل بالمجال العقدي الفقهي، أما دروس التفسير وكتب التفسير فلم تكن محل حفاوة كبيرة عند جموع غير قليلة ممن هم من أقراني، وأنً منهم، فيما يتعل بعلوم القرآن الكريم. بحمد الله -تبارك وتعالى - نحن نعيش في زمان باتت تشك ل فيه مؤسسات ومراكز بحثية مهمومة بالنص القرآني، ثمة كتابات متعدِّّ دة من المراكز البحثية الموجودة عندنً في المملكة أنتجت من الكتب المتصلة بتفسير القرآن وعلوم القرآن وما يشتمل ذلك عليه، ربما ما طُبع في الخمس سنوات الماضية أكثر مما طُبع خلال العشرين سنة المسبق ة عليها. أنً من أحد الناس الذين إذا أرادوا قراءة (تفسير الحافظ ابن كثير ) كانت عندنً طبعة "تجارية رديئة" هي المشهورة ، وكانت هناك طبعة نًدرة لا يكاد يقف عليها إلا عدد قليل جدًا من طلبة العلم، الآن بحمد الله - تبارك وتعالى - تتحد ث عن طبعات متعددة جيدة لتفسير الحافظ ابن كثير ، وعندنً رموز مشي خي ة مختصة في مجال القرآن؛ مثلاً عندنً الشيخ مساعد الطيار، والشيخ عبد الرحمن الشهري، الشيخ محمد الخضيري، والشيخ عمر المقبل، وغيرهم من المشايخ المختصين بعلوم التفسير والقرآن الكريم. فبحمد الله تعالى عندنً نوع من الاعتناء الحقيقي بالقضية القرآنية. من الشخصيات التي وجدت فعلاً أنها بث ت وعيًا حسنًا فيما يتعل بالقضية القرآنية داخل المنظومة الفكرية والمعادلات الفكرية، شخصيتان في هذا الزمان؛ أذكرهم كتمثيل وتطبي ، لأن الإنسان يجد أن مشروع القضية القرآنية حاضر في طبيعة الأدبيات والأطروحات التي يقدّ مانها، رجل من المشرق العربي ورجل من المغرب، شاب وشيخ، حيّ بحمد الله -تبارك وتعالى - ومتوفَّ نسأل الله تعالى أن يرحمه..  الشيخ المشرقي أحد الأصدقاء والأحباب المتميزين سواء على مستوى المعارف الشرعية أو المعارف الفكرية، وهو الشيخ إبراهيم السكران -حفظه الله تبارك وتعالى -. الذي يطالع أطروحات الشيخ إبراهيم السكران فإن عينه لا تخُ ط حجم الاحتفاء الذي يُبديه الشيخ بما يتعل بالقضية القرآنية، وعلى مستوى المشهد المحلي السعودي هو أح د الشخصيات المركزية التي جعلت للنص القرآني حضورًا متقدِّّ مً ا خاصة بما يتعل بالوعي الشبابي، بالذات بما يتعل بالمجالات الفكرية.

عدد الصفحات ٧

8 له كتاب جميل يعبرّفيه عن الت نظريات المتعلقة بالخطو العامة لمشروعه المتعلّ بالقضية القرآنية، عنوان هذا الكتاب: (الطريق إلى القرآن) ، وهو بحمد الله -تبارك وتعالى - منتشر وموجود كذلك بصيغة ( pdf في ) النت2. في كتابه (الطري إلى القرآن ) له مقالة مبدعة في الحقيقة من مقالاته، عنوان هذه المقالة معبرّ وضروري أن ندركه بما يتعل بارتبا القضية القرآنية في الفضاء الفكري المعاصر، عنوان هذه المقالة الجميلة : (تطويل الطريق)3. ودعوني أقتبس لكم ثلاثة اقتباسات سريعة تعبر عن الروح التي ينبغي أن نكون مستصحبينها بما يتعل بالقضية القرآن ية وصِّلتها بالسجال الفكري المعاصر، ي قول في كلام لطيف في أول المقالة: "حين أسمع بعض المفكرين الإسلاميين يتكلمون عن ضرورة مقاومة وتفنيد الأفكار الضالة الجديدة عبر دراسات فكرية موسعة؛ فلا أخفي أننِ أحترم تمامً ا حرصهم على سلامة التصورات الإسلامية من الاجتياح العلماني المعاصر .. لكننِ أرتاب كثيرً ا في نجاعة هذا الأسلوب الذي يريدون .. عندي وجهة نظر لكنِ لا أبوح بها كثيرً ا .. لأني أرى بعض المفكرين الإسلاميين يتصور أنها نوع من التثبيط والتخذيل، فلذلك ألوذ بالصمت .. وجهة نظري هذه بكل اختصار هي أن أمر الانحرافات الفكرية المعاصرة أسهل بكثير بكثير مما نتصور .. فلو نجحنا"، وهنا موضع الشاهد الذي ينبغي للإنسان أن يستصحبه وأن يبث الوعي به لمن حولنا، يقول: "فلو نجحنا في تعبئة الشباب المسلم للإقبال على القرآن، وتدبر القرآن، ومدارسة معاني القرآن، لتهاوت أمام الشاب المسلم -الباحث عن الحق- كل التحريفات الفكرية المعاصرة ريثما ختتم أول (ختمة تدبر)".. هذا الكلام في الحقيقة بالنسبة لي كلام عظيم وكلام جليل وكلام ح .. 2 (الطريق إلى القرآنhttp://books.islamway.net/1/2629/8625.pdf 3 مقالة (تطويل الطريقhttp://www.saaid.net/Doat/alsakran/18.htm

عدد الصفحات ٨

9 ويقو ل الشيخ بعدها في موضع آخر: "قراءة واحدة صادقة لكتاب الله تصنع في العقل المسلم ما لا تصنعه كل المطوه لات الفكرية بلغتها الباذخة وخيلائها الاصطلاحي .. قراءة واحدة صادقة لكتاب الله كفيلة بقلب كل حيل الخطاب الفكري المعاصر رأسً ا على عقب ..". في آخر المقالة يقول عبارة جميلة: " أعطوني ختمة واحدة بتجرُّ د أعطيكم مسلمً ا سنيً ا سلفيً ا حنيفً ا .. ودعوا عنكم خرافة الكتب الفكرية الموسعة .." المقالة الحقيقة جميلة، والكتاب في مجموعه جميل. والشيخ -كما سنبين في نهاية الموضوع - يمارس هذه الوصية عمليًا من خلال كتاباته، وسأذكر لكم تطبيقًا عمليًا يبينّ هذا .  الشخصية المغاربية: هو د. فريد الأنصاري -عليه رحمة الله تبارك وتعالى -. له مجموعة من الكتب ومجموعة من الرسائل، من رسائ له رسالة جميلة اسمها: (هذه رسالات القرآن فمن يتلقه اها؟)4،يرسم فيها كذلك ملامح مشروعه بما يتعل بالقضية القرآنية، وهي من ضمن سلسلة عنوانها: (من القرآن إلى العمران)، فأحد المشاريع الأساسية لهذا الشيخ قضية كيف نستطيع الانتقال بالقضية القرآنية من عالم القرآن إلى عالم العمران، وف المصطلح القرآني، فالعمران ليس المقصود به العمران الد نيوي الحضاري، بل العمران بمفهومه الأشمل: ﴿ إِنَّهَا ي َعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ ﴾، كذلك يُدخل فيها العمران الدين، مشروع جميل الحقيقة. 4 http://forums.way2allah.com/showthread.php?t=268771

عدد الصفحات ٩

10 وله عددغير قليل من الكتب الـمُ حت فية بالقضية القرآنية ، فعنده هذا وهو الجزء الخامس من من سلسلة (من القرآن إلى العمران) ، و له سلسلة (مجالس القرآن) . فكلا الشخصيتين مشكورين قد قد م منتجًا جيدًا فيما يتعل بالقضية القرآنية وصِّ لة هذه القضية القرآنية بفضاء الفكر المعاصر، وكيف يستطيع الإنسان أن يعالج كثيرً ا من الإشكاليات الموجودة في هذا الفضاء في ظل النص القرآني. طبعًا الموضوع اليوم بإذن الله -تبارك وتعالى - السؤال المركزي والأساسي: كيف نستطيع أن نجعل من النص القرآني مصدرًا حقيقيًا في بناء تصوُّراتنا، قناعاتنا، عقائدنا، أفكارنا؟ كيف يستطيع الإنسان في ظل النص القرآني أن يرتب أولويات المشروع الإنساني؟ وأن يحدّد موقع الحضارة المدنية المعاصرة في ظل الخارطة الإسلامية، وكيف يستطيع الإنسان أن يجيب على سؤال العلاقة بين الدنيا والآخرة، وأهم السؤالات المتعلقة بالفضاء السياسي الفكري التي يستطيع الإنسان أن يستجلب جواباتها من النص القرآني . عندنً مجموعة غير قليلة من الدعاة، من السؤالات الفكرية المعاصرة كيف يستطيع الإنسان أن يستعرضها على سير و قصص الأنبياء المحكي ة في القرآن للتفتيش عن جوابات هذا السؤال. الإمام الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود له عبارة في الحقيقة جدًا جميلة، وهي الر وح التي يجب أن نستصحبها في خلال هذا الموضوع، يقول: " إذا أردتم العلم فأثيروا القرآن؛ فإن فيه علم الأولين والآخرين5." هذا الدرس هو سعي لمحاولة استكشاف بعض الأدوات التي نستطيع من خلالها أن نُثير النص القرآني؛ لأني وجدت أحد الإشكاليات العميقة التي تتعل بموضوع تدبر القرآن الكريم ، لا أخفيكم أنن حضرت عددً ا غير قليل من الدروس العلمية التي تتعل بموضوع تدبر القرآن الكريم ، وكانت المعانًة التي تصادفن دائ مًا هو أنن لا 5 محاضرة (تثوير القرآن) للشيخ عمرو شرقاوي مفيدة في الباب https://www.youtube.com/watch?v=VYDuThliX14&t=117s

عدد الصفحات ١٠

11 أستطيع ممارسة هذا الدور عمليًا، يعن أكون مشحونًً إيمانيًا بالرغبة بممارسة هذا الدور وهذا الفعل على الناحية الفعلية العملية لكن أجد نفسي غير قادر على الممارسة العملية. دعونً نمثّل مدلول هذه المسألة بمسألة أخرى شهيرة وقريبة ، ودعنا نقل أنها تمّ ثل الصورة الأخرى من العمدة - كما يقال-، أذكر أنن حضرت مع بعض الزملاء وحضرت العديد من الدروس بما يتعل بعبودية التفكر؛ كيف يتفك ر الإنسان بخل الله -تبارك وتعالى -، كيف يُفضي الإنسان إلى التعر ف على عظمة الله -تبارك وتعالى -، على كمال حكمته، كمال علمه -تبارك وتعالى -، من خلال تأمل العبد بمخلوقاته -تبارك وتعالى -. و كان يتأثر الإنسان حين يقرأ أو يسمع قوله تعالى: ﴿ إِنه فيِ خَلْقِ السهمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللهيْلِ وَالن ههَارِ ..﴾ الآيات، يتأثر الإنسان، ويتأثر أكثر حين يسمع الخطاب النبوي: "ويل لمن قرأها ولم يتفكه ر فيها". يستشعر الإنسان أنه ينبغي أن يمارس هذه العبودية.. أذكر أني كنت مع جمع من أصحابي في البرية، فألقى أحد الإخوة كلمة طيبة عن عبودية التفكر، وساق ب عض الآثار السلفية الشهيرة: "لئن أتفكر ساعة أحب إليّ من قيام ليلة"، وشحن النفوس بما يتعل بهذه العبودية، لا أخفيكم أننا لما انتهينا من الدرس تنح يت جانبًا قليلاً، وأبعدتُ في ظلمة الليل، و جلست أنظر للسماء وأنظر للقمر وأنظر إلى النجوم ساعيًا لأن أمارس عبودية التفك ر. المعانًة التي واجهتها أني جلست أتأمل في وجه القمر -كما يقال- وبدأت أعصر مخي أريد أن أتفك ر، وأريد أن أتفكر وأشعر بالشعور الإيماني الناتج في ظل تأملي في خل الله -تبارك وتعالى - ما أخفيكم أني في النهاية شعرت أني لا أعرف كيف يمكن أن أمارس هذه العبادة. بالنص القرآني نفس الإشكالية، أذكر أني مرة في المرات قرأت في الموضوع فقلت بإذن الله -عز وجل - سأختم القرآن ختمة تدبرية، ففتحت الم صحف وبدأت أتلو كتاب الله -تبارك وتعالى -، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرهحَْْنِ الرهحِيمِ * الحَْمْدُ للَِّهِ رَبيِ الْعَالَمِينَ * الرهحَْْنِ الرهحِيمِ * مَالِكِ ي َوْمِ الديِينِ ﴾ وبدأت أسترسل في القراءة، فوجدت أنه ليس هناك فارق موضوعي حقيقي بين هذه التلاوة وبين فكرة التدبر، فلست أعرف كيف أتدبر كتاب الله -تبارك وتعالى -.

عدد الصفحات ١١

12 فالأزمة التي تتشكل وأظن أنها تحتاج نوعًا من أنواع المعالجة وعلى المختصين أن يوع وا الناس بها؛ كيف يستطيع الإنسان عمليًا أن يمارس هذه العبودية؟ هل بإمكان الإنسان أن يتمل ك بعض الأدوات المعينة التي يستطيع من خلالها فعلاً أن يُفضي إلى التدبر؟ بإذن الله -تبارك وتعالى - درسنا اليوم هو سعي بما يتعل بهذه القضية. مسألة تدبر القرآن الكريم ليست من القضايا الثانوية الهامشي ة في علاقة المسلم بالقرآن الكريم، بل هي أحد أنما التعب د التي أمرنً الله -عز وجل - بها حيال كتابه -تبارك وتعالى-؛ ثمة عبادة تلاوة القرآن الكريم ، وحفظ القرآن الكريم ، وكذلك التدبر من العبوديات التي ينبغي أن يمارسها المسلم مع كتاب ربه -تبارك وتعالى -. إحدى القضايا السِّّ جالية في الإطار الفقهي: أيهما أفضل أن يتكثي ر الإنسان من عدد الآيات وإن قله من التدبر عنده، أم يتكثه ر الإنسان من تدبر كتاب ربه -تبارك وتعالى- وإن قليت الختمات؟ المسألة جدلية في الإطار الفقهي، والطريف في الموضوع أني وجدت أن هذه المسألة في حقيقة الأمر أحد فروع القواعد الفقهية محل الجدل والسجال التي أفرزت الجدل في هذه القضية وغيرها من التنظيرات الموجو دة في المجال الفقهي. يعن لما كنت أقرأ في كتاب (القواعد) لاب ن رجب -عليه رحمة الله تبارك وتعالى - فوجئت أنه وضع عنوانًً فيما يتعل بهذه القضية، ثم بنى على هذا الأصل من اختلاف الفقهاء في الإسلام من الأحكام التعبدية الكثيرة، تجد بعض العلماء يفضّ ل أن يكثر الإنسان من عدد الركعات على تطويلها، والبعض الآخر يفضل تطويل عدد الركعات وإن قل ت. مثلاً تكثير الصدقة على سبيل المثال من جهة الأفراد والأعيان على حساب الجودة وإن قل ت، فتجد أن هناك رؤية موجودة في الإطار الفقهي، وفي النصوص الشرعية ما يخدم هذه الضفة وتلك الضفة، مثلاً النبي ﷺ يقول: "من قرأ حرفًا من كتاب الله كتب الله -تبارك وتعالى- له بكل حرف حسنة، لا أقول (الم) حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف"، وبالتالي تكث ر المسلم من قراءة أحرف كتاب ربه -تبارك وتعالى - مما يصب في حسناته. بمقابل في آيات أُخر تدل على أن من حكمة الله -تبارك وتعالى - من تنزيل هذا الكتاب هي أن يُتدب ر؛ يقول الله -تبارك وتعالى -: ﴿ كِتَابٌ أَن ْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدهب هرُوا آَياَتِهِ وَلِي َتَذَكهرَ أُولُو الأَْلْبَابِ ﴾، ويقول الله -عز وجل -: ﴿ أَفَلاَ ي َتَدَب هرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَ لَى ق ُلُوبٍ أَق ْفَالَُ ا ﴾، ويقول الله -تبارك وتعالى -: ﴿ أَفَلاَ ي َتَدَب هرُونَ

عدد الصفحات ١٢

13 ِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيرِْ اللَّهِ لَوَجَدُوا ف ﴾؛ وبالتالي الأداة التي يستطيع الإنسان أن يتوث بها من صحة هذا النص القرآني أن يُتدب ر؛ فيُنظر هل ثمة اختلاف داخلي في هذا القرآن؟ هل ثمة اختلاف بين القرآن والحقائ القطعية الموجودة في الخارج؟ فإن انتفت هذه وتلك فإنه يدل صدقًا على أنه من عند الله - تبارك وتعالى -. بل تدبر القرآن يعطي الإنسان إطلالة على منسوب قلبه الإيماني وإ دراك وضع قلبه، ك ما يقول الله -تبارك تعالى-: ﴿ أَفَلاَ ي َتَدَب هرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى ق ُلُوبٍ أَق ْفَالَُا ﴾، وبالتالي فأنت حين تريد أن تدرك موضع قلبك في مجال الإيمان ففتِّّ ش عن تدبر كتاب الله -تبارك وتعالى - في حياتك. وأحد التمثيلات الجميلة التي ساقها الإمام ابن القيم كحل لهذه القضية في (مفتاح دار السعادة)، يقول: "مثل الإنسان الذي يتكث ر من تلاوة كتاب ربه -تبارك وتعالى - دون أن يتدب ره كمثل رجل تصدق بدنًنير كثيرة، ومثل الذي من قل ل قراءته متدبرًا كمثل من تصدق بجوهرة عظيمة، فقد تكون الجوهرة العظيمة تربو على الدنًنير الكثيرة، وقد تربو الدنًنير الكثيرة على تلك الجوهرة المت صد ق؛ بها بحسب طبيعة ونمط ذلك التدبر". فهذه أحد المخارج ، وحقيقة أظن أن الجدل الطويل حول هذه الحقيقة لا يفيد كثيرًا؛ لأنه لا تعارض حقيقة بينهما، فأعتقد أنه بإمكان المسلم أن يجمع بين التكث ر من تلاوة ك تاب ربه -تبارك وتعالى - بحيث تتعز ز هذه العلاقة مع القرآن الكريم ، مع مراعاة أن يكون للإنسان حظ في تدبر كتاب ربه -تبارك وتعالى -. من العبارات العجيبة التي ذكرها الإمام الوزير ابن هُبيرة -عليه رحمة الله تبارك وتعالى -، وذكرها الإمام ابن رجب في (ذيل طبقات الحنابلة)، وهي تأخذ في سدّ أحد منافذ الشيطان على المسلم حين يريد ممارسة هذه العبودية، وتأملوا في دقة المتقدّمين في استرِّ واح طبيعة النفس البشرية، يقول: "من مكائد الشيطان تنفيره عباد الله من تدبر القرآن، لعلمه أن الدى واقع عند التدبر، فيقول -أي الشيطان للإنسان-: هذه مخاطرة، حتى يقول الإنسان: أنا لا أتكلم في القرآن تورعًا"؛ يعن أحد المداخل التي يمكن أن ينفذ من خلالها الشيطان للإنسان، كما قال الصدي -رضي الله عنه وأرضاه -: "من أنً لأقول بكتاب الله ما لا أعلم". فأحد المداخل التي ينبغي على الإنسان أن يتفط ن لها أنه قد يدخل عليه داخل من الشيطان بتصنُّ ع التورع عن تدبر كتاب الله -تبارك وتعالى-. فكيف يستطيع الإنسان أن يحسم مادة الجهل؛ لأنه قد يقع الإنسان في مطب وإشكال حقيقي بأن يُفضي الإنسان إلى القرآن مباشرة من غير أن يكون مُ هي أً لممارسة هذه العبودية؟

عدد الصفحات ١٣

14 إذا استحضر الإنسان أن الله -تبارك وتعالى - يطلب من العبد أن يتدبر كتابه فينبغي أن يُ عد عد ة هذا التدبر، وسنذكر في ثنايا الموضوع ما يكشف عن هذه المسألة . ولكن من أراد معالجة ما يتعل بهذه الإشكالية والشبهة تفصيلاً أنصحه بكتابين: - الكتاب الأول: تعر ض لها د. فريد الأنصاري في كتابه ( هذه رسالات القرآن فمن يتلقاها؟)، أورد الإشكال الذي قد يطرأ في النفس وحا و ل الإجابة عليه. - والشيخ مساعد الطيار في كتاب ه الذي طُبع وجُ عت فيه رسالات الشيخ و مقالاته، أورد أحد السؤالات المتعلقة بهذه القضية وقد م جواباً حسنً ا مطولاً عليه 6. ولكن زبدة ال كلام نذكرها من خلال عبارة للإمام الطبري -عليه رحمة الله تبارك وتعالى -، تقول هذه العبارة: "إني لأعجب ممن قرأ القرآن ولم يتعلهم تأويله كيف يلتيذُّ بتلاوته!"؛ باب التدبر في حقيقة الأمر يبتدئ بالخطوة الأولى بتفسير القرآن الكريم. الإمام الطبري يقول: "إني لأعجب ممن قرأ القرآن ولم يتعل م تأويله"؛ أي تفسيره، "كيف يلتّذ بتلاوته"؛ كيف يستطيع العبد المؤمن أن يتلذ ذ بتلاوة كتاب الله -تبارك وتعالى - ما لم يكن مدركًا لتفسير هذا الكتاب العزيز؟! درسُ نا اليوم بإذن الله -عز وجل - يدور حول أداة واحدة، آلية معينة يستطيع الإنسان أن يُفضي من خلال قوة هذه الأداة والآلية إلى فعل حقيقي من تدبر كتاب الله -تبارك وتعالى -. وحين تنبّهت إلى هذه القضية باتت تلاوتي لكتاب الله -تبارك وتعالى - مختلفة تمامًا، وقُلبت علاقتي بالنص القرآني -كما يقال- رأسًا على عقب، الأداة باختصار شديد هي: أداة التساؤل والاستشكال. 6 (مقالات في علوم القرآن وأصول التفسير) / الشيخ مساعد الطيار http://ar.islamway.net/book/21134/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8% -%D8%B9%D9%84%D9%88%D9%85-%D9%81%D9%8A-A7%D8%AA -9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86%D8%A7%D -%D9%88%D8%A3%D8%B5%D9%88%D9%84 1-2-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%81%D8%B3%D9%8A%D8%B1

عدد الصفحات ١٤

15  أداةالتساؤل والاستشكال ودعونً نقسِّّم كيفية إعمال هذه الأداة على ثلاثة مستويات:  المستوى الأول: تدبر القرآن على مستوى المفرد ة القرآنية .  المستوى الثاني: تدبر القرآن على مستوى التركيب والجملة القرآنية  المستوى الثالث: الإفضاء إلى عوالم العلوم القرآنية. ودعونً نتوق ف مع كل واحدة منها وقفة حتى يدرك الإنسان كيف يوظّف أداة التساؤل في خدمة فعل التدبر، وتسهيله ابتداءً 7.  تدبر القرآن الكريم على مستوى المفردة القرآنية كيف يكون؟ أحد المباحث في علوم القرآن الكريم ما يُعبر عنه بـ( غريب القرآن الكريم)، يعن كثير من المسلمين حين يفضي إلى كتاب ربه -تبارك وتعالى - تاليًا له يتعر ض لبعض المفردات التي لا تنتمي للقاموس المعجمي المعاصر، ليست في محل التداول المعاصر، بمعنى آخر لو قرأ جملة عريضة من المسلمين وقمنا بعملية للاختبار على سبيل المثال وقلنا ما معنى قول الله -تبارك وتعالى -: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبيِ الْفَلَقِ ﴾؟ ما معنى (الفل )؟ أنً أزعم أم كثيرًا من المسلمين سيكون جاهلاً بمدلول كلمة (الفل ). ويقول الله -عز وجل - بعدها: ﴿ مِنْ شَريِ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَريِ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ﴾، أنً أظن أن (غاس إذا و قب) هذه مُهلكة -كما يقال-، ما معنى غاس ؟ وما معنى وقب؟ ويقيس الإنسان نماذج متعددة في القرآن الكريم؛ ﴿ وَالنهازِعَاتِ غَرْقًا ( 1) وَالنهاشِطَاتِ نَشْطًا 2) وَالسهابَِِاتِ سَبْحًا ﴾ مثلاً . 7 محاضرة أنصح بها بعنوان (آية وغاية) للدكتور إياد قنيبي، جاءت على شكل سؤال وجواب www.youtube.com/watch?v=eJjTjjNssmQhttps:/ http://a.top4top.net/m_2349i293.mp3

عدد الصفحات ١٥

16 بالنسبة إليّ مقام الجهل بِدلول هذه الألفاظ القرآنية ليس إشكالاً ، هذه وضعية طبيعية تمامًا، ولذلك العلماء لاحظوا هذه المسألة فوضعوا مؤلفات وكتبًا من أجل معالجة هذه الإشكالية، فهذه قضية طبيعية وليست محل إشكال. لكنه ال مَ عيب بالمسلم حينما يتلو كتاب ربه -تبارك وتعالى- فتمري به هذه الألفاظ الغربية عليه أن لا يتفجير في نفسه السؤال: ما معنى هذه الكلمة؟ فهنا قوة أداة السؤال؛ حين تقرأ القرآن مستحضرًا أداة التساؤل لا يكون تعاطيك مع القرآن الكريم مبنيًا على فكرة "الزحلقة"؛ بمعنى أن تقرأ: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبيِ الْفَلَقِ * مِنْ شَريِ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَريِ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ﴾، كأنك تتبر ك بجريان هذه الألفاظ القرآنية على لسانك، بل عندما تقرأ : ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبيِ الْفَلَقِ ﴾ من الضروري أن تتوق ف وتسعى لمعرفة معنى هذه المفردة. من التجارب التي مررت بها حين كنت أمارس هذه القضية، كان عندي كتاب من كتب غر يب القرآن الكريم فكنت أر جع إلى الألفاظ القرآنية ، لكن وقعت في مأزق وإشكال عظيم؛ يمر علي اليوم واليومان والأسبوع والأسبوعان والشهر، ثم لما أُ فضي مرة أخرى إلى تلاوة كتاب الله -تبارك وتعالى - بعد أن حللت أزمة المفردات القرآنية أُفاج أ بأنن حين تعرِّ ض علي اللفظة مرة ثانية أنسى ما معنى هذه الكلمة التي طالعت وحاولت أن أتعرف على معناها ! إحدى المعالجات التي مارستها شخصيًا ووجدتُ أثرها، بل أثرها فيمن حولي ممن نصحت بهذه القضية فشكرني على هذه الفكرة ؛ أني كنت حين تعرض لي كلمة لا أعرف معناها أقيّد هذه الكلمة في دفتر خاص بي ثم أُفضي إلى كتا ب متعلّ بالمفردات القرآنية أو غريب القرآن الكريم، وكان الكتاب الذي انتقيته لنفسي لممارسة هذه القضية كتاب (مفردات غريب القرآن) للراغب الأصفهاني8. طبعًا عندنً في علوم القرآن كتب(غريب القرآن) وهي الكتب التي تضم الألفاظ التي يستشكل معناها على كثير من الناس. كتاب (المفردات ) ميزته أنه لا يترك لفظة قرآنية دون أن يقدّم تفسيرًا لها، ومن العجائب التي تدل 8 (مفردات غريب القرآنhttp://waqfeya.com/book.php?bid=9614

عدد الصفحات ١٦