المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

محاسن شريعة الرحمن وفساد شريعة الشيطان

حسن التمام

صفحة ٧ من ٢٨

97 قطعية الدخول في العام، فلا يجوز إخراجها منه بمخصص، وهو التحقيق (مذ كرة أصول الفقه) ص 252، وله مثله في تفسيره (أضواء البيان7/ 430.

عدد الصفحات ٩٧

98 المقدمة الثامنة: قول الصحابي نزلت هذه الآية في ك ذا ليس قصراً للنص العام على سببه: فقد تبين من المقدمة السادسة أن اللفظ العام الوارد على سبب حُكمه يعُم كل ما يشمله اللفظ ما لم يقم دليل يوجب ق صر الحكم على السبب، أي أن (العبرة بعموم اللفظ لا بّصوص السبب). ويترتب على هذا معرفة أن قول الصحابي نزلت هذه الآ ية في كذا هو بيان منه لسبب النزول وليس قصراً لحكم النص العام على هذا السبب، إذ قد ثبت بالأدلة المذكورة في المقدمة السادسة أن العبرة بعموم اللفظ. وفي بيان هذا قال ابن تيمية رحمه الله (ومن ذلك قولهم: إن "هذه الآية نزلت في فلان وفلان" فبهذا يَُُ ثِّل بمن نزلت فيه - نزلت فيه أو لاً وكان سبب نزولها - لا يريدون به أنها آية مختصة به، كآية اللعان، وآية القذف، وآية المحاربة، ونحو ذلك، لا يقول مسلم إنها مختصة بمن كان نزولها بسببه. واللفظ العام وإن قال طائفة إنه يقصر على سببه فمرادهم على النوع الذي هو سببه - لم يريدوا بذلك أنه يقتصر على شخص واحد من ذلك النوع. فلا يقول مسلم إن آية الظهار لم يدخل فيها إلا أوس بن الصامت، وآية اللعان لم يدخل فيها إلا عاصم بن عدي، أو هلال بن أمية: وأن ذم الكفار لم يدخل فيه إلا كفار قريش، ونحو ذلك مما لا يقوله مسلم و لا عاقل.

عدد الصفحات ٩٨

99 فإنمحمداً صلى الله عليه وسلم قد عرف بالاضطرار من دينه أنه مبعوث إلى جميع الإنس والجن، والله تعالى خاطب بالقرآن جميع الثقلين، كما قال: {بلغه القرآن من إنسي وجني فقد أنذره الرسول - صلى الله عليه وسلم - به، والإنذار هو الإعلام بالمخوف، والمخوف - هو العذاب - ينزل بمن عصى أمره ونهيه. فقد أعلم كل من وصل إليه الق رآن أنه إن لم يطعه وإلا عذبه الله تعالى، وأنه إن أطاعه أكرمه الله تعالى) (مجموع الفت اوى) 16/ 148 - 149. وقال ابن تيمية أيضا (وقد يجيء كثيراً من هذا الباب قولهم هذه الآية نزلت في كذا لاسيما إن كا ن المذكور شخصاً، كأسباب النزول المذكورة في التفسير، كقولهم إن آية الظهار نزلت في امرأة أوس بن الصامت، وأن آية اللعان نزلت في عويُر العجلاني أو هلا ل بن أمية، وأن آية الكلالة نزلت في جابر بن عبد الله، وأن قولهنزل ا ت في بني قريظ ة والنضير، وأن قوله قوله وعدي بن بداء، وقول أبي أيوب إن قوله نزلت فينا معشر الأنصار، الحديث، ونظ ائر هذا كثير مما يذكرون أن ه نزل في قوم من المشركين بمكة، أو في قوم من أهل الكتاب اليهود والنصارى، أو في قوم من المؤمنين. فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أن حكم الآية مختص بأولئك الأعيان دون غيرهم، فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الاطلاق، والناس وإن

عدد الصفحات ٩٩

100 تنازعوا اللفظ العام الوارد على س بب هل يختص بسببه أم لا؟ فلم يقل أحد من علماء المسلمين إن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين، وإنما غاية ما يقال إنها تختص بنوع ذلك الشخص فيعم ما يشبهه، ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ. والآية التي لها سبب معين إن كانت أمراً و نهياً فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنزلته، وإن كانت خبراً بمدح أو ذم فهي متناو لة لذلك الشخص وغيره ممن كان بمنزلته أيضاً. ومعرفة "سبب النزول" يعين على فهم الآية، ف إن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب، ولهذا كان أصح قولي الفقهاء إنه إذا لم يعرف ما نو اه الحالف رجع إلى سبب يُينه وما هيجها وأثارها. وقولهم نزلت هذه الآية في كذا يراد به تارة أنه سبب النزول، ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية وإن لم يكن السبب كما تقول عنى به ذه الآية كذا) (مجموع الفتاوى) 13/ 338 - 339. وقال ابن تيمية أيضا (والآيات التي أنزا الله على محمد صلى الله عليه وسلم فيها خطاب لجميع الخلق من الإنس والجن، إذ كانت رسالته عامة للثقلين، وإن كان من أسباب نزول الآيات ما كان موجوداً في العرب فليس شيء من الآيات مختصاً بالسبب المعين الذي نزل فيه باتفاق المسلمين، وإنما تنازعوا: هل يختص بنوع الس بب المسؤول عنه؟ وأما بعين السبب فلم يقل أحد من المسلمين: إن آيات الطلاق أو الظهار أو اللعان أو حد السرقة

عدد الصفحات ١٠٠

101 والمحاربين وغير ذلك يختص بالشخص المعين الذي كان سبب نزول الآية (مجموع الفتاوى) 19/ 14.

عدد الصفحات ١٠١

102 المقدمة التاسعة: الاستدلال بالآيات التي نزلت في الكفار على المسلمين: وهذه من المسائل المتفرعة عن قاعدة (العبرة بعموم اللفظ لا بّصوص السبب)، فالآية قد تنزل في الكفار إلا أنه يُستدل بها على المسلمين مادام لفظها عاماً يحتمل ذلك، وقد ذكرت في المقدمة السابقة أن قول الصحابي نزلت هذه الآية في كذا ليس قصراً للنص العام على سببه. وإليك بعض الأدلة على جواز الاستدلال بالنصوص الواردة في الكفار على المسلمين: 1 - قولهتعاورءا المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرِفا، ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل، وكان الإنسان أكثر شيء جدلا، وما منع الناس أن يؤ منوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب ق ُبُلا، وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين، ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق 53 - 56، فالآيات كما هو ظاهر وردت في الكفار، وجدالهم بالباطل، ومع ذلك فقد استدل النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعاوكان الإنسان أكثر شيء جد عنه، وقد سبق الحديث في ذلك في المقدمة السادسة (العبرة بعموم اللفظ). 2 - قوله صلىالله عليه وسلم (لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة) رواه

عدد الصفحات ١٠٢

103 البخاري، ورد في الكفار وهم الف رس عندما ملّ كوا ابنة ك سرى عليهم، فاستدل به أبو بكرة رضي الله عنه على عائشة رضي الله عنها يوم الجمل، وقد سبق حديثه في المقدمة السادسة. 3 - قولهتعاقل الله ينجيكم منها ومن كل كَرْبٍ ثم أنتم تشرك ون، قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض64 - 65، فهذا تهديد ووعيد للمشركين فقال تعاثم أنتم تشركون ذلك فقد حملها رسول الله صلى الله ع ليه وسلم على المسلمين، فيما رواه البخاري عن جابر رضي الله عنه قال: لما نز لت هذه الآيةالقادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم وسلم (أعوذ بوجهك)، قال (أو من تحت أرجلكم) قال (أعوذ بوجهك)، (أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض)، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (هذا أهْوَن، أو هذا أيسر) الحديث (4628.) 4 - قولهتعالى: {لُعِنَ الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكا نوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون78 - 79، فهذا نص صريح الكفار من بني اسرائيل، ومع ذلك فقد تلا رسول الله صلى الله علي ه وسلم هذه الآيات ثم قال (كلا، والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أَطْرًا، ولتقصرنه على الحق قصْرًا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعننكم كما لعنهم)

عدد الصفحات ١٠٣

104 الحديث رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن، فاية في الكفار وقد استدل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين أنهم يصيبهم ما أصاب الكفار من الوعيد إذا فعلوا مثل ما فعلوا. 5 - قولهتعايا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله، والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم } التوبة34، وقد روي البخاري عن أبي ذر قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في {ا في سبيل ا نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم. الحديث (1406.) 6 - قوله تعاإن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيّناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون 159، نزلت في أهل الكتاب الذين كتم وا صفة النبي صلى الله عليه وسلم الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، ومع ذلك فقد استدل الصحابة بعموم لفظها، فقال أبو هريرة رضي الله عنه: إن الناس يقولون أكثَر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدّثت حديثاً، ثم يتلو الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات - إلى قوله - الرحيم البخاري ( 118.) يعني أبو هريرة أنه لولا الوعيد عل ى كتمان العلم ا لوارد في هذه الآية ما حدَّث بالأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. وبنفس الآية استدل عثمان بن عفان رضي الله عنه على ذلك، فيما رواه عنه البخاري (حديث

عدد الصفحات ١٠٤

105 160.) 7 - قولهتعاإن الذين يشترون بعهد الله وأيُانهم ثمناً قليلاً أولئك لا خلاق لهم في الآخرة 77، نزلت في أهل الكتاب، واستدل بها الصحابة على الوعيد الوارد في اليمين الغموس، كما رواه البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه (حديث 2676.) والأدلة علىهذه المسألة كثيرة ومعروفة لمن يطالع في التفاسير، فأكتفي بما سبق، ففيه دلالة على جواز الاستدلال بالنصوص الوار دة في الكفار على المسلمين مادام اللفظ يحتمل ذلك، وفي بيان هذا قال ابن تيمية رحمه الله (فإن نصوص الكتاب والسنة اللذين هما دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، يتناولان عموم الخلق بالعموم اللفظي والمعنوي، أو بالعموم المعنوي ، وعهود الله في كتابه وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - تنال آخر هذه الأمة، كما نالت أولها، وإنما قصَّ الله علينا قصص من قبلنا من الأمم، لتكون عبرة لنا، ف َنُشَبِّه حالنا بحالهم، ونقيس أواخر الأمم بأوائلها، فيكون للمؤمن من المتأخرين شبه بما كان للمؤمن من الم تقدمين، ويكون للكافر والمنافق من المتأخرين شبه بما كان للكافر والمنافق من المتقدمين، كما قال تعالى لما قصّ قصة يوسف مفصلة، وأجمل قَصص الأنبياء، ثم قال قصصهم عبرة لأولي الألباب - إلى أن قال - وأخبر سبحانه أن دأب الكافرين م ن المستأخرين كدأب الك افرين من المستقدمين) (مجم وع الفتاوى) 28/ 425 - 426. وقد كانت هذه من الشبهات التي أثارها خصوم دعوة الشيخ محمد بن عبد

عدد الصفحات ١٠٥

106 الوهاب، فأنكروا عليه وعلى أتباعه الاستدلال بالنصوص الواردة في الكفار - كالنصوص الدالة على كفر من يدعو غير الله ويستغيث به - على تكفير من يفعل ذلك من المسلمين، ومن ذلك قول زيني دحلان مفتي مكة (وتمسّك في تكفير المسلمين بآيات نزلت في المشركين فحملها على الموحّدين) أه . فردّ عليه وعلى أمثاله كثير من علماء الدعوة، فقال الشيخ عبد الله أبو بطين: (وأما قول من يقول إن الآيات التي نزلت بحكم المشركين الأ ولين، فلا تتناول من فعل فعلهم، فهذا كفر عظيم، مع أ ن هذا قول ما يقوله إلاّ ثور مرتكس في الجهل، فهل يقول إن الحدود المذكورة في القرآن والسنة لأناس كانوا وانقرضوا؟ فلا يحَُدّ الزاني اليوم، ولا تقطع يد السارق، ونحو ذلك، مع أن هذا قول يستحيا من ذكره، أفيقول هذا إن المخاطبين بالصلاة والزكاة وسائر شرائع الإسلام انقرضوا وبطل حكم القرآن) أه . وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ : (إن من منع تنزيل القرآن وما دلّ عليه من الأحكام على الأشخاص والحوادث التي تدخل تحت العموم اللفظي، فهو من أضل الخلق وأجهلهم بما عليه أهل الإسلام وعلماؤهم قر ناً بعد قرن، وجيلا بعد جيل، ومن أعظم الناس تعطيلاً للقرآن، وهجراً له وعزلاً عن الاستدلال به في موارد النزاع فنصوص القرآن وأحكامه عامة لا خاصة بّصوص السبب، وما المانع من تكفير من فعل ما فعلت اليهود من الصدّ عن سبيل الله والكفر به، مع

عدد الصفحات ١٠٦

107 معرفته؟) أه وقال الشيخ عبد اللطيف أيضا: (ومن شبهاته قوله في بعض الآيات هذه نزلت فِيمن يعبد الأصنام، هذه نزلت في أبي جهل، هذه نزلت في فلان وفلان يريد - قاتله الله - تعطيل القرآن عن أن يتنا ول أمثالهم وأشباههم ممن يعبد غير الله، ويعدله بربه) أه . وقال الشيخ عبد اللطيف أيضا: (ومن الأسباب المانعة عن فهم كتاب الله أنهم ظنوا أن ما حكى الله عن المشركين، وماحكم عليهم ووصفهم به خاص بقومٍ مضوا، وأناس سلفوا، وانقرضوا، لم يعقبوا وارثاً، وربما سمع بعضهم قول من يقول من المفسرين هذه نزلت في عبّاد الأصنام، هذه في النصارى ...، فيظن الغرّ أن ذلك مختص بهم، وأن الحكم لا يتعداهم، وهذا من أكبر الأسباب التي تحول بين العبد وبين فهم القرآن والسنة) أه . وهذه النقول السابقة بدءًا من قول زيني دحلان إلى آخر الردود منقو لة من كتاب (دعاوي المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب) لعبد العزيز العبد اللطيف، ط دار طيبة 1409 ه ، ص227 - 230.

عدد الصفحات ١٠٧

108 المقدمة العاشرة: خطاب الله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم هو خطاب لأمته إلا أن يقوم دليل على التخصيص: وقد دَلَّ على ذلك ثلاثة أدلة: 1 - الدليل الأول: أمر الله للأمة بالاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم، كما في قو له تعالقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة 21، وقولهتعالى: {وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا الحشر 7. 2 - الدليل الثاني: أن النص على الاختصاص في موضع يدل على التعميم في غيره. كما في قوله تعاوامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للن بي، إن أرا د النبي أن يستنكحها، خالصة لك من دون المؤمن50، فحيث أراد ا تعالى تخصيصه صلى الله عليه وسلم بحكم من الأحكام بينّ ذلك نصاً، فعُلم أنه حيث سكت عن ذلك أراد العموم، قال تعاوما كان ربك نَسِيّاً 64. 3 - الدليل الثالث: استقراء نص وص القرآ ن. فدلت على أن الله تعالى يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بّطاب لفظه خاص والمقصود منه تعميم الحكم، ومثاله: قوله تعايا أيها النبي إذا طلقتم النساء1، فبدأ بّطاب

عدد الصفحات ١٠٨

109 خاصا أيها الن الحكم له ولأمته. وقو له تعايا أيها النبي لمَِ تحرّم - إلى قوله - قد فرض الله لكم تحلة أيُانكم1 - 2، ويقال فيها ما قيل في الآية السابقة فبدأ بّطاب خاصلله لكم وقوله تعايا أيها النبي اتق الله - إلى قوله - إن الله كان بم ا تعملون خبيراً1 - 2. ونحوها من الآيات، انظر (مذكرة أصول الفقه) للشنقيطي ص 195 - 196. ولهذا فقد قال ابن تيمية رحمه الله (الأصل فيما خوطِبَ به النبي صلى ا عليه وسلم في كل ما أُمِرَ به ونهُِيَ عنه وأبيح له، سارٍ في حق أمته، كمشاركة أمته له في الأ حكام وغيرها حتى يقوم دليل على التخصيص، فما ثبت في حقه من الأحكام ثبت في حق الأمة إذا لم يخَُصَّص، هذا مذهب السلف والفقهاء) (مجموع الفتاوى) 15/ 82، وقد كرر هذا في ج 22 ص 321 - 322. وقال ابن تيمية أيضا (أنه- سبحانه وتعالى - لما أحل له صلى الله عليه وسلم الو اهبة قال "خالصة لك من دون المؤمنين" ليبين اختصاصه بذلك، فعُلِمَ أنه حيث سكت عن الاختصاص كان الاشتراك ثابتا، وإلا فلا معنى لتخصيص هذا الموضع ببيان الاختصاص) (مجموع الفتاوى) 15/ 444.

عدد الصفحات ١٠٩

110 المقدمة الحادية عشرة: قول الصحابي يخصص عموم القرآن لاسيما إذا خولف: قال الآمدي رحمه الله (مذهب الشافعي في القول الجديد، ومذهب أكثر الفقهاء والأصوليين، إن مذهب الصحابي إذا كان على خلاف ظاهر العموم، وسواء كان هو الراوي، أو لم يكن لا يكون مخصصاً للعموم، خلافاً لأصحاب أبي حنيفة، والحنابلة، وعيسى بن أبان، وجماعة من الفقهاء. ودليله أن ظاهر العموم حجة شرعية يجب العمل بها باتفاق القائلين بالعموم ومذهب الصحابي ليس بحجة على ما سنبينه، فلا يجوز ترك العموم به. فإن قيل: إذا خالف مذهب الصحابي العموم، فلا يخلو: إما أن يكون ذلك لدليل، لا جائز أن يكون لا لدليل وإلا وجب تفسيقه، والحكم بّروجه عن العدالة، وهو خلاف الإجماع. وإن كان ذلك لدليل، وجب تخصيص العموم به جميعاً بين الدليلين، إذ هو أولى من تعطيل أحدهما، كما علم غير مرة. قلنا: مخالفة الصحابي للعموم إنما كانت لدليل عَنَّ له في نظره، وسواء كان في نفس الأمر مخطئاً فيه أو مصيباً، فلذلك لم نقض بتفسيقه، لكونه مأخوذاً باتباع اجتهاده وما أوجبه ظنه، ومع ذلك فلا يكون ما عَنَّ له في نظره حجة متبعة بالنسبة إلى غيره بدليل جواز مخالفة صحابي آخر من غير تفسيق، ولا تبديع، وإذا لم يكن ما صار إليه حجة واجبة الاتباع بالنسبة

عدد الصفحات ١١٠

111 إلى الغير، فلا يكون مخصصاً لظاهر العموم المتفق على صحة الاحتجاج به مطلقاً) أه (الإحكام في أصول الأحكام) لسيف الدين الآمدي، 2/ 357 - 358. وقال الشوكاني رحمه الله (اجتهاد الصحابي لا يخصص ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم بإجماع المسلمين) (السيل الجرار) 4/ 581. وقال الشنقيطي رحمه الله (اع لم أن التحقيق أنه لا يخُصص النص بقول الصحابي إلا إذا كان له حُكم الرفع، لأن النصوص لا تخصص باجتهاد أحد لأنها حجة على كل من خالفها) (مذكرة أصول الفقه) ص 199، ط مكتبة ابن تيمية 1409 ه . وقوله (إلا إذا كان له حكم الرفع) أي: المرفوع حكما من الأحاديث ومثاله قول الصحابي: أمِرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، أو من السنة كذا، أو كنا نقول أو نفعل كذا. انظر (مذكرة أصول الفقه) للشنقيطي ص 114 - 116، و (تدريب الراوي) للسيوطي، 1/ 185 - 193. قلت: وما سبق كله في قول الصحابي إذا لم يخالفه صحابي آخر، أما إذا خالفه صحابي آخر فقوله ليس حجة بالاتفاق كما سبق تقريره في المقدمة الثالثة، وانظر المسألة أيضا في (ارشاد الفحول) للشوكاني ص 151.

عدد الصفحات ١١١

112 المقدمة الثانية عشرة: لفظ الكفر المعرَّف بأل يدل على الكفر الأكبر اعلم أن هناك فرقاً بين لفظ الكفر إذا جاء بصيغة الاسم النكرة (ككُفْر، وكافر، وكُ فار، وكا فرون)، وإذا جاء بصيغة المعرفة بدخول (أل) على الاسم النكرة (كالكُفْر، والكافر، والكفار، والكافرون) وفي هذا قال ابن تيمية رحمه الله (وف َرْقٌ بين الكفر المعرف باللام كما في قوله صلى الله عليه وسلم "ليس بين العبد وبين الكفر أو الشرك إلا ترك الصلاة" وب ين كُفر مُ نكَر في الاثبات) (اقتضاء الصراط المستقيم) ط المدني، ص 69. فإذا جاء الكفر بصيغة النكرة احتمل أن يُراد به الكفر الأكبر أو الأصغر، وهذا في السنة فقط، أما في القرآن فسواء جاء بصيغة النك رة أو المعرفة فالمراد به الكفر الأكبر كما سأذكره في المقدمة التال ية، وقد فصلت هذا في مبحث الاعتقاد في شرح قاعدة التكفير وفي نقد كتاب (ضوابط التكفير عند أهل السنة) للقرني، وضربت هناك الأمثلة على ذلك، فلا داعي لإعادتها هنا. أما إذا جاء الكفر بصيغة المعرفة، ف إنه لا يُراد به إلا الكفر الأكبر، وذلك لتصدير الاسم بالألف واللام المؤدية لحصول كمال المسمى، وهذا لا خلاف عليه بين أهل العلم بلغة العرب، فإنك إذا قلت "عمرو الشجاع" أفدت أنه الكامل في الشجاعة، فتخرج الكلام في صورة توهم أن الشجاعة لم توجد إلا فيه لعدم الاعتد اد بشجاعة غيره لقصورها عن رتبة الكمال، وهذا بّلاف قولك "عمرو شجاع "، فظهر بذلك الفرق بين الاسم النكرة

عدد الصفحات ١١٢