113 والمعرفة في إفادة كمال المعنى. انظر (الإيضاح في علوم البلاغة) للخطيب القزويني، ط دار الكتب العلمية 1405 ه ، ص101، وانظر (الصلاة لابن القيم، ط دار الكتب العلمية، ص 18. وعلى هذا فقولك (فلان الكافر) هو إخبار عنه وحكم عليه بأنه كاف ر كفراً أكبر، لكون الخبر عنه جاء معرفاً بأل الدالة على حصول كمال الكفر فيه، والدالة على بلوغه الغاية في الكفر، وكذلك في قوله تعافأولئك هم الكافرون) هو إخبار عن أولئك بأنهم قد بلغوا الغاية في الكفر، وهذا هو الكفر الأكبر. وفي تقرير هذه المقدمة: * قال ابن تيمية رحمه الله (وف َرْقٌ بين الكفر المعرف باللام كما في قوله صلى الله عليه وسلم "ليس بين العبد وبين الكفر أو الشرك إلا ترك الصلاة" وبين كُفر منكر في الاثبات) (اقتضاء الصراط المستقيم) ص 69. * ومن فتاوى اللجنة الدائمة بالسعودية، (ورد في جواب الفتو ى (5226 ) (أما نوع التكفير في قوله تعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون وعبد الرزاق عفيفي، وعبد العزيز بن باز، (فتا وى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء) جمع الدويش، 2/ 93.
عدد الصفحات ١١٣114 المقدمة الثالثة عشرة: وجوب حمل معنى اللفظ على معهود استعمال الشارع وفي بيان هذه القاعدة: قال ابن تيمية رحمه الله: (إن اللفظ إذا تكرر ذكره في الكتاب، ودار مرة بعد مرة على وجه واحد، وكان المراد ب ه غير مفهومه ومقتضاه عند الإطلاق ولم ي ُب َينَّ ذلك، كان تدليسا وتلبيسا يجب أن يُصان كلام الله عنه، الذي أخبر أنه شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين، وأنه بيان للناس، وأخبر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بلّغه البلاغ المبين، وأنه بينَّ للناس ما نزل إليه م) (مجموع الفتاوى) 6/ 471. وقال ابن تيمية أيضاً (واللفظ إنمايدل إذا عُرِفَ لغة المتكلم التي بها يتكلم وهي عادته وعُرفه التي يعتادها في خطابه - إلى قوله - ولهذا ينبغي أن يُقصد إذا ذُكِرَ لفظ من القرآن والحديث أن يُذكر نظائر ذلك اللفظ، ماذا عنى بها الله ورس وله، فيعرف بذلك لغة القرآن والحديث وسنة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - التي يخاطب بها عباده، وهي العادة المعروفة من كلامه) (مجموع الفتاوى) 7/ 115. وقال ابن القيم رحمه ا : (اللفظ الذي اطّرد استعماله في معنى هو ظاهر فيه، ولم يُعهد استعماله في المعنى المؤوّل أو عُهِدَ استعماله فيه نادرا، فحمله على خلاف المعهود من استعماله باطل فإنه يكون تلبيساً يناقض البيان والهداية، بل إذا أرادوا
عدد الصفحات ١١٤115 استعمال مثل هذا في غير معناه المعهود حَفّوا به من القرائن ما يبينّ للسامع مرادهم به لئلا يسبق فهمه إلى معناه المألوف، ومن تأمّ ل كمال هذه اللغة وحكمة واضعها تبينّ له صحة ذلك) (مختصر الصوا عق المرسلة) ط دا ر الكتب العلمية 1405 ه ، ص16. وقال القاضي شهاب الدين القرافي (فإن كان المتكلم هو الشرع حملنا لفظه على عُرْفِه) (شرح تنقيح الفصول) للقرافي، ط دار الفكر، ص 211. وحاصل ما سبق: أنه ب مراعاة عُرف المتكلم، فإذا دَلّت عادته على استعمال لفظ معين في بيان معنى معين، فإنه لا يجوز القول بأنه أراد بلفظه معنى آخر حتى يأتي المتكلم بالقرائن الدالة على ذلك. وقد ثبت باستقراء نصوص القرآن أن كل كُفْرٍ ورد فيه فهو الكفر الأكبر، سواء ورد بصيغة الاسم أ و الفعل أو المصدر، فلا يجوز حمل الكفر الوارد فيه على أنه الأصغر ما لم يثبت ذلك ببيان الله أو بيان رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي تقرير ذلك: قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ : (ولفظ الظلم والمعصية والفسوق والفجور والموالاة والمعاداة والركون والشرك و نحو ذلك من الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة قد يُراد بها مُ سَمَّاها المطلق و حقيقتها المطلقة، وقد يُراد بها مطلق الحقيقة، والأول هو الأصل عند الأصوليين، والثاني لا يحُمل عليه إلا بقرينة لفظية أو معنوية، وإنما يُعرف ذلك بالبيان النبوي وتفسير السنة، قال تعالى{ :وما أرسلنا من رسول إ بلسان قومه ليبينّ لهم 4) أه (الرسائل المف يدة) للشيخ
عدد الصفحات ١١٥116 عبداللطيف، جمع سليمان بن سحمان، ص21 - 22. ومعنى كلام الشيخ عبد اللطيف أن الأصل هو وجوب حمل كل كفر ورد الكتاب والسنة على حقيقته المطلقة أي الكاملة أي: الكفر الأكبر حتى تقوم القرينة الصارفة ببيان النبي صلى الله عليه وسلم الدا لة على أن حقيقته المطلقة غير مراده وأنه يُراد به مطلق حقيقته أي أدنى ما يُطلق عليه وهو هنا الكفر الأصغر، والدليل على صحة ما قاله الشيخ: هو حديث كفران العشير، وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - في موعظته للنساء - (يكفرن) فقال الصحابة (يكفرن بالله؟) فقا ل صلى الله عليه وسلم (يكفرن العشير ويكفرن الإحسان) الحديث رواه البخاري في باب (كفر دون كفر) بكتاب الإيُان من صحيحه. ودلالته واضحة، فلما قال صلى الله عليه وسلم (يكفرن) حمله الصحابة على الكفر الأكبر بما عهدوه من استعمال الشارع للفظ الكفر في إرادة حقيقته المطلقة، حتى بينَّ لهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن حقيقته المطلقة غير مرادة فقال (يكفرن العشير) أي: لا يؤدين حقّه، وقد سبق الكلام في هذا الحديث في شرح قاعدة التكفير بمبحث الاعتقاد، وفي نقد رسالة (ضوابط التكفير عند أهل السنة) للقرني بالمبحث نفسه. وفي تقرير هذه القاعدة أيضا بمثل ما ورد في كلام الشيخ عبد اللطيف: قال ابن حجر رحمه الله (عُرف الشارع إذا أطلق الشرك إنما يريد به ما يقابل التوحيد، وقد تكرر هذا اللفظ في الكتاب والأحاديث حيث لا يُراد به إلا
عدد الصفحات ١١٦117 ذلكفتح الباري) 1/ 65. وقال أبو حيان الأندلسي في تفسيره (البحر المحيط): (الكفر إذا أطلق انصرف إلى الكفر في الدين) (البحر المحيط) 3/ 493. ومعنى الإطلاق في كلامهما (إذا أطلق الشرك) و (الكفر إذا أطلِق) أي يرد ما يقيده ويصرفه عن حقيقته المطلقة، كقولك: الماء الم طلق طاهر مطهر، أي: الماء الذي لم يقيد بصفة من الصفات كقول ك ماء الورد أو ماء نج س. وبعد: فاعلم أن كل كفر ورد في القرآن - سواء ورد بصيغة الاسم أو الفعل أو المصدر - فالمراد به حقيقة الكفر المطلقة، أي: الكفر الأكبر، ولا يُشكل على هذا إلا ثلاث آيات: آيتان منها (إبراهيم 28 والنحل112 في ) معرض كُفر النِعَم، وآية (الحديد 20) تحتمل الكفر اللغوي، وبالتحقيق فإن المراد منها كلها هو الكفر الأكبر: * أما آية سورة إبراهيم، فقوله تعاألم تر إلى الذين بدّلوا نعمة الله كفراً - إلى قوله - وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله 28 - 30، فقوله { النعمة: الكفر الأك وهو هنا اتخاذ الأنداد من دون الله. * وأما آية النحل، فقوله تعاوضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله - إلى قوله - ولقد جاءهم ر سول منهم فكذّبوه112 - 113، فقولهتعافكذبوه} قاطع أن المراد بكفر النعمة هو الكفر الأكبر وهو هنا تكذيب الرسول.
عدد الصفحات ١١٧118 * أما آية سورة الحديد فقوله تعااعلموا أنما الحياة الدنيا لعبٌ ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد، كمثل غيث أعجب الكف ار نباته، فظاهرها أن الكفار هنا هم الزرّاع وهو صحيح من جهة اللغة وفيه تعريض ب الكفار على المعنى الشرعي كما قال ابن كثير رحمه الله (وقوله تعاأعجب الكفار نباته نبت بالغيث، وكما يُعجب الزراع كذلك تعجب الحياة الدنيا الكفار، فإنهم أحرص شيء عليها وأَمْيل الناس إليها) (تفسير ابن كثير) 4/ 313. وكذلك قال أبو منصور الأزهري (وقد قيل: الكفار في هذه الآية: الكفار بالله، وهم أشد إعجابا بزينة الدنيا وحرثها من المؤمنين) (تهذيب اللغة) للأزهري، ج 10 ص199، ط الدار المصرية للتأليف والنشر. وبهذا يتبينّ لك أن كل كفر ورد في القرآن فالمراد به الكفر الأكبر، ولا يخ رج عن هذه القاعدة إلا آية الحديد السابقة، فالكفر فيها وإن قلنا إنه ورد بمعناه اللغوي لا الشرعي، فبالقطع لا يراد به الكفر الأصغر.
عدد الصفحات ١١٨119 المقدمة الرابعة عشرة: لا حجة في قول الصحابي إذا خالف نص الكتاب والسنة والدليل: قوله تعالا تقدمو ا بين يدي الله ورسوله جرات 1. وقول النبي صلى الله عليه وسلم (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رَد رواه مسلم. فإذا قال الصحابي أو فعل ما يخالف الكتاب والسنة فلا حجة في قوله أو فعله، ولا يجوز الاح تجاج بقوله أو العمل به، وهو في هذا مجتهد مخطئ له أجر. واعلم أن الإجماع قد انعقد على عدالة الصحابة جميعا، وإذا خالف أحدهم نص الكتاب أو السنة فإن هذا يرجع إلى أسباب، أهمها العشرة التي ذكرها ابن حزم، قال رحمه الله: (أحدها: أن لا يبلغ العالم الخبر فيفتي فيه بنص آخر بلغه، كما قال عمر في خبر الاستئذان: خفي عليّ هذا من أمر رسول الله صلى الله عل يه وسلم، ألهاني الصفق بالأسواق، وقد أوردناه بإسناده من طريق البخاري في غير هذا المكان. وثانيها: أن يقع في نفسه أن راوي الخبر لم يحفظ وأنه وَهِمَ، كفعل عمر في خبر فاطمة بنت قيس، وكفعل عائشة في خبر الميت يعذب ببكاء أهله،
عدد الصفحات ١١٩120 وهذا ظن لا معنى له، إن أُطلق بطلت الأخبار كلها، وإن خص به مكان دون مكان، كان تحكما بالباطل. وثالثها: أن يقع في نفسه أنه منسوخ، كما ظن ابن عمر في آية نكاح الكتابيات. ورابعها: أن يُغلِّب نصا على نص بأنه أحوط، وهذا لا معنى له إذ لم يوجبه قرآن ولا سنة. وخامسها: أن يغ لِّب نصا على نص لكثرة العاملين به أو لجلالتهم، وهذا لا معنى له، لما قد أفسدناه قبل في ترجيح الأخبار. وسادسها: أن يغلِّب نصا لم يصح على نص صحيح، وهو لا يعلم بفساد الذي غلب. وسابعها: أن يخصص عموما بظنه. وثامنها: أن يأخذ بعموم لم يجب الأخذ به، ويترك الذي ثبت تخصيصه. وتاسعها: أن يتأول في الخبر غير ظاهره بغير برهان لعلة ظنها بغير برهان. وعاشرها: أن يترك نصا صحيحا لقول صاحب بلغه، فيظن أنه لم يترك ذلك النص إلا لعلم كان عنده. فهذه ظنون توجب الاختلاف الذي سبق في ع لم الله عزّ وجلّ أنه سيكون، ونسأل الله تعالى التثبيت على الحق بمنه آمين) (الإحكام) له، 2/ 129. وهذه الأسباب العشرة ذكرها وزاد عليها ابن تيمية في رسالته (رفع الملام عن الأئمة الأعلام). ومن أمثلة مخالفة الصحابي للنص بسبب عدم بلوغ النص إليه: ما رواه
عدد الصفحات ١٢٠121 البخاري ع ن زيد بن خالد الجهني أنه سأل عثمان بن عفان فقال: أرأي ت إذا جامَع الرجل امرأته فلم يُُْ ن؟ قال عثمان (يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره) قال عثمان: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، - قال زيد بن خالد - فسألت عن ذلك علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وأبي بن كعب رضي الله عنهم فأمروه بذلك أه (حديث 292) وأدرجت فيه كلمة (قال زيد بن خالد -) فهذا الذي ذكره هذا الجمع من كبار الصحابة - من أنه لا غُسل على المجامِع إلا أن يُنزل المني - وإن كان صحيحا ثابتا لكنه منسوخ ولم يبلغهم الناسخ فأفتوا بالمنسوخ، أما النص الناسخ فقوله صلى الله عليه وسلم (إذا جَ لَس بين شُعَبِها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغُسل) متفق عليه وزاد مسلم (وإن لم يُنزل) وأصرح منه قوله صلى الله عليه وسلم (إذا التقى الختانان فقد وجب الغُسْل) رواه البيهقي وابن ماجه ورجاله ثقات عن عائشة ورو اه مسلم عنها بلفظ مقارب، انظر (فتح الباري) 1/ 395. ومن أمثلة مخالفة الصحابي للنص باجتهاد منه قول ابن عباس إنه لا توبة لقاتل العمد محتجا بآية النساء (ومن يقتل مؤمنا متعمداً فجزاؤه جهنم خالدا فيها) النساء 93، وقال إنها نسخت آية الفرقان (ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما - إلى قوله - إلا من تاب) الفرق ان 68 - 70. روي ذلك عنه البخاري في التفس (الأحاديث 4762 - 4766) وجمهور السلف وجميع أهل السنة قالوا بأنه تصح توبة قاتل العمد خلافا لابن عباس وحجتهم قوله تعاإن الله لا
عدد الصفحات ١٢١122 يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } النساء48، وحجتهم أيضا حديث قاتل المائة وفيه أن الله قبل توبته وهو حديث متفق عليه، انظر (فتح الباري) 8/ 496. ومن أمثلة مخالفة الصحابي للنص باجتهاد منه: ن َهْي بعض الصحابة كعمر وعثمان وأبي ذر عن التمتع بالعمرة مع ا لحج، فالتمتع جائز بالقرآن (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) البقرة 196، وثابت بالسنة،وفي هذا روي البخاري عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال (أنزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يُنزل قرآن يحرِّمه، ولم يُنه عنها حتى مات، قال رجلٌ برأيه ما شاء) (حديث 4518.) قال ابن حجر (المراد بالرجل في قوله هنا "قال رجل برأيه ما شاء" هو عمر) (فتح الباري) 8/ 186. وروي مسلم عن عبد الله بن شقيق (كان عثمان ينهي عن المتعة وكان علي يأمر بها، فقال عثمان لعلي كلمة، ثم قال علي: لقد علمت أنا قد تمت عنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أَجَلْ ولكنا كنا خائفين) أه . وروى مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال (كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة) وفي رواية (كانت لنا رخصة، يعني المتعة في الحج) أه . فعثمان خالف النص متأولا أن التمتع كا ن للخوف، وأبو ذر خالف النص متأولا أنه كان رخصة لهم ف قط. وشرع الله التيمم للجنب إذا لم يجد الماء في قوله تعاأو لامستم النساء
عدد الصفحات ١٢٢123 فلم تجدوا ماء فتيمموا} النساء43 والمائدة6، وكان عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود يقولان لا يتيمم الجنب ولا يصلي حتى يجد الماء ، وعن ابن مسعود: ولو لم يجده شهراً لا يصلي، وقد روي هذا البخاري في عدة أحاديث منها ما رواه عن شقيق قال: كنت جالساً مع عبد الله وأبي موسى الأشعري، فقال له أبو موسى: لو أن رجلا أجنب فلم يجد الماء شهراً أما كان يتيمم ويُصلي؟ فكيف تصنعون بهذه الآية في سورة المائدة ماء فتيممواص لهم في هذا لأوشكوا إذا ب َرَدَ عليهم الماء أن يتيمموا الصعيد، قلت: وإنما كرهتم هذا لِذَا؟ قال: نعم، فقال أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لعمر (بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجةٍ فأجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تمرّغ الدابة، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنما كا ن يكفيك أن تصنع هكذا: فضرب بكفّه ضربة على الأرض ثم ن َفَضَها ثم مسح بهما ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه ثم مسح بهما وجهه، فقال عبد الله: أفلم تر عمر لم يقنع بقول عمار؟ (حديث 347.) قال ابن حجر (وإنما لم يقنع عمر بقول عمار لكونه أخبره أنه كان معه في تلك الحال وحضر معه تلك القصة كما سيأتي في رواية يعلى بن عبيد ولم يتذكر ذلك عمر أصلا) (فتح الباري) 1/ 457. وقال ابن تيمية رحمه الله (وأنكر عليٌّ عَلَى ابن عباس إباحة المتعة، قال إنك امرؤ تائه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم م تعة النساء، وحرم لحوم الحُمر الأهلية عام خيبر، فأنكر علي بن أبي طالب علي ابن عباس
عدد الصفحات ١٢٣124 إباحة الحُمر، وإباحة متعة النساء، لأن ابن عباس كان يبيح هذا وهذا، فأنكر عليه عَلِيٌّ ذلك وذكر له "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم المتعة، وحرم الحمر الأهلية" ويوم خيبر كا ن تحريم الحمر الأهلية، وأما تحريم المتعة فإنه عام فتح مكة، كما ثبت ذلك في الصحيح) (مجموع الفتاوى) 20/ 96. ولمعرفة المزيد من الأمثلة على مخالفة بعض أقوال الصحابة للكتاب والسنة بسبب خفاء النصوص عليهم أو باجتهاد أو تأوّل منهم، انظر (اعلام الموقعين) لابن القيم 2/ 251 - 253، و (جامع بيان العلم) لابن عبد البر 2/ 78 - 92، و (الإحكام) لابن حزم 2/ 127 - 129 و6/ 83 - 90، و (مجموع فتاوى ابن تيمية 20/ 234 وما بعدها ولأجل كثرة هذا واشتهاره اتفق العلماء على أنه كل أح د يؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال ابن تيمية رحمه الله (و قد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن كل أحدٍ يؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم) (مجموع الفتاوى) 11/ 208.
عدد الصفحات ١٢٤125 المقدمة الخامسة عشرة: في بيان ما يشترط للتكفير بهمن الذنوب أن يكون فاعلها جاحداً أو مستحلا و ما لا يشترط فيه ذلك: سبق بحث هذه المسألة بالتفصيل في التنبيه الهام المذكور بمبحث الاعتقاد عقب تعليقي على قول الطحاوي رحمه الله (ولا يخرج العبد من الإيُان إلا بجحود ما أدخله فيه) فراجعها هناك. وملخص المسألة أن الذنوب قسمان: القسم الأول: ذنوب مكفرة (من ت َرْ ك واجب أو فعل محرم) ثبت بالدلي ل الشرعي أن ف اعلها كافر كفراً أكبر، فهذه يكفر بمجرد فعلها دون اشتراط الجحد (لما تركه من واجب) أو الاستحلال (لما فعله من محرم) وقد دلّ على هذا الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، وتفصيل هذه ا لأدلة مذكور بالتنبيه الهام المشار إليه أعلاه. وقال ابن تيمية رحمه الله - مُبيِّنا مذهب السلف في ذلك -: (إنْ سَبَّ الله أو سَبَّ رسوله كَفَر ظاهراً وباطناً، سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلاً له، أو كان ذاهلاً عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيُان قول وعمل، وقد قال الإمام أبو يعقوب إسحاق بن إبراه يم الحنظلي المعروف بابن راهويه - وهو أحد الأئمة ي ُعْدَل بالشافعي وأحمد -: قد أجمع المسلمون أن مَنْ سَبَّ الله أو سب رسوله عليه الصلاة والسلام أو دفع شيئاً مما أنزل الله أو قتل نبياً من أنبياء الله أنه
عدد الصفحات ١٢٥126 كافر بذلك وإنكان مُقراً بما أنزل الله) (الصارم المسلول) ص 512، فمن اشترط الجحد أو الاستحلال للتكفير بهذه الذنوب المكفرة فقد استدرك على الله وكَذَّب بآيات الله، لأن الله سمى فاعلها كافراً بمجرد تركه أو فعله ولم يقيده بجحد أو استحلال، ومن كذّب بآيات الله فقد كفر، ولهذا أكفر السلف غلاة المرجئة الذين يعتبرون الجح د أو الاستحلال شرطاً مستقلاً للتكفير بالذنوب المكفرة كما نقله ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) 7/ 205 و209. والقسم الثاني من الذنوب: الذنوب الْمُفَسِّقة غير المكفرة، (من ت َرْك واجب أو فعل محرم)، وهي الكبائر التي فيها حَ دٌّ في الدنيا أو وعيد في الآخرة، ولم يثبت بالنص كفر فاعلها ولا يعاقب فاعلها بعقوبة المرتد، فهذه لا يكفر بمجرد فعلها فإن جحد الواجب الذي تركه أو استحل المحرم الذي فعله كفر بذلك كما دلّ عليه إجماع الصحابة في حادثة قدا مة بن مظعون، لأن الجحد والاستحلال كلاهما تكذيب بالنصوص الموجبة أو المحرِّمة، ومن كذب بالنص كفر. والتفصيل بالتنبيه الهام المشار إليه أعلاه كما تقدم ذِكْره، وإنما ذكرت هذه المقدمة هنا للتذكير بما ذكرته هناك.
عدد الصفحات ١٢٦127 المقدمة السادسة عشرة: في بيان معنى قول أهل السنة(ولا نكفِّر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله): وقد سبق بيان معنى هذه العبارة بال تفصيل في تعليقي على العقيدة الطحاوية بأوّل مبحث الاعتقاد. وأن المراد بالذنب في هذه العبارة هو ما دون الكفر، أي الذنوب غير المكفِّرة مثل الزنا والسرقة وشرب الخمر. ويؤكد هذا قولهم (من أهل القبلة) أي: أنه لم يأت بذنب يخرجه عن كونه من أهل القبلة، وأحيانا يقولو ن (لا نكفر مسلما بذنب ما لم يستحله) فقولهم (مسلماً) هو كقولهم (من أهل القبلة) أي: أن ذنبه هذا غير مكفِّر لم يخرجه من الملة وأنه مازال مسلماً من أهل القبلة مع ذنبه، فإن استحله فقد كفر بالاستحلال لا بالذنب المج رد، وقد دلَّ على كفره بالاستحلال إجماع الصحابة في حادثة شرب قدامة بن مظعون للخمر، وقد ذكرت قصته في أكثر من موضع بمبحث الاعتقاد، وقد وردت (بمجموع فتاوى ابن تيمية) 7/ 610،11/ 403 - 405، ج12/ 499، ج20/ 92، ج 34/ 213. وتفسير هذه العبارة حسب ما ذكرته أع لاه، قد نقلته في تعليقي على العقيدة الطحاوية: * عن البخاري صاحب الصحيح نقلا عن (شرح اعتقاد أهل السنة) لأبي
عدد الصفحات ١٢٧128 القاسم اللالكائي،1/ 175، ط دار طيبة وبوّب البخاري لهذه المسألة في كتاب الإيُان من صحيحه في باب 22 (المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابه ا إلا بالشرك). * وعن أبي الحسن الأشعري، من (مقالات الإسلاميين) له، 1/ 347، ط المكتبة العصرية. * وعن ابن تيمية من (مجموع الفتاوى) 7/ 302، و12/ 474، و20/ 90. * وعن محمد بن عبد الوهاب من كتاب (الرسائل الشخصية) وهو القسم الخامس من مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، ط جامعة الإمام محمد بن سعود، ص 233 - 234. * وعن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب من (الدرر السنية في الأجوبة النجدية - ج 9 - كتاب الردود - ص 290 - 291.) * وعن حافظ حكمي من كتابه (مع ارج القبول) 2/ 438، ط السلفية وأذ كر معنى الاستحلال في المقدمة التالية إن شاء الله:
عدد الصفحات ١٢٨