المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

جماليات النظم القرآني في قصة المراودة في سورة يوسف

عويض بن حمود العطوي

صفحة ٧ من ٩

 بغلظة خطابها الأول، فدلالة ذلك في نظري أن لكل مقام مقالة، فهناك في مقام التبرؤ كان ذكر العذاب مناسبًا لأنها تقترحه لعقاب على جريمة كبية، وهي فعل السوء بأهله، فهذا مناسب لذلك. وأما خطابها مع النسوة فهي لا تقترح فيه عقوبة على جرم سبق، لكنها تذكر مآله إذا لم ينفذ مطالبها، فهي هنا تهدد، وهناك تقترح عقوبة، وفرق بي الأمرين، ولغة التهديد في نظري أغلظ، وذكر الصغار بالأسلوب الذي ذكر به مع ما له من دلالة، أشد تأثيًا في النفوس العزيزة كما سبق بيانه. وبتأمل خطابها كله بعد وقوع النساء في مصيدتها نجد تلك التأكيدات المتوالية، والمتمثلة في الأقسام المدلول عليها بلامات القسم، ونوني التوكيد الثقيلة والخفيفة، واسمية الجملة في مواضع، كل هذا يعكس اهتمامًا كبيًا بخطابها ذاك، ويكشف عن حالة النشوة والانتصار التي تعيشها، حتى إنها كانت صريحة واضحة غي خجلة مما تعترف به، يقول أبو السعود ﱫﭹ ﭺ ﭻ ما أصابها، باحت لهن ببقية سرها، فقالت:وقد أصابهن من قِبله ؛ اعترفت لهن أولاً بما كن يسمعنه من مراودتها له، وأكدته إظهارًا لابتهاجها ﭼ ﱪ بذلك، ثم زادت على ذلك أنه أعرض عنها على أبلغ ما يكون، ولم يمل إليها قط، ثم زادت عليه أيضًا أنها مستمرة على ما كانت عليه، غي مرعوية عنه بلوم العواذل ولا .)1(»ﱫ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﱪبإغراض الحبيب وكل هذا التهتك الذي بدا في خطاب امرأة العزيز من أوله إلى منتهاه يصور لنا امرأة خرجت عن طبيعتها التي تفرضها عليها كبر سنها ونضجها ومكانتها .273/4) تفسي أبي السعود1(

عدد الصفحات ٩٩

100 ، إنها لا ترى بأسًا أن تعرض نفسها في صورة مهينة على فتاها الذي يهينها )1(المرموقة برفضه لها، ثم هي تزداد انحطاطًا بلحاقها به وهرولتها خلفه، وتزيد ذلك قبحًا بافتعالها المواقف التي ترهبه بها، عله يستجيب لها، فتارة تهدده بالسجن وبالعذاب الأليم، وتارة بالصغار والذل. ثم هي بعد ذلك لا تستر على نفسها، بل تفخر أمام بنات جنسها من طبقتها في ، )2(تحجج غريب، حيث لا ترى بأسًا بالجهر بنزواتها الأنثوية بصورة مكشوفة صارخة تنبئ عن موت كامل للشرف والنظافة اللائقة بفطرة الإنسان. وهذا اللون المكشوف من الخطاب المتـرف، الذي تنبعث منه رائحة الشهوة، غالبًا ما يسمع في ردهات القصور، وبي النساء الناعمات المتـرفات. وهذا فيه إيماء إلى خطورة التـرف على النساء، لأن المرأة إذا لم تجد ما يشغلها من الأمور الجادة، انشغلت بزينتها ونفسها وشهوتها، لاسيما إذا صاحب ذلك إهمالٌ من القوّام على أمرها، وفي هذا عبرة وعظة لمن اعتبر. * المطلب الثالث: الكيد والسجن: كان من إفرازات هذه الحادثة، وتلك التهديدات المتوالية من صاحبة البيت، ﱫﮉ الخلاص من هذا كله ولو كان الخيار هو السجن، قال تعالى: طلب يوسف ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ .150) انظر: الحب في القرآن الكريم1( .1985/4) انظر: في ظلال القرآن2(

عدد الصفحات ١٠٠

101 .]35 -33[ ﮰ ﮱ ﯓﱪ لافتة للنظر، حيث جاءت ﱫ ﮋ ﱪمن خلال التأمل في هذا النص نجد مفردة ومعلوم ما في معنى ﱫ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﱪ، في صورة دعاء بطلب من يوسف الربوبية(رب) من معاني الحماية والعناية والتربية والرحمة، وكأن السجن أصبح رحمة دون ﱫ ﮌﱪ له في مقابل الكيد الذي تعرض له، ويؤيد ذلك التصريح بالمحبة كلمات من مثل: أفضل، وخي؛ لما هو مكروه عادة (السجن)، ويفسر ذلك الأمر حيث قيّد تلك المحبة به هو، وهذا يعني أن غيه لا ﱫ ﮍ ﱪالغريب الجار والمجرور يحب ذلك بالضرورة، فكأنه قيل: أحب إلي خاصة، وهذا يدل على عظم عفة يوسف ، وقوة إرادته، ورفيع إيمانه، فمَنْ يترك قصرًا ورفاهية، ويقدم عليه سجنًا، إلا مَنْ وعى خطورة الأمر، وأدرك عاقبة تلك المؤامرة، إنه يقبل بقيد الفضيلة، دون حرية الرذيلة. وفي تعيي يوسف عليه (السجن) خاصة دون غيه من الخيارات، لأنه قد سبق ﱫ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ عرضه من قبل سيدته أكثر من مرة ليكون عقوبة له: ، ﱫ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇﱪ. ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﱪ فدل ذلك أن الخيار الأقرب للقبول هو السجن، ولأن السجن يحقق له البعد عنها، والعزلة عن مواطن الترف التي تسببت في كل ما وقع له. أشار في دعائه ربه إلى تكالب الكيد النسائي عليه، فليست ونلحظ أن يوسف امرأة العزيز هي الراغبة فيه، بل انضمت النسوة الأخريات إلى موكب الإغراء، ويشي .ﱫﮗ ﱪ، وﱫ ﮕ ﱪ، وﱫ ﮏ ﮐﮑ ﱪإلى ذلك الجمع في قوله تعالى: إلى عظم الكيد وضخامته بالتعبي بالموصول العام المشعر بالسعة كما أشار

عدد الصفحات ١٠١

102 ،ﱫ ﮎ ﮏ ﱪ لأن تمالؤ الناس على طلب الشيء من شأنه أن يوطن نفس المطلوب للفعل، فأظهر أن تمالؤهن على طلبهن منه امتثالَ أمْر المرأة لم يَفُلّ من صارم عزمه على الممانعة، وجعل ذلك تمهيدًا لسؤال العصمة من الوقوع في شرَك كيدهن، فانتقل من ذكر الرضا .)1(بوعيدها إلى سؤال العصمة من كيدها ومن المفردات اللافتة للنظر أيضا: (الصرف)، فقد جاءت من قبل بعد نجاته من محاولة المراودة الأولى (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء)، وجاءت هنا في ﱫﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ، وجاءت في استجابة الله له ﱫ ﮓ ﮔ ﮕ ﱪدعائه ، ويثي حضور هذه المادة الانتباه، ولعل سر ذلك أن مادة (صرف) تدل على ﮡﮢﱪ ، وهو -أيضًا )2(« العصمة بالصرف يشي إلى أن أسباب حصول السوء والفحشاء موجودة ولكن ا .)3(صرفهما عنه ومن المفردات التي تكررت (الكيد) (إنه من كيدكن، إن كيدكن عظيم) وهنا فجاءت هذه الكلمة موصوفة بها النساء ﱫ ﮟ ﮠ ﮡﮢ ﱪ، ﱫﮓ ﮔ ﮕ ﱪ مرة، على وجه الخصوص على لسان العزيز مرتي، وجاءت على لسان يوسف وفي كلام الله مرة أخرى، فتأكد بذلك هذا الوصف عندهن، لأنه حكم واحد من متعدد، فدل هذا على أن هذه المرأة تملك حظًّا عظيماً من الدهاء والعقل والتخطيط. .266 /12) التحرير والتنوير1( ) معجم مقاييس اللغة مادة (صرف2( .255/12) التحرير والتنوير3(

عدد الصفحات ١٠٢

103 وتعبي يوسف عن الحال التي يخشاها من كيده بـ (الصبوة) يشعر بقوة الكيد وتواليه، لدرجة أنه يمكن أن يؤثر فيه ويجعله يستكي إلى مطالبهن، خصوصًا مع ما في ، وذلك لأن الصبوة لها تعلق بالقلب ذلك الكيد من الإعجاب الشديد بيوسف ، ونلحظ من هذا )1(وميله، يقول ابن فارس اهتمام يوسف عليه بسلامة العضو المؤثر في مثل هذه العلاقات وهو القلب، وهو إلماح لطيف إلى قوة هذه المؤثرات على القلب حتى مع وجود موانع العقل والدين، لذا كان من صور أدب يوسف مع ربه تنصله من حوله وقوته، والتجاؤه في ذلك إلى ربه خبر ﱫ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﱪلأنه هو العاصم سبحانه، يقول ابن عاشور مستعمل في التخوّف والتوقع التجاء إلى الله وملازمة للأدب نحو ربه بالتبرؤ من الحَول والقوة والخشية من تقلب القلب ومن الفتنة بالميل إلى اللذة الحرام، فالخبر مستعمل ، وفي تعدية الفعل بـ(إلى) )2(»ﱫ ﮜ ﮝ ﮞ ﱪفي الدعاء، ولذلك فرع عنه جملة أن يصل إلى أن يميل وأن ينتهي ميله المتصل بضمي النسوة، ما يدل على خوفه (إليهن)، وهذا ما يصور شدة فتنتهن، لأنها فتنة جمعت بي قوتي الترغيب والترهيب. ما يشي إلى أن ﱫﮘ ﮙ ﮚ ﱪوفي ذكر الجهل وجعله نتيجة للميل في قوله: العلم يعد أحد الضوابط الأخلاقية المهمة، أو أن الوقوع في مثل هذا الشرََّك مخالف للعقل فهو جهل ونزق، ومثل هذا لا يتناسب مع مقام النبوة، وفي هذا من قوة الرجاء والمسألة لربه مالا يخفى. وفي ذكر الاستجابة وكون المجيب هو الرب سبحانه ما يدل على عظم عناية الله ) معجم مقاييس اللغة مادة (صبو).1( . 266/12) التحرير والتنوير2(

عدد الصفحات ١٠٣

104 المشعرة بالترتيبﱫ ﮜﱪ وحفظه له، ويتمثل ذلك في دلالة الفاء: بيوسف ﱫ ﮝ ﱪ، ومجيء اللام )1(والتعقيب، ودخول السي لأن المشعرة بالاختصاص، وذكر الربوبية الدالة على الحياطة والحماية والنفع، مع ما في إضافة (رب) إلى ضميه (رب) من التشريف والطمأنة. كما يؤيد ما سبق تكرير الفاء مع مطلب يوسف نصا وهو الصرف (فصرف)، وورود الفعلي (استجاب وصرف) بصيغة الماضي من تأكيد وقوعهما مالا يخفى، حتى لكأنهما وقعا ومضيا، رغم قرب زمن الطلب. ويتناسب مع طلبه وقوع الإجابة كما طلب (فصرف عنه كيدهن)، وفي هذا من تحقيق مطلبه كما أراد ما لا يخفى. ﱫ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﱪ ما يزيد من طمأنة يوسف ﱫ ﮥ ﮦ ﱪفي ختم الآية بالاسمي الجليلي ، وإفساد أثر الكيد ﱫ ﮥ ﱪ يناسبه وصف السمع في ، لأن دعاء يوسف .ﱫ ﮦ ﱪيكون بالعلم فيناسبه ﱫ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ إلى السجن كما قال سبحانه: وهكذا انتهى الأمر بيوسف ، وتدل الآية أنهم رأوا سجنه ]36 -35[ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﱪ رغم وضوح براءته -عليه الصلاة والسلام-، وربما كان سبب ذلك، أنهم رأوا فيه مداراة لفضيحة امرأة العزيز مع تلبية طلبه، ويشعر قوله تعا في السجن زمنًا، ودخل السجن فتيان، أحدهما كبي السقائي والآخر كبي الخبازين، ودعاهما إلى التوحيد والهدى، وفسر لهما الرؤيا، وخرج أحدهما ونسي وصية يوسف .266/12) التحرير والتنوير1(

عدد الصفحات ١٠٤

10 أن يذكره عند سيده، فبقي -عليه الصلاة والسلام- في السجن بعض سني، حتى رأى الملك رؤيا البقرات السمان فتذكره، وذكره للملك فأرسل إليه، فأبى الخروج إلا . )1(بعد إعلان براءته، وطلب أن يسأل الملكُ النسوةَ عن فعلهن القديم ) ونظرًا لكون هذه الأحداث غي متصلة بقصة المراودة، فقد تجاوزها الباحث. 1(

عدد الصفحات ١٠٥

المبحث الرابع

عدد الصفحات ١٠٦

10 نظرًا لكون أحداث السجن لا تتصل بموضوع المراودة بصورة مباشرة، فإننا نتخطاها إلى الحدث المتعلق بما نحن بصدده، وذلك في قوله تعالى: ﱫ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ .ﱪﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯫ * المطلب الأول: سؤال الملك: نلحظ هنا كيف ألهم الله يوسف حسن التصرف، حيث لم يسرع بالخروج قبل إظهار براءته، بل طلب من الرسول الرجوع إلى ربه، وسؤاله عن شأن النسوة، وحدد ؟ﱫ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﱪفي سؤاله أمورًا معينة، فقال: بلَّغ إليه ﱫ ﯖ ﱪبراءته مفتتحةً بالسؤال عن الخبر لإعادة ذكره من أوله، فمعنى سؤالاً من قِبلي، وهذه حكمة عظيمة تحق بأن يؤتسى بها، وهي تطلب المسجون باطلاً أن يَبقى في السجن حتى تتبي براءته من السبب الذي سجن لأجله، وهي راجعة إلى . )1(التحلي بالصبر حتى يظهر الن ، وفيه وفي هذا السؤال لفت لنظر الملك لحدث قديم له أثر في ظلم يوسف أيضًا إلماح للخيط الذي يمكن أن يكشف عن الكيد القديم. .288 / 12) التحرير والتنوير1( المبحث الرابع البراءة وظهور الحق

عدد الصفحات ١٠٧

108 « للكشف عن أمرها، لأن ذكرها مع مكانة زوجها من الملك ربما يصرف الملك عن الكشف رعيًا للعزيز، ولأن حديث المُتّكأ شاع بي الناس، وأصبحت قضية يوسف ﱫ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ -عليه السّلام- مشهورة بذلك اليوم، كما تقدم عند قوله تعالى: ، ولأن النسوة كن شواهد على إقرار امرأة العزم ]35[ ﮮ ﮯ ﮰ ﱪ بأنها راودت يوسف- عليه السّلام- عن نفسه، فلا جرم كان طلب الكشف عن .)1(أولئك النسوة منتهى الحكمة في البحث وغاية الإيجاز في الخطاب ، لأجل تحديدهن أدق ﱫ ﯚ ﯛ ﯜﱪ وتقييد النسوة بالموصول وصلته تحديد حتى تقصر المساءلة عليهن وحدهن، ومن أجل الإشعار بشيوع هذه الصفة فيهن حتى أصبحن يعرفن بها. وقد يقول قائل في هذا إخراج لامرأة العزيز من المساءلة، لأنها لم تقطع يدها؟ ؛ لأن لها وللعزيز عليه فضلاً، فما ذكر وجواب ذلك أن هذا من حسن أدبه كلامًا يخُصّصها، ولم يطلق للسانه العنان بكلمات يجرح فيها العزيز وامرأته، رغم أنه صاحب حق ومظلوم، يقول الزمخشري مع ما صنعت به، وتسببت فيه من السجن والعذاب، واقتصر على ذكر المقطِّعات ، إضافة إلى أن سؤاله عن النسوة وعن تلك الحادثة خصوصًا سيؤول إلى )2(أيديهن الكشف عن علاقتها بالقضية، دون تصريح بعلاقتها بها. سؤاله هذا بحكم يشي إلى تلبسهن بأمر مؤثر في تلك وقد أتبع يوسف .289 / 12) التحرير والتنوير1( .478/2) الكشاف2(

عدد الصفحات ١٠٨

10 إلى ضلوعهن فيهاﱫ ﯠ ﱪ فأشار بكلمة ﱫ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﱪالواقعة، فقال: بصفة الكيد، وهذه الجملة .)1(براءته، وظهور كيد الكائدات له ثقة بالله ربه أنه ناصره فيه تناسب مع ﱫ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﱪوذكر الربوبية ووصف العلم في قوله: دعائه من قبل بصرف كيدهن، وأنه سبحانه سميع عليم، وتقديم الجار والمجرور دليل على الاهتمام به، وأنه محط العناية.ﱫﯠ ﱪ ﱫ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ثم جاء كلام الملك موجزًا، وحمل صيغة السؤال ، وذلك ليكون استجوابًا، يحمل معه معاني القوة والمحاسبة، ومما يؤيد ﯩ ﯪﯫ ﱪ وذلك لما فيه من دلالة ﱫ ﯤ ﯥ ﱪ هذه القوة التعبي بلفظ (الخطب) في قوله: ، وكذلك )2(العِظَم، يقول الراغب في توجيه الكلام إليهن في صورة الخطاب، ما يدل على حضورهن واستجوابهن، « .)3(التي شاعت في المدينة كانت مخلوطة ظَنا أن المراودة وقعت في مجلس المتّكأ ﱫ ﯧ ﱪ وبالفعل ﱫ ﯦ ﱪ ومما هو من هذا القبيل تحديد المساءلة بالوقت ، ونلحظ أنه لم يسألهن عن التقطيع كما طلب يوسف ﱫ ﯨ ﱪ وبالطرف الآخر ، بل كان الملك صريحًا في توجيه تهمة المراودة إليهن، وهذا يؤيد سمو أخلاق حيث لم يصرح بذلك في كلامه، بل غاية ما ذكره الكيد، كما يدل على يوسف .289 / 12) التحرير والتنوير1( .286) المفردات2( .290 / 12) التحرير والتنوير3(

عدد الصفحات ١٠٩

110 حسن بيانه، حيث إنه استطاع بهذا البيان إيصال المراد للملك دون التصريح بما لم يرد التصريح به. * المطلب الثاني: جواب النسوة: ﱫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ .ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﱪ .ﱫ ﯬ ﯭ ﯮ ﱪ ﱫ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ هذا خطاب جماعي أمام الملك، جاء جوابًا على سؤاله: ، والمقتضى أن يكون الجواب عن سبب المراودة، ولكن الجواب ﯨ ﯩ ﯪﯫ ﱪ أخذ مسارًا آخر فما سر ذلك؟ يقول ابن عطية عن هذا الجواب أنفسهن جملة، وأعطي يوسف بعض براءة، وذلك أن الملك لما قرر لهن أنهن راودنه عن نفسه، قلن جوابًا عن ذلك -حاش لله- وقد يحتمل - على بعد- أن يكون قولهن ليس بإبراء ﱫ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳﯴ ﱪ ، وقولهن: في جهة يوسف ﱫﯭ ﯮ ﱪ تام، وإنما كان الإبراء التام وصف القصة على وجهها، حتى يتقرر الخطأ في إحدى

عدد الصفحات ١١٠

111 الجهتي، ولو قلن: ما علمنا عليه إلا خيًا لكان أدخل في التبرئة، وقد بوب البخاري .)1(على هذه الألفاظ على أنها تزكية ويشي البقاعي إلى روغانهن عن إجابة السؤال كما أراد الملك جوابهن إذ سألهن عما عملن من السوء معه، فأعرضن عنه وأجبن بنفي السوء عنه .)2(- عليه الصلاة والسلام وهناك توجيه آخر وهو أن الجواب جاء منطبقًا مع السؤال، إذ أراد الملك السؤال ﱫ ﯭ ﯮ ﯯ ، فجاء الجواب: )3(عن شأنهن مع يوسف: هل وجدتن منه ميلاً إليكن .ﯰ ﯱ ﯲ ﯳﯴ ﱪ فالسؤال المقدر إذًا هو وجدانهن منه الميل كما يرى صاحب الكشف على )4(لأنه سؤال عن شأنهن معه عن المراودة، وأوله الميل ثم ما يترتب عليه، وحمله السؤال يدعي النزاهة الكلية، فيكون سؤال الملك منزلاً عليه؛ إذ لا يمكن ما بعده إلا إذا سلم الميل، وجوابهن عليه ينطبق لتعجبهن عن نزاهته بسبب التعجب من قدرة الله تعالى على خلق عفيف مثله، ليكون التعجب منها على سبيل الكناية فيكون أبلغ .)5(وأبلغ ... ناشئ عن الغفلة عما )6(وعلق الألوسي على ذلك بقوله .103/5) المحرر الوجيز1( .126/10) نظم الدرر2( .478/2) انظر: الكشاف3( .259/12، هكذا في حاشية روح المعا) أي: يوسف 4( .259/12) روح المعا5( ) وقد سبق قبل قليل بنصه6(

عدد الصفحات ١١١

112 . والذي يظهر لي أن السؤال واضح، وهو عما نسب) 1(قرره المولى صاحب الكشف إليهم من مراودتهن له، والجواب الذي أجبن به غي مقتضي السؤال المذكور وهذا يتماشى مع لغة المكر التي اعتدن عليها. هنا غي ما ذكر من قبل، ﱫ ﯭ ﯮ ﱪوالذي يظهر لي -أيضًا- أن المقصود بـ فهناك عند المتكأ كان التنزيه لجمال الصورة الباهرة، فالعناية بالظاهر، وإن أشرن إلى ، لكن هنا اهتمام واضح بتنزيه يوسف عن ﱫ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﱪالباطن بقولهن: المنكر، وليس هنا عناية مقصودة بجمال الظاهر، بل المراد هو نقاء الداخل، فهو نظيف عفيف، ويبدو لي أيضًا أن جواب النساء سواء أقلنا: إنه موافق لمراد الملك من السؤال، ، فمراده أم قلنا إنهن عرضن به، جاء موافقًا للمقصود الذي يريده يوسف من رجوع الرسول إلى الملك وسؤال النسوة، هو اعتـرافهن ببراءته، فأي جواب لا ، لأنه سأل يؤدي ذلك لا يحقق المراد، لذا كان الجواب هنا موافقًا لمقصود يوسف عن سبب التقطيع، وليس هو موافق لسؤال الملك لأنه سأل عن أمر يخصهن. ونفيه إشعار ببراءة يوسف على أكمل وجه، لأن ما ﱫ ﯰ ﱪوفي اختيار الفعل ذكر من تهمة يوسف هو بالنسبة لهن خبر، فهو من قبيل المعلوم، فاعترافهن بعدم علم السوء مع أنهن سمعن ذلك من قبل، دليل منهن بأن ذلك المعلوم لم يكن صحيحًا على بريء مما نسب إليه وأن الخطأ من سيدته.الوجه الذي عُلِم، فهو ولو قيل: وما أخطأ، أو هو بريء لفات هذا المعنى الشريف. وألمح الطاهر بن عاشور إلى معنى آخر له تعلق بما ذكرنا، وهو أن السؤال موجه إليهن، وخبر مراودة العزيز له وإن كان معلومًا لهن إلا أنه ليس موضع سؤال الملك، .259/12) روح المعا1(

عدد الصفحات ١١٢

113 فهن أردن بقولهن هذا تبرئة ساحتهن وساحته بنفي العلم بهذا الخبر من أصله، يقول ابن عاشور .)1(إياهن إليه، لأن ذلك لو وقع لكان معلومًا عندهن به للإشعار ﱫ ﯰ ﱪ، وتعدية )2(ﱫ ﯰ ﱪ جار ومجرور متعلق بـ ﱫ ﯱ ﱪو بأن السوء ليس من معدنه ولا من سجاياه، بل هو واقع عليه من خارجه، وقيل: ، والذي نراه أن الفعل )3( مضمنة معنى (أخذنا) لذا عديت بـ(ع ﱫ ﯰ ﱪ إن إذا عدي بغي ما يتناسب مع مدلوله، فتكون العناية بالحرف لا بالفعل، ولا نقول بالتناوب فحسب، بل لابد من بيان السر، ويكون البحث في مثل هذا حول معنى الحرف الأصلي، وهو في (على) الاستعلاء وفي (من) الظرفية وهكذا، فهنا لابد من تفسي الفوقية والاستعلاء وما علاقتهما بنفي عِلْم السوء عنه، وهو ما بيَّناه في القول الأول. .ﱫ ﯲ ﯳﯴ ﱪ « ، القول بزيادة الحروف أمر جرى عليه بعض النحاة بما يتناسب مع الصنعة،)4(علمنا غي قاصدين أنه لا قيمة له، ومع التماس العذر لهم بهذا التأويل، إلا أننا نجد بعضهم يستنكر هذا المصطلح، وربما كان أكثر القول بزيادة (من) في كلامهم إذا كانت .290/12) التحرير والتنوير1( .6/7) انظر: الجدول في إعراب القرآن2( .6/7) انظر: الجدول في إعراب القرآن3( .7/5) إعراب القرآن وبيانه4(

عدد الصفحات ١١٣

114 .)1(استغراقية، أما غيها فقليل، وذلك أن ورودها في القرآن كثي موازنة بغيها يقول المبرد عن (مِنْ) الاستغراقية وهي الواردة معنا هنا زائدة، فلست أرى هذا كما قالوا، وذلك أن الكلمة إذا وقعت وقع معها معنى، فإنما حدثت لذلك المعنى، وليست بزائدة، فذلك قولهم: ما جاء من أحد، وما رأيت من رجل، فذكروا أنها زائدة، وأن المعنى: ما رأيت رجلاً، وما جاءني أحد، وليس كما قالوا؛ ذلك لأنها إذا لم تدخل جاز أن يقع النفي بواحد دون سائر جنسه، يقول: ما جاءني رجل، وما جاءني عبد الله، إنما نفيت مجيء واحد، وإذا قلت: ما جاءني من رجل، فقد نفيت الجنس كله، ألا ترى أنك لو قلت: ما جاءني من عبد الله لم يجز، لأن .)2(عبد الله معرفة، فإنما موضعه موضع واحد وما يفهم من تحليل المبرد هذا أن دخول (مِنْ) على كلمة (سوء) النكرة أدى إلى نفي جنس السوء كله، وذلك أنها تعني نفي كل أجزائه وأبعاضه، وهذا بلا شك آكد في تبرئة يوسف من نفي العموم، إذ قد يخرج منه بعض أجزائه لا ينفى، ومن قال بدلالة دخول هذا الحرف على التأكيد سيبويه حيث يقول ، ولكنها توكيد بمنزلة (ما)، إلا أنها )3(في موضع لو لم تدخل فيه كان الكلام مستقيماً تجر لأنها حرف إضافة، وذلك قولك: ما أتاني من رجل، وما رأيت من أحد، ولو أخرجت (مِنْ) كان الكلام حسنًا، ولكنه أكد بمن لأن هذا موضع تبعيض، فأراد أنه .158) انظر: لطائف المنان وروائع البيان1( ، وقد ذكر في مواضع أخرى من كتابه القول بزيادتها، انظر: المقتضب183/1) المقتضب2( ، وما يهمنا هنا هو تحليله هذا، وما دل عليه هذا الحرف من معنى683 و453/4 ) أي من ناحية الصنعة الإعرابية، فليس بخطأ أن يقال: ما علمنا عليه سوءًا، لكن هذا له 3( معنى وذاك له معنى، ولكل موطنه الذي يطلبه

عدد الصفحات ١١٤