المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

محاسن شريعة الرحمن وفساد شريعة الشيطان

حسن التمام

صفحة ٢ من ٢٨

17 (قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين) رواه الحاكم وقال إسناده صحيح، وقال ابن كثير: إن الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام فبعث الله إليهم نوحاً عليه السلام، فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض) (تفسير ابن كثير) 1/ 250، باختصار واعلم أن الرسل عليهم السلام وإن اختلفت شرائعهم في الأحكام كما قال تعالكل جعلنا منكم شِرعة ومنهاجا } المائدة48، إلا أنهم بُعثوا جميعا باعتقاد واحد وهو الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له - أي الإيُان بالله والكفر بالطاغوت - كما قال تعاولقد بعثنا في كل أمة ٍرسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} النحل36، والطاغوت هو كل ما عُبِدَ أو تحوكم إليه من دون الله، ولما كانت دعوتهم في ذلك واحدة فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد، الأنبياء إخوة لعلاّت) رواه البخاري. وعبادة الله وحده لا شريك له تعني توحيده ج ل شأنه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل لما أرسله إلى أهل اليمن - (إنك تقدُم على قوم ٍمن أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحِّدوا الله تعالى) الحديث متفق عليه. وقد سبق في أكثر من موضع بهذا الكتاب - كما في بيان فرض العين من العلم بالباب الثاني وكما في بيان موضوعات الاعتقاد في أول مبحث الاعتقاد بهذا الباب - بيان أن التوحيد نوعان: النوع الأول: توحيد الربوبية: وهو اعتقاد وحدانية الله تعالى وتفرده في ذاته

عدد الصفحات ١٧

18 وأفعاله وأسمائه وصفاته، شريك له في شيء من هذا، والرب هو المالك المتصرف، ويُعرف توحيد الربوبي ة أيضا بتوحيد المعرفة والاثبات أو التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي، لأن المطلوب من العبد فيه هو معرفة الرب بأفعاله وأسمائه وصفاته واثبات ما يجب له سبحانه من ذلك معرفة واعتقاداً. انظر (فتح المجيد) ص 14، و (معارج القبول 1/ 54. وكل من جعل لله تعا شريك ا في ذاته أو أفعاله أو أسمائه أو صفاته فقد أشرك بالله في ربوبيته وكَفَر بالله تعالى كما قال جل شأنه {وجعل لله أنداداً ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار } الزمر 8. ومن أفعال الله تعالى التي اختص بها نفسه وتفرّد بها حق التشريع لخلقه بوضع الأحكام والأوامر والنواهي لهم وقد دَلّ على تفرّد الله تعالى بهذا الفعل: قوله تعاإن الحكم إلا لله} الأنعام57 و يوسف40، وقوله تعاألا له الحكم} الأنعام62، وقولهتعاألا له الخلق والأمر} الأعراف 54، وقالتعاوما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} الشورى 10، وأكد الله تعالى تفرّده واختصاصه بحق وضع الأحكام لخلقه بقوله تعاولا يُشرك في حُكمه أحداً } الكهف26، وبالتالي فإن كل من تولى التشريع للناس من دون الله فقد جعل نفسه شريكا لله في ربوبيته إذ شارك الربَّ في فعله الذي اختص به نفسه، وبهذا وصفه الله بقوله تعاأم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله } الشورى 21، ومن جعل نفسه شريكا لله في التشريع للخلق فقد جعل نفسه رباً لهم، ومن خوَّله هذا الحق

عدد الصفحات ١٨

19 أو أطاعه فيما يشرعه من دون الله فقد اتخذه رباً كما قالتعااتخذوا أحبارهم ورهبانهم أر بابا من دون الله} التوبة31، وعن عدي بن حا رضي الله عنه - وكان نصرانيا فأسلم -: أنه سمع النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية مريم، وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحداً، لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون فقال: إنا لسنا نعبدهم، قال صلى الله عليه وسلم (أليس يحُرّمون ما أحَلّ الله فتحرّمونه، ويحُلون ما حرم الله فتحلونه؟) فقال: بلى، قال صلى الله عليه وسلم (فتلك عبادتهم) رواه أحمد والترمذي وحسّنه. وقال الألوسي في تفسير هذه الآية (الأكثرون من المفسرين قالو ا: ليس المراد من الأرباب أنهم ا عتقدوا أنهم آلهة العالم، بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم) أه . وفي الدول الجاهلية المعاصرة (المسماة بالعلمانية) يتولى سلطة التشريع للخلق جهات متعددة على رأسها البرلمان حيث تنص الدساتير على أنه (يتولى مجلس الأمة سلطة التشريع) ويتولاها رئيس الدولة الذي له حق إصدار قرارات بقوانين حسبما تنص الدساتير، وهؤلاء المشرعون من دون الله قد جعلوا أنفسهم شركاء لله في ربوبيته ونصبوا أنفسهم أرباباً للناس من دون الله كما دلّت عليه النصوص السابقة، وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ولما كان التشريع وجميع الأحكام، شرع ية كانت أو كونية قدرية، من خصائص الربوبية، كما دلت عليه الآيات المذكورة، كان كل من اتبع تشريعاً غير تشريع الله قد اتخذ ذلك المشرِّع رباً، وأشركه مع الله) (أضواء البيان) 7/

عدد الصفحات ١٩

20 169. وبهذا تعلم أن إفراد الله تعالى بحق التشريع داخل في صميم توحيد الربوبية وأن أي إخلال بذلك هو مناقضة لهذا التوحيد وكُفْر بالله تعالى، كما قال تعاوجعل لله أنداداً ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار} الزمر 8، وقالتعالى: {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا، أيأمركم بالكفر ب عد إذ أنتم مسلمون} آل عمران 80، فإذا كان من اتخذ الملائكة والنبيين أربابا يكفر، فكيف بمن دونهم؟ وهذا في بيان تعلق مسألتي الحكم والتشريع بتوحيد الربوبية. النوع الثاني: توحيد الألوهية: وهو إفراد الله تعالى بالعبادة، فالإله هو الم عبود، فمن عَبَد الله وحده بسائر أنواع العبادات القلبية وال ظاهرة فهو العبد المؤمن الموحِّد، ومن عَبَد غيره أو عَبَدَهُ وعَبَد غيره فهو المشرك الكافر، ولا تصح العبادة إلا باجتناب الشرك كما قال تعاواعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا} النساء36، وقالتعاأن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} النحل 36، ويُسمى توحيد الألوهية بتوحيد العبادة كما يُسمى بالتوحيد الإرادي القصدي الطلبي، وذلك لأن المطلوب من العبد فيه - ليس مجرد معرفة الرب واثبات ما يجب له كما في توحيد الربوبية - ولكن المطلوب فيه أن يفرد العبد ربَّه بالعبادة وأن يفرده بإرادته وقصده وطلبه، فلا يعبد غيره ولا يقصد غيره، ولا يصح إيُان العبد حتى يأتي بنوعي التوحيد. وقد افتتح الله عزّ وجلّ القرآن وختمه ببيان نوعي التوحيد، وذلك في سورتي الفاتحة والناس، ثم إن القرآن كله فيما بينهما هو تفصيل وبيان لهذا المعنى:

عدد الصفحات ٢٠

21 وهو وجوب إفراد الله بالربوبية وا لألوهية، وبيان كيفية عبادته، وبيان ثواب من أطاعه وعقوبة من عصاه. فقال تعالى في سورة الفاتحة {الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين} الفاتحة3 - 4، فهذا في توحيد الربوبية وهو إثبات الربوبية والْ مُلك لله وإثبات أسمائه وصفاته (الرحمن الرحيم)، ثم قال تعاإياك نعبد وإياك نستعين) الفاتحة: 5، وهذا في توحيد الألوهية وهو إفراده سبحانه بالعبادة والاستعانة وهي من أنواع العبادة، وفي تقديم المفعول (إياك) في الجملتين - وهو من أساليب الحصر - دليل على وجوب إفراد الله بالعبادة. وقال جل شأنه في سورة الناس {قل أعوذ برب الناس ملك الناس } الناس 1 - 2، فهذا إثبات لتوحيد الربوبية، ثم قال تعاإله الناس) الناس: 3، وهذا في اثبات توحيد الألوهية، وبهذا افتتح القرآن وختم ببيان نوعي التوحيد. واعلم أن توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية ولا ينعكس، فلا يوحِّد الله بالعبادة (وهذا هو توحيد الأ لوهية) إلا من اعتقد وحدانيته وتفرده في ذاته وأفعاله وأسمائه وصفاته (وهذا هو توحيد الربوبية) ولكن قد يوجد توحيد الربوبية بدون توحيد الألوهية وذلك عند من يعرف وجود الرب سبحانه ويثبت له المُلك والخلق والتدبير وهو مع ذلك لا يعبده أو يُشرك في عبادته، وقد كان هذ ا هو حال سائر الأمم الذين أرسل إليهم الرسل، يقرون بأن الله هو الخالق المالك المدبر للكون وهذا إقرار بالربوبية وهم مع ذلك يعبدون

عدد الصفحات ٢١

22 غيره بشتى أنواع العبادة كالخوف والرجاء والمحبة والدعاء والنذر والذبح والتحاكم وهذا إشراك في الألوهية، فوبّّهم الله في القرآن إذ كيف يقرون له بالربوبية ثم لا يفردونه بالعبادة؟ ومن هذا قوله تعاقل من يرزقكم من السماء والأرض، أم من يُلك السمع والأبصار ومن يخُرج الحي من الميت ويخُرج الميت من الحي، ومن يدبر الأمر، فسيقولون الله، ف قل أفلا تتقون} يونس31، وقال تعاولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله، فأنى يؤفكون} الزخرف 87. ومع إقرارهم بالربوبية احتج الله عليهم بأن الخالق المالك الرازق المدبر هو وحده المستحق للعبادة فقال تعايا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم } البقرة 21، وقالتعاأفمن يخلُق كمن لا يخلق أفلا تذكرون } النحل17، وقالتعاوالذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخُلقون } النحل20، وقالتعاأيُشركون ما لا يخلُق شيئا وهم يخُلقون } الأعراف 131، وقالتعاألا له الخلق والأمر} الأعراف 54. وقال شيخ الإسلام ابنتيمية: (وليس المراد بالتوحيد: مجرد توحيد الربوبية، وهو اعتقاد أن الله وحده خلق العالم، كما يظن ذلك من يظنه من أهل الكلام والتصوف، ويظن هؤلاء أنهم إذا أثبتوا ذلك بالدليل فقد أثبتوا غاية التوحيد، وأنهم إذا شهدوا هذا وفنوا فيه فقد فنوا في غاية التوحيد فإن الر جل لو أقر بما يستحقه الرب تعالى من الصفا ت ونزّهه عن كل ما ين ُزّه عنه، وأقر بأنه وحده خالق كل شيء، لم يكن موحداً حتى يشهد أن لا إله إلا الله وحده، فيقرّ بأن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة، ويلتزم بعبادة الله

عدد الصفحات ٢٢

23 وحده شريك له - إلى أن قال - فإن مشركي العر ب كانوا مقرّين بأن الله وحده خالقُ كل شيء، وكانوا مع هذا مشركين، قال تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } قالت طائفة من السلف "تسألهم: من خلق السموات والأرض؟ فيقولون: الله، وهم مع هذا يعبدون غيره) عن (فتح المجيد شرح كتاب التوحيد) ص 16، ط دار الفكر. والحاصل: أنه لا يصح إيُان العبد حتى يأتي بنوعي التوحيد، فقد تبين لك مما سبق أن مشركي العرب كانوا مقرين بالربوبية لله ولم يعصم هذا دماءَهم وأموالهم بل قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم لشركهم في الألوهية حتى يأتوا بتوحيد الألوهية ، وتوحيد الألوهية - وكما سبق القول - هو إفراد الله وحده بالعبادة، ومن العبادات التي أوجبها على خلقه الحكم بشرعه والتحاكم إليه، كما قال تعاإن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه} يوسف 40، وهذا نص صريح يبين أن الحكم من العبادات التي ينبغي إفراد ا تعالى بها لتحقيق توحيد الألوهي ة، ولهذا كان الإشرا ك بالله في حُكمِهِ كالإشراك في عبادته سواءً بسواءٍ، فقال في الحكم {ولا يُشرك في حكمه أحداً } الكهف26، وقال في العبادة{ولا يُشرك بعبادة ربه أحداً} الكهف110، وهذه العبادة ألا وهي الحكم بشرع الله واجبة على جميع الخلق حكاماً ومحكومين كل بحسبه، فالحكام يجب عليهم الحكم بين الناس بشريعة الله كما قال تعاوأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم} المائدة49، وقضى الله بكفرهم إذا لم يحكموا بشرع الله فقال تعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون 44،

عدد الصفحات ٢٣

24 وسائر الخلق حكاماً ومحكومين يجب عليهم التحاكم إلى شرع الله ولا يصح إيُانهم إلا بذلك كما قال تعافلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما} النساء65، وقد دلت هذه النصوص على كفر من لم يحكم بشرع الله أو لم يتحاكم إليه بما يعني أن هذه العبادات الواجبة داخلة في أصل الإيُان، فقد ذكرت - في التعليق على العقيدة الطحاوية في أول مبحث الاعتقاد - أن كل فعل يكفر تاركه فهو من أصل الإيُان ولا يصح إيُانه إلا بفعله. ويتبين مما سبق أن إفراد الله تعالى بالتشريع للخلق - وهو من أفعاله سبحانه - من توحيد الر بوبية، وأن إفراد ه سبحانه بالحكم بشريعته والتحاكم إليها - وهي من أفعال العباد - من توحيد الألوهية ، وذلك لأن توحيد الربوبية هو إفراد الله بفعله، وتوحيد الألوهية هو إفراد الله بأفعال العباد التي تعبَّدهم الله بها. ولا تصح كلمة التوحيد، وهي شها دة أن لا إله إلا الله، إلا بإفرا د الله تعالى بهذا كله - أي بالتشريع والحكم بشرعه والتحاكم إليه - ومن صرف شيئا من هذه العبادات إلى غير الله فقد اتخذ شريكا وإلها مع الله ولم يحقق معنى كلمة (لا إله إلا الله)، قال تعاأم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} الشور ى 21، وقالتعاولا يشرك في حكمه أحدا } الكهف26، فليس المقصود من كلمة التوحيد مجرد النطق بها بل الالتزام بما توجبه من إفراد الله بالعبادة، وبهذا فسّرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول

عدد الصفحات ٢٤

25 الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان) متفق عليه عن ابن عمر، وفي رواية لمسلم فسَّر النبي صلى الله عليه وسلم المراد بالشهادة بقوله (بني الإسلام على خمس: على أن يُعبد الله ويُكفر بما دونه، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصو م رمضان) أه . فبينّ أن المراد بكلمة التوحيد: عبادة الله وحده لا شريك له ، وكذلك هي في قوله صلى الله عليه وسلم (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها) متفق عليه، وفسَّر المراد بكلمة (لا إله إلا الله) التي تعصم الدم والمال وأن المراد ليس مجرد قولها بل تحقيقها بعبادة الله وحده وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم (بُعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبد الله وحده لا شريك له) الحديث رواه أحمد وهو حديث صحيح، فبين أن المطلوب من الكفار - والذي يُقاتلون لأجله - هو إفراد الله وحده بالعبادة لا مجرد قولهم كلمة لا إله إلا الله، وإن كان يُكف عنهم إذا قالوها حتى يُتبين منهم ما يناقضها، وهذا هو معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الأول (إلا بحقها) فمن حقها إفراد الله بالعبادة كما قال صلى الله عليه وسلم (حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا) الحديث متفق عليه. وهذا كله يدل على أن المقصود من كلمة التوحيد ليس مجرد النطق بها بل الالتزام بما توجبه من إفراد الله بالعبادة، وقد كان الكفار من سائر الأمم يدركون هذا، فلما قال هود عليه السلام لقومه (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) الأعراف 65 {قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونَذَرَ ما كان يعبد آباؤنا}

عدد الصفحات ٢٥

26 الأعراف 70، فعلموا أن المراد منهم إفراد الله بالعبادة وترك عبادة غيره من الآلهة، وقال تعاإنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون، ويقولون أئنا لتاركوا آ لهتنا لشاعر مجنون} الصافات35 - 36، فعلموا أن المراد ليس مجرد النطق بالكلمة بل المراد الالتزام بما توجبه من ترك الآلهة ولهذا امتنعوا عن النطق بها واستكبروا عن ذلك، فهذا ما فهمه الكفار من سائر الأمم، أما اليوم فإن كثيراً من المنتسبين إلى الإسلام لا يفهمون ما فهمه هؤلاء ا لكفار فكانوا شراً منهم، إذ قالوها بألسنتهم ونقضوها بأفعالهم، وفي هذا قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله (فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى كلمة التوحيد وهي "لا إله إلا الله" والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها، والكف ار الجهال يعلمون أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمة هو إفراد الله تعالى بالتعلق به والكفر بما يُعبد من دون الله والبراءة منه، فإنه لما قال لهم قولوا: لا إله إلا الله، قالوا {أجعَلَ الآلهة إلها واحداً إن هذا لشيء عُجاب} ص5، فإذا عرفت أن جُهّال الكفار يعرفون ذ لك، فالعجب ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهّال الكفار) من رسالته (كشف الشبهات) ص 6 - 7. فإذا علمت أن المراد من كلمة التوحيد هو تحقيق معناها بإفراد الله بالعبادة، تبينّ لك أن الذي يدّعي الإسلام وهو يصلي ويصوم ولكنه يح كم أو يتحاكم بغير شرع الله أنه ليس بمسلم لأنه لم يُفرد الله بالعبادة وبالتالي لم يحقق معنى كلمة التوحيد، أو قُلْ: إنه قالها بلسانه ونقضها بأفعاله، وإلا فقد

عدد الصفحات ٢٦

27 قالتعافَصَلِّ لربك} الكوثر2، كما قال تعاإن الحكم إلا لله} يوسف40، فأمر سبحانه عباده بأنيصلوا له وحد ه ويتحاكموا له وحده، فمن صلى لله وتحاكم لغيره لم يفرد الله بالعبادة، بل عَبَد الله وعَبَد غيره، وهذا هو شرك سائر الأمم فإنهم مع عبادتهم غير الله كانوا يعبدون الله ببعض صور العبادة كما قال تعاوما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } يوسف106، وقال تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلف ى الزمر 3، وقال تعا- حكاية عن أصحاب الكهف – {وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا ا } الكهف16، فاعتزلوا الآلهة التي كان يعبدها قومهم إلا الله فدّل على أن الله داخل فيما كانوا يعبدون إذ كانوا يعبدونه ويعبدون معه غيره، وهذا معنى الشرك وهو اتخاذ شريك مع الله في العبادة، وهذا ما يدل عليه أسلوب الاستثناء الوارد في النصّ السابق، وهو ما ورد أيضا في قوله تعاوإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني } الزخرف 26 - 27،ومثلها آية الشعراء 75 - 77. والحاصل: أن من صلى وصام لله وأعطى حق التشريع أو الحكم لغيره أو تحاكم لغير شريعته فقد عَبَد الله وعَبَد غيره، وهو بهذا مُشرك كافر ليس بمسلم، وهذا هو الشأن في المجتمعات الجاهلية المعاصرة يصلي الناس ويصومون لله وهم مع ذلك يعطون حق التشريع ل غيره وهذا شرك في الربوبية، ويحكمون ويتحاكمون إلى غير شرع الله وهذا شرك في الألوهية ، ودساتيرهم تُفصح عن هذا الكفر غاية الإفصاح، فيقولون:

عدد الصفحات ٢٧

28 * (يتولى مجلس الشعب سلطة التشريع) انظر على سبيل المثال (مادة 86 من الدستور المصري * و (الحكم في المحاكم بالقانون) انظر على سبيل المثال (مادة 165 من الدستور المصري). * و (لا جريُة ولا عقوبة إلا بناء على قانون) انظر على سبيل المثال (مادة 66 من الدستور المصري * و (مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع) انظر على سبيل المثال (مادة 2 من الدستور المصري) ومعظم الدساتير العلمانية تنص على ذلك وإن اختلفت العبارات. وهذا النص الأخير من أعظمها كفراً، فإنه ينص على اتخاذ آلهة أخرى مع الله، فإن التشريع حق لله وحده - كما سبق بيانه - ومعنى أن شريعته الإسلامية هي المصدر الرئيسي - ليس الوحيد - للتشريع معناه أن هناك مصادر أخرى للتشري ع وأن هناك آلهة أخرى يتلقى عنها التشريع مع الله تعالى، ولهذا فإنه لا يغفر لهؤلاء كون قوانينهم الوضعية تحتوي على بعض الأحكام الشرعية - فيما يُسمى بالأحوال الشخصية أو غيرها - هذا لا ي َغْفر لهم مع اتخاذهم قوانين غير شرعية، وبهذا تعلم أن قولهم (الشريعة المصدر الرئيسي ل لتشريع) يعني أنه (لا إله رئيسي إلا الله) لأنهم يتخذون آلهة أخرى مع الله يعبدونها بالتحاكم إليها من دون الله، ألا ترى أنه لما قال البعض لرسول الله صلى الله عليه وسلم (اجعل لنا ذات أنواط ، قال لهم (الله أكبر إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائ يل لموسى

عدد الصفحات ٢٨

29 {، فجعل قولهم كقولهم لأن العبرة بالمسمى والمضمون وإن اختلفت الأسماء والألفاظ ، واتخاذ آلهة مع الله في التشريع والحكم هو عين الشرك الذي نهي الله عنه بقوله تعاوقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين، إنما هو إله واحد، فإياي فارهبون) النحل 51، وهذه الآلهة الأخرى المتخذة مع الله هي الطواغيت التي أمر الله باجتنابها والكفر بها كما قال تعاولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} النحل36، وقد سبق في أواخر مبحث الاعتقاد - في نقد (الرسالة الليمانية في الموالاة) - بيان معنى الطاغوت وأنواعه وأن منها كل ما تحُوكم إليه من دون الله من دستور أو قانون أو قاض ٍأو زعيم أو شيخ قبيلة أو غيره وذلك لقوله تعايريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمِروا أن يكفروا به} النساء60، قال الشيخ الشنقيطي (كل تحاكم إلى غير شرع الله فهو تحاكم إلى الطاغوت) وذكر الآية السابقة، انظر (أضواء البيان) 7/ 165. وقد نص الله على أن الحكم والتحاكم عبادات فقالتعاإن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه} يوسف40، فمن صرف عبادتي الحكم والتحاكم إلى غير الله فقد عَ بَدَه من دون الله. وأحب أن أنبّه القارئ على أن المادة الدستورية الكفرية السابقة (مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع) لا توجب على واضعيها الالتزام بأي قانون إسلامي، فإنها نصت على الالتزام بمبادئ الشريعة لا قوانين الشريعة وبينهما فرق يق رره س دنة القوانين الوضعية الكافرة إذ يقولون إن

عدد الصفحات ٢٩

30 مبادئ الشريعة هي الحق والعدل والمساواة وأن الأصل براءة الذمة ونحوها وأن هذه المبادئ تكفلها القوانين الوضعية، وبهذا تعلم أن هذه المادة لا يترتب عليها أي التزام بتحكيم الشريعة ، فهذا التشريع من دون الله والحكم والتحاكم بغير شرعه هو اتخاذ الأنداد من دون الله وهو الكفر بعينه كما قال تعاوجعل لله أنداداً ليضل عن سبيله، قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار} الزمر 8، وقال ابن تيمية رحمه ا (فمن جعل لله نداً من خلقه فيما يستحقه عزّ وجلّ من الإلهية والربوبية فقد كَفَر بإجماع الأمة) (مجموع الفتاوى) 1/ 88. وهذا التشريع من دون الله والحكم والتحاكم بغير شرعه هو الوثنية في صورة من صورها، كما قال الشيخ عبد الرحمن الدوسري : (إن الوثنية برسمها الخاص وصبغتها الواحدة التي تجمعها هي تقديس غير الله أو تحكيم غيره وتشريع ما هو مناف ل شرعه الحكيم، ولكن ليس معنى هذا انحصاره ا برسم خاص قد انقضى أو بصبغة واحدة ت َلَبَّس بها غيرنا ونحن معصومون منها، بل إن فروع هذه القواعد الثلاثة الخبيثة كثيرة جداً فكل من تلبس بشيء منها كان وثنياً أو كان فيه من الوثنية بحسبه مهما كان وفي أي محيط كان) أه من ك تابه (الأجوبة المفيدة لمهمات العقيدة) ط مكتبة دار الأرقم 1404 ه ، ص44. والخلاصة: أن المقصود من إيراد هذه المسألة التنبيه على أن مسائل التشريع والحكم والتحاكم ليست من مسائل الأحكام الفرعية بل أنها متعلقة بصلب التوحيد و داخلة في أصل الإيُان، وعلى هذا فإن الخلاف بين فعلها وتركها

عدد الصفحات ٣٠

31 ليس مجرد خلاف ب الحلال والحرام وإنما هو خلاف: * بين الإيُان والكفر. * وبين الإسلام والجاهلية. * وبين التوحيد والشرك. * وبين أن يكون (لا إله إلا الله) أو أن تكون هناك آلهة أخرى للخلق مع الله. فإذا صُرِفَ التشريع والحكم والتحاكم إلى الله وحده في نظام من الأنظمة الحاكمة فهذا حُكم الإيُان والإسلام والتوحيد، وإذا صرف ذلك إلى غير الله تعالى فهذا حكم الكفر والجاهلية والشرك ، قال تعاأفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون} المائدة50، و التفريق بين هذين النوعين من الأنظمة ا لحاكمة واجب كما قال تعالى: {ليميز الله الخبيث من الطيب، ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون} الأنفال37، والتفريق ب هذين النوعين من الأنظمة هو مفتاح التغيير في هذه البلاد لما يترتب عليه من تميز الصفوف إذا علم المسلمون كفر الأنظمة التي تحكمهم ومناقضة ما هي عليه لكلمة التوحيد التي يعتز بها كل مسلم، فنشر العلم بذلك واجب ليعلم كل مسلم ما أوجبه الله عليه من تغيير هذه الأنظمة الكافرة وإحلال أنظمة إسلامية محلها. وقد كان هذا كله في بيان تعلق مسائل التشريع والحكم والتحاكم بتوحيد الله عزّ وجلّ، وأنَّ صرفَها إلى غير الله مناقض للتوحيد وشرك بالله.

عدد الصفحات ٣١

32

عدد الصفحات ٣٢