المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

محاسن شريعة الرحمن وفساد شريعة الشيطان

حسن التمام

صفحة ٩ من ٢٨

129 المقدمة السابعة عشرة: معنى الاستحلال وحكمه وصوره 1 - الاستحلال: في الشرع هو جعل ما حَرَّمه الله حلالاً، بصفة خاصة أو عامة. 2 - وحكمُه أنه كفر أكبر: ويدل عليه (أ) من كتاب الله: قوله تعالى: {نسيء زيا دة في الكفر يُضل به الذين كفروا، يحلونه عاماً ويحر مونه عاماً ليواطئوا عدّة ما حرّم الله، فيُحلوا ما حَرّم الله، زين لهم سوء أعمالهم، والله لا يهدي القوم الكافرين 37، فبينّ سبحانه أن تحليل ما حَرّم الله زيادة في الكفر، والزيادة في الكفر كفر، وسيأتي شرح هذه الآية في المسألة السادسة إن شاء الله. (ب) إجماع الصحابة: في حادثة قدامة بن مظعون لما شرب الخمر ظناً منه أنها تحل له متأولاً قوله تعاليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا93، فبينّ له عمر خطأه فيما تأوله، واتفق هو والصحابة على أنه إذا أقرّ قدامة بتحريم الخمر جُلد الحدّ، وإن أصر على استحلالها قُتل مرتداً، فرجع عن قوله، وحديثه رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح كما قال ابن حجر في (فتح الباري) 13/ 141. وقد ذكرت حديث قدامة في أكثر من موضع بمبحث الاعتق اد وذكرت مواضعه بكتب العلم هناك. وهذان الدليلان يبينان أنه سواء كان الاستحلال بصفة خاصة أو عامة،

عدد الصفحات ١٢٩

130 فإنه كُفْر، ومعنى بصفة خاصة أي: أن يستحل الشخص الحرام في خاصة نفسه لا يلزم به غيره كما صنع قدامة، ومعنى بصفة عامة أي: أن يجعل الشخص الحرامَ حلالاً على سبيل التشريع لغيره كما في النسيء، وهذا هو معنى عبارة (بصفة خاصة أو عامة) الواردة في تعريف الاست حلال، ومنه تعلم أنه لا يشترط في الاستحلال أن يكون تشريعا عاماً حتى يصير مكفراً. 3 - ويُعرف الاستحلال: بالتعبير عن ذلك- أي: عن أن الحرام حلال -: (أ) بالنطق: كما في النسي ء المذكور في الآية، وكان فاعله ينادي في الناس في موسم الحج - بالجاهلية قبل الإسلام - أنه جعل شهر المحرم من العام القابل حلالاً وحرَّم شهر صفر بدلاً منه، وكما في قول قدامة إن الخمر ليست محرمة عليه. (ب) بالكتابة: وذلك لأن الكتابة تحل محل النطق في مواضع كثيرة ، ومن هنا كانت القاعدة ال فقهية (الكتاب كالخِطاب)، انظر (شرح القواعد الفقهية) للشيخ أحمد الزرقا، ص 285، ط دار الغرب الإسلامي 1403 ه ، وانظر (المغني مع الشرح الكب 11/ 326 - 327. 4 - ومن صور الاستحلال (أ) بالنطق: القسم الذي يُقسمه رؤساء الدول وغيرهم على الالتزام بالدستور والقانون الوضعيين، وهما من الشرائ ع الباطلة المحرمة، فإنه يُقسم على وجو ب العمل بالحرام ويوجبه على غيره. (ب) وبالكتابة: ما تنص عليه هذه الدساتير والقوانين من إباحة المحرمات القطعية كالربا والزنا والخمر والميسر والتبرج والفنون الماجنة وإباحة دم المسلم

عدد الصفحات ١٣٠

131 وماله بغير حق،وتتخذ هذه الإباحة صوراً متعددة: * منها النص على وجوب العمل بالح رام: كما تنص الدساتير على أن (الحكم في المحاكم بالقانون) والقانون باطل وحرام وكفر، وهم يوجبون العمل به، والإيجاب درجة أعلى من الإباحة والاستحلال، فإن المباح لك أن تفعله أو لا تفعله، أما الواجب ففيه إلزام وفي تركه عقوبة ، ولهذا فهم يعاقبون من يخالف قوانينهم الباطلة. * ومنها النص على إباحة دم المسلم بغير حق شرعي، فقوانينهم تبيح بل توجب قتل المسلم إذا خرج على الحاكم الكافر وسعى في خلعه، وتعتبر هذا المسلم مجرماً في حين أنه مجاهد في سبيل الله يؤدي واجباً شرعياً. * ومنها منح التراخيص التجارية لمزاولة المحرمات، كا لترخيص للبنوك بمزاولة الربا، والترخيص بفتح المراقص وصالات القمار (الميسر) والخمارات وبيوت الدعارة في بعض البلدان، والترخيص والرخصة هي الإذن في الشيء، والإذن إباحة كما ذك ره ابن منظور في (لسان الع رب)، ومن أباح الحرام المج مع على تحريُه كفر بالإجماع كما قال اب ن تيمية في (مجموع الفتاوى) 3/ 267. ويلاحظ أن بعض الدول التي تدّعي أنها إسلامية تحكم بالكتاب والسنة وتطبق بعض الحدود الشرعية تمنح التراخيص للبنوك الربوبية لمزاولة نشاطها في تلك الدول وهذا يكفي وح ده لتكفير مثل هذه الدول لأن هذا الترخيص إباحة وإجازة واستحلال للربا المجمع على تحريُه. * ومنها النص على إباحة الحرام بإطلاق، كإباحة الردّة بالنص في الدساتير على أن (حرية الاعتقاد مكفولة).

عدد الصفحات ١٣١

132 * ومنها السكوت عن تجريم الفعل ومعاقبة فاعله، بما يعني أنه مباح في قو انينهم، فتنص دساتيرهم على أنه (لا جريُة ولا عقوبة إلا بقانون)، وقال أحد القانونيين (الأمر الذي لا يعده القانون جريُة فهو مباح بصفة أصلية من الناحية الجنائية، بصرف النظر عن الظروف التي وقع فيها، بحيث لا يكون على القاضي لكي يحكم بالتبرئة إلا أن يتحقق من عدم النص على تجريم الواقعة المسندة) أه من كتاب (شرح قانون العقوبا ت - القسم العام) للدكتور محمود محمود مصطفي، ص 146، ط جامعة القاهرة، ط 10، 1983 م ومن هذا الباب تعتبر الردّة مباحة لأنها لا يعاقب عليها القانون الوضعي فلو أن رجلا سبّ الله ورسوله لا ي ُعَاقب في حين أنه لو سبّ ملك البلاد لعوقب بتهمة العيب في الذات الملكية، إذ تنص دساتير الدول الملكية على أن ذات الملك مصونة لا تمس!، ومن هذا الباب أيضا يعتبر الزنا بالتراضي مباحا وكذلك شرب الخمر ولعب الميسر في أماكن معينة، وكذلك يُباح التبرج و الاختلاط والفنون الماجنة وغيرها من المحرمات. فهذه كلها من صور الإباحة والاستحلال المكفِّ ر الذي تشتمل عليه الدساتير والقوانين الوضعية. 5 - لا أثر لنوع الكفر المقارن للاستحلال في تكفير المستحل: وبيان ذلك أنني قد نبّهت في أكثر من موضع بمبحث الاعتقاد على الفرق بين أسباب الكفر وأنواعه، وأن الأحكام الدنيوية متر تبة على الأسباب من الأقوال والأفعال الظاهرة لا على الأنواع والبواعث الباطنة، وهذا سارٍ هنا فكل من

عدد الصفحات ١٣٢

133 جعل الحرام حلالاً بنطقه أو بكتابته مع علمه بتحريُه فهو كافر، وقد ذكرت صور الاستحلال بالكتابة من قبل، أما الباعث له على ذلك: فقد يكون تكذيبا بحكم الله، وقد يكو ن معاندة لحكم الله مع الإقرار به وهذا هو حال الحاكمين بالقوانين الوضعية والذين يوجبون العمل بها، فكثير منهم يُقر بأن هذه الأشياء حرام ولكنه يبيحها بعلل شتى فهذه معاندة لحكم الله واستخفاف به، فلا يشترط للتكفير بالاستحلال أن يقارنه ا نكار وتكذيب بحكم الله بل قد يستحلها وهو مقر بحكم الله معاندةً واستخفافاً، وقد بينّ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هذا الأمر بقوله: (وبيان هذا أن من فعل المحارم مستحلا لها فهو كافر بالاتفاق، فإنه ما آمن بالقرآن من استحل محارمه، وكذ لك لو استحلها من غير فعل، والاستحلال اعتقاد أن الله لم يحرمها، وتارة بعدم اعتقاد أن الله حرمها، وهذا يكون لخلل في الإيُان بالربوبية، ولخلل في الإيُان بالرسالة، ويكون جَحْداً محضا غير مبني على مقدمة، وتارة يعلم أن الله حرمها، ويعلم أن الرسول إنما حرم ما حرم ه الله، ثم يُتنع عن التزا م هذا التحريم، ويعاند المحرم، فهذا أشد كفراً ممن قبله، وقد يكو ن هذا مع علمه أن من لم يلتزم هذا التحريم عاقبه الله وعذبه، ثم إن هذا الامتناع والإباء إما لخلل في اعتقاد حكمة الآمر وقُدْرته فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته، وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمرداً أو اتباعاً لغرض النفس، وحقيقته كفر، هذا لأنه يعتر ف لله ورسوله بكل ما أخبر به ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون، لكنه يكره ذلك ويبغضه ويسخطه لعدم موافقته لمراده ومشتهاه، ويقول: أنا لا أقر

عدد الصفحات ١٣٣

134 بذلك، ولا ألتزمه، وأبغض هذا الحق وأ نفر عنه، فهذا نوع غير ال نوع الأول، وتكفير هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، والقرآن مم لوءٌ من تكفير مثل هذا النوع، بل عقوبته أشد) (الصارم المسلول) ص 521 - 522. والمذكور في كلام شيخ الإسلام هو بيان لأنواع الكفر المقارنة للاستحلال، فقد يقارنه تكذيب قلبي ول ساني بالتحريم (فهو كفر ت كذيب)، وقد يقارنه تصديق قلبي وتكذيب لساني بالتحريم (فهو كفر جحود)، وقد يقارنه تصديق قلبي وإقرار لساني بالتحريم مع امتناع عن التزامه والقول بّلافه (فهو كفر عناد) وهو أشدها كفراً وهو حال كثير من الحاكمين بالقوانين الوضعية والموجبين له ا. وهذه الأنواع لا أثر له ا في الحكم الدنيوي بتكفير المستحل الذي جعل الحرام حلالاً بقوله أو بكتابه، فيقول عن الحرام إنه واجب أو جائز أو مباح أو حلال أو لا عقوبة على فاعله. وبهذا أختم الكلام في المقدمات المذكورة في المسألة الخامسة وبالله تعالى التوفيق.

عدد الصفحات ١٣٤

135 المسألة السادسة: سرد الأدلة النصية الدالة على كفر الحكام بغير ما أنزل الله (تمهيد: في وج وب معرفة الواقع محل الفتوى) قال ابن القيم رحمه الله (ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم: أحدها: ف َهْم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن و الأمارات والعلامات حتى يحيط به علماً. والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهمُ حكم الله الذي حَكَم به في كتابه أو على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الواقع ثم يطبق أحدهما على الآخر. فمن بَذَل جهده واستفرغ وُسْعه في ذلك لم ي َعْدم أجرين أو أجر اً، فالعالم مَنْ يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله) (اعلام الموقعين) 1/ 87 - 88. وبالمثل لما سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن التتار وحكم قتالهم، أجاب بقوله (الحمد لله رب العالمين، نعم يجب قتال هؤلاء بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - واتفاق أئمة المسلمين، وهذا مبني على أصلين: أحدهما: المعرفة بحالهم، والثاني: معرفة حكم الله في مثلهم) (مجموع الفتاوى) 28/ 510.

عدد الصفحات ١٣٥

136 والمستفاد من كلام شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أنه لا يتمكن المفتي من إصابة الفتوى في مسألةٍ ما حتى يعرف حقيق ة حالها، ليتمكن بذلك من تعيين ما يجب من حكم الله فيها، وعلى هذا فلا تصح الفتوى مع عدم الفقه في الواقع. وبناءًا على ذلك فإنه قبل الفتوى في شأن الحكام الحاكمين بالقوانين الوضعية يجب معرفة حالهم على التفصيل، وقد سبق في المسائل من الأولى إلى الرابعة بيان كيف ح لّت هذه القوانين محل أحكام الشريعة وبيان تعلق هذا الأمر بتوحيد الله تعالى كما سبق وصف موجز لآثار الحكم بهذه القوانين. أما في هذه المسألة فإنه ينبغي التنبيه على أن الحكم بالقوانين الوضعية ينطوي على ثلاثة مناطات مكفِّرة، كل منها مكفر بذاته، وقد تجتمع في حق بعض الأفراد ، وقد تنفرد في حق البعض الآخر، وهذه المناطات المكفرة هي: 1 - ترك الحكم بما أنزل الله: لأن الحكم بالقوانين الوضعية في مسألة ما يلازمه ترك الحكم بما أنزل الله فيها، فما من مسألة إلا ولله تعالى حكمٌ فيها كما سبق بيانه في المسألة الثالثة. 2 - اختراع شرع مخالف لشرع الله: وهي القوانين الوضعية نفسها. 3 - الحكم بغير ما أنزل ا : أي: الحكم بهذا الشرع المخالف لشرع الله. وكل واحد من هذه الثلاثة مناط مكفر بذاته وسنقيم الأدلة على ذلك فيما يأتي إن شاء الله، ويختلف نصيب القائمين على الحكم بالقوانين من هذه

عدد الصفحات ١٣٦

137 المناطات، ففي حين تجتمع الثلاثة في حق بعضهم، فإنها تنفرد أو تتبعض في حق البعض الآخر، وهذا بيانه: 1 - فرئيس الدولة، وهو رأس السلطة التنفيذية: تجتمع في حقه المناطات الثلاثة، إذا إنه الآمر الملزِم بها جميعا، كما أنه يصدِّق على قرارات السلطة التشريع ية لإجازة العمل بها في الدولة. (المناط الثاني)، كما يصدّق أحيانا على أحكام المحاكم لتنفذ (المناط الأول والثالث). 2 - وكذلك البرلمان أو مجلس الشعب، وهو السلطة التشريعية: تجتمع حقه المناطات الثلاثة، فهو الذي يشرع ما يستجد من قوانين (المناط الثاني)، كما أنه مسئول عن إجازة السياسة العامة للدولة والتي منها الحكم بغير ما أنزل الله (المناطان الأول و الثالث). ويلحق بمجلس الشعب في المناط الثاني (التشريع): اللجان الفنية المتخصصة بما يُسمى بوزارة العدل فهي التي تضع القوانين حقيقةً، وينحصر دور مجلس الشعب في مناقشتها وإجازتها، ويلحق بمجلس الشعب كل من له سلطة إصدار قرارات بقوانين في الدولة. 3 - أما القضاة ومن في حكمهم: فهؤلاء يجتمع في حقهم المناطان الأول والثالث، وهما ترك حكم الله والحكم بغيره، فإذا حكم بسجن السارق: فقد ترك حكم الله بقطع يده، وحكم بغير ما أنزل الله بسجنه، وهكذ ا في سائر الأقضية، ولا شأن للقضاة غالبا بالمناط الثاني وهو التشريع وإنما هو يحكمون بما شرعه غيرهم، إلا في البلاد التي تعتبر السوابق القضائية أحكاماً تحتذي

عدد الصفحات ١٣٧

138 فهنا تتخذ أحكام بعض القضاة صفة التشريع هذا ما يتعلق بيان الواقع في البلاد المحكومة بالقوانين الوضعية، ويبقى بعد ذلك بيان الواجب في الواقع، أي بيان حكم الله في هذا الواقع، أو بمعنى آخر إقامة الأدلة على أن هذه المناطات الثلاثة مكفرة، فيكفر كل من قام به مناط منها. أولا: المناط المكفر الأول (وهو ترك الحكم بما أنزل الله): والدليل على أنه مكفِّر: قوله تعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون 44، فرتب سبحانه الحكم بالكفر عل ى مجرد ترك الحكم بما أنزل الله لا على الحكم بغيره، والنص عام والكفر فيه معرّف بأل فهو الكفر الأكبر، وعلى هذا فإن كل من ترك الحكم بما أنزل الله في قضية من الأقضية فهو كافر، سواء كان قاضيا شر عيا أو قاضيا غير شرعي، ولا يخرج من هذا الحكم إلا المجتهد المخطئ، ونظراً للخلاف الوارد في تفسير هذه الآية، ونظراً للجدل القائم حولها من بعض المعاصرين فسوف أفردها بشيء من التفصيل بعد سرد الأدلة على أن هذه المناطات الثلاثة مكفرة إن شاء الله. ثانيا: المناط المكفر الثاني (تشريع ما لم يأذن به الله): أي تشريع ما يخالف شرع الله، وإذ قد تبينّ لك مما ذكرته في المسألة الثانية بهذا الموضوع أن التشريع للخلق من أفعال الله تعالى التي لا يصح التوحيد إلا بإفراده بها كما قال تعاإن الحكم إ40، وقال تعاولا يُشرك في حكمه أحداً26، فبناءً على ذلك يكون

عدد الصفحات ١٣٨

139 من شرع للناس م ن دون الله قد جعل نفسه شريكا لله في ربوبيته وألوهيته، ويكون قد نصب نفسه رَبّاً للناس وكَفَر بذلك، وبهذه الأوصاف كلها وصفه الله تعالى كما يدل عليه: 1 - قولهتعاأم لهم شرك اء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به ا الشورى: 21، فثبت بهذا النص أن من شرع للناس ما لم يأذن به الله فقد جعل نفسه شريكا لله في ربوبيته، ومن أطاعه في ذلك واتبع التشريع المخالف فقد أشرك بالله. وقوله تعامن الدين) أي: من الطريقة المتبعة والتشريع الم عمول به والنظام السائد كما بيّنته في معاني (الدين) في المقدمة الأولى بالمسألة الخامسة، و سواء كانت (من) في قوله (مِن الدين) تبعيضية، أي: شرعوا لهم بعض الدين أي: بعض التشريع المخالف، أو كانت بيانية، أي: شرعوا لهم دينا من الأديان الباطلة، فالأمر سواء. وفي تفسير هذه الآية قال ابن كثير رحمه الله: (وقوله جل وع يأذن به ا أي: هم لا يتبعون ما شرع الله لك من الدين القويم، بل يتبعون ما شرع لهم شياطينهم من الجن والإنس من تحريم ما حرّموا عليهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وتحليل أكل الميتة والدم والقمار إلى نحو ذلك من الضلالات والجهالة الباطلة التي كانوا قد اخترعوها في جاهليتهم من التحليل والتحريم والعبادات الباطلة والأموال الفاسدة) (تفسير ابن كثير) 4/ 111. وقال ابن تيمية رحمه ا

عدد الصفحات ١٣٩

140 (قال تعامن الدين مالم يأذن به ا 21، فمن ندب إلى شيء ي ُت َقَرَّب به إلى الله، أو أوجبه بقوله أو فعله من غير أن يشرعه الله: فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكا لله، شرع له من الدين ما لم يأذن به الله) (اقتضاء الصراط المستق يم) ص 267، ط المد. 2 - وقولهتعاولا يُشرك في حكمه أحداً } الكهف26. ويقال فيها ما قيل في الآية السابقة، أن من شرع للناس ما لم يأذن به الله فقد شارك الله في تشريع الأحكام لخلقه وجعل نفسه شريكا لله، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، والله تعالى قد أمر أمراً شرعيا بألا يشاركه أحد في الحكم والتشريع الذي أفرد نفسه به كما قال جل شأنه إ يوسف 40، وقال26، وسيأتي مزيد بيان من تفسير الشنقيطي لهذه الآية بالمسألة الثامنة إن شاء الله. 3 - وقولهتعاوكذلك زيَّن لكثير من المشر كين ق َتْل أولادِهم شركاؤهم } الأنعام137. وردت هذه الآية في سياق قوله تعاوجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا - إلى قوله - قد خَسِرَ الذين قتلوا أولادَهم سفهاً بغير علمٍ وحرّموا ما رزقهم الله افتر اءً على الله، قد ضلوا وما كانوا مهتدين 136 - 140، وقال ابن عباس رضي ا عنهما: إذا سرَّك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام- إلى قوله – وما كانوا مهتدين

عدد الصفحات ١٤٠

141 رواه البخاري ويعني ابن عباس رضي الله عنهما ما كان عليه العرب في الجاهلية من الجهل والشرك بالله ، وذلك أن شركاءهم من شياطين الإن س والجن كانوا قد حللوا لهم وحرّموا عليهم ما لم يأذن به الله ومن ذلك ما كانوا عليه من قتل الأولاد خشية الإملاق ووأد البنات خشية العار. انظر (تفسير ابن كثير) 2/ 179 - 181. وأول من شر ع لهم هذه الشرائع الباطلة هو عمرو بن لحُي الخزاعي كما يأتي في شرح الدليل الت الي إن شاء الله، والذي نستشهد به من هذه النصوص في هذا المقام هو قوله تعاشركاؤهم } فوصف الله تعالى من شرع للناس ما لم يأذن به الله بأنه شريك لله، كما في آيتي الش ورى والك هف السابقتين، ومن جعل نفسه شريكا لله في تشريع ما لم يأذن به الله فقد كَفَر كما يدل عليه: 4 - قولهتعاما جَعَل الله من بحَيرة ٍولا سائبة ولا وصيلة ولا حام، ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون} المائدة 103. قال ابن كثير رحمه ا : (قال البخاري حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، ع ن سعيد بن المسيب، قال: البَحِيرة: التي يُُنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة: كانوا يسيّبونها لآلهتهم لا يحُمل عليها شيء، قال: وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله

عدد الصفحات ١٤١

142 عليه وسلم "رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قَصْبَهُ في النار كان أوّل من سيّب السوائب"، والوصيلة: الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل ثم تثنيّ بعد بأنثى وكانوا يسيّبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذَكَر، والحام: فحل الإبل يضرب الضر اب المعدود فإذا قضى ضرابه وَدَعُوه للطواغيت وأعفوه عن الحمل فلم يحُمل عليه شيء وسمّو ه الحامي. أه ، وكذا رواه مسلم والنسائي - إلى أن قال ابن كثير - فعمرو هذا هو ابن لحَُيّ بن قمعة أحد رؤساء خزاعة الذين ولوا البيت بعد جُرْهُم، وكان أول من غيرَّ دين إبرا هيم الخليل، فأدخل الأصنام إلى الحجاز ودَعَا الرعاع من الناس إلى عبادتها والتقرّب بها، وشر ع لهم هذه الشرائع الجاهلية في الأنعام وغيرها كما ذكره الله تعالى في سورة الأنعام عند قوله تعاوجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباًلك - إلى أن قال ابن كثير - وقوله تعاولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلو ن افتروا ذلك وجعلوه شرعاً لهم وقربة يتقربون بها إليه وليس ذلك بحاصل لهم بل هو وبالٌ عليهم) (تفسير ا بن كث ير) 2/ 107 - 108. والذي نستشهد به من هذا النص هو حكم الله تعالى على من شرع للناس الشرائع ال باطلة بأنه كافر يفتري الكذب الله الكذب 5 - قولهتعاإنما النسيء زيادة في الكفر يُضَل به الذين كف روا، يحُلّونه عاماً ويحر مونه عاما ليواطئوا عِدّة ما حرّم الله، فيُحلوا ما حرّم الله، زُيِّ ن لهم

عدد الصفحات ١٤٢

143 سوء أعمالهم، والله لا يهدي القوم الكافرين 37. والنسيء تشريع مخالف لشريعة الله في الأشهر الحُرُم- وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم - وقد حرّم الله القتال في هذه الأشهر، فكانوا في الجاهلية إذا أرادوا القتال في شهر منها جعلوه حلالاً وحرموا بدلاً منه شهراً آخر من أشهر الحِلّ ليواطئوا عدة ما حرم الله، أي: ليوافقوا العدد الذي حرّمه الله، فبينّ الله تعالى أن هذا التشريع المخالف لشرعه هو زيادة في الكفر، و الزيادة في الكفر كفر، وبهذا يكون من شرع ما يخالف شرع الله كافراً، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: (هذا مما ذم الله تعالى به المشركين من تصرّفهم في شرع الله بآرائهم الفاسدة وتغييرهم أحكام الله بأهوائهم الباردة، وتحليلهم ما حرّم الله وتحريُهم ما أحَلّ الله - إلى قوله - فكانوا قد أحدثوا قبل الإسلام بمدة تحليل المحرّم فأخّروه إلى صفر، فيُحلون الشهر الحرام ويحرّمون الشهر الحلال، ليواطئوا عدة ما حرّم الله الأشهر الأربعة) (تفسير ابن كثير) 2/ 356. وقال الاستاذ أبو منصور البغدادي في كتابه (الفَرْق بين الفِرَق في وصفه للفِرَق الخارجة عن الملة الإسلامية، قال: (أو أباح ما نصّ القرآن على تحريُه، أو حَرّم ما أباحه القرآن نصاً لا يحتمل التأويل، فليس هو من أمة الإسلام ولا كرامة) (الفرق بين الفرق) ص 14، ط مؤسسة الحلبي. وقد تبين لك في المسألة الرابعة وفي المقدمة السابع ة عشرة بالمسألة الخامسة ما اشتملت عليه القوانين الوضعية من إباحة المحرمات القطعية كالربا والزنا

عدد الصفحات ١٤٣

144 بالتراضي والخمر والميسر في أماكن معينة مرخّص فيها بذلك، هذا فضلا عن إباحة الردّة والكفر بالله بعدم تجريم الردة وعدم معاقبة المرتد، فمن وضع ذلك أو أجاز العمل به فليس من أمة الإسلام ولا كرامة، فكيف بمن يوجبون الحكم بهذه القوانين؟ 6 - وقولهتعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم، وما أمِروا إلا ليعبدوا إلها واحداً، لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون التوبة 31. قال ابن كثير رحمه الله (وقول ه {تخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون ا والمسيح ابن مرر من طرق عن عَدِيّ بن حاتم رضي الله عنه أنه لما بلغته دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ف َرَّ إلى الشام، وكان قد تنصَّر في الجاهلية، فأُسِرَت أختُه وجماعة من قو مه، ثم مَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أخته وأعطاها فرجعت إلى أخيها ف َرَغَّبته في الإسلام وفي القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقدّم عدي إلى المدينة وكان رئيساً في قومه طِيء، وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم، فتحدث الناس بقدومه، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عُنُق عدي صليب من فضة وهو يقرأ هذه الآية أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ا صلى الله عليه وسلم: "بلى، إنهم حرّموا عليهم الحلال وأحَلّوا لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم" - الحديث، إلى أن قال ابن كثير - وهكذا قال حذيفة ابن اليمان وعبد الله بن عباس وغيرهما في تفس

عدد الصفحات ١٤٤