81 الفحول) للشوكاني ص 226، و (اعلام الموقعين) لابن القيم،4/ 118 - 155. المقدمة الرابعة إذا اختلف الصحابة في مسألةٍ على قولين، فالحق في أحدهما ولا يجوز إحداث قول ثالث في المسألة: والدليل على ذلك: 1 - من كتاب الله قوله تعاكنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر110، والصحابة هم أول من يدخل في هذا النص، فلا بد أن يكون المعروف والحق في أقوالهم وإن اختلفت فالحق لا يخرج عنها. (منهاج السنة) لابن تيمية، 8/ 345. 2 - ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله (لا تزال طائفة من أم قائمة بأمر الله) وفي ر واية (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق) الحديث، وهو حديث الطائفة المنصو رة المتفق عليه المشهور. فلا بد أن يكون في كل عصر قائل بالحق قائم بأمر الله. 3 - ومن اجماع: الإجماع على أن الأمة لا تجتمع على ضلالة. (مجموع فتاوى ابن تيمية) 27/ 373. ومن أقوال العلماء في هذه المسألة: قال الخطيب البغدادي رحمه الله: (لو اختلف الصحاب ة بمسألة على قولين وانقرض العصر عليه، فإنه لا يجوز للتابعين إحداث قول ثالث، لأن
عدد الصفحات ٨١82 اختلافهم على قولين إجماع على إ بطال كل قول سواه، فكما لم يجز إحداث قول ٍ ثان فيما أجمعوا فيه على قولٍ، لم يجز إحداث قول ثالث فيما أجمعوا فيه على قولين. ثم روي الخطيب بإسناده عن عمر بن عبد العزيز قوله: سَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر بعده سُننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعته، وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في ر أي من خالفها، فمن اقتدى بما سَنّوا اهتدى، ومن استبصر بها بصر، ومن خالفها و اتبع غير سبيل المؤمنين ولاّه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا) (الفقيه والمتفقه) 1/ 173. قال ابن تيمية رحمه الله (الأمة إذا اختلفت في مسألة على قولين لم يكن لمن بعدهم إحداث قول يناقض القولين ويتضمن إجماع السلف على الخطأ والعدول عن الصواب) (مجموع الفتاو ى) 34/ 125. ونقل السيوطي عن القاضي عبد الوهاب من المالكية قوله (تواترت الأخبار عنه صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم خلاف من خالفهم حتى يأتي أ مر الله" فأعلمنا صلى الله عليه وسلم بذلك إنه لا يخلو عصر من أعصار المسلمين من قائم لله بالحق وداع إلى الهدى فوجب إحالةُ ما خرج عن ذلك، وقد أخرج هذا الحديث مخرج المدح لأمته والتعظيم لشأنها في كل عصر، وأن الحق لا يخرج عن خلافها إذا اختلفت، فإما أن يقوم جميعهم بالحق أو بعضهم) أه من (الرد على من أخلد إلى الأرض) للسيوطي، ص 108 - 109، ط دار الكتب العلمية
عدد الصفحات ٨٢83 1403 ه وفي الجملة فإن العلماء لم يختلفوا في أن الحق لا يخرج عن قو ل الصحابة، فإن أجمعوا فإجماعهم حجة قطعية، وإن اختلفوا فالحق في قول بعضهم ويُعلم هذا بالرد إلى الكتاب والسنة، ولا يجوز الخروج عن أقوالهم، وقال بهذا محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة فيما نقله ابن عبد البر في (جامع بيان العلم) 2/ 26، وبه قال الشافعي نقله عنه البيهقي كما قال ابن القيم في (اعلام الموقعين) 4/ 122، وبه قال أحمد ابن حنبل فيما نقله ابن القيم من أصول مذهبه في (اعلام الموقعين) 1/ 31.
عدد الصفحات ٨٣84 المقدمة الخامسة: وجوب العمل بالراجح من الأقوال المتعارضة: إذا اختلفت أقوال الصحابة فمن بعدهم من العلماء، فقد وجب الترجيح بينها، لمعرفة الراجح منها للعمل به، ولا يجوز التخيرُّ من أقوالهم للعمل بأيها دون نظر في الترجيح. أما الراجح: فهو الأقوى من بين الأقوال المتعارضة، وإنما يستفيد قوته ورجحانه بموافقته للأدلة الشرعية على الوجه الذي يعرفه العلماء في الترجيح بينها. وأما دليل وجوب الترجيح: فمنه قوله تعافإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر 59، وقوله تعاوما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى ا10، فالواجب ردّ كل ما فيه تنازع من الأدلة أو الأقوال المتعارضة إلى الكتاب والسنة لمعرفة الصواب من الخطأ فيها، ولمعرفة ما ي ُقَدَّم منها وما يؤخر، وهذا الرد هو الترجيح. ودليل وجوب الترجيح أيضا هو إجماع الصحابة رضي الله عنهم على ذلك وهو حجة قطعية، فقد قدّموا حديث وجوب الغُسل عند التقاء الختانين على حديث الماء من الماء، مع أن الحديثين صحيحان، وغير ذلك مما عملوا فيه بالترجيح، هذا ما قاله الشوكاني رحمه الله في (ارشاد الفحول) ص 254،
عدد الصفحات ٨٤85 ونقله بنصه عن الغزَّالي رحمه الله كما هو مذكور في (المستصفى) ج 2 ص 394. ومن أقوال العلماء في بيان وجوب الترجيح بين الأقوال المتعارضة 1 - قال ابن تيمية رحمه ا : (أجمع العلماء على تحريم الحكم والفتيا بالهوى، وبقول ٍأو وجه من غير نظر في الترجيح) (الاختيارات الفقهية) لابن تيمية، جمع البعلي، تحقيق الفقي، ط دار المعرفة، ص 332. 2 - وقال أبو عمرو ابن الصلاح رحمه الله: (واعلم أن من يكتفي بأن يكون في فتياه أو عمله موافقا لقولٍ أو وجهٍ في المسألة، ويعمل بما يشاء من الأقوال أو الوجوه من غير نظر في الترجيح، ولا ت قيدٍ به فقد جهل وخرق الإجماع) (أدب المفتي) ص 125. 3 - قالابن القيم رحمه الله: (لا يجوز للمفتي أن يعمل بما شاء من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح ولا ي َعْتَد به، بل يكتفي في العمل بمجرد كون ذلك قولا قاله إمام أو وجها ذهب إليه جماعة فيعمل بما يشاء من الوجوه والأقوال حيث رأى القول وَفْقَ إرادته وغرضه عمل به، فإرادته وغرضه هو المعيار وبها الترجيح، وهذا حرام باتفاق الأمة - إلى أن قال - وقد قال مالك رحمه الله في اخت لاف الصحابة رضي الله عنهم مخطئ ومصيب فعليك بالاجتهاد. وبالجملة فلا يجوز العمل والإفتاء في دين الله بالتّشَهِّي والتخير وموافقة الغرض فيطلب القول الذي يوافق غرضه وغر ضَ مَنْ يحُابيه فيعمل به، ويفتي به، ويحكم به، ويحكم على عدوه ويفتيه بضده، وهذا من أفسق الفسو ق
عدد الصفحات ٨٥86 وأكبر الكبائر، والله المستعان) (اعلام الموقعين) ج4 ص211. هذا، وقد سبق تفصيل هذه المسألة في أحكام المفتي بالفصل الأول من الباب الخامس بهذا الكتاب، عند الكلام في وجوب الإفتاء بالحق وبالأقوال الراجحة.
عدد الصفحات ٨٦87 المقدمة السادسة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب 1 - العام: هو الحكم المستغرق لجميع ما يصلح له بطريق الشرع أو بطريق اللغة. 2 - ويتبين من هذاأن العموم يستفاد من عدة طرق أهمها طريقان: (أ) الطريق الأول: العموم المست فاد بطريق الشرع وإن كانت صيغته خاصة من جهة اللغة، وهو خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم لآحاد ا لمكلفين بأمر أو نهي، فإنه حكم عام لجميع المكلفين لأنه صلى الله عليه وسلم مبعوث لجميع الخلق، قال تعاوما أرسلناك إلا كافة للناس بأ 27، إلا أن يقوم دليل على خصوصية المخاطب بهذا الحكم، فقوله صلى الله عليه وسلم للمستحاضة (إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة) الحديث متفق عليه، هو حكم عام لكل مستحاضة إلى يوم القيامة وإن كان الخطاب فيه خاصا بامرأة معينة ، ومثله قوله صلى الله عليه وسلم - لمن سأله يوم النحر أنه حلق قبل أن يذبح - فقال (اذبح ولا حرج) الحديث متفق عليه. فهذا حكم عام وإن كان خطابا خاصا إلا أن يقوم دليل على الخصوصية كقوله صلى الله عليه وسلم لأبي بردة - في الأضحية بجذعة المعز - (تجزئك، ولا تجزئ أحد ا بعدك) رواه البخاري. انظر (البرهان في أص ول الفقه) للجويني، 1/ 370 - 371. (ب) الطريق الثاني العموم المستفاد بطريق اللغة، وهو العموم اللفظي وتعريفه
عدد الصفحات ٨٧88 أنه (اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد، دفعة، بلا حصر) (مذكرة أصول الفقه) للشنقيطي ص 243، و (ارشا د الفحول) 105 - 106، و (الإحكام) للآمدي2/ 286 - 287. 3 - وألفاظ (صيغ) العموم اللغوي هي: (أ) الاسم المعرّف بأل غير العهدية: سواء كان اسم مفرد (كالسارق) أو اسم جمع (كالمطلقات) أو اسم جنس (كالإنسان والحيوان والماء). (ب) المعرّف بالإضافة. (ج ) أسماء الشرط. (د) أسماء الاستفهام. (ه ) الأسماء الموصولة. (و) النكرة في سياق النفي. (ز) النكرة في سياق الشرط. (ح ) لفظ كل وجميع ونحوهما. انظر (ارشاد الفحول) ص 108 - 113. 4 - وينقسمالعموم اللفظي من جهة وروده إلى قسمين: (أ) القسم الأول: ما ورد ابتداء بغير سبب: فهذا لا خلاف في عمومه وشموله لكل ما يصلح له، كقوله تعالى{ :والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا...}فلفظ (الإنسان) اسم جنس معرف بأل يعم كل إنسان، وكقوله صلى الله عليه وسلم (أمرت أن أق اتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله) الحديث متفق عليه، فلفظ (الناس) اسم جنس معرف بأل ي عم جميع الناس. قال الآمدي (وكل عام ورد مبتد أ بطريق الاستقلال، فلا خلاف في عم ومه
عدد الصفحات ٨٨89 عند القائلين بالعموم) (الإحكام2/ 347، وانظر (الموافقات) للشاط 1/ 300. (ب) القسم الثاني: ما ورد بسبب: والسبب إما أن يكون واقعة أو سؤالاً، والعام إذا ورد على سبب خاص فله ثلاث حالات: الأولى: أن يقترن بما يدل على العموم فيعم إجماعا كقوله تعاوالسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } المائدة38، لأن سبب نزولها المخزومية التي قطع النبي صلى الله عليه وسلم يدها، والاتيان بلفظ (السارق) المذكّر يدل على التعميم، وعلى القول بأنها نزلت في ا لرجل الذي سرق رداء صفوان بن أمية في المسجد فالإتيان بلفظ (السارقة) الأنثى دليل على التعميم أيضا، ومثاله أيضا قوله تعاإن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) ا لنساء 58، فسبب نزولها أن العباس بن عبد المطلب أراد أخذ مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة سادن الكعبة، فنزلت الآية فأمر النبي صلى الله علي ه وسلم بِرد المفتاح لعثمان، فذكر الأ مانات بصيغة الجمع، قرينة تدل على أنه لم يُرد خصوص السبب - وهو مفتاح الكعبة - بل يراد به عموم الأمانات. انظر (جمع الجوامع) لتاج الدين السبكي، وحاشيتي المحلى والعطار عليه، ج 2 ص74، وانظر (مذكرة أصول الفقه) للشنقيطي ص 250. الحالة الثانية: أن يقترن العاما يدل على تخصيصه بالسبب، فيخص إجماعا، أي تكون العبرة بّصوص السبب لا بعموم اللفظ. انظر (المستصفى) للغزالي 2/ 21، و (الإحكام) للآمدي2/ 239. وضرب الشنقيطي مثالاً لذلك بقولهتعاوامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها
عدد الصفحات ٨٩90 - إلى قوله- خالصة لك من دون المؤمنين) الأحزاب 50،(مذكرة أصول الفقه) ص 250. الحالة الثالثة: ألا يقترن العام بقرينة تدل على التعميم أو الت خصيص: وهي محل الخلاف بين العلماء، والحق فيها أن العبرة بعموم اللفظ لا بّصوص السبب، وهو قول جمهور العلماء كما حكاه أبو عمرو بن الحاجب في (منتهى الوصول والأمل) ص 79، وحكاه الشوكاني في (ارشاد الفحول) ص 126. وقال الشوكاني: (وهذا المذهب هو الحق الذي لا شك فيه و لا شُبهة، لأن التعبد للعباد إنما هو باللفظ الوارد عن الشارع وهو عام، ووروده على سؤال خاص لا يصلح قرينة لقصره على ذلك السبب) أه . ويدل على أن العبرة بعموم اللفظ لا بّصوص السبب أدلة منها: الدليل الأول: ما رواه البخاري عن ابن مسعود أن رجلا أصاب من امرأة قُبلة، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فأنزلت عليه {زلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين - هود 114 - قال الرجل أليَِ هذه؟ قال صلى الله عليه وسلم (لمن عمل بها من أمتي) وفي رواية للبخاري (قال لجميع أم تي كلهم). فهذا نص في محل النزاع على أن العبرة بعموم اللفظ، لأن (الحسنات والسيئات) صيغ عموم، مع أن سبب النزول خاص بِرَجُلٍ معين في ذنبٍ معين، وعلى هذا انعقد إجماع أهل الس نة على أن الحسنات تكفر السيئات
عدد الصفحات ٩٠91 بالموازنة الدليل الثاني: ما رواه البخاري عن عَلِيّ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه ليلاً وفاطمة بنت رسول صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: ألا تُصَلّون؟ فقال علي: يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول الإنسان أكثر شيء جدلاً أو كما قال، الحديث 1127 و7347، وهذه الآية من سورة الكهف ( 54) مكية نزلت في كفار مكة، و تلاوته صلى الله عليه وسلم لها في هذا الموضع مع علي وزوجه فاطمة رضي الله عنهما يدل على أن العبرة بعموم اللفظ. الدليل الثالث: ما جاء في تفسير قوله تعافمن كان منكم مري ضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نُسك196، وفيها قال كعب بن عجرة رضي الله عنه (نزلت فيَِّ خاصة، وهي لكم عامة) الحديث رواه البخاري ( 4517.) وهذا أيضانص في محل النزاع، خاصة وأن ما قاله كعب هو محل إجماع من الأمة. الدليل الرابع: ما رواه ا لبخاري عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل، لما ب َلَغَ النبي صلى الله عليه وسلم أن فارساً مَلَّكوا ابنة كسر ى قال (لن يُفلح قومٌ ولّوا أمرهم امرأة) حديث (7099.) وأيام الجمل يعني بها عندما خرجت عائشة وطلحة والزبير رضي الله عنهم عَلَ ى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فلما كانت عائشة
عدد الصفحات ٩١92 على رأسهم استدل أبو بكرة بهذا الحديث على أنهم لن يفلحوا، ولم ينكر أحدٌ من الصحابة على أبي بكرة استدلاله بذلك ، فهذا إجماع - سكوتي - منهم على أن العبرة بعموم اللفظ لا بّصوص السبب، إذ إن الحديث قيل في قوم ٍ كفار (وهم الفُرْس) وامرأة كافرة (وهي ابنة كسرى) ولكنه أجراه على المسلمين لعموم لفظه، فهو نكرة (قوم ٌ) في سياق النفي (لن) وم ع أن بعض العلماء قصر هذا الحديث على سببه فجعل النهي عن تولية النساء خاصاً بالإمامة العظمى (لأنه ورد في تولي ابنة كسرى المُلك) وهذا قول ابن حزم إلا أن الجمهور على خلافه وأن النهي عام في جميع الولايات لعموم اللفظ، ومع ذلك فلم يقل أي من الفريقين بأن الحديث ور د في الكفار ولا يجوز الاستدلال به للمسلمين. الدليل الخامس: قوله تعاإنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا ...}- المائدة33، ولم يخت لف العلماء في أنها نزلت في المرتدين (العُرَنيين) وقد عمموا حكمها على كل محارب وقاطع طريق سواء كان مسلماً أو كافراً. انظر (مجموع فتاوى ابن تيمية) 7/ 85، و (فتح الباري) 12/ 109 - 110. الدليل السادس: أن ما ثبت فيه أن العام يقصر على سببه، فلوجود دليل آخر يدل على ذلك، كما قال ابن تيمية رحمه الله (واللفظ العام إن أريد به الخاص فلا بد من نصب دليل يدل على التخصيص، إما مقترن بالخطاب عند من لا يجوِّز تأخير البيان، وإما موسَّع في تأخيره إلى حين الحاجة عند الجمهور) (مجموع الفتاوى) 20/ 271، وقال أيضا (إذا كان اللفظ أعم
عدد الصفحات ٩٢93 من ذلك السبب، فقد قيل: إنه يقتصر على سببه، والذي عليه جماهير الناس أنه يجب الأخذ بعموم القول ما لم يقم دليل بوجوب القصر على السبب) (الصارم المسلول) ص 33، ومن أمثلة ذلك (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى امرأة مقتولة في بعض مغازيه فأنكر قتل النساء والصبيان) متفق عليه، فهذا نص عام في النهي عن قتل جميع النساء ولكنه قُصِرَ على سببه وهو أن ذلك في قتال الكفار الأصليين، لأن الأدلة الأخرى أوجبت هذا القصر ومن هذه الأدلة وجوب قتل المرأة المرتدة للحديث (من بدّل دينه فاقتلوه) رواه البخاري، وقتل المرأة قصاصاً لقوله تعاوالأنثى بالأنثى178، ومن أمثلة قصر العام على سببه بدليل آخر قوله صلى الله عليه وسلم (إذا دُبغ الإهاب فقد طهر) رواه مسلم، فقد كان سببه الشاة الميتة، فدل على أن جلد الميتة من مأكول اللحم يطهر بالدباغ، ولا يدخل فيه جلد ميتة غير مأكول اللحم بدليل نهيه صلى الله عليه وسلم عن جلود السباع، الحديث رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترم ذي. والخلاصة: أن اللفظ العام الوارد عل ى سبب، حُكمه ي َعُم كل ما يشمله اللفظ ما لم يقم دليل بوجوب قصر الحكم على السبب، أي: أ ن العبرة بعموم اللفظ لا بّصوص السبب، ويتفرع عن هذا ثلاث مسائل وهي: الأولى: أن صورة س بب الورود قطعية الدخول في النص العام. والثانية: أن قول الصحابي نزلت هذه الآية في كذا ليس قصراً للنص العام على سببه. والثالثة: الاستدلال بالآيات التي نزلت في الكفار على المس لمين.
عدد الصفحات ٩٣94 وسوف نفرد كل مسألة من هذه بمقدمة مستقلة فيما يلي إن شاء ا
عدد الصفحات ٩٤95 المقدمة السابعة: صورة سبب الورود قطعية الدخول في النص العام: وقلت سبب الورود ولم أقل سبب النزول ليدخل ف يه نصوص الكتاب والسنة الواردة على أسباب، أما سبب النزول فإنه خاص بنصوص الكتاب في مصطلح أهل العلم. وقد تبين من المقدمة السابقة أن اللفظ العام الوارد على سبب، حُكمه يعُم كل ما يشمله اللفظ ما لم يقم دليل يوجب قصر الحكم على السبب، أ ي أن (العبرة بعموم اللفظ لا بّصوص السبب). والذي يشمله اللفظ العام ثلاثة أشياء: عين السبب، وصورة السبب أي نوع الس بب، وعموم اللفظ، ونضرب لها مثالا بحديث (أيُا إهاب دُبغ فقد طهر) فقد قاله النبي صلى الله عليه وسلم في شاةٍ ميتة لمو لاة للسيدة ميمونة رضي الله عنها، فقال (ألا انتفعتم بإهابها فدبغتموه؟) فقالوا: إنها ميتة، فقال (إنما حَرُمَ أكلها) رواه الجماعة. (نيل الأوطار) 1/ 73. * فعين السبب هنا: هو الشاة الميتة لمولاة السيدة ميمونة يطهر جلدها بالدباغ. * ونوع السبب أو صورته: هو كل شاة ميتة فيطهر جلدها بالدباغ. * و عموم اللفظ: هو أن جلد كل حيو ان يطهر بالدباغ (أيُا إهاب) وخرج غير مأكول اللحم من هذا الحكم بدليل آخر. فعين السبب ونوع السبب داخلان في حكم العموم بلا خلاف معتبر، وإنما
عدد الصفحات ٩٥96 الخلاف في عموم اللفظ، وقد تب لك أن العبرة بعموم اللفظ لا بّصوص السبب. وفي دخول نوع السبب في حكم العام قال ابن تيمية رحمه الله (وليس بين الناس خلاف نعلمه أنها تعمّ الشخص الذي نزلت بسببه ومن كان حاله كح اله) (الصارم المسلول) ص 33، فقوله (تعم الشخص الذي نزلت بسببه) أي عين السبب، وقوله (و من كان حاله كحاله) أي صورة السبب. وقال ابن تيمية أيضا (واللفظ العام إذا ورد على سبب فلا بد أن يكون السبب مندرجاً فيه) (اقتضاء الصراط المستقيم) ص 185، ومثله في ص 50، ومثله (مجموع الفتاوى) 16/ 364، و18/ 253. ويعني بالسبب عينه وصورته كما يظهر من سياق كلام ه، وكما يدل عليه كلامه السابق في (الصارم المسلول). وقال السيوطي رحمه الله - في معرفة فوا ئد أسباب النزول - (ومنها أن اللفظ قد يكون عاماً ويقوم الدليل على تخصيصه، فإذا عُرِف السبب قُصِرَ التخصيص على ماعدا صورته، فإن دخول صورة السبب قطعي وإخراجها بالاجتهاد ممنوع، كما حكى الإجماع عليه القا ضي أبو بكر في "التقريب"، ولا التفات إلى من شذَّ فجوَّز ذلك) (الاتقان في علوم القرآن) 1/ 28. وقوله (مَن شذّ فجوز ذلك) يشير إلى بعض الأحناف، انظر (الإحكام) للآمدي 2/ 241. وقوله (القاضي أبو بكر) يعني الباق403 ه ، ونقل الإجما ع على ذلك الغزالي أيضا في (الم ستصفى) 2/ 61. وقال الشنقيطي ره الله (وجمهور أهل الأصول ع لى أن صورة السبب
عدد الصفحات ٩٦