401 الشبهة السابعة عشرة: القول بأن الحكام الحاكمين بالقوانين الوضعية منافقون. وهذا أيضا خطأ لأنه حكمٌ لهم بالإسلام بما يعني تحريم الخروج عليهم، إذ لم يختلف المسلمون في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجر ى على المنافقين حكم الإسلام في الظاهر. وهذه الشبهة تدل على عدم علم صاحبها بأحكام النفاق والمنافقين. 1 - فالمنافق (وهو الزنديق أيضا) هو الذي يُظهر الإسلام ويخُفي الكفر أو يُبطن الكفر، لم يختلف العلماء في ذلك، قال ابن كثير رحمه الله في تفسير أول سورة البقرة: (شرع تعالى في بيان حال المن افقين الذين يُظهرون الإيُان ويبطنون الكفر - إلى قوله - وقوله تعايخادعون الله والذين آمنوا أظهرو ه من الإيُان مع إسرارهم الكفر يعتقدون بجهلهم أنهم يخدعون الله بذلك) (تفسير ابن كثير) 1/ 49 - 50. وللقرطبي مثله (تفسيره) 1/ 195 - 196، وبن تيمية مثله في (مجموع الفتاوى) 7/ 471، ولابن حجر مثله في (فتح الباري 12/ 271، ولابن قدامة مثله في (المغني مع الشر ح الكبير) 7/ 171، و10/ 79. 2 - ومن كان هذا حاله فلا خلاف في أنه تجري عليه أحكام الإسلام كما قال ابن تيمية رحمه الله: (وقد اتفق العلماء على أن اسم المسلمين في الظاهر يجري على المنافقين
عدد الصفحات ٤٠١402 لأنهم استسلموا ظاهراً، وأتو بما أتوا به من الأعمال الظاهرة، بالصلاة الظاهرة والزكاة الظاهرة والحج الظاهر والجهاد الظاهر، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يجُري عليهم أحكام الإسلام الظ اهر - إلى أن قال - والمنافقون في الدرك الأسفل من النار، وإن كانوا في الدنيا مسلمين ظاهراً تجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة) (مجموع الفتاوى) 7/ 351 - 352، وقال ابن تيمية أيضا (وقد ثبت بالسنة المتواترة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجُري الزنادقة المنافقين في الأحكام الظاهرة مجرى ا لمسلمين) نقلا عن (أحكام أهل الذمة) لابن القيم، 2/ 462 - 463. 3 - فإذا أظهر المنافق كفره الذي يُبطنه سمُِّي كافراً ومرتداً، كما قال ابن تيمية (ولم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم في المنافقين بحكم الكفار المظهرين للكفر) (مجموع الفتا وى) 7/ 210، فبينّ أن من أظه ر الكفر سمُّى كافراً، أما المنافق فهو من يخُفي الكفر ويستسر به كما تقدم بيانه، وقال ابن تيمية أيضا (بل أصل هذه البدع هو من المنافقين الزنادقة ممن يكون أصل زندقته عن الصابئين والمشركين، فهؤلاء كفار في الباطن، ومن عُلِمَ حالُه فهو كافر في الظاهر أيضا) (مجموع الفتاوى) 12/ 497، وقال ابن تيمية أيضا: (فهذه الأقوال ونحوها هي من الكفر المخالف لدين الإسلام باتفاق أهل الإسلام، ومن قال منها شيئا فإنه يُستتاب منه، كما يُستتاب نُظراؤه ممن يتكلم بالكفر، كاستتابة المرتد إن كان مُظهراً لذلك، وإلا كان داخلاً في
عدد الصفحات ٤٠٢403 مقالات أهل الزندقة والنفاق) (منهاج السنة النبوية) 8/ 59 - 60. وخلاصة أقوال ابن تيمية: أن من أظهر الإسلام وأخفى الكفر فهو منافق، فإن أظهر هذا الكفر سمُي كافراً ومرتداً وإن كان يظهر الإسلام إذ قد نقضه بما أظهره من الكفر، والدليل على هذا من كتا ب الله قوله تعايحذر المنافقون أن تنزّل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم، قل استهزءوا إن الله مخُرج ما تحذرون، ولئن سألتهم ليقولُن إنما كنا نخوض ونلعب، قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون، لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيُانكم 64 - 66، فدلت هذه الآية على أن من يخُفي الكفر (بم ا في قلوبهم) سمُي منافقا { تحذرون فهل هؤلاء الحكام الحاكمون بالقوانين الوضعية يخفون الكفر أم يظهرونه؟ ولا شك في أنهم يظهرونه ويصّرحون به في دساتير هم وقوانينهم وفي حُكمهم وإلزامهم. فهؤلاء كفار مرتدون ليسوا منافقين بالمعنى الاصطلاحي الشرعي. 4 - أما المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم الذين كانوا يُظهرون الإسلام ويخفون الكفر، فكانوا قسمين: (أ) قسم لم يُظهر كفره أبدا، فلم يعلم بأمره أحد من المسلمين، كما قال تعالى: {وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم101. (ب) وقسم ظهر كفُره في الوجود والواقع ولكن دون أن يثبت ثبوتاً شرعياً يؤاخذ به في أحكام الدنيا، وقد تكلمت في هذه المسألة عند الكلام في
عدد الصفحات ٤٠٣404 ثبوت الردة عند شرح قاعدة التكفير بمبحث الاعتقاد، فراجعه هناك، وحاصله أن ما كان يظهر من هذا القسم هو أحد شيئين: الأول: أقوال محتملة للكفر غير صريحة، كما قال تعاولتعرفنهم في لحن القول30. والثاني: أقوال صريحة في الكفر، ولكنها كانت تنقل للنبي صلى ا لله عليه وسلم بشهادة صبيّ أو امرأة أو رجل واحد بما لا تقوم بمثله حجة في الثبوت الشرعي للردة، والذي لا بد فيه من إقرار أو شهادة رجلين عدلين. و لم يؤاخذهم النبي صلى الله عليه وسلم بما علمه من كفرهم بالوحي تشريعا للأمة في إجراء أحكام الدنيا على الظاهر ، وقد نقلت في مبحث الاعتقاد أقوال ابن تيمية والقاضي عياض في ذلك، وراجع في هذا: (الصارم المسلول) لابن تيمية ص 354 - 358 و467، و (مجموع الفتاوى) 7/ 213، و (الشفا) للقاضي عياض، 2/ 961 - 964، ط الحل، و (اعلام الموقعين) لابن القيم، 3/ 140، و (تفسير القرط 1/ 199، و 16/ 252 - 253. فهذا هوحال المنافقين الذين كانت تجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة، أما من ظهر كفره واشتهر كهؤلاء الحكام فهو كافر مرتد وتسميته منافقا خطأ ظاهر، والله الموفق.
عدد الصفحات ٤٠٤405 الشبهة الثامنة عشرة: أن بعض هؤلاء الحكام لهم أعمال صالحة، فكيف يكفرون؟ وسواء كانت ه ذه الأعمال الصالحة في ذوات أنفسهم كالصلاة والصيام والحج، أو كانت متعدية النفع إلى الناس كبناء المساجد وطباعة المصاحف ونحو ذلك، فهذا كله لا يُ نع من تكفيرهم إذا قام المقتضي لذلك، وبيان هذا من وجهين: 1 - الوجه الأول: أنني قد ذكرت في مبحث الاعتقاد عند شرح قاعد ة التكفير أن العبد لا يدخل في الإيُان الحقيقي إلا بمجموع خصال ولكنه يخرج منه إلى الكفر بّصلة واحدة، قال تعاولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم74، فبينّ الله جل وعلا أنهم كفروا بكلمة واحدة مع أنه كان معهم إسلام بما يعني أنهم يتشهدون ويُصلّ ون، ولم يُنع هذا من تكفيرهم إذا وجد سبب الكفر، ولا يلزم للتكفير أن يزول كل ما مع العبد من خِصال الإيُان وشعبه. والصحابة عندما أكفروا مانعي الزكاة لم يكفروهم إلا بهذه الخصلة، ولم يشترطوا زوال بقية شعب الإيُان لأجل تكفيرهم فهذا شرط فاسد مخالف للأدلة. 2 - الوجه الثاني: أنه لا يوجد ما يُنع من قيام الكافر ببعض أعمال البر وخصال الخير، وهي من شعب الإيُان، ولكنه لا يُسمى مؤمنا ولا تنفعه هذه الشعب في الآخرة إذا لم يأت بأصل الإيُان أو إذا كان معه ما ينقض
عدد الصفحات ٤٠٥406 أصل الإيُان، ومن أمثلة ذلك (أ) قوله تعاإنما المشركون نجََسٌ ، فلا يقربوا ا لمسجد الحرام بعد عامهم هذا28، فدلت الآية على أن المشركين كانوا يحجون إلى البيت الحرام إذ كانوا على بقيةٍ من دين إبراهيم عليه السلام مع ما دخله من تحريف، وذلك حتى العام التاسع بعد الهجرة حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم علياً رضي الله عنه فنادى في موسم الحج (ألا يحج بعد العام مشركٌ) الحديث رواه البخاري. (ب) قوله تعاوما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون التوبة 54، فثبت أنهم كانوا ينفقون ويصلون مع كفرهم، ولهذا فلا تنفعهم أعمال البر هذه مع الكفر. (ج ) عن العباس رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك فهل نفعه ذلك، قال صلى الله عليه وسلم (نعم، وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح) الحديث متفق عليه. فثبت بهذا الحديث أن أبا طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم كان ينصره ويُنعه من عدوّه، وهذا من أعظم شعب الإيُان، إلا أن هذا لم يُنع من تكفيره لما لم يأت بأصل الإيُان، فقد ثبت في الصحيحين أنه أبى أن يقر بالشهادتين حين حضرته الوفاة ومات كافراً ، وإن نفعه فعله في تخفيف العذاب إلا أنه لا يخرج م ن النار. (د) وعن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، ابن جُدعان كان في
عدد الصفحات ٤٠٦407 الجاهلية يَصِل الرحم ويُطعم المسكين فهل ذاك نافعه، قال صلى ا عليه وسلم (لا ينفعه، إنه لم يقل يوماً رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين) رواه مسلم. فهذه الأدلة ونحوها تثبت أن الكافر قد يفعل الخيرات، فإن كان يفعلها إخلاصاً وتعبداً كوفئ بها في الدنيا كما في حديث أنس عند مسلم، وإن كان يفعل ذلك رئاء الناس كما هو حال الحكام الكا فرين الذين يفعلون الخيرات تلبيسا على الناس فلا شيء لهم لا في الدنيا ولا في الآخرة. والحاصل: أن الكافر قد يفعل الخيرات وأعمال البر، وهذا لا يُنع من تكفيره إذا لم يأت بأصل الإيُان، أو إذا كان معه ما ينقص أصل الإيُان كما هو حال الحكام الحاكمين بالقوانين الوضعية، قال تعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون
عدد الصفحات ٤٠٧408 الشبهة التاسعة عشرة: أنه لا يجوز تحديث العامة بهذه الأمور. يعني صاحب الشبهة أن أمر تكفير هؤلاء الحكام ووجوب جهادهم لا يجوز تحديث العامة به، وهذا خطأ. فإن الشيء الذي ي ُفَضّل عدم تحديث العامة به هو ما زاد عن فرض العين من العلم الواجب، وقد بوّب عليه البخاري في كتاب العلم من صحيحه في باب (من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه) أه . فوصفه البخاري (بالاختيار) أي: ما يستوي الإخبار به والسكوت عنه، وقد يكون السكوت عنه أولى أحيانا. أما مسألة حكم الحاكم فمعرفتها من العلم الواجب على كل مسلم ليست من الاختيار، وذلك لسببين: 1 - السبب الأول: أن مسائل التشريع والحكم والتحاكم متعلقة بصلب التوحيد كما ذكرت في المسألة الثانية من هذا الموضوع، والإخلال بهذه المسائل من نواقض التوحيد، والتوحيد يُا يتضمنه من وجوب الإيُان بالله والكفر بالطاغوت هو أول واجب على المكلف، كما قال تعاولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت 36، وقال تعافمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى البقرة 256، وقال صلى الله عليه وسلم- لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى أهل اليمن - (ليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحّدوا الله) الحديث متفق عليه. فمعرفة التوحيد ونواقضه أول واجب على المكلف.
عدد الصفحات ٤٠٨409 2 - والسبب الثاني: أن هناك واجبات شرعية على المكلف مترتبة على معرفته حكم حاكمه، فإذا كان الحاكم مسلما وجب على كل مسلم أن يسمع له ويطيع وأن ينصره، وإذا كان الحاكم كافراً فلا سمع له ولا طاعة ووجب الخرو ج عليه وخلعه ويجب على كل مسلم القيام في ذلك كما نقلته عن ابن حجر من (فتح الباري) 13/ 123. والحاصل: أنه يجب إشاعة العلم بأمر كفر الحكام و وجوب جهادهم لأجل خلعهم ونصب حاكم مسلم في العامة لأن هذا واجب على كل مسلم ، ولأن جهادهم فرض عين على كل مسلم كما سبق بيانه في المسألة التاسعة، وإشاعة العلم بذلك مما يعجل بتغيير هذه الأنظمة الكافرة بإذن الله تعالى إذا علم كل مسلم ما يجب عليه من ذلك. أما عدم تحديث العامة بذلك فهو غاية ما يطمح إليه الحكام الطواغيت ليبقى حملة هذا العلم قلّة معزولة يرميهم الحكام وأنصارهم بكل ضلالة و شناعة وسط جهل العامة بحقيقة الأمر، وروي البخاري عن عمر بن عبد العزيز قوله (إن العلم لا يهلك حتى يكون سِرّاً). وقال تعاإن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيّناه للناس في الكتاب، أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون، إلا الذين تابوا وأصلحوا وبيّنوا فأولئك أتوب عليهم، وأنا التواب الرحيم159 - 160. وبالردّ على هذه الشبهة اختم الكلام في الرد على الشبهات الواردةنع تكفير الحكام الحاكمين بغير ما أنزل الله، والله يهدي من يشاء إلى صراط
عدد الصفحات ٤٠٩410 مستقيم وبعد: فقد قال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل ن عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً، ولو شاء ربك ما فعلوه، فذرهم وما يفترون، ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنو ن بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون112 - 113. فدلت هذه الآية على أنه لا بد للحق الذي جاء به الأنبياء من أعداء من الإنس والجن لهم شبهات يزينونها ويزخرفونها ليصدوا عن سبيل الله، وأن هذه سنة قدرية لا بد أن تقع كما يدل عليه قوله تعاولو شاء ربك ما فعلوه لامتناع المشيئة بعدمه، ثم ذكر المولى جل وع لا الحكمة من هذه السنة القدرية، وهي أن الله جعل هذه الشبهات (وهي زخرف القول) فتنة للناس: أما المؤمن فلا يزداد بها إلا بصيرة في الحق، وأما المنافق فيصغي لها ويرضى بها ولا تزيده إلا ض وليرضوه وليقترفوا ما هم مقتر فون فإنه لا بد من المحنة والفتنة والاختبار في هذه الدنيا كما قال تعالى: {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذ ين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذب2 - 3. وهذه الشبهات نوع من الفتنة يختبر الله بها عباد ه، ولهذا فإنها لن تنتهي ولن تنقطع مادامت هناك طائفة على الحق قائمة بأمر الله فلا بد أن يوجد من
عدد الصفحات ٤١٠411 يخالفها ويخذلها، وستنشأ شبهات أخرى، وفي الكت اب والسنة الرد على كل زائغ إلى يوم القيامة كما قال تعاولا يأتونك بمثلٍ إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً) الفرقان 33، ولا يزا ل الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم في طاعته. وإن بعض هذه الشبهات أعجب كيف نشأت في ذهن صاحبها ولا أجد لها سببا إلا كما قال تعا{ :لىشياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إ بعض زخرف القول غروراً112، وكما قال تعاوإن الشياطين ليوحون إلى أ وليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون 121. نسأل الله تعالى أن يعصمنا من مضلات الفتن، وأن يثبتنا على دينه، وأن يختم لنا بّاتمة السعادة، إنه على كل شيء قدير. وبهذا أختم الكلام في موضوع (الحكم بغير ما أنزل الله) وبالله تعالى التوفيق.
عدد الصفحات ٤١١412 الموضوع الخامس: وجوب التحاكم إلى الشريعة هذا الموضوع، والموضوع التالي (أحكام أهل الذمة) كلاهما متعلق بالموضوع السابق (الحكم بغير ما أنزل الله) باعت باره الباعث على الكلام فيهما. (تمهيد) وفي موضوعنا هذا نقول: إن تحاكم المسلمين إلى الشريعة - في نوازلهم وخص وماتهم - واجب يدخل في أصل الإيُان، وتركُه - إذا وجب وكان مستطاعاً - كُفر، لقوله تعالى: {فلا وربك يؤمنون حتى يحُكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت، ويُسلموا تسليماً65. وأكثر المسلمين في غفلة عن هذا الواجب الشرعي، مع استس مهم لتحكيم قوانين الكفر في دمائهم وأعراضهم وأموالهم، ومن يعي هذا الواجب منهم يظن القيام به مستحيلا مع تطبيق قوانين الكفر في بلادهم، وليس الأمر كذلك. فإن المسلمين مازال بوسعهم التحاكم إلى الشريعة في نوازلهم وخصوماتهم رغم تطبيق قوانين الكفار في بلادهم، وذلك بتحاكمهم بالتراضي إلى مؤ هل للحكم منهم، من عالم وطالب علم ٍحسب المستطاع، ومادام ذلك ممكنا فهو واجب لقوله تعافاتقوا الله ما استطعتم16، ولقوله صلى الله عليه وسلم (وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) الحديث متفق عليه.
عدد الصفحات ٤١٢413 وهذه المسألة- وهي تحاكم المسلمين بالتراضي إلى مؤهل للحكم - تُعرف في كتب الفقه بمسألة (التحكيم)، وذلك في مقابل (التقاضي) إلى القاضي المُوَلىَّ من جهة إمام المسلمين. والتحكيم جائز في وجود القاضي المُوَلىَّ في دار الإسلام، وواجب في غياب القاضي الشرعي المُوَلىَّ كما هو الحال في شتى بلد ان المسلمين اليوم، وسأذكر فيما يلي أقوال العلماء في حُكْم التحكيم في هذين الحالين، ثم اُتبعها ببيان ما يجب من ذلك على المسلمين في هذا الزمان.
عدد الصفحات ٤١٣414 أولا: بيان جواز التحكيم مع وجود القاضي الشرعي الْ مُوَلَّى في دار الإسلام ففي دار الإسلام التي تعلوها أحكام الشريعة ويحكمها إمامٌ مسلمٌ، ويتولى فيها القضاة ُ الْ مُ عَيَّنون من جهة الإمام الحكمَ بين الناس، يجوز للمسلمين أن يتحاكموا إلى رجل ٍمؤهل ٍ للقضاء برضاهم بّلاف قاض ي الإمام، وتلزمهم أحكام هذا الحَكَم، ولم يختلف العلماء من سائر المذاهب في جواز ذلك من حيث المبدأ، وإنما اختلفوا فيما يجوز التحكيم فيه من الخصومات والنزاعات، وهل يجوز للحَكَم أن يحكم في سائر ما يقضي فيه القاضي المُوَلىَّ أم لا يجوز له ذلك إلا في بعض الأمور؟ وسوف ترى من كلام العلماء أن اختلافهم فيما يجوز التحكيم فيه مرجعه إلى وجود القاضي المُوَ لىَّ، وأن ما تشتد فيه الخصومة رأى بعضهم ألا يحكم فيه إلا القاضي المولىَّ، وعلى هذا فإن الخلاف فيما يجوز فيه التحكيم ينبغي أن يرتفع مع غياب قاضي الإمام ، كذلك سترى أيضا أن التحكيم فيه رفع للمشقة عن الناس وعن القاضي في دار الإسلام، فليس كل أهل دار الإسلام بإمكانهم الترافع إلى القضاة دون مشقة كأهل الب وادي ونحوهم، فإذا حكّموا مؤهلاً من بينهم ارتفعت عنهم مشقة الرحلة وخفّ العبء عن القاضي، وهذا ما أشار إليه القاضي أبو بكر بن العربي في (أحكام القرآن) ص 622 - 623. وإليك أقوال العلماء من مختلف المذاهب في جواز التحكيممع وجود
عدد الصفحات ٤١٤415 القاضي المولىَّ في دار الإسلام 1 - قال ابن ضويان الحنبلي في شرح الدليل (فلو حكَّم اثنان فأكثر بينهما شخصا صالحا للقضاء: ن َفَذَ حُكْمُه في كل ما ينفذ فيه حكم من وَلاَّه الإمام أو نائبه) لحديث أبي شريح رضي الله عنه، وفيه أنه قال (يا رسول الله إن قو مي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم، ف َ رَضِيَ كلا الفريقين، قال: ما أحسن هذا!) رواه النسائي (وتحاكم عمر وأُبيٌَّ إلى زيد بن ثابت رضي الله عنهم، وتحاكم عثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم رضي الله عنهم، ولم يكن أحد منهما قاضيا) - قال في المتن - (وي َرْفَعُ الخلافَ، فلا يحل لأحد نقضه حيث أصاب الحق) - قال في الشرح - لأن من جَازَ حكمُه لَزِمَ كقاضي الإمام. (منار السبيل شرح الدليل) ج 2 ص459 ط المكتب الإسلامي1404 ه ، وحديث أ شريح حديث حسن رواه أبو داود والنسائي. 2 - وفَصَّل ابن قدامة الحنبلي هذه المسألة في كتابه الكافي (ج 4 ص 436 ط المكتب الإسلامي1402 ه )، وفي كتابه المغني (المغني والشرح الكبير ج 11 ص483 - 484) وإليك كلامه في المغ ( (فصل) وإذا تحاكم رجلان إلى رجل حَكَّماه بينهما ورضياه وكان ممن يصلح للقضاء فحكم بينهما، جاز ذلك ونفذ حكمُه عليهما، وبهذا قال أبو حنيفة وللشافعي قولان (أحدهما) لا يلزمهم ا حكمه إلا بتراضيهما، لأن حكمه إنما بالرضى به ولا يكون الرضى إلا بعد المعرفة بحكمه. ولنا ما روى أبو شريح رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
عدد الصفحات ٤١٥416 له (إن الله هو الحَكَم فلِم تُكَنىَّ أبا الحكم؟) قال إن قوم ي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكَمْتُ بينهم و رَضِىَ عَلَيَّ الفريقان، قال: ما أحسن هذا فمن أكبر ولدك؟ قال: شريح قال: فأنت أبو شريح) أخرجه النسائي. ورُوِي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "من حَكَم بين اثنين تَراضَيا به فلم يعدل بينهما فهو ملعون" ولولا أن حكمه يلزمهما لما لحَِقَه هذا الذم، ولأن عمر وأُب َيًّا تحاكما إلى شريح رضي الله عنهم قبل أن يوليه، وتحاكم عثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم رضي الله عنهم ولم يكونوا قضاة. فإن قيل فعمر وعثمان كانا إمامين فإذا ردا الحكم إلى رجل صار قاضيا ، قلنا لم ينقل عنهما إلا الرضى بتحكيمه خاصة وبهذا لا يصير قاضيا، وما ذ كره ي َبْطُل بما إذا رضي بتصرف وكيله فإنه يلزمه قبل المعرفة به، إذا ثبت هذا فإنه لا يجوز نقض حكمه فيما لا ي ُن ْقَض فيه حُكْم من له ولاية ، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: للحاكم نقضه إذا خالف رأيه لأن هذا عقد في حق الحاكم فمَلَك فسخه كالعقد الموقوف في حقه. ولنا أن هذا حكم صحيح لازِمٌ فلم يجز فسخه لمخالفته رأيه كحكم من له ولاية، وما ذكروه غير صحيح فإن حكمه لازم للخصمين فكيف يكون موقوفا؟ ولو كان كذلك لمَلَكَ فسخه وإن لم يخالف رأيه ولا نسلم الوقوف في العقود. إذا ثبت هذا فإن لكل واحد من الخَصْمين الرجوع عن تحكيمه قبل شروعه في الحكم لأنه لا يثبت إلا برضاه، فأشبه ما لو رجع عن التوكيل قبل التصرف، وإن رجع بعد شروعه ففيه وجهان (أحدهما) له ذلك لأن الحكم
عدد الصفحات ٤١٦