المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

جماليات النظم القرآني في قصة المراودة في سورة يوسف

عويض بن حمود العطوي

صفحة ٨ من ٩

11 .)1(لم يأته بعض الرجال والناس ونجد في كلام سيبويه تفسي دلالة (مِنْ) على التوكيد في هذا الموضوع، وأن مرده إلى كونها للتبعيض، فالمراد نفي الأجزاء وهذا آكد بلا شك لأنه يستلزم نفي الجميع من باب أولى. ونخرج من هذا أن مجيء (مِنْ) في هذا الموقع آكد في نفي السوء عن يوسف، ، وعد أبو )2(»ﱫ ﯲ ﯳﯴ ﱪولعل هذا مقصود البقاعي بقوله السعود هذا الأسلوب من المبالغة في التوكيد المراد فقال .)3(عنه بالتنكي وزيادة (من بهذا الأسلوب الدال على نفي ولعله اتضح الآن أنهن أردن تبرئة يوسف السوء عنه جنسًا وأبعاضًا، وربما يكون دافعهن إلى ذلك، أن تبرئة يوسف على هذا المستوى تبرئة لهن أولاً، لأنهن متهمات به كما يظهر من سؤال الملك لهن، لذا لا عجب أن يكون نفيهن للسوء عنه على هذا المستوى من العناية والتوكيد، لأنه لو عُلم على شيء من السوء ولو جزء يسي لكن المتهمات بذلك.يوسف * المطلب الثالث: جواب امرأة العزيز: .ﱫ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﱪ قد نتساءل لماذا لم يكن الكلام: (وقالت امرأة العزيز قد حصحص ﱫ ﯸ ﱪ ؟ﱫ ﯸ ﱪالحق) دون ذكر هذا الظرف .225/4) الكتاب، لسيبويه1( .126/10) نظم الدرر2( .284/4) تفسي أبي السعود3(

عدد الصفحات ١١٥

116 يوحي بأن هذه اللحظة كانت ﱫ ﯸ ﱪ لعل سر ذلك أن ذكر هذا الظرف منتظَرة، ولابد أن يأتي يوم تكشف فيه الحقائق، فلما كان هذا الموقف عند الملك، وما كان من تجمع النسوة وسؤاله لهن، رأت أن هذا هو الموقف المناسب لإظهار الحق، كان كريماً معها حافظًا لحق الأسرة التي رعته فلم يذكرها خصوصًا أن يوسف صراحة، بل وجه السؤال للنسوة، فعرفت أنه لجانبها وإخفاءً للأمر عليها، فأرادت أن تكافئه على هذا الفعل الحسن، فلا جرم أزالت الغطاء والوطاء، واعتـرفت بأن الذنب كله كان من جانبها، وأن يوسف ، فكأن هذا الموقف بكل ما فيه هو تلك اللحظة المنتظرة لذا )1(كان مبرأ عن الكل زمان تكلمها ﱫ ﯸ ﱪ. يقول أبو السعودﱫ ﯸ ﯹ ﯺ ﱪقالت: بهذا الكلام، لا زمان شهادتهن، فتأمل أيها المنصف هل ترى فوق هذه المرتبة نزاهة، .)2(حيث لم تتمالك الخصماء من الشهادة بها، والفضل ما شهدت به الخصماء كما أن هذا الظرف يشعر بأن امرأة العزيز قد قدرت حجم خطئها في حق يوسف، خصوصًا بعد دخوله السجن وانعزاله عنها، وفتور الشهوة عندها، فكأنها كانت تنتظر الفرصة المناسبة للإدلاء بشهادة، فلما كان هذا التجمع الذي رعى فيه يوسف مكانتها أي حانت الفرصة التي كنت أنتظرها، وكأنها كانت مشابهة لذلك ﱫ ﯸ ﱪقالت: التجمع الذي اتهمت فيه يوسف من قبل، وأجبرته على تلك الأفعال التي تتنافى مع الأخلاق ومع مكانتها، وقد يكون في هذا الاعتراف على هذه الصور لون آخر من ، هو حب التقدير والتوقي.حب يوسف .123/18) مفاتيح الغيب1( .285/4) تفسي أبي السعود2(

عدد الصفحات ١١٦

11 مع أنه متعلق به والتقدير: حصحص ﱫ ﯹ ﱪ على ﱫ ﯸ ﱪ وإنما تقدم الظرف الحق في هذا الوقت للعناية بالوقت، لأنها اللحظة التي كانت تنتظرها لتبرئ يوسف منها، فالتبرئة كانت في ذهنها لكن متى تكون؟ هذا الذي كان يشغلها، فلما حان ، يقول ابن عاشور: ﱫﯸﱪالوقت بادرت بتقديم ما كانت مشغولة به فقالت: « بالمراودة، فالقصر ققبل ذلك الزمان كان زمن باطل، وهو زمن تهمة يوسف تعيي، إذ كان الملك لا يدري أي الوقتي وقت الصدق أهو وقت اعتـراف النسوة .)1(، أم هو وقت رمي امرأة العزيز إياه بالمراودةبنزاهة يوسف .ﱫ ﯹ ﯺ ﱪ ، يقول الطبري )2(تعود مادة (حص) إلى الوضوح والانكشاف، أو القطع والإزالة - رحمه ا ذهب الباطل والكذب ﱫ ﯹ ﯺ ﱪ جزًّا، وإنما أريد في هذا الموضع بقوله: .)3(فانقطع، وتبي الحق فظهر وظاهر من كلام الطبري -رحمه الله- أنه استثمر المعنيي اللغويي للكلمة في توجيه المعنى في الآية. ونجد عند الزمخشري إشارة إلى معنى آخر وهو الثبوت، وكأنه ينافي ما ذكر من معاني الكلمة، يقول .291/12) التحرير والتنوير1( .237) انظر: المفردات2( .207/13) تفسي الطبري3(

عدد الصفحات ١١٧

118 .)1(ألقى ثفناته للإناخة ، أي بانت حصة من حصة )2(وقال ابن عطية .)3(الباطل وقد ظهر مما تقدم أن معاني هذه الكلمة تدور حول الثبوت والاستقرار، والاستئصال والقطع، والوضوح والانكشاف، ومما لا شك فيه أن هذه الكلمة قد صورت المراد أكمل تصوير، ووفت بالمعنى المراد، إذًا قد انكشف الحق ووضح وهو براءة يوسف، وانقطع الباطل وأزيل، وثبتت البراءة واستقرت. وأما من جهة دلالة صيغتها، فقد جاءت على صيغة الزيادة بتكرار بعض الحروف، فأصلها .)4(كفكف في كف وعلى قاعدة أي: حصل على ﱫ ﯸ ﯹ ﯺ ﱪ« .)5(أمكن وجوهه... فهذه زيادة تضعيف دل عليه الاشتقاق وهذه الكلمة لم تأت في القرآن إلا في هذا الموضع، لذا فهي بلا شك قد جمعت أطراف المعنى المراد، وذلك أن الطريقة التي ثبتت بها براءة يوسف كانت غاية في العلو والعظمة، إذ المعتـرف ببراءة يوسف هو مجموع النسوة لا بعضهن، وكان ذلك .479/2) الكشاف1( ) وهي القطعة من الشيء2( .104/5) المحرر الوجيز3( .206/13) تفسي الطبري4( .127/10) نظم الدرر5(

عدد الصفحات ١١٨

11 أمام الملك، ومن ضمنهن امرأة العزيز، فليس هناك أطراف أخرى لها تعلق بالقضية إلا يوجد من يمثلها في هذا المجلس أعلى تمثيل، لذا فقد تجمع الحق، وثبت وظهر وبان على أكمل وجه، كما تعبر عن ذلك هذه الكلمة (حصحص). أن يأتي الفعل ﱫ ﯸ ﱪوالمتبادر إلى الذهن مع وجود الظرف الدال على الحاضر بصيغة المضارع حتى يتناسب معه، فما سر مجيئه بالماضي؟ يقول ابن عاشور لأنه قريب الوقوع، فهو لتقريب زمن الحال من المعنى، ويجوز أن يكون المراد ثبوت .)1(، فيكون الماضي على الحقيقةﱫ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳﯴ ﱪالحق بقول النسوة: والذي أراه أن المقصود بذلك هو الإشعار بأن دلائل ثبوت براءة يوسف كثية وهي سابقة، وأن الذي ستقوله الآن هو نهاية الأمر، كما أن في التعبي بالماضي مع أن الفعل لم يقع بعد على القول الأول إشعار بحصول ذلك وتأكيد وقوعه حتى كأنه ، ﱫ ﯸﱪواقع حاصل من قبل، وهذا مناسب لحالها لأنها تعرف ما ستقوله بعد كلمة ولو كان وصفًا من غيها لحالها لما ناسب ذلك. .ﱫ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﱪ وهو في هذا الموضع من أكثر أساليب ﱫ ﯻ ﱪبُدئت الجملة هنا بضمي المتكلم التعريف دلالة على المراد، لأن الموقف موقف اعتـراف، فهو أقوى من: ولقد راودته، كما أن تقديم المسند إليه على خبره الفعلي يمكن أن يراد به القصر، فيكون المعنى (أنا لا غيي)، أو يراد منه التوكيد بسبب تكرار الإسناد لكونه مبتدأ من جهة وفاعلاً من جهة أخرى، ويكون المقصود حينئذ تأكيد وقوع المراودة منها ليوسف أمام النسوة .291/12) التحرير والتنوير1(

عدد الصفحات ١١٩

120 والملك، وهذا ما لم يتحقق في قولها من قبل: ولقد راودته ﱫ ﯻ يقول الطاهر بن عاشور للقصر، لإبطال أن يكون النسوة راودنه، فهذا إقرار منها على نفسها وشهادة ﯼ ﱪ ، والقول بالقصر يحقق من المعاني ما لا يحققه القول بمجرد التوكيد، )1(لغيها بالبراءة فهو يشمل التوكيد ويزيد عليه بحصر الفعل في واحد وينفيه عن الباقي، وهذا يتناسب ، فلا مانع أن يكون المقصود أيضًا إبطال مع حال امرأة العزيز والنسوة ويوسف ، ﱫ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﱪما نسب إلى يوسف من المراودة، أما قالت من قبل: .)2(فكأنها قالت هنا مع أنه بمعناه؛ لأنها لم ﱫ ﯸ ﯹ ﯺ ﱪولعلها إنما قالت ذلك بعد قولها: تكن تريد استعراض كل الأحداث، ففيها على اختلافها وضوح للحق، في محل النزاع وخيانتها، ظهور ما هو متحقق في نفس الأمر وثبوته، من نزاهته ، فجاءت هذه الجملة من خطابها حاسمة في الموضوع، ناصةً )3(فقالت: أنا راودته ، لذا يقول الألوعلى الحدث المقصود، وهو تبرئة يوسف .)4(»ﱫ ﯿ ﰀ ﰁﱪ»بعد اعتـرافها تأكيدًا لنزاهته وهنا لابد من وقفة مع خطاب هذه المرأة، حيث إنها قالت هذه الجملة من ، ﱫ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼﱪ، وهي في نشوة النصر قبل بمحضر النسوة ويوسف .292/12) التحرير والتنوير1( .285/4) تفسي أبي السعود2( .285/4) تفسي أبي السعود3( .260/12) روح المعا4(

عدد الصفحات ١٢٠

121 وهي في قمةوقالتها هنا أمام العزيز بمحضر النسوة -أيضًا-، وغياب يوسف الاعتـراف والتوبة والعقل، فهل بي الخطابي من فرق؟ « وقد، لأن اللام واقعة في جواب القسم، وأما هنا فليس فيها إلا تأكيد واحد وهو ذكر الضمي مرتي (أنا والتاء) ولم تقل: راودته عن نفسه بل قالت: أنا راودته عن نفسه، ويبدو أن الفرق بي الموضعي -والله أعلم بما ينزل- أنها قالتها في المرة الأولى وهي تنبع من عواطفها ورغبتها وإحساساتها، قالتها متوعدة مهددة، تريد أن تظهر قوتها ﱫ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ وبطشها وترفها ليستجيب لها، ولذا قالت: ، وليس الأمر هنا كذلك، فهي الآن في معرض الاعتـراف والإقرار ﮆ ﮇ ﱪ ، فهي تؤكد ﱫ ﯿ ﰀ ﰁ ﱪ بالحقيقة، ولذا شفعت هذا الاعتـراف بقولها: .)1(صدقه هنا بمؤكدات كثية ولعله يظهر من اختلاف الخطابي باختلاف الموقفي، إذ أن للغضب والنزوة والتعالي والتهديد لغته، التي يكرس فيه المتكلم كل قواه البيانية للتأثي في السامع، كما هي حال امرأة العزيز في خطابها الأول، وللهدوء والتعقل والرزانة لغتها التي تتسم بالهدوء وإخراج الكلام على قدر المعاني، كما يبدو في خطابها الثاني، وكما هو ظاهر فلم تكن عنايتها هنا بالتأكيد كعنايتها به من قبل، لأنها هنا تحكي الحقيقة التي لن ينكرها أحد، خاصة إذا جرت على لسانها، لذا لا داعي لحشد المؤكدات، أما فيما يخص براءة وصدقه فإنها حشدت مؤكدات عدة: إنّ، واللام المزحلقة، وكونه من يوسف جملة قوم صفتهم الصدق، ذلك أنها أرادت أن تقابل تلك التهم التي ألصقتها به، .419) قصص القرآن، لفضل حسن عباس1(

عدد الصفحات ١٢١

122 بهذه التبرئة فاحتاجت حينئذ في مقابل ذلك إلى هذا التأكيد، لأنها من قبل أوقعته حبائلها التي اتهم بسببها. .ﱫ ﯿ ﰀ ﰁ ﱪ قلنا: إن هذا القول كان مهماً في إبراء يوسف، لأن إبراءه يحتاج إلى ثبوت قضيتي مهمتي، المراودة كانت ممن؟، وتصديق يوسف في تلك المواقف المتتالية التي حاولت امرأة العزيز أن تلصق به تهمة الكذب تغطية على فعلتها الشنيعة، فجاء الاعتـراف ، هادئًا دون مؤكدات لأن أمرها فيه ظاهر، فهو إبراز ﱫ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﱪالأول: للحق الذي حاولت طمسه، وأما الجملة الثانية فجاءت لبيان الأمر المهم في جانب يوسف الذي يشمل ما سبق وزيادة، إذ هي بهذا القول تقر بأن يوسف على هذه الدرجة من الصدق، وإنما وصلت الجملة بالواو ولم تفصل فتقول: أنا راودته عن نفسه إنه لمن الصادقي، للإشعار بأن وصف الصدق وصف عريق فيه غي مرتبط بحادثة معينة، ولو حذفت الواو لأشعر ذلك بأنها راودته لأنه من الصادقي وهذا ضد المراد تمامًا. يقول البقاعي مبينًا بعض ما ذكر أي: العريقي في ﱫ ﯿ ﰀ ﰁ ﱪبقولها مؤكَّدًا، لأجل ما تقدم من إنكارها،

عدد الصفحات ١٢٢

123 .)1(هذا الوصف في نسبة المراودة إليّ وتبرئة نفسه، فقد شهد النسوة كلهن ببراءته وقد نتساءل عن تحولها هذا، وعن سر اعتـرافها، والجواب عن ذلك أنه إن الذي دعاها لذلك كله التوخي لمقابلة الاعتـراف، حيث لا يجدي الإنكار بالعفو، ، ولا أظن أن )2(وقيل: إنها لما تناهت في حبه لم تبال بانتهاك ستـرها وظهور سرها هذا هو الداعي، ولعل الداعي إلى ذلك هو بعد يوسف عنها هذه المدة وتَـمنُّرعِه من الخروج من السجن حتى يُعرف الحق ويظهر، واعتـراف النسوة بالحقيقة، والتعقل الذي وصلت إليه امرأة العزيز ومعرفتها بخطئها الكبي في حق يوسف الذي تعرف صدقه وبراءته، فأوحى خطابها بالتوبة والرجوع والاعتـراف بالخطأ والندم. ﱫ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﱪ اختُلف في هذا الكلام وما بعده، أهو من كلام امرأة العزيز، أم هو من كلام ؟يوسف قال أهل التفسي بالرأيي الواردين في هذا التساؤل، فإذا كان الكلام ليوسف فالمراد: ذلك ليعلم العزيز أو الملك أني لم أخنه أي: العزيز وأنا غائب عنه، أو ، وإن كان من كلام امرأة العزيز )3(وهو غائب عني، أو وأنا وراء الأبواب والأستار .)4( أني لم أخنه في غيبتهفيكون المقصود ذلك ليعلم يوسف والذي نميل إليه هو ما اختاره أبو حيان في قوله .127/10) نظم الدرر1( .260/12) روح المعا2( وقد حاول الزمخشري الانتصار لهذا الرأي لكن الحجة في كلامه479/2) انظر: الكشاف3( ضعيفة .320/9) انظر: المحرر الوجيز4(

عدد الصفحات ١٢٣

124 ... إﱫ ﰃ ﰄ ﱪالعزيز، وهو داخل تحت قوله: قالت... ومن ذهب إلى أن قوله: آخره من كلام يوسف يحتاج إلى تكلف رَبْطٍ بينه وبي ما قبله، ولا دليل على أنه من ، وقد انتصر له ابن كثي -رحمه الله- بقوله)1(كلام يوسف « . )2(وَاْلأَلْيَق وَاْلأَنْسَب بِسِيَاقِ الْقِصَّة .)3(رحمه الله، فأفرده بتصنيف على حدة وعلى هذا الرأي سيكون تحليل هذا الخطاب- إن شاء الله -. هذه إشارة فيها معنى البعد المدلول عليه باللام، وكأنها تلوح بأهمية ﱫ ﰃ ﱪ هذا المشار إليه، ولاشك في أنه مهم ﱫ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ، إذًا هي تشي إلى ما سبق من اعتـرافها، )4(لم أخنه ، وفي التعبي باسم الإشارة (ذلك) استحضار لذلك المعتـرف به سابقًا مع ﯾﱪ الإشعار بأهميته وقيمته عندها وعند مَنْ يسمع، كما تدل عليه لام البعد، وهنا قبل هذه الإشارة كلام محذوف، يقول المنتجب الهمداني: (ذلك) في موضع نصب بفعل .)5(مضمر، أي فعل الله ذلك ولعل سر هذا الحذف، أن يذهب الذهن كل مذهب مع هذا المحذوف لتعظيمه ، وهذا ما أيّده الطاهر بن عاشور أيضًا، انظر: التحرير والتنوير 289/6) البحر المحيط 1( .292/12 .50/8) تفسي القرآن العظيم2( .2360/9) محاسن التأويل3( .105/5) المحرر الوجيز4( ، وقد يكون المحذوف اسماً يعرب مبتدأ أو خبرًا، 74/3) الفريد في إعراب القرآن المجيد5( .98انظر: معاني القرآن للزجاج

عدد الصفحات ١٢٤

12 وللفت النفس إلى أهمـيته، أو حذف لأن الكلام السابق دال عليه، فجاء اسم الإشارة لربط الكلامي مع فضيلة الإيجاز. يوحي هذا الفعل مع لام التعليل، بأن ما يهمها هو أن يعلم يوسف أنها ﱫ ﰄ ﱪ لم تخنه حال غيبته، وكأنها تكفر عن أذاها له من قبل. : جاءت بـ(أن)، وبعدها ياء المتكلم لتأكيد نسبة ذلك إليها، ولو قيل: ﱫ ﰅ ﱪ ليعلم عدم خيانتي له، لما أفاد ذلك. أي ليعلم يوسف أني لم أخنه بالكذب عليه في حال الغيبة، أو ليعلم ﱫ ﰆ ﰇ ﱪ زوجي أنني لم أخنه في حقيقة الأمر ولا وقع المحذور الأكبر، وإنما هي مراودة لم يتم .)1(معها الفعل والذي يظهر لي أن الأول أنسب للسياق، لأن خيانة الزوج وقعت بمجرد . المراودة، كما أن سياق الحديث كله عن يوسف والتعبي بالخيانة دون الكذب، لأن هذا هو اللائق برفع تلك التهمة التي عرفت عنها، فكل سوابقها تشي بذلك إليها، أو لتدفع ما كان يتوقع من مثلها في هذا الموقف مع بعد يوسف في السجن، إذ المتوقع أن تكذب في غيبته عليه لتخلص نفسها وتلك خيانة، لذا عبرت بنفيها عن نفسها. وإنما لجأت إلى نفي الخيانة دون إثبات الأمانة بأن تقول مثلاً: (ذلك ليعلم أني أمينة)، لأن ثبوت الخيانة في حقها هو الأصل، فاحتاجت هنا أن تنفي ذلك عنها، ولو كانت الأمانة هي صفتها المعروفة لكان الإثبات أولى من النفي. ﱫ ﰈ ﱪ .237/9) انظر: محاسن التأويل1(

عدد الصفحات ١٢٥

126 الجار والمجرور حال من الفاعل، بمعنى غائبة عنه، أو من المفعول غائبًا عني، أو ، وحتى القول بالظرف )1(يكون ظرفًا، أي بمكان الغيب، أي وراء الأبواب والأستار يؤول إلى الحالية بمعنى لم أخنه مختفية، أو مستترة أو ما شابه ذلك. وعلى هذا نسأل عن مجيء هذا القيد، على هذا النمط (جار ومجرور)؟ أما سر تقييد نفي الخيانة بحال الغيبة فهذا يشعر بأن ذلك هو مظنة هذا الفعل لكنها لن تفعل ذلك، بل ستقول الحق حتى لو كان غائبًا، ولا عجب في ذلك فقد تحولت في موقفها تمامًا بعد ظهور الحق وسطوعه، فلا عجب أن تتحول في كل شأنها، فإذا كانت قد جحدت الحق بوجوده، فهي الآن تقول الحق في غيابه، وهذا التقابل في الموقف هو المصور لحال رجوعها وإصرارها على تبرئة يوسف. أما سر مجيئه بالجار والمجرور، فلعل مرد ذلك هو أن المراد هنا هو تصوير كل حالات الغيبة، غيبته عنها، وغيبتها عنه، وكونه أو كونها وراء أستار وحجب، كل ذلك لن يحول دون إدلائها بالحقيقة، وهذا كله لا يتم لو عُبرِّ بغي الجار والمجرور؛ لأنه لن يصور إلا مجالاً واحدًا من مجالات الغيبة، ولعل هذا ما يفيده قول البقاعي في ، وهي بذلك تثبت )2(« :ﱫ ﰈ ﱪتفسيه إصرارها على قول الحق، يقول ابن عاشور نفت الخيانة في المغيب وهو حائل بينه وبي دفاعه عن نفسه، وحالة المغيب أمكن لمريد الخيانة أن يخون فيها من حال الحضرة، لأن الحاضر قد يتفطن لقصد الخائن فيدفع .)3(خيانته بالحجة .289/6، والبحر المحيط479/2) انظر: الكشاف1( .128/10) نظم الدرر2( .293/12) التحرير والتنوير3(

عدد الصفحات ١٢٦

12 ﱫ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﱪ وهنا وصل، يقول الخطيب (إن الله لا يهدي)، فلماذا؟ فجيء بالواو ولم يكن:)1(تركه ، ومعنى هذه الجملة (أن الله لا يهدي )2(الواو هنا للعطف على جملة: أني لم أخنه .)3(كيد الخائني): أي ، إذ كلها تتحدث عن التبرؤ )4(وقد قيل إن هذا القول منها تأكيد للجملة السابقة من الخيانة، وعلى هذا فالموقع للفصل لا للوصل بخلاف ما ذكر، لأن التوكيد من مواضع الفصل. والذي يبدو لي أن المراد هو إرادتها أن يعلم عدم خيانتها له بالغيب، وأيضًا أن الله لا يهدي كيد الخائني، هذه دلالة الوصل هنا، لأنها لو أرادت التأكيد لقالت: ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب إن الله لا يهدي كيد الخائني، ويرى ابن عاشور أن العطف عطف ﱫ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﱪعلى الفعل لا على الجملة الاسمية: أني، يقول على (ليعلم) وهو علة ثانية لإصداعها بالحق، أي ولأن الله لا يهدي كيد الخائني، والخبر مستعمل في لازم الفائدة، وهو كون المتكلم عالمًا بمضمون الكلام، لأن علة .)5(إقرارها هو علمها بأن الله لا يهدي كيد الخائني ويبدو أنها أرادت بيان ذلك بهاتي الجملتي ليكتمل الاعتـراف لها بالحقيقة، .246/1) الإيضاح في علوم البلاغة1( .8/5، وإعراب القرآن وبيانه76/3) انظر: الفريد في إعراب القرآن المجيد2( .479/2) الكشاف3( .479/2) انظر: الكشاف4( .293/12) التحرير والتنوير5(

عدد الصفحات ١٢٧

128 فهي تحب أن تعرّفه أنها لن تخونه هذه المرة حتى ولو كان غائبًا، كما أنها اتعظت من الكيد والخيانة، فهي توقن الآن أن الله لا يهدي كيد الخائني. فالضمي له في قوله ليعلم (أي: كما نجد أيضًا أنها هناك راعت يوسف يوسف) أما هنا فقد تحدثت عن (الله) سبحانه، وفي مجيء هذا الاسم الجليل في هذا الموضع ما لا يخفى من تربية المهابة والجلال، ونفي الهداية عن الكيد أمر غي مألوف، فقد يكون المراد بهداية الكيد أنه مجاز عن تنفيذه، الخائني بسبب كيدهم، فأوقع الهداية المنفية على الكيد، وهي واقعة عليهم تجوزًا .)1(للمبالغة؛ لأنه إذا لم يهد السبب علم منه عدم هداية مسببة بالطريق الأو وفي ذكر الخائني بالجمع دون الإفراد بأن يقال: وأن الله لا يهدي من كان خائنًا، أو كل خوان، للإشعار بأنها تذم هذه الصفة، إذ أوضحت أعظم درجات المتصفي بها، ، وقد يكون مرادها أن الله يفضح سر الخائن مهما كان متمرسًا عريقًا )2(العريقي فيها .)3(في خيانته، فلابد ﱫ ﭒ ﭓ ﭔﭕ ﱪ نفت تبرئة نفسها عن الوقوع في الخطأ، وذلك على سبيل الاعتذار عما بدر منها من المراودة وغيها، ، هذا ما ذهب إليه ابن عطية، والذي )4(منه، والنفوس أمارات بالسوء مائلة إليه يظهر أن الموقف ليس موقف تبرير بل هو موقف ندم واعتـراف، لذا قالت ما قالته .261/12) روح المعا1( .128/10) انظر: نظم الدرر2( .128/10) انظر: نظم الدرر3( .321/5) المحرر الوجيز4(

عدد الصفحات ١٢٨

12 ﱫ ﰃ ﰄ تواضعًا وانكسارًا، فكان كلامها هذا من أن تبرئة نفسها من هذا الذنب العظيم ادعاء بأن نفسها بريئة ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﱪ .)1(براءة عامة وإنما أسندت عدم البراءة إلى نفسها، دون ضميها بأن تقول: ولست بريئة، لأن الأسلوب الثاني أوضح في اعتـرافها بالذنب بل هو أقرب إلى المجاهرة وهذا غي ﱫ ﭒ ﭓ مرغوب في مثل هذا الموقف، ولعل مما جعل ذلك مقبولاً في أسلوب الآية أن الإسناد جاء إلى النفس المعروفة بالأمر بالسوء، ويبدو لي أن هنا حذفًا، إذ ﭔﭕ ﱪ هي تبرئ نفسها من ماذا؟ أيكون المقصود: ما أبرئ نفسي عن الخطأ، أم عن التهمة، أم عن المراودة؟، لقد جاء الحذف هنا ليعطي مجالاً واسعًا لتقدير المحذوف، ولو حدد بالجار والمجرور لضاق المعنى ولفات المقصود. .ﱫ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙﱪلذا جاء التعليل لهذا القول بعده مباشرة في قوله تعالى: وهنا فصل ولو وصل لقيل: (وإن النفس) فما سر ذلك؟ لعل مما يوضح ذلك ما قاله السكاكي في مجيء الجملة مستأنفة ولها علاقة بما ، وذلك عندما )2(قبلها وهو ما يسمى بـ(شبه كمال الاتصال، أو الاستئناف البيا تكون الجملة الثانية جوابًا عن سؤال اقتضته الأولى، فنزل منزلته فتفصل الثانية عن ، يقول السكاكي عن ذلك)3(الأولى كما يفصل الجواب عن السؤال لا يصار إليه إلا لجهات لطيفة، إما لتنبيه السامع على موقعه، )4(بالفحوى منزلة الواقع .5/13) التحرير والتنوير1( .55) انظر: الأسرار البلاغية للحذف في سورة يوسف2( .255/1) انظر: الإيضاح3( ) أي منزلة السؤال الواقع الموجود فعلاً4(

عدد الصفحات ١٢٩

130 أو لإغنائه أن يسأل، أو لئلا يسمع منه شيء، أو لئلاً ينقطع كلامك بكلامه، أو للقصد إلى تكثي المعنى بتقليل اللفظ، وهو تقدير السؤال وترك العاطف، أو غي ذلك مما .)1(ينخرط في هذا السلك وبهذا ندرك في ذلك الأسلوب أسرارًا كثية هذا بعضها، وما نحن بصدده يتضح سؤال عن هذا ﱫ ﭒ ﭓ ﭔﭕ ﱪ فيه تقدير السؤال، إذ يتبادر إلى الذهن بعد قولها: الحكم، يذكر الخطيب القزويني أن السؤال هنا عن سبب خاص .)2(أمارة بالسوء؟ فقيل: إن النفس لأمارة بالسوء، وهذا الضرب يقتضي تأكيد الحكم وقد أشار الخطيب القزويني -رحمه الله- إلى دلالة التوكيد وأحال إلى ما ذكر في ، ولعله يشي بذلك إلى قضية تكرار الإسناد، الواقعة في السؤال )3(أحـوال الإسناد مرة وفي الجواب مرة أخرى، وعلى هذا ففي هذه الجملة زيادة على هذه الصورة من التوكيد توكيدات أخرى ممثلة في (إن)، (واللام) في خبرها ويضاف إلى ذلك إظهار كلمة (النفس) في مقام الإضمار فلم يكن الكلام: (وما أبرئ نفسي إنها إمارة بالسوء)، وقد أشار الخطيب نفسه إلى دلالة مجيء الظاهر في تعليقه على أبيات هي: زعم العواذل أن ناقـة جنـدب بجنوب خبت عريت وأجمت )4(كذب العواذل لو رأين مناخنا بالقادسية قلن لَـجّ وأذلــت قال الخطيب القزويني .252) مفتاح العلوم1( .257/1) الإيضاح2( .257/1) انظر: الإيضاح3( . 111/1) البيتان للشاعر جندب بن عمار، وهما في ديوان الحماسة، مع شرحه للمرزوقي4(

عدد الصفحات ١٣٠