المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

محاسن شريعة الرحمن وفساد شريعة الشيطان

حسن التمام

صفحة ٤ من ٢٨

49 لقولهتعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون 44. 2 - وهي شريعة الطاغوت: كما قال تعالى: {ير يدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} النساء60، وكل من تحوكم إليه من دون الله فهو طاغوت كما سبق بيانه، والطاغوت مشتق من الطغيان. 3 - وهي شريعة الشيطان: كما قال تعاومن ي َعْش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين } الزخرف 26، فمن لم يتبع شريعة الرحمن فهو متبع لشريعة الشيطان لا محالة، والشيطان هو الطاغوت على الحقيقة كما سبق تقريره في آخر مبحث الاعتقا د. 4 - وهي شريعة الجاهلية: كما قال تعاأفحكم الجاهلية يبغون ومَنْ أحسن مِنَ الله حُكْماً لقوم يوقنون} المائدة50، فكل ما خالف حكم ا فهو حكم الجهل والجاهلية، فإنها مشتقة من الجهل، ومع ذلك فإن الكفار يُسمون أنظمة حكمهم بالعلمانية نسبة إلى العلم، فسمّوها باسم مستحسن مخالف لحقيقتها الجاهلية وهذه خدعة إبليس في تسمية الشيء القبيح باسم ٍحسن لترويجه، كما قال لآدم {هل أدلك على شجرة الخلد ومُلك ٍلا يبلى } طه120، فسمّاها بشجرة الخُلد وهي شجرة الحسرة والندامة. 5 - وهي شريعة الظلمات: إذ هي في الأصل شريعة الكفار وهم أهل الظلمات في الدنيا والآخر ة كما قال تعاوالذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات } البقرة 257، وبنفس الخدعة الإبليسية فإنهم يسمون حضارتهم بحضارة التنوير وثقافة التنوير وهي في

عدد الصفحات ٤٩

50 الحقيقة حضارة الظلمات ، قال تعاأو مَن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يُشي به في الناس، كمن مَث َلُه في الظلمات ليس بّارج منها، كذلك زُين للكافرين ما كانوا يعملون} الأنعام122، فقد زُيِّنت لهم الظلمات ال يتخبطون فيها فحسبوها نوراً، {كذلك يُضل الله الكافرين} غافر74. 6 - وهي شريعة الضلال: كما قال تعافذلكم الله ربكم الحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال} يونس32، فقد حَصَرَ الأمر في شيئين: الحق وهو شريعة الله، والضلال وهو شريعة الجاهلية. 7 - وهي شريعة العمي: كم ا قال تعاأفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى } الرعد19، وذكر الله الكافرين والمؤمنين ثم قال تعامثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع، هل يستويان مثلا، أفلا تذكرون } هود24. 8 - وهي شريعة الأهواء: قال تعاوما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى } النجم3 - 4، وقالتعافإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم، ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} القصص 50،فحصر سبحانه الأمر في شيئين: إما الوحي وهو اتباع الشريعة وإما الهوى، فكل ما خالف شريعة الحق فهو من الأهواء، كما قال تعالى{ : ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون} الجاثية18، وبين سبحانه أن اتباع الهوى هو عين الضلال في قوله {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} القصص50، وأن اتباع الهوى هو أصل الفساد ومنشؤه كما قال تعاولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت

عدد الصفحات ٥٠

51 السماوات والأرض ومن فيهن} المؤمنون71، ومن هذا تدرك أن الضلال والفساد الشائعان في البلاد المحكومة بقوانين الكفر مرجعه إلى أنها شريع ة الأهواء، فالهوى هو أصل الضلال والفساد. 9 - وهي شريعة الظلم: كما قال تعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} المائدة50، ومن هذا تعلم أن تسمية الوزارة القائمة على الحكم بهذه القوانين بوزارة العدل، ووصف بعض الناس لأحكام القضاة الحاكمين بها بأنها أحكام عادلة هو ضرب من الاستهزاء بآيات الله ومعاندة لشرعه، إذ وصفها الله بالظلم وهم يصفونها بالعدل، وقد قال العلماء بكفر من يقول ذلك، فقال صديق حسن خان (إنَّ مَدْح الكفار لكفرهم ارتداد عن دين الإسلام، ومَدْحهم مجرداً عن هذا القصد كبيرة يعزر مرتكبها بما ي كون زاجراً له، وأما قوله، أنهم أهل عدل فإن أراد أن الأمور الكفرية التي منها أحكامهم القانونية عدل فهو كفر بواح صراح ، فقد ذمها الله سبحانه وشنع عليها وسماها عتواً وعناداً وطغياناً وإفكاً وإثماً مبيناً وخسراناً مبيناً وبهتاناً. والعدل إنما هو شريعة الله التي حواها كتابه الكريم وسنّة نبيه الرؤوف الرحيم، قال تعاإن الله يأمر بالعدل والإحسان} النحل90، فلو كانت أحكام النصارى عدلاً لكانت مأمور بها - إلى أن قال - وقال تعالى: {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمِرُوا أن يكفروا به} وهؤلاء سموا ما أمرهم الله بال كفر به: عدلاً، وغلوا في ضلالهم، {ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً } أه من كتابه (العبرة فيما ورد في الغزو والشهادة

عدد الصفحات ٥١

52 والهجرة) ص 246، ط دار الكتب العلمية1405 ه 10 - وهي شريعة الخراب: إذ الظلم لا يأتي إلا بالخراب، ويُروى أن كعب الأحبار - وهو من التابعين وكان يهوديا فأسلم - قال لأبي هريرة رضي الله عنه: مكتوب في التوراة من يَظِلم يخَُرب بيته، فقال له أبو هريرة: وهذا في القرآن في قوله تعافتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا} النمل52، ذكر هذا الأثر محمد بن جعفر الكتاني في كتابه (نصيحة أهل الإسلام) ص 205. ومما يدل أيضا على أن الظلم لا يأتي إلا بالخراب والحرمان قوله تعالى: {فَبِظُلم ٍ من الذين هادوا حرَّمنا عليهم طيبات أحلّ ت لهم} النساء160، وكما قال ابن تيمية رحمه الله فإ ن تحريم الطيبات المذكور في الآية قد يكون عقوبة قدرية للظالمين، فيحرمهم الله من الطيبات قدراً وإن أحلت لهم شرعاً، ويقع التحريم القدري بتلف المحاصيل أو غلاء أسعارها أو بمرض يُنع من تناولها فيقع الحرمان، و لما كان الحكم بالقوانين الوضعية هو الظلم بعينه كما أسلفنا فإن الظلم لا يأتي إلا بالخراب، وهذا هو واقع البلاد المحكوم ة بهذه القوانين، وذكر ابن كثير رحم ه الله في أحداث سنة 615 ه أن المعظَّم أم دمشق أخذ ضماناً - ضرائب - على الخمور والمغنيات حتى شاعت هذه الفواحش واعتذر بقلة الأموال اللازمة للجُنْد وحاجتهم للنفقات في قتال الفرنج، وعَلّق ابن كثير على هذا بقوله (وهذا من جهله وقلة دينه وعدم معرفته بالأمور، ف إن هذا الصنيع يديل عليهم الأعداء وينصرهم عليهم، ويتمكن منهم الداء ويثبط الجند عن القتال، فيولون بسببه الأدبار، وهذا مما يدمر ويخرب الديار ويديل الدول كما في الأثر "إذا عصاني من يعرفني

عدد الصفحات ٥٢

53 سَلّطت عليه من يعرفني" وهذا ظاهر لا يخفى على فَطِن) (البداية والنهاية) 13/ 81. 11 - وهي شريعة المعيشة الضنك: كما قال تعاومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً } طه124، وهذاالضنك مترتب ولا شك على الظلم وما يعقبه من خراب، وكل هذه الآثار ب ادية ظاهرة للعيان في المجتمعات المحكومة بقوانين الكفر. 12 - وهي شريعة المصائب: كما قال تعاوإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدّون عنك صدوداً، فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم، ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا} النساء61 - 62، فالإعراض عن حكم ا ورسوله لا يخُلِّف إلا المصائب. 13 - وهي شريعة العداوة والبغضاء: كما قال تعافنسوا حظاً مما ذُكِّروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء} اائدة 14، فنسيان الناس وتركهم لبعض أحكام الدين لا بد أن يوقع بينهم العداوة والبغضاء عقوبة قدرية، فكيف بترك أحكام الشريعة جملة واستبدل قوانين الكفار بها؟ وهل كثرة العداوات بين الناس في البلدان المحكومة بهذه القوانين إلا بسبب ذلك؟ وهل العداوات بين مختلف البلدان الحاكمة بالقوانين إلا بسبب ذلك؟. 14 - وهي شريعة الدمار والهلاك: كما قال تعاوإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها، فحق عليها القول فدمّرناها تدميراً } الإسراء 16، قال الشيخ الشنقيطي (التحقيق الذي دلّ عليه القرآن أن معنى الآية

عدد الصفحات ٥٣

54 أمرنا مترفي ها بالطاعة فعصوا أمرنا، فوجب عليهم الوعيد فأهلكناهم) (أضواء البيان) 3/ 488. وقد سبق بيان أنها شريعة الظلم، والظلم يأتي إلا بالخراب والهلاك، قال تعالى: {وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون } القصص59. وبعد، فقد كانت هذه بعض صفات القوانين الوضعية، وصفات واضعِها، وكل شريعة لا بد أن تصبغ المجتمع الذي تحكمه بصبغتها وتطبعه بصفاتها، فإن الصفات لها آثار لازمة لا بد أن تظه ر حيثما وُجدَ الموصوف، فكما أن شريعة الله لا بد أن تظهر آثار صفاتها من العدل والرحمة والحكمة والأمن والخير والهدى والرشاد حيثما حَكَمَت هذه الشريعة كم ا كانت عليه المجتمعات الإسلامية من قبل، فكذلك قوانين الكفار لا بد أن تصبغ المجتمعات التي تحكمها بصبغتها وصفاتها من الكفر والظلم والضلال والخراب والضنك والمصائب والعداوة والبغضاء واتباع الأهواء والفساد بشتى صوره. فإن قيل: إن بعض بلاد الكفار الأصليين والذين يحكمون بهذه القوانين تشهد رخاءًا اقتصاديا، لا ضنك فيها ولا خراب؟ فالجواب: أنه أي عقوبة أشد من استمرارهم عل ى الكفر الذي هم عليه، وإن هذا الرخاء ما هو إ لا استدراج من الله ليحسبوا أنهم على الحق فيظلوا على كفرهم وضلالهم فيُختم لهم به وبئست الخاتمة، قال تعالى: {أيحسبون أنما نمدُّهم به من مال وبن نسارع لهم في الخيرات، بل لا يشعرون } المؤمنون55 - 56، وقالتعالى: {ويُضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء} إبراهيم 27، فلا بد أن تلحق

عدد الصفحات ٥٤

55 عقوبات الله القدرية بالبلاد المحكومة بهذه القوانين وأهلها أما آثار الحكم بهذه القوانين في البلاد التي كانت إسلامية فهي ماثلة للعيان، ظلم وخراب، وضنك وخوف، ومصائب وعداوات، ولنقرأ وصف الشيخ أحمد شاكر للحال بهذه البلاد، وأنقل كلامه باختصا ر، قال رحمه الله: (وأنتم تحكمون بقوانين لا تمُتُّ إلى الإسلام بصلةٍ، بل هي تنافيه في كثير من أحكامها وتُ ناقضه، بل لا أكونُ مغاليًا إذا صرَّحْتُ أنها إلى النصرانية الحاضرة أقربُ منها إلى الإسلام ... هذه القوانين كادت تصبغُ النفوس كلّها بصبغة غير إسلامية، وقد دخلت قواعدها على النفوس فأُشْرِبتَها، حتى كادت تفتنها عن دينها، وصارت القواعدُ الإسلامية في كثير من الأُ مور مَنكَرة مستنكرة، إن القوانين إذا حُكِمَتْ بها أمةٌ السنين الطوَال تغلغلتْ في القلوب، ونَكَتَتْ فيه ا آثارًا سوداء أو بيضاء، وصُبِغَتْ بها الروحُ، و مَرَنَتْ عليها النفْسُ. وهذه القوانين الأجنبيةُ أثَّرت أسوأ الأثر في نفوس الأمة، وصبغتها صبغة إلحادية مادية بحتة، كالتي ترتكِسُ فيها أُوربة، ونزعت من القلوب خشية اللهِ والخوف منه، وكان التشريع الإسلامي يدخل ا لقلوب ويرققها ويطهرها من الدنايا، فكان المسلمُ إذا حَكم الحاكم أو قضى القاضي، علم أن دينه يأمره في دخيلة نفسه أن يسمع ويُطيع، وأنه مسؤول عن ذلك بين يدي الله يوم القيامة، قبل أن يكون مسؤولا عند الناس، وعلم أنه إن عصَى ما قضى به قاضيه، كان عاصياً لربه، حتى لو أيقن أن القاضيَ مخطئ في قضائه، وكان المقضيُّ له مأموراً من قِبَلِ دينه أن لا يأخذ ما قُ ضي له به إن كان يعلم أنه

عدد الصفحات ٥٥

56 غيرُ حقه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنكم تختصمون إليَّ، ولعلَّ بعضكم أن يكون ألحَنَ بحجته من بعضٍ، فأقضي له على نحو مما اسمعُ منه، فمن قَطعتُ له من حقِّ أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنم ا أقطعُ له به قطعة من النار". هذه تربيةُ الشريعة للأمة، فانظروا تربيةَ القوانين المادية الأجنبية، لم يحترمها المسلمون في عقيدتهم ودينهم، وإنما رَهِبوها وخافوا آثارَها الظاهرة، ولم يعتقدوا وجوبَ طاعتها في أنف سهم، فكان ما نرى من اللَّدَدِ في الخصومة، والإسر اف في التقاضي، واتباع المطامع، والتغالي في إطالة الإجراءات، والت َّفَصِّي بالحيل القضائية عن تنفيذ الأحكام، وعمَّ هذا كلُّه دُورَ القضاء، شرعيةً وغيرها، ذلك أن الناس مردت نفوسهم على الباطل، وفقدوا قلوبهم، فاتبعوا شهواتهم وأسلسُوا لشيطان المادة مقادهم، وكان ما نرى من إباحيةٍ سافرةٍ فاجرةٍ، عصفت بالأخلاق السامية، والتقاليد النبيلة، حتى كادت تُوردُنا مو ارد الهلك ة. ثم قد أجرمت هذه القوانين في حق الأمة والدين أكبر الجرائم، فبثَّتْ في كثير من الناس روحَ الإلحاد والتمرد على الدين، أو حمََتْها وساعدت على بقائها ونمائها، وحمََت التبشيرَ وما وراءه من منكراتٍ ومفاسد، بما تدعيه من حرية الأديان. كان من أثر مبادئ التشريع الح ديث أن تعجز الأمة عن تربية ناشئتها على قواعد الإسلام، وأن تحُاول جعل تعليم الدين إجباريًا في مدارسها فلا تصلُ إليه، وأن تُوجد في البلد مدارس ت ُرُبيِّ أ بناء المسلمين وتعلمهم غير دينهم،

عدد الصفحات ٥٦

57 وغير لغتهم، فتسلخهم من الأمة، ثم يكونون حربًا عليها في عقائدها وآدابها، وأن يكون ذلك عن رِضَى المستضعفين من آبائهم، وأن يأبى مديروا هذه المدارس أن يسمعوا لأمر وزارة المعارف، إذ أمرتهم بتعليم الإسلام لأبناء المسلمين، بما يشعرون في أنفسهم من كِبرٍ وغرور، وبما يتوهمون فينا من ضعف ٍولينٍ، وبما يظنون من حمايتهم بمبادئ الت شريع الحد يث. وكان من أثر التربية المدنية المادية، والغلوّ في تقليد أُوربة وت َرَسُّمِ خُطَاها، أن ظَنَّ ضعاف الإيُان أن التعليم الجامعيَّ لا يكون صحيحاً إلا بمحاربة الدين، أو بالانسلاخ من الدين، فذهب الذين ت َوَلَّوْا كِبرْه منهم يُذيعون هذا النَّغم، ويضربون على هذا الوتر، يستهوون العقول الناشئة، ويستميلون القلوب الغضَّة، يريدون أن يخدعوا الشباب، والشَّباب سياج الأُمة والدين. إن هذه القوانين الأجنبية كادت تقضي على ما بقي في أمتكم من دين ٍ وخُلُق، فأُبيحت الأعراضُ، وسُفكت الدماءُ ، لم ت َنْه فاسقاً، ولم تزجر مجر ماً، حتى ا كتظت السجونُ، وصارت مدارس لإخراج زعماء المجرمين ، ونزَعَت من الناس الغَي ْرَةَ والرجولة، وامتلأ البلدُ بالمراقص والمواخير، وشاع الاختلاط بين الرجال والنسا ء، حتى لا مُزْدَجَر، وصرتم ت َرَوْن ما ت َرَوْن، وتقرؤون ما تقرؤون في الصحف والمجلات والكتب بما يَسَّرت من سُبُل الشهوات وبما حمََت من الإباحية السافرة المستهترة، وبما نزعت من القلوب الإيُان حتى صار المنكر معروفا والمعروف منكرًا. ومع ذلك فإن هذه القوانين، التي تحُكَمون بها، شَرطت في القصاص شرطًا لم يشرطه الله، ولم يقل به أحدٌ من المسلمين، ولا موضع له في النظر السليم

عدد الصفحات ٥٧

58 فأباحت به الدم الحلالَ، وكان له أثرٌ كبير فيما نرى من كثرة جرائم القتل ، ذلك أن المادة (032 من قانون العقوبات) شرطت في عقاب القاتل بالإعدام العمد "مع سبق الإصرار والترصد" وأكدت ذلك المادة ( 432 ) فنصت على أن "من قَتل نفسًا عمدًا عن غير سبق إصرارٍ ولا تر صد يعاقَب بالأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة". نحن أمةٌ إسلامية، تجري في أعراقنا الدماءُ العربية الوثَّابة، لا ننامُ على وترٍ، ولا نسكتُ عن ثأرٍ، وقد كان من أثر هذا الشرط الباطل، شرط سبق الإصرار، أن أُهدرت دماءُ حرامٌ، لم يأذن اللهُ بإهدارها، بل أوجب القصاص فيها، وأن كثرتْ جرائم القتل، وتحامى الناسُ الإرشاد عن أدلتها، وخاصة في مصر الوسطى والعليا بلاد الصعيد، فإن كثيراً من أولياءِ الدم يخشوْن أن تُطلَّ دماءُ قتلاهم، وأن لا ينالوا ثأْرهم الذي جعله الله لهم مظلُوماً فقدْ جعلنا لِولِيْهِ سُ لطاناً فلا يُسْرِف في القتْل يطمسوا آثار الجريُة وأن يحمُوا المجرم وهم يعرفون جُرْمَه، فلا تنالُه يدُ القانون الظالم في شرعهم، لينالوه بأيديهم، ثم تتسلسل الجرائمُ هكذا دواليْك، وكثيرًا ما يخُْطِؤون تقدير أدلة الإجرام، وهم عامةٌ أو أشباه عامةٍ، فينالون غير قاتلهم، بما جنى عليه وعليهم هذا القانونُ. ولو أننا حكَّمنا شريعتنا، وأطعنا ربَّنا، وأعطينا الدماء حقَّها وحرمتها، فوضعنا القصاص موضعه، وتركنا في جر يُة القتل العمدِ الشروط التي ليست في كتاب الله، وما يُسمَّى الظروف المخففَّة، وتركنا هذه الإجراءات المطوَّ لة المعقَّدة، وأسرعنا في إقامة العدل، وأظهرنا منه موضع العبرة والموعظة، لو

عدد الصفحات ٥٨

59 فعلنا هذا لنقصت جرائمُ القتلِ نقصاً بيِّناً، لِما يعلمُ القاتلُ أنَّ يد الش رعِ لا ت ُفْلتِهُ. وهذه جرائمُ السرقة، ليست بي حاجةٌ أن أُفصِّل لكم ما جنَتْ كثرتها على الأمة وعلى الأمن، وها أنتم أُولاء تسمعون حوادثها وفظائعها، وتقرؤون من أخبارها في كل يوم، وتَروْن السجون قد مُلئَت بأكابر المجرمين العائدين، وبتلاميذهم المبتدئين الناشئين، ثم كلما زادوهم سجنًا زادوا طغيانًا، ولو أنهم أقاموا ما أُنزل إليهم من ربهم، وحدُّوا السارق بما حَكم اللهُ به عليه، لكنتم تتَشوفون إلى أن تسمعوا خبرًا واحدًا عن سرقة، ثم لو وقع كان فاكهة يتنَدَّرُ الناسُ بها، ذلك أنَّ عقوبة الله حاسمة، لا يحاول اللصُّ معها أن يختبر ذكاءَه وفنَّه. إنَّ الله خلق الخلق وهو أعلمُ بهم، وهو يعلم خائنة الأعين وما تخُفي الصدورُ، ويعلم ما يُصلح الفرد وما يُصلح الأُمة، وقد شرع الحدود في القرآن زجرًا ونكالا، بكلام ٍ عربي واضح لا يحتملُ ا لتأويل، أفيعتقدُ المخدوعون منَّا بمثل هذه النظري ات أن السنيور لمبروزو أعلم بدخائل نفس الجاني من خالقه؟ أم هم يشكُّون في أنَّ هذا القرآن من عند الله؟ نعم، إنَّ القوانين الإفرنجية والنظم الأُوربية، فيها كثيرٌ مما يخالف عقائد المسلمين، وفيها تعطيل لكثير من فر وض الدين. فيها إباحة الخمور علنًا، والترخيص ُرسم يًا ببيعها، بتصريح كتابيٍ يوقِّع عليه وزيرٌ من وزراء الدولة أو موظفٌ كبير من موظفيها بل إن فريقًا من رجال الدولة الكبار لا يخجلون أن تدار عليهم الخمور في حفلات رسمية، ينفق

عدد الصفحات ٥٩

60 عليها من أموال الدولة، بحجة أن هذا إكرام لمدعويهم من الأجانب، أو بما شئت من حجج تجرد ت من الحياء، حتى إن الدهماء ومن يسمونهم بِسِمَةِ "الطبقة الراقية" اقتدوا بساداتهم وكبرائهم، واستغلوا هذه القوانين فيما يُذهب عقولهم ويُذيب أموالهم، فانحطُّوا إلى الدَّرْكِ الأسفل. وفيها إباحةُ الميسر بكل أنواعه، بشروط ورخصٍ وضعوها، فخربت البيوت، واختلت الأعصاب والعقول، مما هو مشاهد، يعجز قلمي عن وصفه. وفيها إباحة الفجور بطرق عجيبة، من حماية الفجَّ ار من الرجا ل والنساء، من سلطان الآباء والأولياء، بحجة حماية الحرية الشخصية، ثم ما في الحانات والمواخير، ثم اختلاط الرجال والنساء، ثم المصايف وما فيها من البلاء، ثم هذه المراقص العامة والخاصة، بل المراقص التي ت ُنْفِقُ عليها الدولة في الحفلات والتمثيل، اقتداءً بالسادة الأوربيين "ذوي العقول الجبارة التي كشفت الكهرباء والراديو ومعجزات الطيران"!. وفيها إبطالُ الحدودِ التي ن زل بها القرآن كلِّها، مسايرةً لروح التطور العصريّ ، واتباعا لمبادئ التشريع الحديث! وتبًّا لهذا التشريع الحديث وسُحْقًا. وفيها إهدارُ الدماء في القتلى، باشتراط شروط لم ي َنْزلْ بها كتابٌ ولا سنةٌ، في الحكم بالقصاص، مثل: شرط سبق الإصرار، مع العمد الموجب وحدَه للقصاص في شرعة الإسلام، ومثلُ البحث فيما يسمونه "الظروف المخففة" و "درس نفسية الجاني وظروفه"، ومثلُ: جَعْلِ حَقِّ العفو للدولة، لا لوليّ الدم، الذي جَعل الله له وحده حقَّ العفو بنص القرآن، فأهدرت الدماء، وفَشَا القتلُ للثأر، حتى لا رادعَ، والأُمةُ والحكومةُ والصحفُ، وغيرها،

عدد الصفحات ٦٠

61 تتساءَلُ عن علة ازدياد جرائم ا لقتل؟ والعلةُ في هذه القوانين، التي خالفت العرفَ والدين. إلى غير ذلك مما لا نستطيع أن نحصيه في هذه الكلمة. وكل هذه الأشياء وأمثالها تحليل لما حَرَّم الله واستهانة بحدود الله وانفلاتٌ من الإسلام، وكلها حربٌ عل ى عقائد المسلمين، وكلها تعطيل لفروض الدين) أه من كتاب (الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين في مصر) للشيخ أحمد شاكر، ط دار الكتب السلفية، ط 3،1407 ه . باختصار من ص 21 حتى ص29. وقوله (وعم هذا كله دور القضاء، شرعية وغيرها) وذلك لأنه بعد تعميم الحكم بالقوانين الوضعية في المحاكم الأهلية بمصر منذ عام 1883 م، ظل العمل بالشريعة جاريًا فيما يعرف بالأحوال الشخصية وسمُِّي هذا بالقضاء الشرعي وكا نت له محاكمه الشرعية الخاصة، وقد كان الشيخ أحمد شاكر رحمه الله قاضيا شرعيا، وظل هذا بمصر حتى عام 1954 م حين ألغى جمال عبد الناصر القضاء الشرعي وضمَّ صلاحياته وأعماله إلى المحاكم الأهلية. وبعد، فقد كانت هذه صورة لآثار تحكيم القوانين الوضعية في بلاد المسلمين، ومنها تدرك أن هذه القوانين لا تحفظ الضرورات الخمس التي بها قوام الدين والدنيا، والتفريط في هذه الضرورات يتبعه خراب ا لعالم كما سبق تفصيله في المسألة السابقة، وقد كان هذا نتيجة لتعطيل هذه القوانين للحدود الشرعية جملة، تلك الحدود التي شرعها الله لحفظ هذه ال ضرورات. ولتدرك مدى خطورة الأمر فانظر إلى الآثار المدمِّرة لإسقاط العمل بحد الرِّدة

عدد الصفحات ٦١

62 مثلاً، أنك تجد ظاهرة سبّ الدين بل س بّ الرب جَلّ وعَلاَ أصبحت متفشية في شتى البلدان، أضف إلى ذلك تفشي الشرك بشتى صوره من عبادة المقبورين والأشجار والأحجار، أضف إلى ذلك السخري ة بالدين وأهله التي تمتلئ بها وسائل الإعلام المختلفة من صحف ومجلات وكتب وسينما ومسرح، أضف إلى ذلك الدعوة إلى الإلحاد و الإباحية وفصل الدين عن الدولة تلك الدعوات المنتشرة في مقالات الكتَّاب في الصحف والكتب حتى تغلغلت إلى مناهج التعليم لينشأ أبناء المسلمين على غير صلة بدينهم، وهذه كلها جرائم تدخل في مسمى الردة والزندقة، وتقع بحماية من القانون الوضعي الذي لا يجَُرِّم الردة، و هذه الجرائم تؤدي إلى إشاعة الاستخفاف بالدين في نفوس المسلمين وقلة الاكتراث به، وهذا هو واقع كثير من المنتسبين إلى الإسلام بهذه البلاد وبهذا تعلم معنى أن قوانين الكفر تصبغ المجتمعات التي تحكمها بصبغة الكفر والإلحاد والإباحية، فإذا أضفت إلى ذلك إباحة هذه القوانين للخمر والزنا والربا وغيرها صارت الصورة أكث ر وضوحًا. وهناك جانب مهم لم يذكره الشيخ أحمد شاكر في كلامه السابق، وهو أن إسقاط العمل بالحدود والعقوبات الشرعية يؤدي إلى ظلم ٍمركب لأطراف متعددة: 1 - منها الظلم الواقع على المجتمع: بإشاعة الجرائم وانعدام الأم ن والطمأنينة بين الناس كنتيجة لكون العقوبات الوض عية غير رادعة للمجرمين،

عدد الصفحات ٦٢

63 وكنتيجة لأن هناك جرائم يعاقب عليها القانون الوضعي من الأصل. 2 - ومنها الظلم الواقع على الجاني نفسه: فإن الحدود الشرعية مع ما فيها من زجرٍ ونَكَال، فهي في نفس الوقت كفّارة للذنب - إلا الردّة - لقوله صلى الله عليه وسلم (فمن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به فهو كفارة له) الحديث متفق عليه عن عبادة بن الصامت، ورواه أحمد بإسناد حسن عن خزيُة بن ثابت مرفوعا. (ومن أصاب ذنباً فأقيم عليه حدُّ ذلك الذنب فهو كفارته). فمن زنا أو سرق أو شرب الخمر فأقيم عل يه الحد غَفَر الله ذنبه، وهذا غير وارد في العقوب ات الوضعية فيلقى الجاني ربه بذنبه ليُحاسب عليه يوم القيامة. 3 - ومن الظلم الواقع على الجاني أيضا: ما يتعلمه من فنون الإجرام والرذيلة في السجون، والسجن هو العقوبة الأساسية في القوانين الوضعية القائمة على تقديس الحريات الشخصية - ولو كانت حرية الكفر والفجور - ولهذا فإن أساس العقوبات في هذه القوانين هو تقييد الحرية وذلك بالسجن، وقد يزل إنسان فيشرب الخمر، وهذا حدّ ه الشرعي ثمانون جلدة، ولكنه يُعاقب في القانون الوضعي - إذا شربها في مكان عام غير مرخص فيه بذلك - بالسجن ستة أشهر ليختلط بعتاة المجرمين في السجن فيخرج م نه وقد تعلم فنون الإجرام التي كان غافلا عنها. 4 - ومنها الظلم الواقع على أسرة الجاني: بحر مانها من مصدر ر زقها بغياب عائلها في السجن، وما يتبع هذه الغيبة من آثار اجتماعية سيئة على الزوجة

عدد الصفحات ٦٣

64 والأبناء فهذه بعض مظاهر الظلم المترتبة على تحكيم القوانين الوضعية وهذا مما يبين لك معنى الظلم الوارد في قوله تعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} المائدة45. قال الأستاذ سيد قطب رحمه ا (لقد جاء كل دين من عند الله ليكون منهج حياة، منهج حياة واقعية، جاء الدين ليتولى قيادة الحياة البشرية وتنظيمها وتوجيهها، و صيانتها، ولم يجيء دين من عند الله ليكون مجرد عقيدة في الضمير، ولا ليكون كذلك مجرد شعائر تعبدية تؤدي في الهيكل والمحراب، فهذه وتلك - على ضرورتهما للحياة البشرية وأهميتهما في تربية الضمير البشري - لا يكفيان و حدهما لقيادة الحياة وتنظيمها وتوجيهها وصيانتها، ما لم يقم على أساسهما منهج ونظام وشريعة تطبق عمليًا في حياة الناس، ويؤخذ الناس بها بحكم القانون والسلطان، ويؤاخذ الناس على مخالفتها، ويؤخذون بالعقوبات. والحياة البشرية لا تستقيم إلا إذا تلقت العقيدة والشعائر والشرائع من مصدر واحد، يُلك السلطان على الضمائر والسرائر، كما يُلك السلطان على الحركة والسلوك، ويجزي الناس وفق شرائعه في الحياة الدنيا كما يجزيهم وفق حسابه في الحياة الآخرة. فأما حين تتوزع السلطة، وتتعدد مصادر التلقي ... حين تكون السلطة لله في الضمائر والشعائر، بينما السلطة لغيره في الأنظمة والشرائع ... و حين تكون السلطة لله في جزاء الآخرة، بينما السلطة لغيره في عقوبات الدنيا ..

عدد الصفحات ٦٤