المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

محاسن شريعة الرحمن وفساد شريعة الشيطان

حسن التمام

صفحة ٣ من ٢٨

33 المسألة الثالثة: بيان وفاء أحكام الشريعة بحاجة العباد وتحقيقها لمصالحهم قد تبين من المسألة السابقة أن تحكيم الشريعة الإسلامية من الواج بات الشرعية على كل مسلم حاكما كان أو محكوما، وأن تحكيمها واجب يدخل في أصل الإيُان ويدخل في تحقيق توحيد الله عزّ وجلّ ، كما أن الامتناع عن تحكيم الشريعة يخُل بأصل الإيُان وينقض التوحيد. ويتعلق بوجوب تحكيم الشريعة أمرين أذكرهما في هذه المسألة، وهما: وفاء أحكام الشريعة، وتحقيق أحكام الشريعة للمص الح الدنيوية والأخروية، وهذا بيانهما: أولا: وفاء أحكام الشريعة بأقضية الناس إلى يوم القيامة. لما كانت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم عامة إلى جميع البشر عموماً مكانيا وزمانيا إلى يوم القيامة، وكان تحكيم شريعته واجبا على ك ل من آمن به، فقد اقتضى ذلك أن تكون شريعته وافية بما يحتاجه الناس من أحكا م في سائر شئونهم إلى يوم القيامة، وقد ثبت بالأدلة وفاؤها بذلك، ومن هذه الأدلة: قوله تعاونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} النحل89. وقولهتعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} المائدة3.

عدد الصفحات ٣٣

34 وقولهتعافإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول} النساء59. وقولهتعاوما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} الشورى 10. فقد دلّت هذه النصوص على وفاء الشريعة بجميع ما يحتاجه البشر من أحكام في سائر شئونهم وفي فضّ نزاعاتهم ورفع خلافاتهم فهي شر يعة كاملة كما وصفها الحق تبارك وتعالى. وليس معنى الكمال أن يَرِدَ حكم كل مسألة فرعية بعينها في الشريعة، وإنما يتحقق الكمال والشمول بالنص على أحكام وقواعد تندرج تحتها قضايا جزئية لا يحصيها إلا الله تعالى. وفي تقرير ذلك قال ابن تيمية رحمه الله (الصواب الذي ع ليه جمهور أئمة المسلمين أن النصوص وافية بجمهور أحكام أفعال العباد، ومنهم من يقول إنها وافية بجميع ذلك، وإنما أنكر ذلك من أنكره لأنه لم يفهم معاني النصوص العامة التي هي أقوال الله ورسوله وشموله ا لأحكام أفعال العباد، وذلك أن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بجوامع الكلم، فيتكلم بالكلمة الجامعة العامة التي هي قضية كلية وقاعدة عامة تتناول أنواعا كثيرة، وتلك الأنواع تتناول أعيانا لا تحصى، فبهذا الوجه تكون النصوص محيطة بأحكام أفعال العباد) (مجموع ا لفتاوى) 19/ 280. وفي التعليق على قوله تعااليوم أكملت لكم دينكم} قال الشاط رحمه الله (لو كان المراد بالآية الكمال بحسب تحصيل الجزئيات بالفعل، فالجزئيات لا نهاية لها فلا تنحصر بمرسوم، وقد نصَّ العلماء على هذا المعنى، فإنما المراد الكمال بحسب ما يحُتاج إليه من القواعد الكلية التي يجر ي عليها

عدد الصفحات ٣٤

35 ما لا نهاية له من النوازل) (الاعتصام) للشاطبي، 2/ 305. واستخراج أحكام القضايا الجزئية من النصوص والقواعد الكلية هو عمل المفتي والقاضي، وقد وقع التقصير في هذا في القرون الماضية فزعم بعض المنتسبين إلى العلم الشرعي أنه لا يجوز لهم الإفتاء في المسائل المستحدثة التي لم يسبق فيها قول لأحد من العلماء المتقدمين، فضيّقوا بذلك رحمة الله الواسعة، وفتحوا الباب أمام السلاطين الذين طَبَع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم للاقتباس من القوانين الإفرنجية بدعوى عدم وفاء الشريعة بأحكام القضايا المستجدة، وقد أشرت إلى هذا في أحكام المفتي في الباب الخامس من هذا الكتاب عند الكلام في مسألة (هل يجوز له أن يفتي في حادثة لم يتقدم فيها قول لأحد؟)، وقد بدأ الاقتباس من القوانين الإفرنجية مبكراً في الدولة العثمانية وبدأ بالقوانين التجارية ثم تلاه في سا ئر القوانين مع منتصف القرن التا سع عشر الميلادي، وقد تبعتها في ذلك سائر الولايات العثمانية وهي الدول العربية، وقد ساعد استيلاء الصليبيين على بلاد المسلمين - فيما عُرف بالاستعمار الحديث - على الإسراع في إحلال القوانين الوضعية والنظم الإفرنجية محل الشريعة الإ سلامية ليس في مجال التشريع والق ضاء فحسب وإنما في سائر المجالات كالسياستين الخارجية والداخلية للدول وفي مجال التعليم والإعلام والاقتصاد كما ذكرته في المسألة الأولى من هذا الموضوع ، وقد أدى هذا التبديل إلى صبغ الحياة الاجتماعية للمسلمين بصبغة إفرنجية كما هو م شاهد. وقد علمت من النصوص المتقدمة ومن أقوال ابن تيمية والشاطبي أن

عدد الصفحات ٣٥

36 الشريعة وافية بما يحتاجه البشر من أحكام إلى يوم القيامة، ولم يحوجنا ا معها إلى غيرها، وإلا لاحتاج البشر إلى نبيٍّ بعد نبينا صلى الله عليه وسلم وإلى دين ٍبعد دينه وهذا ممتنع. وفي بيان شمول أحكام الشريعة ووفائها بحاجة ال بشر قال ابن القيم رحمه الله (ومنها: أن قوله (فإن تنازعتم في شيء) نكرة في سياق الشرط تعم كلَّ ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين دِقِّه وجِله، جلِيه وخفِيه، ولو لم يكن في كتاب الله وسنة رسوله بيان حكم ما تنازعوا فيه ولم يكن كافيا لم يأمر بالرد إليه، إذ من الممتنع أن يأمر تعالى بالرد عن د النزاع إلى من لا يوجد عنده فصل النزاع. ومنها: أن الناس أجمعوا أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو الرد إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته) (اعلام الموقعين) ج 1 ص49. وفي بيان وفاء الشريعة بمصالح الخلق إلى يوم القيامة، قال ابن القيم رحمه الله (وهذ الأصل من أهم الأصول وأنفعها، وهو مبني على حرف واحد، وهو عموم رسالته صلى الله عليه وسلم بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم وأعمالهم ، وأنه لم يحوج أمته إلى أحد ٍبع ده، وإنما حاجتهم إلى من يبلغهم عنه ما جاء به، فلرسالته عمومان محفوظان لا يتطرق إليهما تخصيص: عموم بالنسبة إلى المرسَل إليهم، وعموم بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه من بُعث إليه في أصول الدين وفروعه، فرسالته كافية شافية عامة، لا تحُْ وِج إلى سواها، ولا يتم الإيُان به إلا بإثبات عموم رسالته

عدد الصفحات ٣٦

37 في هذا وهذا، فلا يخرج أحد من المكلفين عن رسالته، و يخرج نوع من أنواع الحق الذي تحتاج إليه الأمة في علومها وأعمالها عما جاء به. وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر للأمة منه علماً، وعلَّ مهم كل شيء حتى آداب التخلي وآداب الجماع والنوم والقيام والقعود، والأكل والشرب، والركوب والنزول، والسفر والإقامة، والصَّمْت والكلام، والعزلة والخلطة، والغنى والفقر، والصحة والمرض، وجميع أحكام الحياة والموت، ووصف لهم العرش والكرسي، والملائكة والجن، والنار و الجنة ويوم القيامة، وما فيه حتى كأنه رأي عين، وعرَّفهم معبودهم وإلههم أتم تعريف حتى كأنهم يرونه ويشاهدونه بأوصاف كماله ونعوت جلاله، وعَرَّفهم الأنبياء وأممهم وما جرى لهم وما جرى عليهم معهم حتى كأنهم كانوا بينهم، وعرفهم من طرق الخير والشر دقيقها وجليلها ما لم ي ُعَرِّفه نبي لأمته قبله، وعرفهم صلى الله عليه وسلم من أحوال الموت وما يكون بعده في البرزخ وما يحصل فيه من النعيم والعذاب للروح والبدن ما لم ي ُعَرّف به نبي غيره، وكذلك عرفهم صلى الله عليه وسلم من أدلة التوحيد والنبوة والمع اد والرد على جميع فرق أهل الكفر والضلال ما ليس لمن عرفه حاجة م ن بعده، اللهم إلا إلى مَنْ يبلغه إياه ويبينه ويوضح منه ما خفي عليه، وكذلك عرفهم صلى الله عليه وسلم من مكايد الحروب ولقاء العدو وطرق النصر والظفر ما لو عَلموهُ وعَقَلوه ورَعَوْه حق رعايته لم يقم لهم عدو أبداً، وكذلك عرفهم صلى الله عليه وسلم من مكايد إبليس و طرقه التي يأتيهم منها وما يتحرزون به من كيده ومكره وما يدفعون به شره

عدد الصفحات ٣٧

38 ما لا مزيد عليه، وكذلك عرفهم صلى الله عليه وسلم من أحوال نفوسهم وأوصافها ودسائسها وكمائنها ما لا حاجة لهم معه إلى سواه، وكذلك عرفهم صلى الله عليه وسلم من أم ور معايشهم ما لو علموه وعملوه لاستقامت لهم دنياهم أعْظَمَ استقامة. وبالجملة فجاءهم بّير الدنيا والآخرة بِرُمَّته، ولم يحوجهم الله إلى أحد سواه، فكيف يظن أن شريعته الكاملة التي ما طرق العالم شريعة أكمل منها ناقصة تحتاج إلى سياسة خارجة عنها تكملها، أو إلى قي اس أو حقيقة أو معقول خارج عنها؟ ومن ظن ذلك فهو كمن ظن أن بالناس حاجة إلى رسول آخر بعده، وسبب هذا كله خفاء ما جاء به على من ظن ذلك وقلة نصيبه من الفهم الذي وَفَّقَ الله له أصحاب نبيه الذين اكتفوا بما جاء به، واستغنوا به عما ما سواه، وفتحوا به القلوب والبلاد، وقالوا: هذا عهد نبينا إلينا وهو عهدنا إليكم، وقد كان عمر رضي الله عنه يُنع من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية أن يشتغل الناسُ به عن القرآن، فكيف لو رأى اشتغال الناس بآرائهم وزَبَد أفكارهم وزُبالة أذهانهم عن القر آن والحديث؟ فالله المستعان. وقد قال الله تعالى: {أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب ي ُت ْلَى عليهم، إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون }، وقال تعا { [نحل89] أَيهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فيِ الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحمَْةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ 57]

عدد الصفحات ٣٨

39 ابن القيم من (اعلام الموقعين) ج4 ص375 - 377. ثانيا: تحقيق الشريعة لمصالح ال بشر الدنيوية والأخروية. العلم بسُمُوّ أحكام الشريعة وتحقيقها لمصالح البشر مترتب على العلم بصفات من شرعها وهو الله تبارك وتعالى، فهو سبحانه {أحكم الحاكمين} هود45، وهو سبحانه{خير الحاكم} يوسف80، وهو سبحانه {العليم الحكيم} يوسف83، وهو سبحانه{أرحم الرا } يوسف64، وهو سبحانه{خير الراحم ين} المؤمنون118، وهو سبحانه (يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء، إن الله هو السميع البصير) غافر 20، وهو سبحانه{يقصُّ الحق وهو خير الفاصل} الأنعام57، وهو سبحانه{عليم بذات الصدور} الحديد6، وهو سبحانه {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور} غافر19، وهو سبحانه{يعلم ما في السماوات وما في الأرض، ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا، ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة، إن الله بكل شيء عليم} المجادلة7، وقال تعاألا يعلم من خَلَق وهو اللطيف الخبير} الملك14، وقال تعاولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } ق16، وهو سبحانه{إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون، وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة، حتى إذا جاء أحدكم الموت توفّته رسلنا وهم لا يفرطون، ثم رُدّوا إلى الله مولاهم الحق، ألا له الحكم و هو أسرع الحاسبين } الأنعام60 - 62، وهو سبحانه{إليه

عدد الصفحات ٣٩

40 مرجعكم جميعا وعدَ الله حقا، إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط، والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كان وا يكفرون} يونس4، فهذه بعض صفات الشارع جل وعلا، فهل تكون شريعته إلا أثر من آثار صفاته؟ والجواب: بلى، وبهذا وصف الله شريعته فهي شريعة الخير والرحمة والعدل والحكمة ورعاية مصالح الناس الدنيوية والأخروية، فقال جل شأنه {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم } الإسراء 9، وقال جل شأنه {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين } يونس57، وقالتعاأو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يُشي به في الناس، كمن مثلُه في الظلمات ليس بّارج منها، كذلك زُين للكافرين ما كانوا يعملون} الأنعام 122، فوصف الله شريعته بأنها نور ورحمة وشفاء وهدى، كما وصف ا نبيه صلى الله عليه وسلم المبعوث بهذه الشريعة بقوله {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} الأنبياء107. هذه صفات الشارع جل شأنه، فهل في ال كفرة الأنجاس المشرعين للقوانين الوضعية من يستحق شيئا من هذه الصفات؟ هل فيهم من هو أحكم الحاكمين أو أرحم الراحمين؟ وهل فيهم من يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور؟ وقال تعالى: {قل هل من شركائكم من يبدؤا الخلق ثم يعيده؟ قل الله يبدؤا الخلق ثم يعيده، فأنى تؤفكون؟، قل هل من شركائكم من يهدي إ لى الحق؟ قل الله يهدي للحق، أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمَّن لا يَهِدّي إلا أن ي ُهْدَى؟ فما لكم كيف

عدد الصفحات ٤٠

41 تحكمون؟} يونس34 - 35، وهل في الكفرة الأنجاس المشرعين مِن دون الله مَن ينبئ الناس بما عملوا يو م القيامة؟ وعن أي شيء سيسأل الله تعالى خلقه يوم القيامة: عن شريعته وما عملوا فيها أم عن القوانين الوضعية؟ ولا شك أنه سبحانه سائلهم عن شريعته كما قال تعاويوم يناديهم ماذا أجبتم المرسلين، فعَمِيَت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون، فأما من تاب وآمن وعمل صالحاً فعسى أن يكون من المفلحين} القصص65 - 67. واعلم أن هناك مصالح لا يقوم للناس دينهم ولا تستقيم لهم دنياهم ولا آخرتهم إلا بالمحافظة عليها، فإذا ضُيِّعت هذه المصالح فسدت دنيا الناس وأخراهم، وهذه المصالح هي ما يعرف بالضرورات الخمس: وهي حفظ الدين وحفظ ال نفس وحفظ العقل وحفظ النسب والعِرض وحفظ المال. وقد جاءت الشريعة بحفظ هذه الضرورات ورعاية هذه المصالح على السداد والتمام كما سنذكره قريبا إن شاء الله، في حين جاءت القوانين الوضعية الكافرة بالتفريط في هذه الضرورات وإضاعة هذه المصالح كما سنذكره في المسألة التالية إن شاء الله تعالى، وهذا من أشراط الساعة وعلاماتها كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن من أشراط الساعة أن يُرفع العلم ويثبت الجهل ويُشرب الخمر ويظهر الزنا) وفي رواية (من أشراط الساعة أن يقل العلم ويظهر الجهل ويظهر الزنا وتكثر النساء ويقل الرجال حتى يكون لخمسين امرأة القيّم الواحد) رواهما البخاري (حديث 80 و81.) والمقصود بشرب الخمر وظهور الزنا: كثرة ذلك واشتهار ه كما في الروايات

عدد الصفحات ٤١

42 الأخرى للحديث، وكثرة النساء سببها كثرة الفتن وما يقع فيها من قتل الرجال كما جاء في بعض أحاديث أشراط الساعة وفيها (ويكثر القت ل) وسبب كون هذه العلامات المذكورة في الحديث السابق من أشر اط الساعة هو كما قال ابن حجر رحمه الله (وكأن هذه الأمور ا لخمسة خُصت بالذكر لكونها مشعرة باختلال الأمور التي يحصل بحفظها صلاح المعاش والمعاد، وهي: الدين لأن رفع العلم يخُل به، والعقل لأن شرب الخمر يخل به، والنسب لأن الزنا يخل به، والنفس والمال لأن كثرة الفتن تخل بهما. قال الكِرماني: وإنما كان اختلال هذه الأمور مؤ ذنا بّراب العالم لأن الخلق لا يتركون هملا، ولا نبي بعد نبينا صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين، فيتعين ذلك. وقال القرطبي في "المفهم": في هذ ا الحديث علم من أعلام النبوة، إذ أخبر عن أمور ستقع فوقعت، خصوصا في هذه الأزمان) (فتح الباري) 1/ 179. ومن هذا تعلمأن اختلال الضرورات الخمس - الواقع بسبب تطبيق القوانين الوضعية التي لا تحفظ دينا ولا نفسًا ولا نسبًا ولا عقلاً ولا مالاً - مؤذنٌ بّراب العالم وب وادر هذا الخراب ماثلة للعيان في سائر البلدان المحكومة به ذه القوانين، وأما ما جاءت به الشريعة المطهرة لحفظ هذه الضرورات فمنها: 1 - في حفظ الدين: جاءت الشريعة بالأحكام الكفيلة بذلك ومنها * وجوب طلب العلم على كل مسلم (العلم العيني) وعلى عموم المسلمين

عدد الصفحات ٤٢

43 (العلمالكفائي). * وجوب رجوع العامة إلى العلماء فيما يُشكل عليهم وفي فتاويهم ونوازلهم. * وجوب نصب خليفة للمسلمين والذي من أول واجباته حفظ الدين على قواعده المستقرة. * وجوب الدعوة إلى الإسلام. * وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. * وجوب الجهاد في سبيل الله وهو قتال الكفار دفعاً وطلباً. * مشروعية قتال الخوارج والبغاة . * وضع قواعد للولاء والبراء حتى لا يتمكن الكافر أو المن افق أو المبتدع من مخالطة المسلمين وإفساد دينهم. * معاقبة المرتد عن دينه. * فتح باب التوبة للعصاة حتى الغرغرة. 2 - وفي حفظ النفس: جاءت الشريعة * بشرع القصاص في قتل العمد، قال تعاولكم في القصاص حياة} البقرة 179. * وشرعت الديات في قتل الخطأ واتلاف ما دون النفس * وشرعت دفع الصائل على النفس. * وشرعت حد الحرابة. * وأباحت التداوي من الأمراض. * وحرَّمت الانتحار.

عدد الصفحات ٤٣

44 * وحرَّمت كل ضار ٍ بالصحة حتى حَرَّمت الجلاّلة التي تأكل الخبائث حتى تطهر. 3 - وفي حفظ العقل: جاءت الشريعة. * بتحريم شرب الخمر وكل مُسكر ومخدر. * وأوجبت إقامة الحد على شاربها. * وسدّت ذرائع شرب الخمر بتحريم صنعها وحملها والاتجار فيها. * وحرّمت الشريعة كل ضار ٍ بالصحة. 4 - وفي حفظ النسب: جاءت الشريعة: * بتحريم الزنا وأوجبت فيه الحد الرادع جلداً وتغريباً أو رجما بحسبه. * وسدّت كل ذرائع الزنا: فحثت على التزوج، وأباحت نكاح الأمَة لمن خشي العنت، وأوجبت الحجاب على النساء وحرّمت عليهن الخضوع بالقول، وأوجبت غضّ البصر والاستئذان على الرجال والنساء، وحرّ مت الخلوة بالمرأة الأجنبية في الحضر والسفر، وأباحت الط لاق والخلع لمن يتضرر من استمرار الزوجية. * وأوجبت العدّ ة على النساء عند مفارقة الزوج بطلاق أو خلع أو موت، لئلا يختلط ماء رجل بماء آخر في رحم المرأة محافظة على الأنساب، ولم تكن العدة معمولاً بها في الجاهلية قبل الإسلام. 5 - وفي حفظ العِرْض: جاءت الشريعة * بحد القذف على من رمي آخر بالزنا ولم يأت بأربعة شهداء. * وتحريم الغيبة والتنابز بالألقاب.

عدد الصفحات ٤٤

45 * وأمرت باجتناب مواطن التهم والشبهات كما قال صلى الله عليه وسلم (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) الحديث متفق عليه. 6 - وفي حفظ المال: جاءت الشريعة * بتحريم السرقة وأوجبت الحد على السارق. * وتحريم الربا وسد ذرائع ه، لما فيه من أكل مال الناس بالباطل. * وتحريم الغش والغرر في البيع والشراء لما فيه من أكل المال بالباطل. * وتحريم الغصب وتحريم الكسب من الحرام ومن ا لمنافع المحرمة. * وشرعت كتابة العقود والديون والإشهاد عليها لحفظ الحقوق. * وحرّمت إضاعة المال وصرفه بغير حق أو تمكين السفهاء منه. * وشرعت الوصاية على المال لغير الراشد. * وقسَّمت الإرث بقدر معلوم لمستحقيه وحرمت التعدي فيه. * وفرضت الزكاة وحضّت على الصدقات وأوجبت النفقة على الأقرباء لئلا تمتد أيدي الفقراء لأمو ال الأغنياء بالسرقة والنهب. وفي الجملة فما من شيء يحفظ المال ويُنع أخذه أو انفاقه بغير حق إلا وقد أمرت به الشريعة. ويُلاحظ أن الجرائم التي تخُل بالدين أو بأمور الدنيا إخلالا خطيراً قد جاءت عقوبتها مقدرة في الشريعة لم تترك للاجتهاد، وهي الحدود: * فحفظ الدين: شُرع له حد الردة. * وحفظ النفس: شُرع له حد الحرابة، وشُرع القصاص. * وحفظ العقل: شرع له حد الخمر.

عدد الصفحات ٤٥

46 * وحفظ النسب والعِرض: شرع لهما حد الزنا وحد القذف * وحفظ المال: شرع له حد السرقة وحد الحرابة. فالحدود شرعت لحفظ هذه الضرورات الخمس ومعاقبة من يتعدى عليها إذ كان قوام الدين والدنيا بالمحافظة عليها، خاصة مع كثرة الدواعي وقوتها للتعدي على هذه الضرورات، فالشهوة الجنسية لدى الإنسان تدفعه للتعدي على الأنساب والأعراض بالزنا، وشهوة حب المال تدفعه للتعدي على مال الغير بالسرقة وقطع الطريق، والقوة الغضبية في النفس تدفعه للتعدي على أنفس الآخرين بالقتل والإتلاف، والكبر الذي في النفس يدفعه للكفر والردة والتعدي على الغير بالقذف وغيره. ولما كانت العقوبات في القوانين الوضعية غير رادعة فقد تجرأ المجرمون على التعدي على هذه الضرورات، ولهذا فإنك تجد الناس في المجتمعات المحكومة بهذه القوانين الطاغوتية الباطلة لا يأمنون على أنفسهم ولا على أعراضهم ولا أموالهم. وأما ما دون ذلك من الجرائم التي لا تخل إخلالا خطيراً بالدين والدنيا فإن عقوباتها تخضع لقدرٍ من الاجتهاد، وهي العقوبات التعز يرية، ويُقدر التعزيز بحسب ما يندفع به الفساد ولو كان ا لتعزير بالقتل كما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية، ويُنظر في هذا كتابه (السياسة الشرعية) وهو موجود بالمجلد 28 من فتاويه وفي الجملة فقد جاءت هذه الشريعة للناس بَّي ْرَي الدنيا والآخرة، جاءتهم بالأمن والطمأنينة والطهارة والرحمة، وجاءتهم بالحفاظ على مصالحهم

عدد الصفحات ٤٦

47 الدنيوية والأخروية، وبهذا تدرك مدى بشاعة إجرام الحكام المفسد ين الذين يحرمون المسلمين من نعمة الحكم بشريعة ربهم ويحكمونهم بدلا من ذلك بقوانين الكفار التي أفسدت على الناس دينهم ودنياهم. وقد كان هذا كله في بيان وفاء أحكام الشريعة بأقضية الناس إلى يوم القيامة وتحقيقها لمصالحهم الدنيوية والأخروية، وهذه المسألة متعلقة بتوحيد الربوبية وبالعلم بأسماء الله وصفاته - من العلم والحكمة والعدل والرحمة - وآثار هذه الصفات في شريعته التي شرعها لخلقه على لسان خاتم أنبيائه المبع وث رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم. ثم نتبع هذا ببيان مفاسد الحكم بالقوانين الوضعية، إذ إن الضِّدَّ يُظهر حُسْنَه الضِّدُّ.

عدد الصفحات ٤٧

48 المسألة الرابعة: بيان مفاسد الحكم بالقوانين الوضعية اعلم أنه يجوز وصف قوانين الكفار بأنها شريعتهم، وذلك لقوله تعاأم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله } الشورى 21، فوصف اللهُ ما وضعه الشركاء للناس بأنه شَرْعٌ (شرعوا لهم)، لأن الشريعة هي الطريقة المتبعة حقاً كانت أو باطلاً، وكذلك الدين هو نظام حياة الناس حقاً كان أو باطلاً ويدل على ذلك قوله تعالى - في الآية السابقة - (شرعوا لهم من الدين) سواء كانت (مِنْ) بيانية أو تبعيضية، ويدل عليه أيضا قوله تعالكم دينكم ولي دين} فسمّى ما عليه الكفار من الكفر ديناً، وكذلك قال فرعون لقومه - فيما حكى الله تعالى – {إني أخاف أن يبدّل دينكم} غافر26، ويدل عليه أيضا قولهتعاومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يُقبل منه} آل عمران 85، فبينّ سبحانه أن غير الإسلام يُسمى ديناً. وإذا كنا قد ذكرنا في المس ألة السابقة أن العلم بمحاسن الشريعة الإسلامية وفضائلها مبني على العلم بصفات من شرعها سبحانه وتعالى، فإن العلم بمفاسد القوانين الوضعية مبني كذلك على العلم بصفات هذه القوانين وصفات واضعيها، ومن صفاتها وصفاتهم: 1 - أنها شريعة الكفر: سواء في أصل وضعها، فلا خلاف في أن القوان الوضعية مقتبسة من الكفار الإفرنج وغيرهم، أو في مصير مَنْ حَكَم بها

عدد الصفحات ٤٨