المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

محاسن شريعة الرحمن وفساد شريعة الشيطان

حسن التمام

صفحة ٢٧ من ٢٨

417 لم يتم أشبه قبل الشروع (والثاني) ليس له ذلك لأنه يؤدي إلى أن كل واحد منهما إذا رأى من الحَكَم ما لا يوافقه رجع فبطل المقصود به. (فصل) قال القاضي: وينفذ حُكْمُ من حَكَّماه في جميع الأحكام إلا أربعة أشياء: النكاح واللعان والقذف والقصاص لأن لهذه الأحكام مَزِيَّة على غيرها فاختص الإمام بالنظر فيها ونائبه يقوم مقامه، وقال أبو الخطاب ظاهر كلام أحمد أنه ينفذ حكمه فيها، ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين، وإذا كتب هذا القاضي بما حَكَمَ به كتابا إلى قاض من قضاة المسلمين لزمه قبوله وتنفيذ كتابه، لأنه حاكم نافذ الأحكام، فلزم قبول كتابه كحاكم الإمام) انتهي كلام ابن قدامة في (المغني). وما نقله عن القاضي - أبى يعلى - فيما يجوز فيه التحكيم وما لا يجوز يوافق ما ذكره القاضي ابن فرحون المالكي في (تبصرة الحكام) 1/ 62. * وقال ابن قدامة في (الكافي) (واختلف أصحابنا فيما يجوز فيه التحكيم، فقال أبو الخطاب: ظاهر كلام أحمد أن تحكيمه يجوز في كل ما تحاكم فيه الخصمان، قياسا على قاضي الإمام، وقال القاضي: يجوز حكمه في الأموال خاصة، فأما النكاح والقصاص، وحد القذف فلا يجوز التحكيم فيها لأنها مبنية على الاحتياط، فيعتبر للحكم فيها قاضي الإمام كالحدود) "الكافي" لابن قدامة ط المكتب الإسلامي ج 4 ص436. 3 - وقال إمام الحرم الجويني (وقد اختلف قول الشافعي رحمه الله في أن من حَكَّم مجتهدا في زمان قيام الإمام بأحكام أهل الإسلام، فهل ينفذ ما حَكَم به الحَكَم؟ فأحد قوليه، وهو ظاهر مذهب أبي حنيفة رحمه الله أنه

عدد الصفحات ٤١٧

418 ينفذ من حكمه ما ينفذ من حكم القاضي الذي يتولى منصبه من تولية الإمام، وهذا قول متجه في القياس، لست أرى الإطالة بذكر توجهه) (الغياثي) ط 2 تحقيق د. عبدالعظيم الديب1401 ه ص389. 4 - وجاء في كتاب (فتح القدير شرح الهداية) للأحناف (إذا حَكَّم رجن رجلاً فحكَمَ بينهما ورضيا بحكمه جاز) لأن لهما ولاية على أنفسهما فصحّ تحكيمهما وينفذ حكمُه عليهما، وهذا إذا كان المحَكَّم بصفة الحاكم - بأن يكون أهلا للشهادة - لأنه بمنزلة القاضي فيما بينهما فيشترط أهلية القضاء، ولا يجوز تحكيم الكافر والعبد والذميّ والمحدود في القذف والفاسق والصبي لانعدام أهلية القضاء اعتبارا بأهلية الشهادة، والفاسق إذا حَ كَم يجب أن يجوز عندنا - الحنفية - كما مر في المُوَلىَّ - أي القاضي الذي يوليه السلطان (ولكل واحد من المحكمين أن يرجع ما لم يحكم عليهما) لأنه مُقلَّد من جهتهما فلا يحكم إلا برضاهما جميعا (وإذا حكم لزمهما) لصدور حكمه عن ولاية عليهما (وإذا رفع حكمه إلى القاض ي فوافق مذهبه أمضاه) لأنه لا فائدة في نقضه ثم في إبرامه على ذلك الوجه (وإن خالفه أبطله) لأن حكمه لا يلزم لعدم التحكيم منه - أي من القاضي - (ولا يجوز التحكيم في الحدود وال قصاص) لأنه لا ولاية لهما على دمهما ولهذا لا يُلكان الإباحة، فلا يستباح برضاهما، قالوا وتخصيص الحدود والقصاص يدل على جواز التحكيم في سائر المجتهدات) (فتح القدير) 5/ 499، وقال أيضا (وإذا رُفِعَ إلى القاضي حُكْمُ حاكم ٍأمضاه إلا أن يخالف الكتاب أو السنة أو الإجماع بأن يكون قولاً لا دليل عليه) (فتح القدير) 5/

عدد الصفحات ٤١٨

419 487. 5 - وفي تفسير أبي بكر بن العر المالكي لقوله تعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون44، ذكر تحاكم اليهود إلى الن صلى الله عليه وسلم برضاهم وأن حكمه نفذ عليهم، فقال (المسألة السادسة: لما حَكَّموا النبي صلى الله عليه وسلم أنفذ عليهم الحكم، ولم يكن لهم الرجوع، وك ل من حَكَّم رجلاً في الدين فأصله هذه الآية، قال مالك: إذا حَكَّم رجلٌ رجلاً فحكمُه ماضٍ، وإن رُفِعَ إلى قاض ٍأمضاه إلا أن يكون جوراً بيِّناً، وقال سحنون: يُضيه إن رآه، قال ابن العربي: وذلك في الأموال والحقوق التي تختص بالطالب، فأما الحدود فلا يحكُم فيها إلا السلطان، والضابط: أن كل حق اختص به الخَصْمان جاز التحكيم فيه ونفذ تحكيم المحكّم به - إلى قوله - وتحقيقه أن الحكم بين الناس إنما هو حقهم لاحق الحاكم، ب َيْدَ أن الاسترسال على التحكيم خرمٌ لقاعدة الولاية ومُؤَد ٍإلى تهارُج الناس تهارج الحُمُر، فلا بد من نصبِ فاصلٍ، فأمَرَ الشرع بنصب الوالي ليحسم قاعدة الهَرَج، وأَذِنَ في التحكيم تخفيفاً عنه وعنهم في مشقة الترافع، لتتم المصلحتان وتحصل الفائدتان) (أحكام القرآن) لابن العربي ص 622 - 623. هذا وقد ذكر ابن العربي في (ص621) أن تحاكم اليهود إلى النبي صلى الله عليه و سلم وقع برضاهم لأن الحكم بينهم كان من حق أساقفتهم (الأحبار) وذكر الطبري مثله في تفسير قوله تعالى: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم42، وأهل العلم بالسِّيرَ لم يختلفوا في أن اليهود بالمدينة في زمن رسول الله صلى الله عليه

عدد الصفحات ٤١٩

420 وسلم كانوا أهل موادعة يلتزموا بجريان حكم الإسلام عليهم، وأنهم لم يكونوا أهل ذمة يؤدون الجزية، ولهذا فكان تحاكمهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الواقعة برضاهم واختيارهم لا بالتزام منهم ب ذلك. هذا حاصل ما ذكره الشافعي رحمه الله في (الأم) 4/ 129 - 130، نقلاً عن أحمد شاكر في (عمدة التفسير) 4/ 167. 6 - وقال الخطابي في شرح ه لسنن أبي داود رحمهما الله، عند شرحه لحديث إمارة السفر (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمِّروا أحدهم)، قال الخطابي (إنما أمر - صلى الله عليه وسلم - بذلك ليكون أمرهم جميعا ولا يتفرق بهم الرأي ولا يقع بينهم خلاف فيعنتو ا، وفيه دليل على أن الرجلين إذا حكمَّا رجلا بينهما في قضية فقضى بالحق فقد نفذ حكمه) (معالم السنن)، ط دار الكتب العلمية، 1401 ه ، ج2 ص260. 7 - ومن الأدلة على جواز التحكيم وسريان أحكام غير الإمام وقضاته، أن البغاة إذا استولوا على بلد وحكموه بالشرع وجَبَواْ منه الأموال على مقتضى الشرع فإن أحكامهم هذه نافذة ولا ينقضها الإمام العدل إذا ظهر على هذا البلد، فقد قال ابن قدامة (وإذا نصب أهل البغي قاضيا يصلح للقضاء فحكمه حكم أهل العدل ينفذ من أحكامه ما ينفذ من أحكام أهل العدل ويُرد منه ما يرد ... (المغني والشرح الكبير) ج 10 ص70. وقال ابن قدامة أيضا (وإن استولوا - أي البغاة - على بلد فأقاموا فيها الحدود، وأخذوا الزكاة والجزية والخراج احتُسِب به، لأن عليا لم يتتبع ما فعله أهل البصر ة وأخذوه، وكان ابن عمر يدفع زكاته إلى ساعي نجدة الحروري

عدد الصفحات ٤٢٠

421 ... (الكافي) ج4 ص152. وهذاما قرره الجويني أيضا (الغياثي ص 374.) 8 - وهذا الذي قرره فقهاء المذاهب المختلفة من جواز التحاكم لغير القاضي المولىَّ في دار الإسلام ذكر أبو بكر بن المنذر النيسابوري أنه مح ل إجماع، وذلك في كتابه (الإجماع) فقال (إجماع 254 - وأجمعوا على أن ما قضى قاضي غير قاض، جائز إذا كان مما يجوز) (كتاب الإجماع) ط دار طيبة 1402 ه ص75. ومعنى قوله (قاضي غير قاض) أي قاضي غ معين من جهة الإمام، أي غير قاضي الإمام، وقوله (إذا كان مما يجوز) أي إذا كان ما حكم به هذا القاضي مما يجوز في الشريعة، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية (والقاضي اسم لكل من قضى بين اثنين وحكم بينهما سواء كان خليفة، أو سلطانا، أو نائبا، أو واليا، أو كان منصوبا ليقضي بالشرع أو نائبا له، حتى من يحكم بين الصبيان في الخطوط إذا تخاي روا، هكذا ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ظاهر) (مجموع الفتاوى) ج 28/ 254. فهذه أدلة جواز تحاكم الناس برضاهم إلى رجل مؤه ل للحكم، بّلاف قاضي الإمام في دار الإسلام، حيث للمسلمين إمام يحكمهم وشريعة إسلامية تعلوهم، وقد نقل أبو بكر بن المنذر الإجماع على جواز ذلك. تنبيه: الفرق بين الحَكَم والقاضي من عدة أوجه: - 1 - الحَكَم لا يفتقر إ ولاية من إمام الوقت، بّلاف القاضي الذي لا يتولى إلا بولاية من الإمام.

عدد الصفحات ٤٢١

422 2 - الحَكَم لا يحكم بين اثنين من الناس إلا برضاهما وتحاكمهما إليه مختارين، بّلاف قاضي الإمام الذي يحكم بين الخصوم رضوا أم لم يرضوا، وله أن يجبرهم على الحضور إلى مجلس القضاء، وإن لم يختارو ا، طالما بلغته الدعوى. 3 - الحَكَم ليس له عموم النظر في الخصومات ولا استدامته، إذ إن عموم النظر واستدامته معناه أنه ذو ولاية، فهذا للقاضي المتولي من جهة الإمام. ويتفق الحَكَم والقاضي في وجوب استيفائهما لشروط القضاء، وفي أن حكمهما مُلْزِم للخصوم إلا أن القاضي يُلك سلطة تنفيذ حكمه بالشُرْط، والحَكَم قد لا يُلك القوة إن لزمت، فإن قبل الخصوم تنفيذ حكمه برضاً منهم - وهذا واجب عليهم - وإلا فيمكن للحَكَم أن يكتب للقاضي المولىَّ ليأمر بتنفيذ حكمه كما قال ابن قدامة (وإذا كتب هذا القاضي بما حَكَم به كتاباً إلى قاض ٍ من قضاة المسلمين لزمه قبوله وتنفيذ كتابه) (ا لمغني والشرح الكبير) 11/ 484. هذا فيما يتعلق بالحال الأول من هذه المسألة

عدد الصفحات ٤٢٢

423 ثانيا: وجوب التحكيم مع انعدام إمام المسلمين وقضاته: وهو إذا لم يكن للمسلمين إمام يحكمهم ولا قضاء شرعي يتحاكمون إليه، وهذا هو حال أغلب المسلمين اليوم، فلا أقول يجوز لهم، بل أقول يجب عليهم أن يرجعوا إلى من يصلح للقضاء الشرعي منهم ليحكم بينهم بشرع الله فإن لم يجدوا مؤهلا للقضاء اختاروا الأمثل فالأمثل ويحرم ع ليهم التحاكم إلى القوانين الوضعية الكفرية. والدليل على صحة هذا: جميع ما ذكر ته في الحال الأول، خاصة كلام الشيخ ابن ضويان في كتابه (من ار السبيل) وكلام ابن قدامة في (المغني)، وبالإضافة إلى هذا: 1 - قال القاضي أبو يعلى الحنبلي (ولو أن أهل بلد قد خلا من قاض ٍأجم عوا على أن قلدوا عليهم قاضيا، نظرت: فإن كان الإمام موجودا بطل التقليد، وإن كان مفقودا صح، ونفذت أحكامه عليهم، فإن تجدد بعد نظره إما م، لم يستدم النظر إلا بعد إذنه، ولم ينقض ما تقدم من حكمه، وقد نص أحمد رحمه الله تعالى على أن نفسَين لو حَكَّما عليهما نفذ حكمُه عليهما) (الأحكام السلطانية) ص 73. وموضع الاستشهاد هو قوله إذا كان الإما م مفقودا صح أن يولي الناس عليهم قاضيا، أما قوله إن كان الإ مام موجودا بطل التقليد فلا ينقض ما ذهبنا إليه في الحال الأول إذ إن تقليد القضاة من حقوق الإمام، وما ذكرناه

عدد الصفحات ٤٢٣

424 في الحال الأول هو تحكيم حَكَم وليس تولية قاض، وقد ذكرت أوجه الاختلاف بين الحَكَم وبين القاضي أعلاه. 2 - وقال الإمام السيوطي- وهو شافعي - (وقال ابن السبكي في (الترشيح) ذكر (الخوارزمي) في (الكافي) أن المتغلِّب على إقليم لو نصب قاضياً غير مجتهد أو غير عدل، والناس غير قادرين على دفعه هل تنفذ أحكامه وقضاياه من تزويج الأيامى والتصرف في أموال اليتامى؟ يحتمل وجهين: أحدهما: لا، وطريق المسلمين التحاكم إلى من ه و من أهل القضاء في حوادثهم، فإن لم يجدوا أهلاً نفذت أحكامه للضرورة) (الرد على من أخلد إلى الأرض) للسيوطي، ص 88، ط دار الكتبالعلمية 1403 ه 3 - وقال ابن عابدين الحنفي في حاشيته (وإن فُقِدَ وال ٍلغلب ة الكفار، وجب على المسلمين تعيين والٍ وإمام للجمعة) وقال أيضا (وأما بلاد عليها ولاة كفار فيجوز للمسلمين إقامة الجُمع والأعياد ويصير القاضي قاضيا بتراضي المسلمين، فيجب عليهم أن يلتمسوا والياً منهم) وقال أيضا (وإن لم يكن سلطان ولا من يجوز التقليد منه كما هو في بعض بلاد المسلمين كقرطبة الآن، يجب على المسلمين أن يتف قوا على واحد ٍمنهم فيجعلوه والياً، فيولي قاضيا ويكون هو الذي يقضي بينهم، وكذا ينصبوا إماماً يصلي بهم الجمعة) (حاشية رد المحتار على الدر المختار) 4/ 308، وبعضه في 3/ 253. 4 - وقد تكلم إمام الحرمين ا ويني عن هذه المسألة بإسهاب فقال (وقد

عدد الصفحات ٤٢٤

425 حان الآن أن أفرض خلو الزمان عن الكفاة ذوي الصرامة، خلوه عمن يستحق الإمامة - إلى قوله - أما ما يسوغ استقلال الناس فيه بأنفسهم، ولكن الأدب يقتضي فيه مطالعة ذوي الأمر، ومراجعة مرموق العصر، كعقد الجُمَع وجرّ العساكر إلى الجهاد، واستيفاء القصاص في النفس والطرف، فيتولاه الناس عند خ لو الدهر - إلى قوله - وإذا لم يصادف الناس ق َوَّاماً بأمورهم يلوذون به فيستحيل أن يؤمروا بالقعود عما يقدرون عليه من دفع الفساد فإنهم لو تقاعدوا عن الممكن، عم الفساد البلاد والعباد - إلى قوله - وقد قال بعض العلماء: لو خلا الزمان عن السلطان فحق على قطان كل بلدة وسكان كل قرية أن يقدموا من ذوي الأحلام والنهي، وذوي العقول والحجا من يلتزمون امتثال إشاراته وأوامره، وينتهون عند مناهيه و مزاجره، فإنهم لو لم يفعلوا ذلك ترددوا عند إلمام المهمات وتبلدوا عن إظلال الواقعات - إلى قوله - ثم كل أمر يتعاطاه الإمام في الأمور الم فوضة إلى الأئمة، فإذا شغر الزمان عن الإمام، وخلا عن سلطان ذي نجدة وكفاية ودراية، فالأمور موكولة إلى العلماء، وحق على الخلائ ق على اختلاف طبقاتهم أن يرجعوا إلى علمائهم ويصدروا في جميع قضايا الولايات ع ن رأيهم، فإن فعلوا ذلك، فقد هدوا إلى سواء السبيل، وصار عل ماء البلاد ولاة العباد ، فإن عسر جمعهم على واحد استبد أهل كل صقع وناحية باتباع عالمهم، وإن كثر العلماء في الناحية، فالمتبع أع لمهم، وإن فرض استواؤهم ففرضهم نادر لا يكاد يقع، فإن اتفق فإصدار الرأي عن جم يعهم مع تناقض المطالب والمذاهب محال، فالوجه أن يتفقوا على تقديم واحد منهم، فإن

عدد الصفحات ٤٢٥

426 تنازعوا وتمانعوا وأفضى الأمر إلى شجار وخصام فالوجه عندي في قطع النزاع الإقراع، فمن خرجت له القرعة قُدِّ م) ص 385 - 391. * ثم قال الجويني: إنه إذا خلا الزمان عن العلماء المجتهدين ولم يبق إلا نقلة مذاهب الأئمة قال: (إن الفقيه الذي وصفناه يحل في حق المستفتي محل الإمام المجتهد الراقي إلى الرتبة العليا في الخلال المرعية) ص 427 (الغياثي ط 2 تحقيق د/ عبدالعظيم الديب 1401 ه ومعنى كلام الجويني رحمه الله أنه يُستفتى الأمثل فالأمثل، فإن وُ جِدَ المجتهد لم يجز استفتاء المقلد، وإلا جاز، وكذلك في ا لتحكيم يُتحاكم إلى الأعلم فمن دونه، وقال ابن القيم رحمه الله (ونظير هذه المسألة إذا لم يجد السلطان من يوليه القضاء إلا قاضيا عاريا من شروط القضاء لم يعطل البلد عن قاض وولي الأمثل) أه (اعلام الموقعين) ج 4 ص196 - 197. ولابن تيمية كلام مثل هذا في (الاختيار ات الفقهية) ص 332. فهذه هي أقوال السلف فيما إذا خلا الزمان عن الإمام الأعظم أنه يجب على أهل كل بلد وناحية أن يتحاكموا إلى أه ل العلم فيهم من المجتهدين فإن عُدِموا فيحتكموا إلى الأمثل فالأمثل، وخطاب الله بإقامة الأحكام موجه إلى مجموع الأمة قال تعاوالسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما المائدة: 38، وقالتعاالزانية والزاني فاجلدوا 42، وغيرها، وينوب الإمام عن الأمة في تنفيذ هذا، كما في الحديث الصحيح (إنما الإمام جُنَّة) الحديث متفق عليه. وفيه أيضا (فالإمام الأعظم الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته)

عدد الصفحات ٤٢٦

427 الحديث متفق عليه فإذا فُقِد الإمام يرجع الخطاب إلى مجموع الأمة فيقدم الناس من يتحاكمون إليه ممن يصلح لهذا، وقال أحمد بن حنبل (لا بد للناس من حاكم، أفتذهب حقوق الناس؟) ذكره أبو يعلى في (الأحكام ال سلطانية) ص 24، 71 وذلك لأن نُصْبَة القضاة من فروض الكفايةفظ العدل وإن لم يقم به البعض أثم الكل، قال تعايا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط النساء 135، وقالتعالقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط يد 25. وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى هذا المع أوضح إشارة، وهو أن الأحكام والحدود مخاطب بها مجموع الأمة، ويقيمها السلطان ذو القدرة، فإن عُدِم السلطان وأمكن إقامتها - إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها - فهذا هو الواجب، فقال رحمه الله : (خاطب الله المؤمنين بالحدود والحقوق خطابا مطلقا، كقوله تعاوالسارق والسارقة فاقطعوا أيديهماتعاالزانية والزاني فاجلدوا { لكن قد علم أن المخاطب بالفعل لا بد أن يكون قادرا عليه، والعاجزون لا يجب عل يهم، وقد عُلِمَ أن هذا فرض على الكفاية، وهو مثل الجهاد، بل هو نوع من الجهاد ، فقوله القتال ذلك هو فرض على الكفاية من القادرين، و "القدرة" هي السلطان، فلهذا: وجب إقامة الحدود على ذي ا لسلطان ونوابه.

عدد الصفحات ٤٢٧

428 والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد، والباقون نوابه، فإذا فُرِضَ أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها، وعجز من الباقين، أو غير ذلك فكان لها عدة أئمة، لكان يجب على كل إم ام أن يقيم الحدود، ويستوفي الحقوق، ولهذا قال العلماء إن أهل البغي ي َن ْفُذ من أحكامهم ما ينفذ من أحكام أهل العدل، وكذلك لو شاركوا الإمارة و صاروا أحزابا لوجب على كل حزب فعل ذلك في أهل طاعتهم، فهذا عند تفرق الأمراء وتعددهم، وكذلك لو لم يتفرقوا، لكن طاعتهم للأ مير الكبير ليست طاعة تامة، فإن ذلك أيضا إذا أسقط عنه إلزامَهم بذلك لم يسقط عنهم القيامُ بذلك، بل عليهم أن يقيموا ذلك، وكذلك لو فرض عجز بعض الأمراء عن إقامة الحدود والحقوق، أو إضاعته لذلك: لكان ذلك الفرض على القادر عليه. وقول من قال: لا يقيم الحدود إلا السلطان ونوابه، إذا كانوا قادرين فاعلين بالعدل كما يقول الفقهاء: الأمر إلى الحا كم، إنما هو العادل القادر، فإذا كان مُضَيِّعاً لأموال اليتامي، أو عاجزا عنها: لم يجب تسليمها إليه مع إمكان حفظها بدونه وكذلك الأمير إذا كان مضيعا للحدود أو عاجزا عنها لم يجب تفويضها إليه مع إمكان إقامتها بدونه. والأصل أن هذه الواجبات تُقام على أحسن الوجوه، فمتى أمكن إقامتها مع أمير لم يحتج إلى اثنين، ومتى لم يقم إلا بعدد ومن غير سلطان أقيمت إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها، فإنها من "باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" فإن كان في ذلك من فساد ولاة الأمر أو الرعية ما يزيد على إضاعتها لم يدفع بأفسد منه، والله أعلم) (مجموع الفتاوى ج 34 ص

عدد الصفحات ٤٢٨

429 175،176.) فهذه أقوالالعلماء في بيان صحة - بل وجوب - اتفاق الناس على إقامة الأحكام بينهم - ما أمكنهم ذلك - زمن غياب الإمام، على أن يحَُكِّموا بينهم من يصلح للقضاء الشرعي الأمثل فالأمثل. ثالثا: كيفية تحاكم المسلمين إلى الشريعة في البلاد المحكومة بقوانين الكفار: في البلاد المحكو مة بالقوانين الوضعية يجب على المسلمين التحاكم إلى الشريعة بحسب المستطاع، فقد قال تعافلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم65، وقالتعافاتقوا الله ما استطعتم16. وهنا أربع مسائل: من يجب عليه ذلك؟ وصفة من يتحاكم إليه؟ وما يجوز فيه التحكيم؟ وحرمة الامتناع عن التحاكم إلى الشرع. 1 - من يجب عليه التحاكم إلى الشريعة؟ ولا يخفى أن هذا فرض عين على ك ل مسلم إذا نزل به ما يدعو إلى ذلك، فإن هذا التحاكم من أصل الإيُان كما أسلفت ، ولكني أودّ أن أنبه هنا على واجب قادة الجماعات والجمعيات الإسلامية المختلفة في هذ الشأن، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) الحديث متفق عليه، فيجب على هؤلاء القادة أن يُلزموا أتباعهم بهذا الواجب الشرعي، ويجب أن تتضمن عقود هذه الجماعات النص على هذا الواجب فيصير التحاكم بذلك واجبا على الأتباع من ثلاثة أوجه: * يصير واجبا بالشرع، لقوله تعافلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك

عدد الصفحات ٤٢٩

430 فيما شجر بينهم65. * وواجبا بالعقد، لقوله تعاوأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئو الإسراء 34. * وواجبا بأمر قادة الجماعات به، لقولهتعاأطيعوا الله وأطيعوا الر سول وأولي الأمر منكم59. وما يجب على قادة الجماعات من أمر اتباعهم بذلك هو واجب على كل مطاع ٍ كشيوخ القبائ ل وزعماء العشائر ونحوهم. 2 - صفة من يتحاكم إليه؟ يتحاكم إلى الأمثل فالأمثل، والأصل في الحاكم أن يكون مجتهداً، لحديث عمرو بن العاص رفعه (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب ... ) الحديث متفق عليه. فإن عُدِمَ يتحاكم إلى المقلد وطالب العلم كما سبق في كلام الجويني و ابن تيمية وابن القيم، وكما سبق بيانه في مراتب المفتين في الباب الخامس من هذا الكتاب، حتى قال القاضي برهان الدين بن فرحون (قال اللخمي إنما يجوز التحكيم إذا كان المحكَّم عدلاً من أهل الاجتهاد أو عامياً واسترشد العلماء، فإن حَكَم ولم يسترشد رُدَّ وإن وافق قول قائل، لأن ذلك تخاطر منهما وغَرَر) (تبصرة الحكام) 1/ 63. فالواجب التحاكم إ الأمثل فالأمثل ولا يجوز تعطيل هذا الواجب ما أمكن إقامته، وهنا يقع عبء كبير على المسلمين عامة وعلى ولاة الأمور منهم خاصة كقادة الجماعات والجمعيات الإسلامية من أجل توفير عدد

عدد الصفحات ٤٣٠

431 كاف ٍمن المؤهلين للتحكيم بين المسلمين، فالواجب على كل من ظهرت لديه نجابة في طلب العلم أن يَنكبَّ على دراسة الفقه وعلوم الوسائل الممهدة له حتى يتأهل للحكم بين المسلمين وقد ذكرت في المباحث السابقة ما يعين على هذه الدراسة، ويجب على قادة الجماعات الإسلامية انتداب من كان بهذه الصفة من أتباعهم لطلب العلم وكفالته مادياً ليتفرغ لهذا الأمر. 3 - ما يجوز فيه التحكيم؟ الراجح الذي تشهد له الأدلة أن التحكيم جائز في ك ل شيء، ودليله: أ - حديث أبي شريح - الذي سبق ذكره في كلام ابن قدامة وابن ضويان - أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم (يا رسول الله إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم، ف َرَضِىَ كلا الفريقين، قال صلى الله عليه وسلم: ما أحسن هذا) الحديث. فقوله (إذا اختلفوا في شيء) صيغة عموم تعم كل مختلف ٍفيه، لأنها نكرة (شيء) في سياق الشرط (إذا). ب - ودليله أيضا تحكيم اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم في حدّ الرجم، ونفاذ حكمه عليهم، كما سبق في كلام أبي بكر بن العربي رحمه الله. وعلى هذا فالتحكيم جائز في كل شيء بين المسلمين المقيمين بالبلاد المحكومة بقوانين الكفر، ولا يقيد هذا إلا ما ذكره ابن تيمية في آخر كلامه المذكور آنفا (والأصل أن هذه الواجبات تُقام على أحسن الوجوه، فمتى أمكن إقامتها مع أمير لم يحتج إلى اثنين، ومتى لم يقم إلا بعدد ومن غير

عدد الصفحات ٤٣١

432 سلطان أقيمت، إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها) (مجموع الفتاوى) 34/ 176. فإذا تعذر التحكيم في الحدود والقصاص أو ترتب على تنفيذ العقوبات فيهما مفسدة، فليكن في الأموال والحقوق والنكاح وتوابعه، وكل هذا يدخل في تقوى الله المستطاعة للعبد، ويدخل تحت القاعدة الفقهية (الميسور لا يسقط بالمعسور) وصاغها الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام هكذا (إن من كُلف بشيء من الطاعات ف َقَدَر على بعضه وعجز عن بعضه، فإنه يأتي بما قدر عليه، ويسقط عنه ما يعجز عنه) (قواعد الأحكام ج 2 ص6 و19) وهذه القاعدة مستفادة من قولهتعافاتقوا الله ما استطعتم} التغابن 16، ومن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) الحديث متفق عليه. ومما يدخل في الاستطاعة إخراج الزكاة وإن عطّلها الحكام، وأداء الديات وأروش الجراحات والك فارات وإن لم تحكم بها المحاكم الكافرة، وحُرْمَة الربا، ومما يتعلق بهذا مراعاة القيمة في القروض وفي البيع بالأجل وذلك لأن قيمة الأوراق المالية تتغير كثيرا بالزمن وغالبا ما تنقص قيمته ا وهو ما يُعرف في الاقتصاد المعاصر (بالتضخم) ويتلاعب الحكام الظالمون بقيمة العملات الورقية تلاعبا كبيراً بالنقص من قيمتها بما يعود بالغُبن الفاحش على الرعية ، فالواجب جعل أحد النقدين المعتبرين في الشريعة (الذهب والفضة) أساس هذه التعاملات، فمثلا إذا أقرضك رج ل ألف ليرة اليوم وكان جرام الذهب اليوم بمائة ليرة فأنت اقترضت عشرة جرامات، فإذا كان أجل القرض سنة

عدد الصفحات ٤٣٢