المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

جماليات النظم القرآني في قصة المراودة في سورة يوسف

عويض بن حمود العطوي

صفحة ٦ من ٩

83 - في نفي البشرية كانت أداة النفي (ما) وفي إثبات الملكية (إنْ - في نفي البشرية كان الأسلوب نفيًا دون إثبات، وفي إثبات الملكية نفي وإثبات (أسلوب قصر). - في نفي البشرية لا يوجد للبشرية وصف، وفي إثبات الملكية يوجد وصف للملكية (كريم). في الموضعي.ﱫ ﭫ ﱪ- وأما التوافق فظاهر في تكرار اسم الإشارة وإذا حاولنا تعليل هذا التغاير في الأسلوب، فلا بد أن نستحضر موضع كل منهما، فالأول غرضهن فيه النفي فحسب انسجامًا مع الموقف، وانعكاسًا لما في نفوسهن عن ﱫ ﭪ صفة البشر المعروفة، فلما رأين ما لم يُعهد نفي ما استقرت عليه فطرهن، وقلن: ، أما في الملكية، فهنا نقلة أخرى بعد نفي البشرية المستقرة، لإثبات حكم ﭫ ﭬ ﱪ جديد، وخلع صفة جديدة، بعد تجريده من الصفة المعروفة المتوقعة، ولما كان إثبات هذه الصفة لبشر غي مألوف، كان لابد من الأسلوب المناسب وهو التعبي بالنفي .)1(والاستثناء، لأنه يذكر فيما فيه شك أو إنكار أو ما يحتمل ذلك أو ما يقع موقعه فتعليل ذلك؛ أن هذا من التفنن في التعبي دفعًا )2(وأما مجيء (ما) أولاً ثم (إِنْ) ثانيًا لسآمة التكرار، يقول الدكتور مصطفى النحاس ﱫ ﭵ ﭶ ﭷ يراوح في الاستعمال بي (ما) و(إنْ) في السياق الواحد، قال تعالى: ﱫ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ، ]81[ ﭸ ﭹ ﭺﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﱪ .218/1) انظر: الإيضاح في علوم البلاغة1( ) مرة، بينما (إن682) مع أن الأداتي للنفي إلا أن (ما) أكثر شيوعًا في القرآن فقد وردت 2( مرة فقط، ولذا ذكر بعض الباحثي بأن اللغة استغنت عنها باستخدام (ما)، انظر كل114جاءت .67ذلك في: أساليب النفي في العربية ص

عدد الصفحات ٨٣

84 [ ﱫ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲﭳ ﱪ، ]13[ ﯠ ﯡﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﱪ .)1(، فقد عدل عن استعمال (ما) إلى (إِنْ) منعًا للتكرار، وتنويعًا في الأسلوب ]2 والملحوظ أن (إِن) النافية في جميع هذه الشواهد السابقة، قد جاءت في إثبات الصفة عن طريق نقض نفيها بـ(إلا)، و(ما) جاءت للنفي الصريح، فكأنه إذا أريد نفي صفة وإثبات أخرى لها علاقة بها، أو هي المقصود أو تصحيح حكم، فينتفي الأول بـ(ما) ويثبت الثاني بطريق القصر (إن و إلا). وإما إعادة اسم الإشارة، في هذين الموضعي، موضع الإثبات وموضع النفي، فلعله للإشعار بأن المقصود واحد. وقد يكون التعريف باسم الإشارة هنا دون غيه لما فيه من التحديد الدقيق للمقصود، ذلك أن الأحكام المجراة هنا من نفي وإثبات تحتاج إلى دقة في تحديد المقصود بها، واسم الإشارة هو المحدد الأفضل لذلك يقول البقاعي ، ويقول الخطيب القزويني عن التعريف باسم الإشارة)2(دفعًا لإمكان الغلط كان بالإشارة، فإما لتمييزه أكمل تمييز، لصحة إحضاره في ذهن السامع بوساطة .)3(الإشارة حسًا ﱫ ﭯ ﭰ ﭱ ﱪقال تعالى: الملحوظ هنا أن الملك قُيِّد بوصف (كريم) و(بشرًا) لم يقيد فما سر ذلك؟ قد يكون هذا الوصف (كريم) يراد منه توجيه التشابه إلى الجانب المعنوي .68،67) أساليب النفي في العربية1( .73/10) نظم الدرر2( .12/1) الإيضاح في علوم البلاغة3(

عدد الصفحات ٨٤

8 ،)1(لا الحسي؛ لأنه وعلى هذا يكون موضع الحسن هو الجوهر لا العرض، ولكن تقطيع الأيدي والاندهاش العظيم الذي حصل لهن يؤيد كونه بسبب الصورة الظاهرة. والذي يبدو لي أن الأمرين ممكنان، فهن قد اندهشن من صورته وجمال خلقه، لذا نفي عن البشرية لخروجه عن المألوف في البشر في الجمال، ولم يحتجن إلى تقييد (بشرًا) بوصف، لأن مجرد إخراجه عن وصف البشرية كاف في الإشعار بتميزه، ولكن هذا التميز قد يوهم ذمًا لذا جاء بعده إثبات الملكية له مقيدًا بوصف (كريم)، لا ليشعر بوجود ملائكة غي كرام، -حاش لهم ذلك- ولكن للإشارة إلى الجانب الباطني المتعلق بصفاء النفس ونقاء الروح، والبعد عن كل شائبة، فهم عباد مطهرون، والكرم ، وذلك بإضفاء صفة تنبئ عن خلق داخلي عظيم، كما أن فيه تقريرًا لمدح يوسف صفة الكريم على المشبه به مع أنها معلومة فيه. ﱫ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﱪ تعريف بالإشارة، ويلجأ للتعريف به، لبيان حالة المعرَّف به في ﱫ ﭴ ﱪ .)2(القرب أو البعد أو التوسط، وقد يراد من ذلك التحقي أو التعظيم أو غي ذلك وهي هنا اختارت تعريفه بالإشارة، وذلك ربما يكون لتميزه أكمل تمييز؛ لأن الحديث ما زال حوله، يقول الطاهر ابن عاشور ،ﱫ ﭫ ﱪ ، أو لعله من مشاكلة قولهن: )3( إذ كن لم يرينه قبل .103/18) مفاتيح الغيب1( .118/1) انظر: الإيضاح في علوم البلاغة2( .264/12) التحرير والتنوير3(

عدد الصفحات ٨٥

86 يوسف بالعنوان الذي وصفنه به الآن من الخروج في الحسن والجمال عن المراتب البشرية والاقتصار على الملكية، فاسم الإشارة مبتدأ والموصول خبره، والمعنى إن ﱫ ﭵ ﭶ كان الأمر كما قلتن، فذلكن الملك الكريم النائي من المراتب البشرية هو ، ثم إن اسم الإشارة هذا قد )1(»ﭷﭸﱪ الذي قطعتن أيديكن بسببه وأكبرتنه، وقلتن فيه ما قلتن من نفي البشرية عنه وإثبات وهذا من الاختزال حيث تحمل اسم الإشارة كل )2(الملكية له، هو الذي لمتنني فيه هذه المعاني دون الحاجة إلى إعادتها مع فضيلة الاختصار. أما كون الإشارة إلى البعيد دون القريب فيقول الزمخشري في هذا الشأن فهذا، وهو حاضر رفعًا لمنزلته في الحسن، واستحقاق أن يحب ويفتتن به، وربئًا بحاله واستبعادًا لمحله، ويجوز أن يكون إشارة إلى المعنيّ بقولهن: عشقت عبدها الكنعاني، تقول: هو ذلك العبد الكنعاني الذي صورتن في أنفسكن ثم لمتنّني فيه، تعني أنكن لم .)3(تصورنه بحق صورته، ولو صوّرتنه بما عاينتن لعذرتنني في الافتتان به إلى يوسف بعد انصرافه من المجلس، أو أن ﱫ ﭴ ﱪوقيل: أشارت بصيغة ، وتقدير هذا المحذوف بناء على فهم معي، )4(في الكلام إضمارًا تقديره، فهذا ذلكن ﱫ ﯾ ﯿ في قولهن: وهو أن الإشارة منصرفة إلى ما ذكرنه من قبل عن يوسف ، وعلى هذا فيكون اسم الإشارة خبر لمبتدأ محذوف، أي: فهو ذلك العبد ﰀ ﰁ ﱪ .272/6) البحر المحيط1( .272/6) البحر المحيط2( .467/2) الكشاف3( .104/18 ومفاتيح الغيب168/4) انظر: زاد المسي4(

عدد الصفحات ٨٦

8 الكنعاني، الذي صورتن في أنفسكن وقلتن فيه وفيّ ما قلتن، فليس المقصود طلب .)1(إعذارها كما يرى الزمخشري بل المراد لومهن وتبكيتهن وتنديمهن على ذلك ولعل هذا النظم يشمل المعنيي جميعًا، وهو من الإعجاز اللائق بالقرآن العظيم، فالإشارة منهن تصلح للأمرين جميعًا الحاضر والماضي. لما رأى دهشتهن، وما أصابهن من وإنما قيل ذلك، لأنه يحتمل أن يوسف .)2(التقطيع، ترك مجلسهن وابتعد عنهن، فأشارت إليه بما يناسب ذلك عرفته أيضًا بالموصول (الذي) دون اسمه، لإمكانية إجراء ﱫ ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﱪ الصفة التي يمكن أن تدل النسوة على هويته، يقول ابن عاشور .)3(بالموصولية لعدم علم النسوة بشيء من معرفاته غي تلك الصلة وإنما كانت الصلة المميزة له هي (لومهن لها)، دون أن يقال مثلاً: الذي راودته؛ لأنها هنا بصدد لومهن كما لامنَّها، وتبكيتهن، وتنديمهن، وكأنها تريد رفع الملامة عنها لتجعلها عليهن، كما أنها تشي بمادة اللوم إلى حقها في حبه ومراودته، وأنه أمر لا يلام عليه صاحبه، بينما لو قالت: (راودته) لكانت مقرة بالمراودة على وجه يَعْظُم معه لومها ويزداد ويثبت. (في للتعليل، مثل ﱫ ﭷﭸ ﱪ ، أو يكون المقدر حالاً يتعلق به الجار والمجرور، أي: )4(والتقدير في شأنه أو في محبته .273/4، وتفسي أبي السعود272/6) انظر: البحر المحيط1( .271/6) انظر: البحر المحيط2( .115/1، وانظر: الإيضاح في علوم البلاغة264/12) التحرير والتنوير3( .264/12) التحرير والتنوير4(

عدد الصفحات ٨٧

88 .)1(لمتنني مغرمة في حبه والسؤال هنا لماذا طُوِي هذا المحذوف، وما سر اختيار حرف الجر (في) الذي هو في الأصل للظرفية؟. إن هذا الإبهام الذي يرشد إليه طي المحذوف يوحي بشمولية حب امرأة العزيز لفتاها، فكأنها تقر بأن كل شيء فيه كان يدعوها إلى الشغف به، فاللوم إن وجد فهو شامل لمحبته وشأنه وجماله والتعلق به وغي ذلك. كما أن (في) في دلالتها الأصلية على الظرفية توحي بعمق تلك العلاقة، وأنها قد تغلغلت فيه حتى لامها اللوام بسبب ذلك، فلا شيء غي (في) مع حذف مدخولها يشعر بهذه المبالغة في تعلقها به. أما عن سر الحذف، فمن المعلوم أنهن لم يلمنها في ذاته بل في حبه، أو في مراودته « ، وإنما قلنا أوﱫ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃﰄ ﱪ (في مراودته) ولعلها أولى بدليل قوله تعالى: .)2(لأنه فعلها بخلاف الحب، فإنه ليس فعلاً لها ولا تقدر على دفعه وإلى هذا الحد وخطابها لرفع لومهن، وتبكيتهن لعدم تقديرهن للموقف، ثم ينعطف الخطاب بعدما اطمأنت أنها أوقعتهن في المكيدة وأنهن عذرْنهَا، بل أصبحن في الشرََّك، انعطف الخطاب ليكون بجحًا صريحًا ينبئ عن قوة في موقفها، واعترافًا ، وﱫ ﭹ ﭺ ﱪبغيضًا بتعلقها به، فها هي تقول في صراحة: .)3(جواب للقسم المحذوف، وقد حرف تحقيق .420/6) انظر: الجدول في إعراب القرآن1( .488/4) إعراب القرآن وبيانه2( .482/4) إعراب القرآن وبيانه3(

عدد الصفحات ٨٨

8 هكذا جمعت ألوان التوكيد لتشعر السامعات بأنها بتأكيدها ذلك لا تخشاهن و وقلوبهن، يقول البقاعيتخشاه هو، لتبعث الرعب في قلبه أي أقول هذا، والحال أني ﱫ ﭹ ﱪعذرْنها، قالت مؤكدة استلذاذًا بالتهتك في حبه .)1(»ﱫ ﭺ ﭻ ﭼ ﱪوالله لقد تحقق أني من هذا المقطع نجد خطاب القوة ولغة الفوقية والتهتك الذي يعكس حياة تلك الطبقة المتـرفة، وواضح أنها لا تخشى لومهن، أو لعل هذه النوع جار في خطاباتهن فهي لا تستحيي منه، بل تفخر به وتستعلي به عليهن، والقسم يشي إلى ذلك، يقول الألو .)2(به النسوة لإظهار ابتهاجها بذلك عند المراودة، هذا وصف معبر من امرأة العزيز لحال يوسف ﱫ ﭽﭾ ﱪ (استعصم) يقول الزمخشري والتحفظ الشديد، كأنه في عصمة وهو يجتهد في الاستزادة منها، ونحوه: استمسك، واستوسع الفتق واستجمع الرأي، واستفحل الخطب، وهذا بيان لما كان عليه يوسف ، ولم يرتض أبو حيان )3( لا مزيد عليه، وبرهان لا شيء أنور منه، على أنه بريء ما ذكره الزمخشري من دلالة المبالغة فقال .)4(الاستزادة من العصمة فلم يذكر التصريفيون هذا المعنى لاستفعل .74/10) نظم الدرر1( .233/12) روح المعا2( .467/2) الكشاف3( .272/6) البحر المحيط4(

عدد الصفحات ٨٩

0 والذي يراه أبو حيان أن استعصم ليست للطلب، بل هي بمعنى اعتصم، أجود من جعل استفعل فيه للطلب، لأن اعتصم يدل على وجود اعتصامه، وطلب .)1(العصمة لا يدل على حصولها وما ذكره أبو حيان ملمح وجيه، فالمدح بوجود الاعتصام لا بطلبه في حالة عدم وجوده، ولكن ما أشار إليه الزمخشري - في نظري- أقرب إلى الدلالة المرادة؛ لأنه أشار إلى وجود الاعتصام ومع ذلك هو يجهد للاستزادة منه، ومما يشعر بهذا الاجتهاد زيادة المبنى في الصيغة، ومما لا شك فيه أن دلالة (استعصم) أقوى من اعتصم، وما يذكره الزمخشري من الطلب هو فوق وجود العصمة المدلول عليها أصلاً بـ(اعتصم). والمبالغة التي يشي إليها الزمخشري هي من بعض مدلول السي والتاء، يقول الطاهر ابن عاشور مثل: استمسك، واستجمع الرأي واستجاب، فالمعنى: أنه امتنع امتناع معصوم، أي .)2(جاعلاً المراودة خطيئة عصم نفسه منها مبرأة ولو جاوزنا هذا الخلاف، لرأينا أن اللفظة معبرة عن تماسك يوسف لجنابه، كما أنها في الوقت ذاتها معبرة عن حذق هذه المرأة المغرمة بهذه الرذيلة، إنها تصفه بأقصى درجات التوقي عن تلك الفاحشة التي دفعت ﱫ ﭽﭾ ﱪ بقولها: يوسف إليها، وهي مع هذا كله مصرة على طلبها ماضية فيه غي آبهة بأحد. ودلالة هذه المادة (عصم) في القرآن توحي بغاية التقوي والتوقي مثل قوله ﱫﭱ ﭲ ، وقوله تعالى: ]67[ ﱫ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍﮎ ﱪسبحانه: .272/6) البحر المحيط1( .264/12) التحرير والتنوير2(

عدد الصفحات ٩٠

1 ﱫ ﯙ ﯚ]33[ ﱫ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅﰆ ﱪ، ]103[ ﭳ ﭴ ﱪ .)1(]43[ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﱪ وهذا يتلاءم مع مدلولها المعجمي، يقول ابن فارس .)2(والميم أصل واحد صحيح، يدل على إمساك ومنع وملازمة ، مما جعل امرأة العزيز تفصح ويبدو أن كل هذه الثلاثة كانت في يوسف ، فقد استمسك بحبل الله، وامتنع عن الخنا، ولازم عن حقيقة ذلك الخلق فيه تقوى الله. ما زالت لغة هذه الخطاب تحمل نبرة الفوقية، وعدم ﱫ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﱪ الاكتراث بكل ضابط أو رادع ينحيها عن مرادها. وما زال الخطاب بحضرة صويحباتها اللاتي لا ينكرن هذه اللغة في ذلك المجتمع المتـرف، وحدة الخطاب هنا بدأت تبرز بصورة أوضح من خلال تلك التأكيدات المتمثلة في القسم ونوني التوكيد، فالواو: استئنافية، واللام موطئة للقسم، وإن حرف .)3(شرط جازم، و(لم) حرف جزم ونفي والمتبادر إلى الذهن هنا أن تقول: (وإذا لم يفعل) لأن (إذا) تُذكر مع المقطوع بوقوعه، والخطاب هنا خطاب فوقي، لا مجال فيه لأن يرفض يوسف قولها، فلِمَ قالت (إِنْ)؟ لعل الجواب على ذلك أن هناك مواطن أشار إليها البلاغيون تقع فيها (إِنْ) موقع .596) انظر: المفردات1( ) معجم مقاييس اللغة مادة (عصم2( .420/6) انظر: الجدول في إعراب القرآن3(

عدد الصفحات ٩١

2 (إذا) لنكتة معينة، كالتجاهل لاستدعاء المقام له، وعدم جزم الخاطب، وتنزيله منزلة . )1(الجاهل وغي ذلك وربما تكون النكتة هنا أن (إذا) لا يأتي معها التأكيد المطلوب المتمثل في لام القسم، أو قد يكون مرادها الإشعار بأن الخيار له وأنها لا تعلم حقيقة حاله، لكنها تمتلك القوة التي ترغمه، وإن كان الأمر إليه، وفي هذا من إبراز الثقة بنفسها ما فيه. واللجوء إلى صوغ الكلام في صورة الشرط والجواب دون أن يقال: (ولأسجننه) حتى يكون كلامها مقبولاً، وحتى تشعره بأنه إن انصاع لأمرها فلا سجن ولا عقوبة. : فقد جاء كلامها فيه مبهماً، لم تحدد ما الذي تريده منه، أهو الأوامر ﱫ ﮁ ﱪأما المعتادة، فذلك أمر لم يخالف فيه يوسف من قبل، إنما الذي رفضه هو دعوة الفاحشة، فالفعل هنا مخصوص، والأمر هنا أمر معي، أخفته لأن الجهر بالطلب فوق هذا يكون صفاقةً وقلة حياء، وهذا لا يتناسب مع هدف القرآن، يقول أحمد ياسوف: « بهاتي الكلمتي في التعبي عن شهوة عارمة، وهذا يتمشى وطابع الدين الإسلامي الذي يدعو إلى تهذيب الغرائز وتوجيهها، والحد من فاعليتها، وليس قتلها، وكذلك يكمن هدف القصة القرآنية في الموعظة والاعتبار، ولا حاجة لتصوير يخدمُ الفنَّ .)2(لأجل الفن فالضمي (الهاء) يحتمل أكثر من دلالة بحسب ما يعود ﱫ ﮂ ﮃ ﱪوأمَّا قولها: .180/1) انظر: الإيضاح في علوم البلاغة1( .259) جماليات المفردة القرآنية2(

عدد الصفحات ٩٢

3 عليه، فإن قيل إنه راجع إلى الموصول (ما) فيكون المقصود ما آمر به، ثم حذف الجار كما في قولك: أمرتك الخي، وهنا يكون المفعول الأول للفعل (آمر) محذوفًا يعود على يوسف والتقدير: ما آمره -أي: يوسف- به، ويمكن أن تكون (ما) مصدر فيكون .)1(الضمي عائدًا على يوسف، والتقدير: ولئن لم يفعل أمري إياه وعلى القول بحذف المفعول الأول، والمعني به يوسف يكون غرض الحذف هو عدم تعلق الغرض به لأنه معلوم إذ الحديث عنه، وليكون الاهتمام متوجهًا إلى المأمور به مباشرة فهو غرضها، أو متوجهًا إلى إثبات الفعل للفاعل فحسب، فالمهم هو أن يعرفن أنها تأمر وتنهى، والسياق دال على أن المأمور هو يوسف. وهذا مما أشار إليه عبد القاهر من أن الغاية أحيانًا تتوجه إلى إثبات الفعل مثبتًا لفاعله دون القصد إلى التباسه بمفعوله؛ لأن في ذكر المفعول تقييدًا لذلك الفعل ويجعله مرتبطًا بذلك المفعول، فقولك: مالك تمنع أخاك، تقصد به إنكار المنع لا من حيث هو منع، وإلا لقلت: مالك تمنع، دون ذكر المفعول، ولكنك تقصد إنكاره لكونه ، يقول الألو )2(حصل لأخيه لزوم امتثال ما أمرت به مطلقًا كما قيل، وإما محذوف لدلالة (يفعل) عليه، وهو ضمي .)3(يعود على يوسف أي: ما آمره به فهي هنا تريد تخليص الغاية إلى تنفيذ أمرها، ولتذكر المأمور وهو يوسف فتقول: ما آمره به، ليكون الضمي له والثاني للموصول؛ لأنها لو قالت ذلك لأشعر ذلك بأن .272/6، والبحر المحيط267/2) انظر: الكشاف1( .162،161) انظر: دلائل الإعجاز2( .233/12) روح المعا3(

عدد الصفحات ٩٣

4 عنايتها منصبة على المأمور مَنْ يكون، لا على المأمور به وهو التنفيذ، والمأمور معلوم من سياق الكلام ودلالة المقام. أما حذف الجار (به)، فلأن (الباء) تشعر بالإلصاق والمصاحبة، فلو قيل: ما آمر به، لكان ذلك توجيهًا للغاية إلى فعل الأوامر المصاحبة للأمر، وأما غي ذلك مما يأتي على سبيل التلميح والتعريض وما يفهم من الحال فذلك لا يفعله، لكن حذف الجار جعل الاهتمام منصبًا على تنفيذ الأمر أي أمر، وكل أمر، ﱫ ﮂ ﮃ ﱪوالمفعول الأول على أي صيغة وبأي حركة، وهذا أدل على سيطرتها، ومناسب للغتها المتسلطة، وهذا يتناسب أيضًا مع نغمة الفعل (آمر)، لأنها عبرت به عن المراودة، يقول أبو السعود: « .)1(بأمرها ، وإسناد )2(وإسناد الفعل إلى الأمر مجاز، لأن المقصود فعل موجبه أو مقتضاه الفعل إلى الأمر مباشرة إشعار منها بقوة سلطانها عليه، فإذا كان الأمر ذاته يُفعل إذا أرادت مما بالك بموجبه ومقتضاه. .)3(: اللام للقسم، و(يسجن) فعل مضارع مبني للمجهولﱫ ﮄ ﱪقولها: بالسجن والصغار، لكن هناك اختلاف في ونلحظ هنا أنها تتوعد يوسف سياق الوعيدين: السجن والصغار في خطابها، فالتوعد بالسجن جاء بالفعل المضارع المبني للمجهول المؤكد بلام القسم ونون التوكيد الثقيلة. .273/4) تفسي أبي السعود1( .234/12) انظر: روح المعا2( .421/6) الجدول في إعراب القرآن3(

عدد الصفحات ٩٤

 وأما الصغار فجاء مسبوقًا بفعل الكينونة المؤكد بنون التوكيد الخفيفة، وجاء .ﱫ ﮆ ﮇ ﱪبالاسم المسبوق بحرف الجر (من): فأما سر مجيء التوعد بالسجن بالمضارع دون الاسم بأن يقال مثلاً (ليكونن ﱫ ﮢ ﮣ : من المسجوني)، مثل قوله تعالى: في توعد فرعون لموسى ، أنها مع حدة لغتها وظهور نبرة الاستعلاء والقوة فيه، ]29[ ﮤﱪ دون الاسم، ليكشف ﱫ ﮄ ﱪإلا أنها الآن أطمع فيه من ذي قبل، لذا جاء الفعل عما في خبيئة نفسها، أنها لا تريد له سجنًا دائماً، بل هو عقوبة بمقدار ما يرده إليها، فهو عقاب متقطع غي دائم، إنها لا تريد أن يكون ضمن زمرة المسجوني؛ لأنه سيكون بعيدًا عنها، لكن فرعون يريد ذلك لموسى، أما الصغار فهي تريده منه، وأن يكون من جملة من هذا شأنهم، لأنه لم يرده عن مطاوعتها إلا استعلاء الإيمان، لذا جاءت بما يدل أقوى في معنى ﱫ ﮆ ﮇ ﱪعلى رغبتها في انصياعه الانصياع الكامل، ، لأن فيما عليه النظم الكريم )1(الوصف بالصغار من أن يقال: (وليكونن صاغرًا إشعار بانضوائه تحت مجموعة هذه صفتها. وربما يكون التغاير في الاسمية والفعلية راجع إلى طبيعة كل من السجن والصغار، فالسجن العادة فيه أن يكون إلى أمد، فهو منقطع غي دائم، أما الصغار فأمر معنوي، وخلق داخلي يصعب قياسه ومعرفة استمراريته من انقطاعه. وربما يكون هناك توجيه آخر يتلاءم مع نغمتها الحادة، وهو أن الفعل المضارع يدل على التجدد والحدوث، فكأنها تريد إشعاره أن السجن متجدد معه كلما خالف أمرها، فهي قادرة على سجنه كلما أرادت، ويبدو أن السجن لون من ألوان التدريب .265/12) التحرير والتنوير 1(

عدد الصفحات ٩٥

6 على الذل والصغار يسلكه المتجبرون ليخضعوا خصومهم، ولاشك أنه لا آلم ع الكرماء الأحرار من الذلة والمهانة، لذا هددته بهما خصوصًا، يقول الرازي أن التوعد بالصغار له تأثي عظيم في حق من كان رفيع النفس عظيم الخطر، مثل .)1(»يوسف وأما مجيء هذا الفعل على صيغة المبني للمجهول، فلا بد أن نذكر فيه، أن هذه الصيغة جاءت من قبل في وعيدها الأول: (إلا أن يسجن أو عذاب أليم)، ولعل سبب ذلك - والله أعلم- إرادة أن ينصرف الذهن إلى الفعل (السجن) دون العناية بفاعله، فالمهم وقوعه من أي أحد كان، وألمح أبو السعود إلى وجهي آخرين يظهران في قوله ، وما ذكره أبو )2(ذلك على عدم امتثاله لأمرها، كأنه لا يدخل بينهما فعل فاعل السعود يتفق مع لغة تلك الطبقة الحاكمة، فقد جرى في طريقة الملوك حذف الفاعل تفخيماً لشأنهم وإشعارًا بأن الفعل لا ينصرف إلا إليهم، كما أن التوجيه الثاني يتناسب مع لغتها الفوقية التي تريد من خلالها إثبات سلطتها وسرعة استجابته لها، وكل هذا لا يتعارض مع ما أشرنا إليه. أما عن التوكيد باللام ونون التوكيد الثقيلة مع السجن، والخفيفة مع الصغار، فعلل ذلك عائد إلى أن التوقع منها في مثل هذه المواقف ألا تهدد بالسجن لأنه يُبعد يوسف عنها، فحتى تنفي عن نفسها ميلها إليه قالت ما قالت، يقوله البقاعي مشيًا إلى هذا المعنى .234/12، وانظر: روح المعا104/18) مفاتيح الغيب1( .234/12، انظر: روح المعا273/4) تفسي أبي السعود2(

عدد الصفحات ٩٦

 ، فردًا على هذا الإنكار المتوقع أكدت قولها ووعيدها، وإن كان)1(بالإنكار من إهانته يخونها في ذلك التعبي بالمضارع كما أشرنا إليه سابقًا، لأنها لا تقوى على البعد عنه، وقد قيل إنها إنما زادت من التأكيد مع السجن، لأن عزمها على سجنه كان أقوى من ، والتوجيه الأول هو الأقرب في ظني إلى مقام الخطاب.)2(إيقاع الصغار به وهذه التأكيدات كثرت أو قلت توحي بالشعور بالزهو والتسلط، فقد أفرغت امرأة العزيز تلك الشحنة الجاثمة على صدرها من صدود يوسف عنها، ومن عبث النساء بعرضها، أفرغت كل ذلك في هذا القول المليء بالتهديد، والوعيد، المدجج بألوان التأكيد: القسم المقدر، ولام القسم، ونون التوكيد الثقيلة والخفيفة، جعله من ضمن زمرة قوم هذا ديدنهم وتلك سمتهم، كل هذا الزخم من التأكيد يعكس لنا تلك النفسية التي كانت تحملها امرأة العزيز لحظة نطقها بهذا القول، كما أنه يوجه رسالة إلى كل من يسمعها بقوة عزمها وجرأتها، يقول أبو السعود أنها ليست في الوعيد المنطوي على فنون التأكيد بمحضر منهم، ليعلم يوسف .)3(أمرها على خفية، ولا خيفة من أحد، فتضيق عليه الحيل وتعيا به العلل ولو وازنا هذا الخطاب الشديد بوعيدها السابق لوجدنا بينهما فروقًا تستحق ، ثم ﱫ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚﱪالتأمل، قال تعالى: .ﱫ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﱪقالت بعد ذلك: .74/10) نظم الدرر1( ، وينسب هذا إلى الخليل بن أحمد وقد استدل به على أن التوكيد74/10) انظر: نظم الدرر2( .490/4بالثقيلة أشد من التوكيد بالخفيفة، انظر إعراب القرآن وبيانه .234/12، وانظر: روح المعا273/4) تفسي أبي السعود3(

عدد الصفحات ٩٧

8 وبالتأمل نجد أن التوعد بالسجن قد جاء في الموطني بصيغة واحدة هي المضارع المبني للمجهول، لكن ما عليه النظم هنا هو زيادة التوكيد، ولعل سر زيادة التوكيد هو الجو الذي قيل فيه الكلام وقد أوضحنا ذلك، أما كلامها السابق فقد كان إنقاذًا للموقف، فحتى تداري فضيحتها أظهرت شدة بأسها بهذه الكلمات، لذلك لم تتضمن حدة الخطاب، وفوقيته الموجودة في خطابها الثاني الذي أنشأته وهي في نشوة النصر. ولو تساءلنا أي الخطابي أشد، وأي الوعيدين أقوى؟ لقلنا: إن السجن مذكور فيهما جميعًا مع تشديد في الثاني، وفي الأول ذكر للعذاب الأليم وفي الثاني ذكر للصغار، وكأن أبا حيان يلمح إلى أن خطابها الأول كان أشد ﱫ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ وآلم، يقول ؛ لأنها إذ ذاك كانت في طراوة غيظها ومتنصلة من أنها هي التي راودته، ﮔﱪ فناسب هناك التغليظ بالعقوبة، وأما هنا فإنها في طماعية ورجاء، وأقامت عذرها عند .)1(النسوة، فرقّت عليه، فتوعدته بالسجن والعبارة الأخية في كلام أبي حيان وهي لا تتوافق مع أول كلامه لأن التوعد بالسجن واقع في الكلامي، بل هو في الثاني أشد كما يشعر بذلك التوكيد المفقود في الأول، كما أن سياق الكلامي يشعر بغي ما أشار إليه - رحمه الله-، وذلك أن لغة التهديد في المقام الثاني لابد أن تكون أوضح وأقوى، لأن حديثها ينطلق من مصدر القوة، وأما مقامها الأول فهو مقام تخلص من محنة وتبرؤ من تهمة، ولاشك أن مثل هذا الموقف مهما حاول صاحبه أن يتظاهر بالجسارة والقوة فلابد أن يبرز في لحن قوله ما يبي ضعفه، وأما أن ذكر العذاب هو الذي أشعر .273/6) البحر المحيط1(

عدد الصفحات ٩٨