65 حينئذ تتمزق ا لنفس البشرية بين سلطتين مختلفتين، وبين اتجاهين مختلفين، وبين منهجين مختلفين .. وحينئذ تفسد الحياة البشرية ذلك الفساد ا لذي تشير إليه آيات القرآن في مناسبات ش فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فيهن{ .ى شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لايعلمون6 ص895 - 896. وقد كان هذا كله في بيان مفاسد الحكم بالقوانين ال وضعية، قال تعالى: { 50. ثم نشرع بعد ذل ك في بيان حكم الحاكمين بهذه القوانين الوضعية، ونقدم لذلك ببعض المقدمات الهامة في المسألة التالية.
عدد الصفحات ٦٥66 المسألة الخامسة: مقدمات هامة تشتمل هذه المسألة على سبع عشرة مقدمة في مسائل اعتقادية وأصولية ولغوية، نحتاج إليها في الشرح الوارد في الم سائل التالية خاصة المسألة السادسة (سرد النصوص الدالة على كفر الحكام بغير ما أنزل الله). وقد رأيت أن أفرد هذه المقدمات بمسألة م ستقلة لتقليل الاستطراد أثناء شرح المسائل التالية، حيث أحيل في شرحها على هذه المقدمات. أما المقدمات الاعتقادية الواردة هنا فقد سبق شرحها بالتفصيل في مبحث الاعتقاد، وسنكتفي هنا بالإشارة إليها، وترجع أهميتها إلى تصحيح الأخطاء الواردة في موضوع التكفير، خاصة ما يرجع منها إلى أخطاء المرجئة. وأما المقدمات الأصولية واللغوية فترجع أهميتها إلى ضبط فهم النصوص الشرعية وضبط الاستنباط منها - كما ذكرته من قبل في المبحثين الخامس والسادس - ولهذا كانت عمدة ًفي الترجيح بين الأقوال المتعارضة في العلوم الشرعية كالتفسير والفقه و غيرهما. والمقدمات الواردة في هذه المسألة هي: 1 - معنى (الدِين). 2 - بيان أفضل طرق تفسير القرآن 3 – لا حجة في قول الصحابي إذا خالفه صحابي آخر. 4 - إذا اختلفت أقوال الصحابة في مسألة على قولين، فالحق في أحدهما،
عدد الصفحات ٦٦67 ولا يجوز إحداث قول ثالث فيها 5 - وجوب العمل بال راجح من الأقوال المتعارضة. 6 - العبرة بعموم اللفظلا بّصوص السبب. 7 - صورة سبب الورود قطعية الدخول في النص العام 8 - قول الصحا نزلت هذه الآية في كذا ل يس قصراً للنص العام على سببه. 9 - الاستدلال بالآيات التي نزلت في الكفار على المسلم 10 - خطاب الله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم هو خطاب لأمته إلا أن يقوم دليل على التخصيص. 11 - قول الصحابي لا يخصص عموم القرآن لاسيما إذا خولِف 12 - لفظ الكفر المعرّف بأل يدل على الكفر الأكبر. 13 - وجوب حمل معنى اللفظ على معهود استعمال الشارع 14 - لا حجة في قول الصحاإذا خالف نص الكتاب والسنة. 15 - بيان ما يشترط للتكفير به من الذنوب أن يكون فاعلها جاحدًا أو مستحلاً وما لا يُشترط فيه ذلك. 16 - بيان معنى قول أهل السنةلا نكفّر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحلّه). 17 - معنى الاستحلال وحُكْمه وصوره وهذا شرح موجز لها م دعمًا بالأدلة الدالة على إثبات صحة كل مقدمة
عدد الصفحات ٦٧68 منها،وذلك حتى لا نستطرد أثناء شرح المسائل التالية في اثبات صحة هذه المقدمات.
عدد الصفحات ٦٨69 المقدمة الأولى: معنى الدِين (الدِين) مصدر، والفعل دَانَ يَدين: دِينًا وديانةً. و (دَانَ) أي: خضع وذَلَّ وأطاع. و (دَانَ بكذا): أي: اتخذه دينا وتعبَّد به. و (دَانَ فلانٌ فلاناً): أي حاسبه وساسه وجازاه. و (الدِين): الديانة، واسم لجميع ما يُعبد به الله، والمِلة، والسيرة، والعادة، و الشأن، والحساب، والمُلْك، والسلطان، والحكم، والقضاء، والتدبير. هذا في اللغة باختصار. أما في الشرع فقد ورد الدين على معنيين: 1 - الدين بمعنى الطريقة المتبعة حقًا كانت أو باطلاً. * ومنه قوله تعاإن الدين عند الله الإسلام19،أي: الطريق المقبول عند الله هو الإسلام، وبمعناه قوله تعاورضيت لكم الإسلام دينا3. * ومنه قولهتعاقل يا أيها الكافرون - إلى قوله - لكم دينكم ولي دين ما عليه الكفار من الكفر دينا إذ كان ذلك هو طريقتهم الم تبعة، وبمعناه قوله تعاوقال فرعون ذروني أ قتل موسى وليدع ربه ، إني أخاف أن يبدّل دينكم26، فسمّى ما عليه قوم فرعون من الكفر دينا، ومنه قوله
عدد الصفحات ٦٩70 عمران 85، فبينّ أن غير الإسلام من الطرق المتبعة تسمى دينًا، ومن ه قول عائشة رضي الله عنها - في وصف الدليل الذي أرشد النبيَّ صلى الله عليه وسلم لطريق الهجرة - (وهو على دين كفار قريش) الحديث رواه البخاري (3905). فالدين هو الطريقة المتبعة وهو نظام حياة الناس، وهو شريعت هم المتبعة، حقا كان ذلك كله أو باطلاً، والخضوع لهذه الطريقة بالتزامها وطاعتها هو العبادة. وبهذا يظهر بوضوح أن القوانين الوضعية دين من الأديان الباطلة، إذ إنها طريقة متبعة وشريعة ملزمة، ومعنى الإلزام فيها أن واضعها والآمرين بها يلزمون الناس بطاعة هذه القوان ين ويعاقبون من خالفها كما هو واقع الحال في البلاد المحكومة بهذه القوانين حتى أنهم يستحلون أموال الناس ودماءهم بها. 2 - الدين بمعنى الحساب والجزاء ومنه قوله تعامالك يوم الدين} أي يوم الحساب والجزاء، وقوله تعا - حكاية عن الكفار - {اً وعظاما أئِنا لمدينون الصافات 53، أي أئِنا لمحاسبون مجزيون. هذا وجميع معاني الدين في اللغة والشرع ترجع إلى هذين المعنيين، وتوسَّع فيها الأستاذ أبو الأعلى المودودي فجعل معاني الدين أربعة في كتاب ه (المصطلحات الأربعة في القرآن) ط دار الفرقان ص 79 - 88، ولكنها على التحقيق ترجع إلى معنيين.
عدد الصفحات ٧٠71 ومن أراد الاستزادة ف ليرجع إلى: (الصحاح) للجوهري 5/ 2118، و (معجممقاييس اللغة) لابن فارس 2/ 319، و (تهذيب اللغة) للأزهري 14/ 181، و (القاموس المحيط) للفيروز أبادي 4/ 225، و (لسان العرب) لابن منظور 13/ 167، و (النهاية لابن الأثير 2/ 148، و (المفردات) للراغب الأصفهاني ص 175، و (المعجم الوسيط) لمجمع اللغة العربية 1/ 307. ويرجع إلى (مجموع فتاوى ابن تيمية 7/ 263،10/ 152،15/ 158، و (في ظلال القرآن) لسيد قطب 4/ 2020 - 2022.
عدد الصفحات ٧١72 المقدمة الثانية: في بيان أفضل طرق تفسير القرآن وقد سبق بيان هذا في المبحث الثالث الخاص بدرا سة القرآن وعلومه، ونعيده هنا لأهميته، فقد قال ابن تيمية رحم ه الله (فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: (إن أصح الطرق في ذلك أن ي ُفَسَّر القرآن بالقر آن، فما أُجمل في مكان فإنه قد فُسر في موضع آخر، وما اختصر من مكان فقد بسط في موضع آخر، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: كل ماحكم به رسول الله صلى الله ع ليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن، قال الله تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم ب الناس بما أراك الله ولاتكن للخائنين خصيما- النساء 105 - وقالتعاوأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون- النحل 44 - وقالتعالى: {وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون- النحل 64 - ، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه" يعني السنة - إلى أن قال - وحين ئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك لم ا شاهدوه من القرآن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لاسيما علماؤهم وكبرا ؤ هم -
عدد الصفحات ٧٢73 إلى أن قال-: إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة، ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين - إلى أن قال رحمه الله -: وقال شعبة بن الحجاج وغيره: أقوال التابعين في الفروع ليست حجة فكيف تكون حجة في التفسير؟ يعني أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم، وهذا صحيح، أما إذا أجمعوا على الشيء فلا يرتاب في كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن، أو السنة، أو عموم لغة العرب أو أقوال الصحابة في ذلك. فأما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام) (مجموع الفتاوى) 13/ 363 - 370.
عدد الصفحات ٧٣74 المقدمة الثالثة: لا حجة في قول الصحابي إذا خالفه صحابي آخر اختلاف أقوال الصحابة في التفسير نوعان: 1 - النوع الأول: اختلاف تنوع: حيث يكون القولان صحيح في المعنى أو يرجعان إلى معنى واحد، وإنما اختلف القولان - أو الأقوال - لأسباب منها: السبب الأو ل: ذِكر بعض أنواع المسمى وأقسامه: كقولهم في الطاغوت: إنه الشيطان أو الكاهن أو الصنم وهذا كله صو اب ويرجع إلى أصل واحد وهو كل ما عُبِدَ من دون الله. السبب الثاني: التعبير عن الاسم الواحد بألفاظ مترادفة، كالصارم والم هنَّد أسماء للسيف. قال ابن تيمية رحمه الله (وهذان الصنفان اللذان ذكرناهما في تنوع التفسير: تارة لتنوع الأسماء والصفات، وتارة لذكر بعض أنوا ع المسمى وأقسامه، كالتمثيلات، هما الغالب في تفسير سلف الأمة الذي يُ ظن أنه مختلف) (مجموع الفت اوى) 13/ 340. 2 - النوع ال ثاني: اختلاف التضاد: حيث يتعارض القولان تعا رضا حقيقيا لا يُكن معه الجمع أو التوفيق بينهما، ولا بد أن يكون أحدهما صوابا والآخر خطأ، وهذا بالنسبة لأقوال الصحابة إذ لا بد أن يكون الحق في أحدها لا يخرج عنها ك ما سأذكره في المقدمة الراب عة.
عدد الصفحات ٧٤75 فإذا تعارضت أقوال الصح ابة فلا حجة في أحدها ووجب الترجيح بينها [1]، هذا قول الأئمة الأربعة وجماهير العلماء قال أبو عمر بن عبد البر (وقد روي السمتي عن أبي حنيفة أنه قال في قولين للصحابة: أحد القولين خطأ والمأثم فيه موضوع) (جامع بيان العلم) 2/ 83. وقوله(والمأثم فيه موضوع) لأنه مج تهد مخطئ وهذا له أجر واحد كما ثبت في الصحيح. وقال ابن عبد البر: (عن مالك أنه قال في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مخطئ ومصيب فعليك بالاجتهاد) (جامع بيان العلم) 2/ 81. وقوله (فعليك بالاجتهاد أي: للترجيح بينهما لمعرفة المخطئ من المصيب. قال الشافعي رحمه الله: (أرأيت أقاويل أصحاب رسول الله إذا تفرقوا فيها؟ فقلت: نصير منها إلى ما وافق الكتاب أو السنة أو الإجماع أو كان أصح 1 - قال العلامة أبو محمد المقدسي حفظه ا (كذا قال: "فلا حجة في أحدها". والراجح عندي أن هذا خطأ مطبعي، وأنه يريد: "فالحجة في أحد ها". إذ الترجيح لا يكو ن لإلغاء الجميع، بل لاختيار الأقوى والأرجح. وهذا هو المذهب المختار عنده، كما صرّح به بعد ذلك في المقدمة الرابعة فقال: "وفي الجملة فإن العلماء لم يختلفوا في أن الحق لا يخرج عن قول الصحابة، فإن أجمعوا فإجماعهم حجة قطعية، وإن اختلفوا فالحق في قول بعضهم، ويعلم هذا بالردِّ إلى الكتاب والسنة، ولا يجوز الخروج عن أقوالهم" اه . ص ( 821.))
عدد الصفحات ٧٥76 في القياس) (الرسالة) بتحقيق أحمد شاكر ص 596 - 597. وقال ابن القيم في كلامه عن أصول مذه ب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله : (الأصل الثالث من أصوله: إذا اختلف الصحابة تخيرَّ من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة، ولم يخرج عن أقوالهم، فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيها ولم يجزم بقول) (اعلام الموقعين) 1/ 31. وقال ابن تيمية رحمه الله: (وأما أقوال الصحابة: فإن انتشرت ولم تُنكر في زمانهم فهي حجة عند جماهير العلماء، وإن تناز عوا رُدَّ ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، ولم يكن قول بعضهم حجة مع مخالفة بعضهم له باتفاق العل ماء) (مجموع الفتاوى) 20/ 14. وقال ابن تيمية أيضا (ومن قال من العلماء إن قول الصحابي حجة فإنما قاله إذا لم يخالفه غيره من الصحابة ولا عُرف نصٌ يخالفه - إلى قوله - وأما إذا عرف أنه خالفه فليس بحجة ٍبالاتفاق) (مجموع الفتاوى) 1/ 283 - 284. وقال الشوكاني في (ال سيل الجرار): (تفسير الصحابي للآية لا تقوم به الحجة لاسيما مع اختلافه) أه نقلا عن (أبجد العلوم) لصديق حسن خان، 1/ 444، ط دار الكتب العلمية قال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله ("باب جامع بيان ما يلزم الناظر في اختلاف العلماء". قال أبو عمر: اختلف الفقهاء في هذا الباب على قولين: أحدهما أن اختلاف العلماء من الصحابة ومن بعدهم من الأئمة رحمة واسعة وجائز لمن
عدد الصفحات ٧٦77 نظر في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ بقول من شاء منهم، وكذلك الناظر في أقاويل غيرهم من الأئمة ما لم يعلم أنه خطأ فإذا بان له أنه خطأ لخلافه نص الكتاب أو نص السنة أو إجماع العلماء لم يسعه اتباعه، فإذا لم يبين له ذلك من هذه الوجوه جاز له استعمال قوله وإن لم يعلم صوابه من خطئه وصار في حيز العامة التي يجوز لها أن تقلد العالم إذا سألته عن شيء وإن لم تعلم وجهه، هذا قول يروى معناه عن عمر بن عبد العز يز والقاسم بن محمد وعن سفيان الثوري إن صح وقال به قوم، ومن حجتهم على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم "أصحابي كالنجوم فبأيهم اقتديتم اهتديتم"، وهذا مذهب ضعيف عند جماعة من أهل العلم وقد رفضه أكثر الفقهاء وأهل النظر - إلى أن قال - وأما مالك والشافعي ومن سلك سبيلهما من أصحابهما وهو قول الليث بن سعد والأوزاعي وأبي ثور وجماعة أهل النظر أن الاختلاف إذا تدافع فهو خطأ وصواب، والواجب عند اختلاف العلماء طلب الدليل من الكتاب والسنة والإجماع والقياس على الأصول منها وذلك لا يُعدَم، فإن استوت الأدلة وجب الميل مع الأشبه بما ذك رنا بالكتاب والسنة، فإذا لم يبين ذلك وجب التوقف ولم يجز القطع إلا بيقين، فإن اضطر أحد إلى استعمال شيء من ذلك في خاصة نفسه جاز له ما يجوز للعامة من التقليد واستعمل عند افراط التشابه والتشاكل وقيام الأدلة على كل قول بما يعضده قوله صلى الله عليه وسلم "البر ما اطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في الصدر، فدع ما يريبك لما لا يري بك" هذا حال من لا يُعن النظر، وأما المفتون فغير جائز
عدد الصفحات ٧٧78 عند أحد ممن ذكرنا قوله أن يفتي ولا يقضي ح يتبين له وجه ما يفتي به من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو ما كان في معنى هذه الأوجه. إلى أن قال أبو عمر (باب ذكر الدليل في أقاويل السلف على أن الاختلاف خطأ وصواب، يلزم طلب الح جة عنده، وذِكْر بعض ما خطَّأ فيه بعضهم بعضا وأنكره بعضهم على بعض عند اختلافهم وذِ كر معنى قوله صلى الله عليه وسلم "أصحابي كالنجوم") ثم روي أبو عمر بإسناده عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس: إن نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس موسى بني إسرائيل، فقال: كذب، حدثنا أُ بيّ بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث بطوله، قال أبو ع مر: قد رد أبو بكر الصديق رضي الله عنه قول الصحابة في الردة وقال: والله لو منعوني عقالا مما أعطو ه رسول الله صلى الله عليه وسلم لجاهدتهم عليه، وقطع عمر بن الخطاب اختلاف أصحاب ر سول الله صلى الله عليه وسلم في التكبير على الجنائز وردهم إلى أربع، وسمع سلمان بن ر بيعة وزيد بن صوحان الضبي بن معبد مهلا بالحج والعمرة معا، فقال أحدهما لصاحبه: لهََذا أضل من بعير أهله، فأخبر بذلك عمر فقال: لو لم يقولا شيئا هديت لسنة نبيك، وردَّ ت عائشة قول أبي هريرة تقطع المرأة الصلاة، وقالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا معتر ضة بينه وبين القبلة، وردت قول ابن عمر الميت يعذب ببكاء أهله عليه، وقالت: وَهِم
عدد الصفحات ٧٨79 أبو عبد الرحمن أو أخطأ أو نسي، وكذلك قالت له في عُمَر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ زعم ابن عمر أنه اعتمر أربع عمر، فقالت عائشة: هذا وهم منه على أنه قد شهد مع رسول الله صلى ا لله عليه وسلم عمره كلها ما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثا، وأنكر ابن مسعود على أبي هريرة قوله من غَسَّل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ وقال فيه قولا شديدا وقال: يا أيها الناس لا تنجسوا من موتاكم، وقيل لابن مسعود إن سلمان بن ربيعة وأبا موسى الأش عري قالا في بنت وبنت ابن وأخت أن المال بين البنت والأخت نصفان ولا شيء لبنت الابن وقالا للسائل و ائت ابن مسعود فإنه سيتابعنا، فقال ابن مسعود: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين بل أقضي فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للبنت النصف ولابنة الابن السدس تكملة للثلثين وما بقي فللأخت، وأنكر جماعة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة رضاع الكبير ولم تأخذ واحدة منهن بقولها في ذلك، وأنكر ذلك أيضا ابن مسعود على أبي مو سى الأشعري و قال: إنما الرضاعة ما أنبت اللحم والدم فرجع أبو موسى إلى قوله، وأنكر ابن عباس عَلَى عَلِي أنه أحرق المرتدين بعد قتلهم، واحتج ابن عباس بقوله صلى الله عليه وسلم "من بّدل دينه فاضربو ا عنقه" فبلغ ذلك عليا فأعجبه قوله، قال أبو عمر لأن رسول الله صلى ا لله عليه وسلم لم يقل فاضربوا عنقه ثم أحرقوه. إلى أن قال أبو عمر: هذا كثير في كتب العلماء وكذلك اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم من المخالفين وما رَدّ
عدد الصفحات ٧٩80 فيه بعضهم على بعض لا يكاد يحيط به كتاب فضلا عن أن يجمع في باب وفيما ذكرنا منه دليل على ما عنه سكتنا، وفي رجوع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم إلى بعض، ورَدّ بعضهم على بعض دليل واضح على أن اختلافهم عندهم خطأ وصواب - إلى أن قال - والصواب مما اختُلِفَ فيه وتَدَ افَعَ وجه واحد، ولو كان الصواب في وجهين متدافعين ما خطأ السلف بعضهم بعضا في اجتهادهم وقضائهم وفتواهم، والنظر يأبى أن يكون الشيء وضده صوابا كله - إلى قوله - وقال أشهب: سمعت مالكا يقول: ما الحق إلا واحد، قولان مختلفان لا يكونان صواباً جميعا، ما الحق والصواب إلا واحد. قال أشهب: وبه يقول الليث. قال أبو عمر: الاختلاف ليس بحجة عند أحد علمته من فقهاء الأمة إلا من لا بصر له ولا معرفة عنده ولا حجة في قوله) (جامع بيان العلم ) 2/ 78 - 90. أما حديث (أصحابي كالنجوم بأيِّهم اقتديتم اهتديتم) فقد قال البزار وابن عبد البر إن هذا الحديث لا يصح (جامع بيان العلم) 2/ 90 - 91، وقال ابن حزم إنه حد يث ساقط موضوع بلا شك (الإحكام) له، 5/ 73 و6/ 82 - 83. وفي مسألة حجية أقوال الصحابة يُراجع أيضا(الإحكام) للآمدي، 4/ 155 - 160، و (الإحكام) لابن حزم، 5/ 67 - 68، و (ارشاد
عدد الصفحات ٨٠