المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

محاسن شريعة الرحمن وفساد شريعة الشيطان

حسن التمام

صفحة ١٠ من ٢٨

145 أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ا وقال السُّدّي: استنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، ولهذا قال تعاوما أمرو ا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً الحرام وما حَلّله فهو الحلال وما شرعه اتُّ بع وما حَكَم به نفذ، "لا إله إلا هو سبحانه عما يُشركون" أي: تعالى وتقدّس وتنّزه عن الشركاء والنظراء والأعوان والأضداد والأولاد، لا إله إلا هو، ولا ربّ سواه) (تفسير ابن كثير) 2/ 348 - 349. وحديث عدي بن حاتم حسّنه الترمذي، وحسّنه أيضا ابن تيمية2 ] (مجموع ال فتاوى) 7/ 67. وموضع الدلالة من هذه الآية والحديث الوارد في تفسيرها في المناط الذي نتحدث عنه وهو (التشريع من دون الله): أن مَنْ فعل هذا فأحلّ الحرام وحَرَّم الحلال وشرع ما لم يأذن به الله فقد جعل نفسه رَبّاً للناس من دون الله وكفى به كفراً مبيناً، وفي معنى هذه الآية أيضا: 2 - قال أبو سامي العبدان حسن التمام: "أخرجه الترمذي ( 3095)، وغيره، وحسنه شيخ الإسلام ابن تيمية في "الإيُان = = (ص 58)، والموج ود في مطبوع سنن الترمذي: "هذا حدي ث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث". وله طريق أخرى عند ابن سعد في "الطبقا ت"، وله شاهد من حديث حذيفة موقوفا عليه، وقد عزاه شيخ الإسلام ابن تيمية للمسند، وقال: "صححه الترمذي" كم ا في "الفرقان بين أولياء الرحمن و أولياء الشيطان" (ص 76)، ولم أجده في مسند الإمام أحمد، والموجود مطبوع الترمذي ما نقلته آنفا، والله أعلم".

عدد الصفحات ١٤٥

146 7 - قولهتعاقل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمةٍ سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دو ن الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مُسلمون64. قال القرطبي رحمه الله في تفسيرها (قوله تعاولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون ا تحليل شيء أو تحريُه إلا فيما حلله الله تعالى، وهو نظير قوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرب ابا من دون ام أنزلوهم منزلة ربهم في قبول تحريُهم وتحليلهم لِمَا لم يحرِّمه الله ولم يحُ لّه الله) أه . فالآية نصّ في أن من شرع للناس من دون الله فقد جعل نفسه رباً لهم. وأنقل ما قال الاستاذ سيد قطب رحمه الله في هذه الآية باختصار، قال رحمه الله: (إن هذا الكون بجملته لا يستقيم أمره ولا يصلح حاله، إلا أن يكون هناك إله واحد، يدبر أمره: ونَ فِيهِمَا آلهَِةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا [22] العبيد، والتشريع لهم في حياتهم، وإقامة ا لموازين لهم فمن ادعى لنفسه شيئا من هذا فقد ادعى لنفسه أظهر خصائص الألوهية، وأقام نفسه للناس إلها من دو ن الله، وما يقع الفساد في الأرض كما يقع عندما تتعدد الآلهة في الأرض على هذا النحو، عندما يتعبد الناس، عندما يدعي عبد من العبيد أن له على الناس حق الطاعة لذاته، وأن له فيهم حق التشريع لذاته، وأن له كذلك حق إقامة القيم والموازين لذاته ، فهذا هو ادعاء الألوهية ولو لم يقل كما قال فرعون -{ :24.]

عدد الصفحات ١٤٦

147 والإقرار به هو الشرك بالله أو الكفر به .. وهو الفساد الأرض أقبح الفساد .... قال تعاقُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ ت َعَالَوْا إِلىَ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ ب َي ْن َنَ ا وَب َي ْنَكُمْ أَلاَّ ن َعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ ي َتَّخِذَ ب َعْضُنَا ب َعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ ت َوَلَّ وْا ف َقُولُوا اشْهَدُوا بِ أَنَّا مُسْلِمُونَعمران: 64] دعوة إلى عبادة الله وحده لا يشركو ن به شيئا، لا بشرا ولا حجرا، ودعوة إلى ألا يتخذ بعضنا بعضا من دون الله أربابا، لا نبيا ولا رسولا، فكلهم لله عبيد، إنما اصطفاهم الله للتبليغ عنه، لا لمشار كته في الألوهية والربوبية ، تولوا فقولوا اشهدو ا بأنا مسلمون يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله، تقرر بوضوح حاسم من هم المسلمون، المسلمون: هم الذين يعبدون الله وحده، ويتعبدون لله وحده، { دون ا من سائر الملل والنحل، وتميز منهج حياتهم من مناهج حياة البشر جميعا، وإما أن تتحقق هذه الخصيصة، فهم مسلمون، وإما ألا تتحقق فما هم بمسلمين مهما ادعوا أنهم مسلمون .... إن الناس في جميع النظم الأرضية يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله .. يقع هذا في أرقى الديُق راطيات كما يقع في أحط الديكتاتوريات سواء .. إن أول خصائص الربوبية هو حق تعبد الناس، حق إقامة النظم والمناهج والشرائع والقوانين والقيم والموازين .. وهذا الحق في جميع الأنظمة الأرضية يدعيه بعض الناس - في صورة من الصور - ويرجع الأمر ف يه إلى مجموعة من الناس على أي وضع من الأوضاع - وهذه المجموعة التي تخُْضع الآخرين لتشريعها وقيمها وموازينها وتصوراتها هي

عدد الصفحات ١٤٧

148 الأرباب الأرضية التي يتخذها بعض الناس أربابا من دون الله، ويسمحون لها بادعاء الألوهية والربوبية، وهم بذلك يعبدونها من دون الله، وإن لم ي سجدوا لها ويركعوا، فالعبو دية عبادة لا يتوجه بها إلا لله .... والإسلام - بهذا المعنى - هو الدين عند الله .. وهو الذي جاء به كل رسول من عند الله، لقد أرسل الله الرسل بهذا الدين ليخرجوا الناس من عبادة العباد الى عبادة الله، ومن جور العباد إلى عدل الله .. فمن تولى عنه فليس مسلما بشهادة الله، مهما أوّل المؤولو ن، وضلل المضلونسْلاَمُ عمران: 19]1/ 406 - 407.) فهذه النصوص تبينّ بجلاء أن من شَرَعَ للناس من دون الله فقد جعل نفسه شريكا لله، وجعل نفسه رباً للناس، وكفر بذلك، ويبينّ هذا أيضا م ا قال يوسف عليه السلامقون خيرٌ أم الله الواحد القهار، ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان، إن الحكم إلا لله، أمر ألا تعبدوا إلا إياه، ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون39 - 40، فهؤلاء الأرباب المتفرقون منهم المشرعون للخلق من دون الله كرؤَساء الدول وأعضاء البرلمانات الديُقراطية وغيرهم من واضعي القوانين، وتأمل قوله إه، بعد قوله {قونباب يدخل فيهم دخولا أوّلياً أولئك الذين ينازعون الله حق التشريع. وبعد، فقد كان هذا كله في بيان أن التشريع للناس بما يخالف شرع الله هو

عدد الصفحات ١٤٨

149 مناط مكفر، فيكفر كل من قام به هذا المناط، ثم ننتقل للكلام في المناط الثالث. ثالثا: المناط المكفّر الثالث (وهو الحكم بغير ما أنزل الله): أي: الحكم بالشرع المخالف لشرع الله، أو الح كم بالقوانين الوضعية، فمن حَكَم بها كرؤَساء الدول والقضاة ومن في حكمهم، أو أجاز الحكم بها كرؤَساء الدول الآمرين بالحكم بها وكأعضاء البرلمانات المسئولين عن إقرار السياسة العامة للدولة، كل هؤلاء كفار لق يام المناط المكفر - وهو الحكم بغير ما أنزل الله - بهم، إما بالمباشرة منهم للحكم بذلك وإما لإجازتهم أو أمرهم للحكم به. أما الأدلة على أن هذا المناط (الحكم بغير ما أنزل الله) مُكَفِّر، فهي: 1 - قولهتعاأم لهم شركاء شرعوا لهم من ا لدين ما لم يأذن به الله} الشورى 21. وقد سبق القول في دلالة هذه الآية في المناط السابق، وأنها تدل على أن من شرع للناس من دون الله فقد جعل نفسه شريكا لله، ومن اتبع تشريعه المخالف لشرع الله فقد اتخذ هذا المشرِّع شريكا مع الله، وصار مشر كاً بالله. قال الشيخ الشنقيطي: (ولما كان التشريع وجميع الأحكام شرعية كانت أو كونية قدرية من خصائص الربوب ية، كما دلت عليه الآيات المذكورة كان كل من اتبع تشريعاً غير تشريع الله قد اتخذ ذلك المشرع رَبّاً، وأشركه مع الله) إلى آخر ما ذكره في (أضواء البيان) 7/ 169.

عدد الصفحات ١٤٩

150 2 - وقولهتعاولا يُ شرك في حكمه أحداً26. ويقال فيها ما قيل في الآية السابقة، وقال الشنقيطي رحمه الله: (ويُفهم من هذه الآيات كقوله أحكام المشرّعين غير ما شرعه الله أنهم مشركون بالله) (أضواء البيان) 4/ 82 - 83. وسيأتي بقية كلام الش نقيطي بالتفصيل في المسألة الثامنة إن شاء الله. 3 - وقولهتعااتخذوا أحبارهم ور هبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم، وما أُمِروا إلا ليعبدوا إلها واحداً، لا إله إلا هو سبحانه عما يُشركون التوبة 31. وقد سبق تفسير هذه الآيةفي المناط السابق، وسبق ذِ كر حديث عدي بن حاتم الو ارد في تفسيرها، وحاصلها أن من حَلّل وحرّم وشَرَع ما يخالف شرع الله فقد نصب نفسه رباً للناس من دون الله، ومن أطاعه في اتباع تشريعه المخالف - كما يفعله الحكام بغير ما أنزل الله - فقد اتخذه رباً، وصار مشركا بالله كما يدل عليه آخر الآية وهو قوله تعاسبحانه عما يُشركونتعاولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً، أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون 80، فإذا كان اتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً كُفر، فلا شك في كفر من اتخذ مشرعي القوانين الوضعية أربابا باتباع ت شريعهم. وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في كتابه (فتح المجيد) معلقاً على آية التوبة هذه:

عدد الصفحات ١٥٠

151 (فظهر بهذا أن الآية دلت على أن من أطاع غير الله ورسوله، وأعرض عن الأخذ بالكتاب والسنة في تحليل ما حرم الله، أو تح ريم ما أحله الله، وأطاعه في معصية الله، واتبعه فيما لم يأذن به الله، فقد اتخذه رباً ومعبوداً وجعله لله شريكاً ، وذلك ينافي التوحيد الذي هو دين الله الذي دلت عليه كلمة الإخلاص (لا إله إلا الله) فإن الإله هو المعبود، وقد سمى الله تعالى طاعتهم عبادة لهم، وسماهم أرباباً، كما قال تعالى{ :و يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباًمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ما شرعه الله ورسوله فقد اتخذه المطيع المتبِع رباً معبوداً، كما قال تعالى في آية الأنعام لمشركون 121] وجه مطابقة الآية للترجمة، ويُشبه هذه الآية في المعنى قوله تعاأَمْ لهَُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لهَُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لمَْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ21] أعلم(فتح المجيد) ص 110 - 111، ط دار الفكر (تنبيه) ورد لابن تيمية رحمه الله كلامٌ في الآية السابقة، ونقله عنه صاحب (فتح المجيد) دون تعليق، وهو كلام بحاجةٍ إلى التعليق عليه، فأنقله ثم أعلّق عليه، فقال ابن تيمية: (وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا - حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل ا لله، يكونون على وجهين: أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل، فيعتقدون

عدد الصفحات ١٥١

152 تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله اتباعاً لرؤسائهم، مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر، وقد جعله الله ورسول ه شركاً - وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم - فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين، واعتقد ما قاله ذلك، دون ما قاله الله ورسوله، مشركاً مثل هؤلاء. والثاني: أن يكون اعتقادهم وإيُانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام 3] لكنهم أطاعوهمفي معصية الله، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب) (مجموع الفتاوى) 7/ 70. وبداية ًأنبه على أن هذا الكلام إنما هو في حق من يتبعون المشرعين من دون الله، أما المشرعون الذين جعلوا أنفسهم أرباب اً من دون الله فكُفْرهم ظاهر لا اختلاف فيه. وكلام شيخ الإسلام في التفريق بين الوجهين - بالنسبة لمن يتبعون المشرعين من دون الله - هو في مجمله صحيح، فإنه لو أن رجلا زيّن لمسلم شرب الخمر فأطاعه وشربها لكان عاصيا وهو الوجه الثاني في كلام شيخ الإسلام، أما إذا قال هذا الرجل إنه قد جعل الخمر ح لالا لا إثم في شربها فقال له 3 - قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد فكّ الله أسره في "صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف" (ص 59:) "وقوله هنا (بتحريم الحلال وتحليل الحرام) قد أشار عد د من أهل العلم إلى أنها قد تكون تصحيفا من النساخ، والأظهر أن العبارة هي ( بتحريم الحرام وتحليل الحلال) ".

عدد الصفحات ١٥٢

153 اسلم إنه سيتبع حكمه هذا وأنه كلما جاءه مخمور سيح كم بأنه لا عقوبة عليه فقد كفر المسلم بذلك وهو الوجه الأول في كلام ابن تيمية وهو المعنى المراد بالآية كما يدل عليه حديث عدي بن حاتم، أما الوجه الثا ني الذي ذكره فإنه ليس مراداً بالآية، فإيراده في هذا المقام يحُ دث نوعاً من اللبس. وأما قول ابن تيمية في الوجه ا لأول (فيعتقدون تحليل ما حرم الله ...... واعتقد ما قاله ذلك) أه ، فهذا الكلام خطأ إذا أراد أنه لا يكفر من اتبع التشريع المخالف إلا إذا اعتقد أنه الح ق والصواب والأولى بالاتباع، وه ذا هو الظاهر من كلام شيخ الإسلا م، والدليل على أنه أخطأ في قوله هذا من وجهين: الوجه الأول: أنه عدول عن المناط المكفِّر الذي اشتمل عليه النص، والمناط المكفر هو اتباع التشريع المخالف وطاعته لا اعتقاد أنه صواب أو خطأ، يدل على ذلك قوله تعااتخذوا أحبارهم ور هبانهم أربابا - إلى قوله - سبحانه عما يشركونبين الرسول صلى الله عليه وسلم المراد بهذا الاتخاذ بأنه اتباعهم وطاعتهم في التشريع المخالف كما قال صلى الله عليه وسلم (بلى، إنهم حرّموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم) الحديث، وقال ابن كثير: وهكذا قا ل حذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس وغيرهما: إنهم اتبعوهم فيما حلّلوا وحرّموا. اه . وقد نقلت هذا كله من قبل عن (تفسير ابن كثير) 2/ 348 - 349. ومما يؤكد أن المناط المكفر هو اتباع التشريع المخالف وطاعته: قوله تعالى: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم

عدد الصفحات ١٥٣

154 لمشركون 121، وسيأتي شرح هذه الآية بعد هذا التعليق إن شاء الله، وسنقتصر هنا على بيان موضع الدلالة منها وهو قوله إنكم لمشركون ولياء الشياطين - وهم الكفار - في تشريعهم المخالف لشرع الله، كم ا قال ابن كثير: (وقوله تعاوإن أطعتموهم إنكم لمشركون الله لكم وشرعه إلى قول غيره، فقدّمتم عليه غيره فهذا هو الشرك، كقوله تعااتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون ا حديث عدي بن حاتم في تفسيرها (تفسير ابن كثير) 2/ 171. فبين ابن كثير أن المناط واحد في الآيت وهو طاعة الكفار في تشريعهم المخالف لشرع الله وأن هذا شرك، فقال في آية الأنعام إنكم لمشركون - إلى قوله - سبحانه عما يشركون تخاذ في آية التوبة جاء مفسراً بالطاعة في آية الأنعام، وخير ما يفسر به القرآن هو الق رآن نفسه كما نقلته عن ابن تيمية في المقدمة الثانية بالمسألة الخامسة، وعلى هذا فتقيد كفر متبع التشريع المخالف بالاعتقاد - كما قال ابن تيمية - مخالف للنص وعدول عنه. والوجه الث اني للخطأ في قول ابن تيمية: أنني قد ذكرت في تعريف الردّة - في مبحث الاعتقاد - أنها قطع الإسلام أو الرجوع عنه بقول أو فعل أو اعتقاد ثبت بالدليل كفر فاعله، وهذا لا خلاف عليه بين جميع المنتسبين إلى الإسلام من أهل السنة أو من سائر الطوائف المبتدعة وإن اختلفوا في تعليل كفره كما شرحته في مبحث الاعتقاد، وهناك ذكرت أن تقييد الكفر

عدد الصفحات ١٥٤

155 بالاعتقاد هو مذهب المرجئة على خلاف بين من جعل الاعتقاد لازماً وهم مرجئة الفقهاء والمتكلمين وبين من جعله شرطاً مستقلا وهم الغلاة الذين أكفرهم السلف، فراجع ما ذكرته في مبحث الاعتقاد خاصة في أخطاء التكفير منه. والحاصل هو ك ما قال ابن تيمية (وبالجملة فمن قال أو فعل ما هو كُفْ ر كَفَر بذلك وإن لم يقصد أن يكون كافراً، إذ لا يقصد الكفر أحدٌ إلا ما شاء الله) (الصارم المسلول) ص 177 - 178. وفي مسألتنا هذه رتب الله الحكم ب الكفر على مجرد اتباع التشريع الم خالف والعمل به لا اعتقاده، فتقييد الكفر بالاعتقاد هنا لا وجه له، وفي الكلام عن قول ه تعاولئِن سألتهم ليقولُن إنما كنا نخوض ونلعب، قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون، لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيُانكم 65 - 66، قال ابن تيمية: (فقد أخبر أنهم كفر وا بعد إيُانهم مع قولهم: إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له، بل كنا نخوض ونلعب، وبينّ أن الاستهزاء بآيات الله كفر) (مجموع الفتاوى) 7/ 220. وقال في نفس الآية (فدلّ على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفراً، بل ظنوا أن ذلك ل يس بكفر، فبينَّ أن الاستهزاء با لله وآياته ورسوله كفر يكفر به ص احبه بعد إيُانه، فدلّ على أنه كان عندهم إيُان ضعيف، ف فعلوا هذا المحرم الذي عرفوا أنه محرم، ولكن لم يظنوه كفراً، وكان كفراً كفروا به، فإنهم لم يعتقدوا جوازه)

عدد الصفحات ١٥٥

156 (مجموع الفتاوى 7/ 273. فكلام شيخ اسلام هذا يبينّ لك أن من قال أو فعل ما ثبت بالدليل أنه كُفْر، كَ فَر وإن لم يصاحب قوله أو فعله اعتقاد مكفِّر كما قال في كلامه السابق (من غير اعتقاد له) وقال: (فإنهم لم يعتقدوا جوازه) وقد نقلت عن شيخ الإسلام في أكثر من موضع - بمبحث الاعتقاد وفي المقدمة الخامسة عشرة - قوله إن من سبّ الله أو الرسول كفر ظاهراً وباطناً وإن كان يعتقد أن ذلك حرام، وأن هذا قول أهل السنة، وراجع ك لامه بنصه في المقدمة الخامسة عشرة نقلا عن (الصارم المسلول) ص 512، وذلك لأنه قد ثبت بالدليل كُفْر هذا السَّابّ - والسَّب قولٌ - فلا اعتبار للاعتقاد فيما ثبت كُفر قائله أو فاعله، حتى لو قال من أتى الكفر إنه يعتقد أنه باطل وحرام ولا يجوز فهذا لا يُنع من تكفير ه، بل هو كاذب في دعواه هذه، كما قال ابن تيمية عن تارك الصلاة (يأمره ولي الأمر بالصلاة فيمتنع حتى يُقتل ويكون مع ذلك مؤمنا في الباطن قط لا يكو ن إلا كافراً، ولو قال أنا مقر بوجوبها غير أني لا أفعلها كان هذ ا القول مع هذه الحال كذباً منه، كما لو أخذ يُلقي المصحف في الحش ويقول: أشهد أن ما فيه كلام الله، أو جعل يقتل نبياً من الأنبياء ويقول: أشهد أنه رسول الله، ونحو ذلك من الأفعال التي تنافي إيُان القلب، فإذا قال أنا مؤمن بقلبي مع هذه الحال كان كاذبا فيما أظهره من القول) (مجموع الفتاوى) 7/ 615 - 616. وتأمل قوله (ونحو ذلك من الأفعال) فهي أفعال مكفرة بذاتها سواء وافقها التصريح باعتقاد مكفِّر أم لا، وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ:

عدد الصفحات ١٥٦

157 (ولو قال من حَكَّمَ القانون: أنا اعتقد أنه باطل، فهذا لا أثر له، بل هو عزل للشرع، كما لو قال أحدٌ: أنا أعبد الأوثان واعتقد أنها باطل) أه من (فتاوى ومقالات الشيخ محمد بن إبراهيم) 6/ 189. والخلاصة: إن من اتبع تشريع غير الله فأطاعه وعمل به كَفَر دون النظر اعتقاده، وابن تيمية نفسه قال - بعد كلامه الذي قيد فيه الكفر بالاعتقاد-: (من علم أن هذا خطأ فيما جاء به الرسول ثم اتبعه على خطئه وعَدَ ل عن قول الرسول، فهذا له نصيب من هذا الشرك الذي ذمّه الله، لاسيما إن اتبع في ذلك هواه ونصره باللسان واليد مع علمه بأنه مخالف للرسول، فهذا شر ك يستحق صاحبه العقوبة عليه) (مجموع الفتاوى) 7/ 71. فتأمل كيف رتب الشرك على مجرد الاتباع هنا فقال (ثم اتبعه على خطئه ) وكيف قيده أولا بالاعتقاد فقال (واعتقد ما قاله ذلك)؟ فناقض شيخ الإسلام نفسه. والصواب هنا: أن الشرك مترتب على مجرد اتباع التشريع المخالف، بالعمل به، كما يفعله الحكام بغير ما أنزل الله من الرؤساء والقضاة وغيرهم في زماننا هذا، وكل أحدٍ يؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعيار في قبول الأقوال وردها هو موافقتها للدليل كما قال تعافإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول النساء 59، هذا وبالله تعالى التوفيق. ثم نعرّج على الدليل التالي وفيه توكيد للصواب الذي قررناه هنا، وهو أن كفر الحاكم بغير ما أنزل الله مترتب على مجرد اتباعه للتشريع المخالف

عدد الصفحات ١٥٧

158 وعمله به لا اعتقاده له 4 - وهو قولهتعاولا تأكلوا مما لم يُذكر اسم الله عليه وإنه لفسق، وإن الشياطين ليوحون إلى أو ليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون 121. قال ابن كثير رحمه ا (استدل بهذه الآية الكريُة من ذهب إلى أن الذبيحة لا تحل إذا لم يُذكر اسم الله عليها وإن كان الذابح مسلماً - إلى أن قال: وقال الطبراني: حدثنا علي بن المبارك، حدثنا زيد بن المبارك ، حدثنا موسى بن عبدالعزيز، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما نزلت قريش أن خاصموا محمداً وقولوا له فما تذبح أنت بيدك بسكين فهو حلال، وما ذبح الله عزّ وجلّ بشمشير من ذهب، يعني الميتة، فهو حرام، فنزلت هذه الآي ة أطعتموهم إنكم لمشركون أوليائهم من قريش - إلى أن قال ابن كثير - وفي بعض ألفاظه عن ابن عباس إن الذي قتلتم ذكر اسم الله عليه وإن الذي قد مات لم يذكر اسم الله عليه - إلى أن قال - وقال السدّي في تفسير هذه الآية: إن المشركين قالوا للمسلمين كيف تزعمون أنكم تتبعون مرضاة الله، فما قتل الله فلا تأكلونه وما ذبحتم أنتم تأكلونه؟ فقال الله تعاوإن أطعتموهم أكل الميتة {مجاهد والضحاك وغير واحد من

عدد الصفحات ١٥٨

159 علماء السلف وقوله تعاوإن أطعتموهم إنكم لمشركون تم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره، فقدّمتم عليه غيره فهذا هو الشرك، كقوله تعااتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون ا وقد روي الترمذي في تفسيرها عن عدي بن حاتم أنه قال يا رسول الله: ما عبدوهم، فقال "بلى إنهم أحلوا لهم الحرام وحرّموا عليهم الحلال فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم") انتهي كلام ابن كثير من (تفسيره) 2/ 169 - 171. وحديث ابن عباس المذكور رواه ابن ماجه وابن أبي حا والحاكم بأسانيد صحيحة. وقال الشيخ الشنقيطي رحمه الله: (ومن هدي القرآن للتي هي أقوم - بيانه أن كل من اتبع تشريعا غير التشريع الذي جاء به سيد ولد آدم محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، فاتباعه لذلك التشريع المخالف كفرٌ بواحٌ مخرجٌ من الملة الإسلامية، و لما قال الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم: الشاة تصبح ميتة من قتلها؟ فقال لهم "قتلها الله" فقالوا له: ما ذبحتم بأيديكم حلال وما ذبحه الله بيده الكريُة تقولون إنه حرام! فأنتم إذن أحسن من الله؟ فأنزل الله فيهم قوله تعاولا تأكلوا مما لم يُذكر اسم الله عليه وإنه لفسق، وإن الشياطين ليوحو ن إلى أو ليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون - إلى قوله - فهو قسمٌ من الله جل وعلا أقسم به على أن من اتبع الشيطان في تحليل الميتة أنه مشرك، وهذا الشرك مخرج عن الملة بإجماع المسلمين، وسيوبخ الله

عدد الصفحات ١٥٩

160 مرتكبه يوم القيامة بقوله ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مب (أضواء البيان) 3/ 439 - 440. وآية الأنعام هذه وما ورد في تفسيرها يبينّ بوضوح لا يقبل اللبس أن كل من اتبع تشريع غير الله وعمل به مقدماً إياه على شرع الله أنه مشرك بالله، وهذا هو حقيقة حال الحاكمين بغير ما أنزل الله بالقوانين الوضعية من رؤَساء الدول والقضاة وغيرهم، كما ب ينت آية الأنعام هذه بما لا يدع مجالاً للشك أن مناط تكفير هؤلاء الحكام بغير ما أنزل الله هو مجرد طاعتهم للتشريع المخالف} .ا في حديث عدي بن حاتم)، وليس مناط التكفير هو اعتقاد أفضلية التشريع المخالف أو أحقيته وصوابه كما قال ابن تيمية وتبعه على هذا كثير من المعاصرين، وهذا خطأ كما بيّنته من قبل. 5 - وقولهتعاالحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجع ل الظلمات والنور، ثم الذين كف روا بربهم يعدلون1. قال الرازي في (مختار الصحاح): (عَدَلْتُ) فلاناً بفلان إذا سَوَّيْت بينهما، و (العَدْل) ما عَدَلَ الشيء من غير جنسه. (مختار الصحاح) مادة عدل، ص 417 - 418. فمعن لله عدلاً وشريكا، كما قال القرطبي وابن كثير في تفسيرها ، وقال ابن القيم: (قال الزجّاج "أعلم الله سبحانه أنه خالق ما ذكر في هذه الآية، وأن خالقها

عدد الصفحات ١٦٠