1 ذلك؟ قد يكون هذا الخروج عن المقتضى سببه انصرافه عنها، وعدم اهتمامه بشأنها، لأنها لا تستحق التقدير بعد ما فعلته من خيانة زوجها، ومحاولتها بيع عرضها، واتهامها لبريء، ويضاف إلى ذلك سبب آخر، هو ما جَبَل الله عليه الأنبياء من حسن الأدب ولطف القول، فهي ولم يخاطبها ﱫ ﮝ ﮞﱪ عنها بضمي الغيبة فقال: بدل (بأهلك) كنى هو بـ(أنت راودتني) ولا أشار إليها: بهذه راودتني، وكل هذا على سبيل الأدب في الألفاظ، والاستحياء في الخطاب الذي يليق بالأنبياء عليهم السلام، فأبرز الضمي . وهذا من الأدب والحشمة )1(في صورة ضمي الغائب تأدبًا مع العزيز وحياء منه .)2(لأن في المواجهة بالقبيح من السوء ما ليس في الغيبة كافٍ في المقصود، وكان واضحًا مختصرًا دون تطويل أو زيادة؛ وما ذكره لأن مقصوده من الخطاب مختلف عن مقصودها، لذا كنى عنها بضمي الغيبة (هي)، ورد دعواها وكذبها، ونسب المراودة إليها، أي أنه صرح بالسوء الذي أخفته هي في خطابها لأنه لا مجال لإخفاء ذلك، وهكذا يختلف نمط الخطاب عندما يختلف هدفه. * المطلب الخامس: مشهد الشهادة: ﱫ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ قال تعالى: ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯﯰ ﯱ .ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﱪ .412/6) الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه1( .260/6) انظر البحر المحيط2(
عدد الصفحات ٥١2 يظهر من هذا النص العناية بمفردة الشهادة، حيث ذكرت في لفظي متجاورين (شهد، شاهد)، فلفظ: (شهد) يمثل القيام بالفعل، وهو الشهادة، ولفظ (شاهد) يبيّ أن الذي قام بالفعل من أبرز صفاته في هذا المقام: الشهادة، ولولا هذا المعنى لقيل: وشهد بعض أهلها، أو رجل من أهلها. وتقييد الشاهد بكونه (من أهلها) فيه دلالة على قوة شهادته إذا شهد عليها؛ لأن المتوقع في مثل هذه الحالة أن يشهد لها، لا عليها؛ بسبب الحميّة. وفي طي الأحداث وذكر الشهادة بهذه السرعة؛ دليل على وجود الشاهد ﱫﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ وقربه، وفي ذكر نص الشهادة في قوله تعالى: إظهار لنوع ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﱪ الاستدلال، ليُعلم أنه استدلال منطقي وعقلي مقبول. وفي تعرضه للقميص خاصة، وجعله دليل الواقعة؛ لأنه المتوقع في مثل هذه الحال، خصوصًا أن الخصمي موجودان لحظة الشهادة، وليس عليهما آثار جسدية يمكن الاستدلال بها، فلم يبق إلا الثياب. دون ثيابها هي؛ لأنه أراد الانحياز إليها، لأنها لو واستدل بثياب يوسف كانت صادقة لانطبق وصف الشهادة على يوسف، وتمت إدانته، كما أنه لم يرد التعرض لها ولا لثيابها؛ صيانةً لها، وجعل الأمر كله على يوسف؛ لأنه هو المتهم من قِبلها أمام العزيز في هذه اللحظة، وقد يكون هذا منه من قبيل السمو في عرض الواقعة، والعمل على صيانة الحرمة والعرض. وكون الشاهد يبدأ باحتمال (قدّ) القميص من الأمام، فيه نوع من الميل لنصرة المرأة، أو لأن المقام تهمة له، فبدأ بالحالة التي تدينه.
عدد الصفحات ٥٢3 وبناء الفعل (قُدّ) للمجهول، مع أن الفاعل معلوم وهو المرأة، سواء أكانت مدافعة، أم جاذبة له، فيه حسن أدب في مقام الشهادة، حتى لا ينسب السوء إليها، وحتى لا يجري اسمها أو وصفها في عمل مشي، يحسن فيه الستر والغفر. تقديم ما يدل على صدقها من ذكر (قدّ) القميص من الأمام، وذكر ما يؤيد ذلك نصًا (فصدقت)؛ فيه ميل معها، ولكن الله أراد نصر يوسف من حيث أُريد الكيد به، وأظن أن هذا يتناسب مع أحداث الكيد التي وقعت ليوسف في السورة كلها، فقد كان كيد إخوته له سببًا في رفعته وعلو شأنه، وكيد المرأة له كان سببًا في براءة عرضه ونقائه، وكان كيد النسوة -أيضًا- سببًا في ظهوره بعد ذلك؛ ليكون عزيز مصر. وذكر (القُبل) دون (أمام) مثلاً؛ للإشعار بالمقابلة بما تحمله دلالة مادة الكلمة من المقابلة، ولما توحي به مادتها من استحضار موضع الحدث. والتعبي عن حالها صدقًا وكذبًا بالجملة الفعلية (صدقت، كذبت)، وعن حاله بالجملة الاسمية (وهو من الكاذبي، وهو من الصادقي) فيه إشعار بأنه أريد أن أوصافها كانت عارضة في الصدق والكذب، بينما أوصافه هو كانت متأصلة صدقًا أو كذبًا. وذكر الدبر مقابل القبل فيه محسن الطباق؛ لإظهار المخالفة في أجلى صورها، لينعكس معها الاستدلال ويقوى، ولما في ذكر (الدبر) من دلالة الاحتقار وعدم الرغبة. في ذكر الصدق والكذب في هذا الأسلوب التقابلي (صدقت، كذبت)، (من الصادقي، من الكاذبي) ما يشي إلى العناية بأمر هاتي الصفتي في ذلك المقام، لأنه مقام وجود تهمة، ورد لها، فلزم أن أحد الخصمي كاذب، لذا دار الاحتمال بينهما، وتكرر الوصف معهما.
عدد الصفحات ٥٣4 ﱫ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﱪ ربط الكلام بالفاء دون الواو هنا؛ للتدليل على ترتب ما بعدها من الحكم والموقف على ما قبل الفاء من الشهادة التي سمعها العزيز، كما أنها تشي إلى السرعة، وتتناسب مع الاهتمام والترقب الذي يسيطر عليها. مع أن ذلك متاح للجميع، قد ﱫ ﯞ ﯟ ﱪوالتعبي في حق العزيز بالرؤية يُشعر بأن الخرق فيه خفاء يحتاج إلى نظر وقصد، ومَن لرؤيته الأثر في هذا الموقف هو العزيز، لذا عُبرِّ معه بـ(رأى) ليكون هو الحكم، لا أنْ يكون غيه ينقل الخبر إليه، وكما قيل: فليس راءٍ كمن سمع. ﱫ ﯝ ﯞ ﯟﱪ، ﱫ ﮦ ﮧ ﮨ ﱪفي تكرير ذكر القميص ثلاث مرات ﱫ ﯟ ﯠ دليل على العناية بأمر هذا القميص، وإذا جمعنا إلى ذلك ما سبق وصفه في مقامات الابتلاء علمنا شأن هذا القميص الذي تكرر مع يوسف ﯡ ﯢ ﱪ ، وفي ﱫ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥﱪ ، ﱫﭽ ﭾ ﭿ ﱪ هذا القميص من الرمز إلى الستر، والعفة، والنقاء مالا يخفى. مجيء الكلام في رؤية الملك للواقعة أمامه مطابقًا لوصف الشاهد في أحد الاحتمالي، يدل على عناية الله بيوسف، وتهيئة سبل الخلاص له. في ردة فعل العزيز تجاه زوجته التي ثبت عليها الخطأ إظهار لحال ذلك الزوج من الغية والعدل، وفي ذكر ذلك في صورة قول (قال) دون فعل محدد يشي إلى ضعف ، ﱫ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦﯧ ﱪسلطته عليها، أو ضعف غيته، فقد اكتفى معها بالقول: وإمعانًا في حفظ ماء وجهها، وعدم جرح مشاعرها، أو لخوفه منها؛ فقد نسَب الكيد إلى جنس النسوة، لا إليها وحدها، فلم يقل: إنه من كيدكِ، لما في المخاطبة بمثل هذا
عدد الصفحات ٥٤من المجابهة الشديدة المؤذية، وقد يكون هذا من مداراته للأمور، وعدم إرادته فضح الأمر، والاعتراف بالجرم أمام الملأ. وقد أكد حكمه هذا بـ (إنّ)؛ لأن الموقف يستدعي ذلك، وأشار إلى كل ذلك بالضمي في (إنه) دون الإشارة (ذلك) أو غيه؛ لما في الضمي من الإبهام والغيبة التي يسعى في حديثه إليها إبعادًا للتهمة عن بيته. إشعار بأن ما حصل مصدره كيد النساء ﱫ ﯥ ﯦﯧ ﱪوفي مجيء (مِنْ) الجارَّة ومكرهم، أو أنه بعض ذلك الكيد، ولا بأس في نظري أن نأخذ بدلالة التبعيض مع الابتداء. ولأن الحكم الذي أصدره قد يكون مثارًا لسؤال، كيف يكون كل ذلك المكر ﱫ ﯨ والكيد من امرأة، وهي المعروفة بطبيعتها باللطف والنعومة، قال معللاً: أي: لأنَّ كيدكن عظيم، فـ(إنّ) هنا للتعليل مع التأكيد، وتكرير الكيد ﯩ ﯪ ﱪ (كيدكن) للعناية بإبراز شأن كيدهن، وليمكن التوصل بذكره لإجراء وصف العظم عليه (عظيم)، وفي الوصف بالعظم الذي هو في الأصل للمحسوسات؛ تجسيدٌ لشأن الكيد الذي هو مِنْ المعنويات، ليشعر السامع بضخامة ذلك الكيد، لأن تصور الإنسان للحسيات أسرع من المعنويات، وأعمق. وبهذا ينتهي نص الكلام الذي وجهه العزيز لزوجته، حاملاً نوعًا من اللوم المخفف. ﱫ ﯬ متحولاً في مستواه، فيقول: ثم يتوجه العزيز بالخطاب إلى يوسف ، وأول ما يظهر فيه إبراز اسم يوسف في الكلام، وفي ذلك من ﯭ ﯮ ﯯﯰ ﱪ الإشهار ما ليس في خطابه مع امرأته، وإلا لقال: (وأنت أعرض عن هذا).
عدد الصفحات ٥٥6 وفي حذف أداة النداء (يا يوسف) ما يشي إلى رغبته في كتمان الأمر، وعدم إظهاره وإشهاره، وقد يكون الموقف وعظم وقعه عليه ألجأه إلى الإيجاز الذي يصوره حذف الحرف، وفي طلبه من يوسف الإعراض ما يشعر بتوجيه بعض التهمة إليه، أو أنه أراد منه أن يعرض عن ذكر ما حصل، وقد يكون الثاني هو المناسب لسياق الأحداث، باسمه (يوسف) تودد فهو يريد كتم كل ما يتعلق بتلك الواقعة، وفي ذكر يوسف وشهامته، لم يظهر مثله من قبل، وفي ذلك ما يشي إلى استعطافه لرجولة يوسف فلم يقل له: يا بني، أو يا فتاي، لكي لا يشعره بالدونية. ، أي: الأمر بالإعراض عن مشار ﱫ ﯭ ﯮ ﯯﯰ ﱪوفي اختياره لهذا الأسلوب بحسب ما فهم من هذا إليه لم يتم تحديده حنكة منه، فيكون تصرف يوسف القول، فإن فهم التهمة والتهديد له بهذا القول، فذلك ما يريده العزيز، وإن فهم الإعراض عن ذكر الحدث، فهذا كسب له أيضًا. وفي الإشارة (هذا) من احتمال المعنيي مالا يخفى على من تأمله، فإنه يمكن أن يصدق على الحدث، ويمكن أن يراد منه الحديث. وعطف ﱫﯱ ﯲﯳ ﱪوفي توجيه الكلام إليها مرة أخرى بأسلوب مغاير ، ليكون ذلك أخف عليها، ذلك على كلامه مع يوسف؛ ما يشعر بأنه يتهم يوسف خصوصًا أنه ذكر في خطابه هذا ألفاظًا تدل على تفهمه لوضعها، وعرضه الحل لها ، وغاية ما نجد هنا أنه أسند الذنب إليها، ﱫﯱ ﯲﯳ ﱪلتخرج من الأزمة لكنه مسبوق بأمرها بالاستغفار الذي يمكن أن ينجيها من عاقبته. وبعد ما مهد السبيل بلطيف الكلام، ترقى بعد ذلك إلى الوصف الذي لم يحاسبها ، فهنا تعليل ﱫﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﱪ به أولاً، إمّا جُبنًا، وإما حكمة، فقال:
عدد الصفحات ٥٦وتأكيد لما سبق، وإظهار لضمائرها (أنت) والتاء في (كنتِ)، لتحقيق نسبة وصف الخطأ إليها، وتوسيط فعل الكينونة (كنت) للإشعار بعراقة هذا الوصف فيها، والمراد عظم الخطأ الذي اقترفته. يؤكد ذلك على أسلوب ﱫﯶ ﯷ ﱪ ووصفها بالخطأ ضمن مجموعة ، حيث إنها ليست خاطئة فحسب، بل هي )1(الإخبار الكنائي كما يقول ابن عاشور ضمن مجموعة هذه صفتها. والتعبي بـ (خاطئ) لأنه المشعر بالذنب، لأن (خطئ) الثلاثي يعني أذنب، أما (أخطأ) الرباعي فيعني عدم الصواب، والمناسب هنا هو الأول؛ لأن ما حدث ليس مخالفة للصواب، بل هو وقوع في الذنب. .427/1) انظر: التحرير والتنوير1(
عدد الصفحات ٥٧المبحث الثالث
عدد الصفحات ٥٨* المطلب الأول: كيد النسوة ﱫ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃﰄ ﰅ ﰆ ﰇﰈ ﰉ ﰊ ﰋ .ﰌ ﰍﱪ هذا خطاب جماعي لمجموعة نساء، يجمع كل صفاتهن، خطاب جاء في جو المكر والمكيدة، وما تمليه الغية بي النساء من حب نقل الأخبار والتعليق عليها، يقول الطبري -رحمه ا .)1(شأنها وشأن يوسف مكرًا منهن فيما ذكر، لتـريهنّ يوسف .ﱫ ﯺ ﯻ ﱪ القائل هنا مجموعة نسوة ويبدو أنهن قلائل، لأن (نسوة ، وذكر الزمخشري أنهن خمس: امرأة الساقي، والخباز، وصاحب )2(واحد له من لفظة ، والتعبي بجمع القلة (نسوة) يدل على أن )3(الدواب، وصاحب السجن، والحاجب الخبر في أوله كان محصورًا في هذه المجموعة، وهذا ما أغرى امرأة العزيز بتلك الحيلة .121/13) تفسي الطبري1( .264/6) البحر المحيط2( .462/2) انظر: الكشاف3( المبحث الثالث الكيد النسوي
عدد الصفحات ٥٩60 التي تكمم بها أفواه تلك القلة حتى لا ينتشر الخبر الفاضح ومجيء الفعل: (قال) بالتذكي دون (قالت) بالتأنيث لأن هذا مما تجيزه اللغة، .)1(لكون الفاعل جمع تكسي، وما كان كذلك فيصح تأنيث الفعل معه وتذكيه وقد يدل تذكر الفعل (قال) على القلة من حيث إشعار الكلمة بأن القائل واحد، بينما (قالت) يمكن أن تُشعر بأن القائل مجموعة. هذا قيد لكون النسوة في المدينة، فما فائدته؟ﱫ ﯼ ﯽ ﱪقوله تعالى: إما متعلق بالنسوة فيكون صفة ﱫ ﯼ ﯽ ﱪ، و)2(المدينة المقصودة هي م ، وإما متعلق بـ(قال) وهو قول الأكثر، وعلى حسب المتعلق يكون )3(وهو الأظهر المعنى، فكونه صفة يجعل المعنى متعلقًا بعلاقة القائلات بالمدينة، فهن غي عابرات أو غي بدويات والمعنى: نسوة كائنات، أو ساكنات في المدينة، وإذا كان متعلقًا بالفعل ، وهو ما اختاره أبو حيان كما في قوله) 4((قال)، فيكون المعنى على الشيوع ، وهذا لا )5(: أنهم أشاعوا هذا الأمر من حب امرأة العزيز ليوسفﱫ ﯼ ﯽ ﱪ يتناقض مع ما ذكره أبو حيان آنفًا من مدلول القلة في الجمع (نسوة) دون نساء، أو نسوان الذي هو للكثرة؛ ذلك أن المقصود أن الخبر بدأ بهذه المجموعة القليلة المتفرقة لإبراز أن الخبر وإن كان ﱫ ﯼ ﯽ ﱪ في المدينة، وربما يكون التعبي بهذا القيد المتحدث به قليلاً (نسوة)، إلا أنهن كافيات لإشاعته في المدينة كلها، وذلك أن النساء .264/6) انظر: البحر المحيط1( .225/12) انظر ذلك: في روح المعا2( .225/12) انظر ذلك في روح المعا3( .225/12) انظر: روح المعا4( .266/6) البحر المحيط5(
عدد الصفحات ٦٠61 .)1(« يدل على حصر الإشاعة فيها وعدمﱫ ﯼ ﯽ ﱪ ويرى البقاعي أن هذا القيد تجاوزها لها، يقول .)2( أي التي فيها امرأة العزيز ساكنةﱫ ﯼ ﯽ ﱪقال: ويبدو أن هذا لا يخالف ما سبق فإذا أريد الانتشار الذي يشمل أرجاء البلاد فالقيد يحدد، وإذا أريد انتشار الخبر في المدينة ذاتها فالقيد يدل على السعة، وهناك ، وهو كون المتحدثات بالخبر قارات ساكنات في )3(ملمح آخر يتعلق بكون القيد صفة المدينة غي عابرات سبيل، فهن في المدينة حال القول، وهذا أخطر على امرأة العزيز، ، يتعلق بهذا الأمر فيقول: ﱫ ﯼ ﯽ ﱪويلمح الألوسي إلى معنى آخر في هذا القيد « بذلك لأن إغاظة كلامهن بهذا الاعتبار لاتصافهن بما يقوي جانب الصدق أكثر؛ فإن كلام البدويات لبعدهن عن مظان الاجتماع والاطلاع على حقيقة أحوال الحضريات فلا يغيظ تلك الإغاظة، والكثي على اختيار تعلقه )4(القصريات لا يلتفت إلى كلامهن - بقال- ومعنى كون قولهن في المدينة، إشاعته وإنشاؤه فيها، وتعقب بأن ذلك خلاف .)5(الظاهر ﱫ ﯼ وللطاهر بن عاشور رأي يعود فيه إلى دلالة ذيوع الخبر حتى ولو كان القيد .1266/12) التفسي القرآني للقرآن1( .70/10) نظم الدرر2( .480/4) انظر: إعراب القرآن وبيانه3( ) هكذا جاء في النص، لعل الأوضح أن يقال: لا يلتفت إليه4( .225/12) انظر: روح المعا5(
عدد الصفحات ٦١62 صفة لنسوة، والمقصود منﱫ ﯼ ﯽ ﱪ صفة للنساء فيقولﯽ ﱪ .)1(ذكر هذه الصفة أنهن كن متفرقات في ديار المدينة وهذا يجعلنا نتساءل عن سر تعريف المدينة وتنكي نسوة، مع أنهن معلومات كما ذكره الزمخشري وغيه وقد سبق ذلك؟ لعلَّنا نجيب عن ذلك بأن تعريف المدينة يدل على أنها معلومة بالعهد الذهني، فإنها لماذا ذكرت تبادر للأذهان أنها المدينة التي حصل فيها الحدث، فالتعريف بـ(ال) هنا مناسب جدًّا، وهو أولى من التعريف باسمها العلم الذي تعرف به، لأنه لا يتعلق بمعرفته فائدة، وإنما الفائدة الإعلام بكون القول كان في تلك المدينة. بينما (نسوة) جاءت منكرة رغم ما قيل من معرفتهن، لأن هذه المعرفة غي ثابتة وإنما هي من اجتهاد المفسرين، ولو قيل: النسوة لكن معروفات، أو سبق لهن ذكر وذلك لم يكن، فعلم من ذلك أن الغرض لا يتعلق بمعرفة أعيانهن، بل بأعمالهن وأظهر شيء في ذلك إشاعة تلك الواقعة. ﱫ ﯾ ﯿ ﱪ من خلال استعراض أحداث هذه القصة يعرض السياق القرآني لأول مرة علاقة .)2(هذه المرأة بالعزيز، وأنها امرأة ذلك الرجل الذي اشترى يوسف وكان من م ولو تأملنا السياق القرآني الذي حدد هوية هذه المرأة لوجدناها عرّفت من قبل لكننا لم ﱫ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﱪ بالإضافة إلى الضمي في قوله تعالى: ﱫ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ نعرف من هو الرجل، ثم جاء تعريفها بالموصول في قوله تعالى: .259/12) التحرير والتنوير1( .1983/4) انظر: في ظلال القرآن2(
عدد الصفحات ٦٢63 ، وفي ذلك من دلالات اللوم لها والتبرئة لساحة يوسف ما فيه، فهي صاحبةﭕ ﱪ البيت فحقها ألاّ تنظر إلى مثله، لكننا إلى الآن لم نعرف من تكون وما هي منزلتها الاجتماعية، إلا أنها صاحبة ثراء ولا يولد لها لما تدل عليه السياقات السابقة، ثم يأتي ﱫ ﮏ ﮐ ﮑ التعريف الثالث بالإضافة إلى ضمي الغائب (أهلك) في قوله تعالى: ، وهو تعريف من نفسها لنفسها للسر الذي ذكرناه من قبل، ثم يأتي ﮒ ﮓ ﮔ ﱪ التعريف الرابع لها من مثيلاتها الكائدات لها بإضافتها إلى العزيز، الذي هو كبي وزراء .ﱫ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃﰄﱪمصر، كما في قوله تعالى: وتكشفت من جملة هذه الطرق المتنوعة في التعريف أشياء كثية، منها أن العزيز وزوجه لا ينجبان، فليس لديهما ابن يتلهيان به وأنها مع مكانتها ومكانة زوجها هي التي طاردت يوسف وراودته عن نفسه، وأنها صاحبة جمال، لأن من في مثل مكانة العزيز يحرصون على ذلك، فكان هذا الطريق في التعريف - الذي هو: إضافتها إلى العزيز - هو قاصمة الظهر، إذ كشف عوارها، وجلا غامضها، فلم تجد بدًا من الرد، ومقارعة الحيلة بالحيلة. وقد حمل هذا الخطاب الجماعي من النساء الكائدات على إيجازه ألوانًا من المكر، دليل على أن جل مكرهن قد أفصح عنه خطابهن ﱫ ﭑ ﭒ ﭓ ﱪوفي قوله تعالى: الذي صدر عنهن، وسنفصل ألوان هذا المكر من خلال بيان مدلول مفردات ذلك الخطاب. فمن ذلك التعريف بإضافة المرأة إلى زوجها بل إلى ما يبرز مكانته واسم وظيفته ، يقول أبو حيان عن مدلول )1(الرفيعة، وقد قيل إن العزيز هو الملك في كلام العرب .115/13) انظر: تفسي الطبري1(
عدد الصفحات ٦٣64 هذه الإضافة ، وذكر ابن القيم - رحمه الله - صورًا من جملة )1(لسماع ذوي الأخطار وما يجري لهم ، ولم يسموها باسمها، بل ﱫ ﯾ ﯿ ﰀ ﱪألوان كيدهن فقال ذكروها بالوصف الذي ينادي بقبيح فعلها بكونها ذات بعل، فصدور الفاحشة من ذات الزوج أقبح من صدورها ممن لا زوج لها، الثاني: أن زوجها عزيز مصر ورئيسها .)2(وكبيها، وذلك أقبح لوقوع الفاحشة منها وقد يكون في إضافتها إلى زوجها العزيز، وتعريفها بذلك زيادة إشاعة للخبر، ، وفي هذا إبراز لحرص هذا )3(وهو من مستلزمات عناية الناس بأخبار ذوي المكانة النوع من النساء على الخطاب الفاضح، الذي غرضه إظهار العورات وإلصاق التهم، بينما نجد لونًا آخر من الخطاب يتعلق بهذه القصة ورد في أول القصة، كما في قوله ، فقد ﱫ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﱪ تعالى: العزيز .)4(المعنى بعبارة مهذبة أغنت عن ذكر القبيح ولعلنا نتساءل أيضًا عن سر ذكر (امرأة) دون (زوجة)، وهل من فارق بينهما، ولم يقل امرأتك؟ ولا ﱫ ﭳ ﭴ ﭵ ﱪلأن الله عز وجل قال في مقام آخر: أهلك؟ كنت قد عرضت هذا السؤال وتركت الإجابة عليه إلى حي، وخلال البحث .266/6) البحر المحيط1( .470/2) بدائع التفسي2( .70/10) انظر: نظم الدرر3( .75/1) بدائع النظم القرآ4(
عدد الصفحات ٦٤6 وجدت أن ابن القيم -رحمه الله - قد اعتنى بالتفرقة بي اللفظي، وتوصل إلى أنه وقع .)1(الإخبار في القرآن عن أهل الإيمان بلفظ الزوج، وعن أهل الشرك بلفظ المرأة وقد أورد في تعليل ذلك، أن التزويج حلية شرعية، وهو من الدين، لذا جردت ، ﱫ ﭳ ﭴ ﭵﱪ في قوله تعالى: الكافرة منه، وأما ما جاء عن زكريا وهما مؤمنتان فلأن السياق ﱫ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﱪ في قوله تعالى: وعن إبراهيم الذي جاءت فيه اللفظة هو سياق ذكر الحمل والولادة، وذكر المرأة أولى به من الزوجة، .)2(لأن صفة الأنوثة هي المقتضية لذلك، وهي في المرأة أظهر منها في الزوجة ومع وجاهة هذا التعليل، إلا أن ابن القيم، يرى أن السر هو شيء فوق هذا، ومعاده إلى مدلول كل لفظ، فلفظ (الزوج) يدل على التشابه والتشاكل والتساوي والتقارب، وهذا قد مر ذكره في القرآن بغض النظر عن كون الموصوف به مؤمنًا أو كافرًا، المسلمة امرأة الكافر، وعلى الكافرة امرأة المؤمن، لفظ (المرأة)، دون لفظ (الزوجة) .)3(تحقيقًا لهذا المعنى والله أعلم ويبدو أن الدكتور المطعني، سار في هذا المضمار من حيث الإلماح إلى قضية ﱫ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﱪ) وأورد آيات كثية على ذلك، فمما يخص المؤمني قوله تعالى: 1( ﱫ ﯘ ﯙ ]56[ ﱫﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟﱪ ] 35[ ﱫ ﮚ] 6[ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ ﯟﯠ ﱪ ]10[ ﱫ ﮔ ﮕ ﮖ ﱪ]4[ ﮛ ﮜﱪ ، وقد نسب هذا القول للسهيلي، وقد بحثت عنه فلم أهتد 132،131) انظر: التفسي القيم2( إليه عنده .133،132) التفسي القيم3(
عدد الصفحات ٦٥66 التشاكل والتجانس والاقتران، لكنه فصّل فيما يعيق هذا التواصل، من الكفر، والعقم وما شابه ذلك، لذا فهو يرى بعد البحث أن كلمة امرأة يستعملها القرآن التي تفقد فيها الحياة الزوجية بعض مقوماتها، سواء أكان ذلك من جانب الرجل أم .)1(من جانب المرأة، ويؤثر كلمة (الزوج) متى استقامت تلك الحياة وفيما يخص امرأة العزيز، فيبدو أن السبب في إيثار لفظة امرأة على زوجة هو فقد ، وقد يكون من أظهر ما يؤيد ذلك ما )2(الحياة الزوجية بعض مقوماتها بسبب العقم ﱫ ﭳ ﭴ ، فقد كان يقول وقت وجود مانع الولد (العقم) يخص زكريا ، ولما رزقه الله الولد، وأصبحت زوجته صالحة للإنجاب قال تعالى: ]5[ ﭵﱪ .]90[ )3(ﱫ ﯢ ﯣ ﯤﯥ ﱪ ولكن السؤال ما يزال قائماً عن مناسبة هذا اللفظ في هذا الخطاب النسائي الذي له هدف محدد، هل يعني ما أشار إليه الدكتور المطعني أن هؤلاء النسوة قصدن الإشارة إلى انفصام عرى الزوجية، وضعف العلاقة بي العزيز وزوجه، قد يكون ذلك، أم أنهن حكي الواقعة -كما أشار إليه الدكتور المطعني- من وجود العقم الذي لا تتم معه الحياة الزوجية كما ينبغي، والذي يظهر أن السياق يشعر بقصدهن تلمس كل ما من شأنه ذم هذه المرأة، والعيب عليها في تصرفها المشي مع يوسف، فكأنهن باختيار كلمة (امرأة) دون (زوج)، أو (أهلك) يشرن إلى التباين بينها وبي العزيز، وهذا يغلب في بيئات الترف والقصور، وهذا قدح آخر في حقها، وإن كان في صورته يمكن أن يكون عذرًا، لكن السياق كما ذكرنا ليس سياق إعذار بل هو سياق إشهار. .291/1) خصائص التعبي القرآني وسماته البلاغية1( .294/1) انظر: خصائص التعبي القرآني وسماته البلاغية2( .295/1) انظر: خصائص التعبي القرآني وسماته البلاغية3(
عدد الصفحات ٦٦