385 المفتي، وفي المسألة السابعةبأحكام المستفتي) وأن قول ابن القيم أنه يتحرى الحق فإن للحق أمارات، فهنا يستفت قلبه إذا لم يجد من يفتيه البتة. 2 - مسألة هل فتوى المفتي مُلزمة للمستفتي؟ (وهي المسألة الخامسة عشرة بأحكام المستفتي) وأنها ملزمة له ديانة بشروط ثلاثة راجعها هناك، وأنه يتوقف في قبول الفتوى إذا شك في علم المفتي وديانته أو إذا علم أن الأمر في الباطن والحقيقة بّلاف ما ورد في الاستفتاء فأفتاه المفتي بالحِلّ والجواز وهو حرام عليه في الباطن. 3 - في الأمور المشتبهة التي يختلط فيها الحلال بالحرام يعمل باطمئنان النفس، كما قال صلى الله عليه وسلم (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)، فيعمل بالأحوط. أما ما اتضح حكمه وعُلِمَ دليله فلا اعتبار لسكون النفس واطمئنان القلب فيه، كما قال ابن رجب (ف أما ما كان مع المفتي به دليل شرعي، فالواجب على المستفتي الرجوع إليه وإن لم ينشرح له صدره - إلى قوله - وفي الجملة فما ورد النص به فليس للمؤمن إلا طاعة الله ورسوله) (جامع الع لوم والحكم) ص 222 - 223. وراجع ما ذكرته في هذا الموضوع بالباب الخامس بهذا الكتاب، وفي (الاعتصام) للشاطبي، ج 2 ص153 - 163، ط دار المعرفة، و (جامع العلوم والحكم) لابن رجب، ص 218 - 225.
عدد الصفحات ٣٨٥386 فليس في اديث حجة لأصحاب الشبهة، والأمر هو كما قال تعالى: {وما كان ؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورس وله فقد ضل ضلالا مبيناً36.
عدد الصفحات ٣٨٦387 الشبهة الرابعة عشرة: شبهة أن أحد الصحابة بدّل حكم الله ولم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم بكفره. والمشار إليه هو ما ورد بحديث العسيف الذي زنى، والعسيف هو الأجير، والحديث متفق عليه، وفي رواية للبخاري عن أبي هريرة وزيد بن خالد رضي الله عنهما قالا: جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: انشدُك الله إلا قضيت بيننا بكتاب الله، فقال خصمه - وكان أفقه منه - فقال: صَدَق، اِقض بيننا بكتاب الله وأذن لي يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (قُلْ)، فقال: إن ابني كان عسيفاً في أهل هذا، فزنى بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة وخادم، وإني سألت رجالا من أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال صلى الله عليه وسلم (والذي نفسي بيده لأقضينّ بينكما بكتاب الله: المائة والخادم رَدٌّ عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، ويا أنيس اغد على امرأة هذا فَسَلْها، فإن اعترفت فارجمها) فاعترفت، فرجمها. أه (حديث 6859،6860.) قال صاحب الشبهة (فهذا رجل بدّل حكم الله وهو يعلم، ولكنه فعل ذلك إشفاقاً على ابنه، ولم يقصد الكفر بشرع الله، فحكم النبي صلى الله عليه وسلم على الزناة بما يستحقون، ولم يعامل ذلك الرجل بأحكام الكفار) أه . يريد صاحب الشبهة بذلك أن يدرأ حكم الكفر عن الحك ام الحاكمين بالقوانين الوضعية، وليس الأمر كما ظن، والرد عليه من وجهين:
عدد الصفحات ٣٨٧388 1 - أن الصحابي والد العسيف لم (يبدل حكم الله وهو يعلم) كما قال صاحب الشبهة، بل إنه فعل ما فعله أولا - وهو الافتداء المذكور - برأيه مع جهله بحكم الله، ويدل على جهله: السؤال الذي سأله بعد ما فعله، قال (فافتديت منه ... وإني سألت رجالا من أهل ا لعلم فأخبروني)، وبذلك تعارض عند هذا الصحابي قولان: رأيه في الافتداء، وقول غيره من الصحاب ة بالجلد والرجم، ففعل ما يجب عليه عند تعارض الأقوال وهو الترجيح بالرد إلى الله والرسول كما قال تعافإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول 59، فجاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فبينّ له الصواب من الخطأ، وهذا ما يجب على كل مسلم إذا تعارضت عن ده أقوال المفتين أن يبحث عن الترجيح كما ذكرته بالمسألة السادسة عشرة بأحكام المستفتي بالباب الخامس. وقال ابن حزم رحم ه الله: (إن هذا الصحابي تضارب عنده خبران فأتى النبي ص لى الله عليه وسلم ليتثبت) انظر (الإحكام) له، 6/ 84. فلم يبدّل هذا الصحابي حكم الله وهو يعلم كما زعم صاحب الشبهة الذي لبس الحق بالباطل، بل كان الصحابي يجهل حكم الله عندما قال برأيه. 2 - والوجه الثاني: أن الصحابي لما بلغه عن غيره من الصحابة أن حكم الله بّلاف رأيه أتى النبي صلى الله عليه وسلم ليتثبت، فلما تيقّن أنه حكم الله سلّم به وخضع له، فهل يخضع هؤلاء الحكام الطواغيت لأحكام الله مع
عدد الصفحات ٣٨٨389 علمهم بها حتى يحتج لهم بمثل هذا الحديث؟ أم أن هذا هو اتباع سنن المغضوب عليهم كما قال تعاولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا ا لحق وأنتم تعلمون42؟
عدد الصفحات ٣٨٩390 الشبهة الخامسة عشرة: أن النجاشي ملك الحبشة كان يحكم بغير م ا أنزل الله ولم يكفر، بل مات مسلماً بدليل صلاة النبي صلى الله عليه وسلم الجنازة عليه. ويريد صاحب الشبهة بذلك عدم تك فير الحكام المعاصرين الحاكمين بغير ما أنزل الله. وأقول: أما صلاة النبي صلى الله عليه وسلم الجنازة عليه فثابت في الصحيحين وفي غيرهما، وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم خبر موته بالوحي في اليوم الذي مات فيه مع بُعد ما بين المدينة والحبشة ولهذا عُدّ خبره من دلائل النبوة كما أخرجه البيهقي، وأشا ر إليه ابن حجر وقال إن وفاته كانت سنة تسع بعد الهجرة عند الأكثر. انظر (فتح الباري) ج 3/ 188، ج7/ 191. ومن ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه (أن رسول صلى الله عليه وسلم نعي لهم النجاشي صاحب الحبشة في اليوم الذي مات فيه، وقال: استغفروا لأخيكم) (حديث 3880.) وعنه قال (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صَفَّ بهم في المُصلى فصلّى عليه وكبرَّ أربعا) (حديث 3881.) وروى مسلم عن أنس رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي وإلى كل جبار يدع وهم إلى الله عزّ وجلّ، وليس بالنجاشي الذي نعاه لأًصحابه في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى فصفّ وصلى عليه، بل نجاشيّ آخر تملك بعده) أه .
عدد الصفحات ٣٩٠391 ولا شك أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم دليل على إسلامه للنهي عن الصلاة على المشركين وعن الاستغفار لهم كما قال تعاولا تُصَلِّ على أحدٍ منهم مات أبداً84، وقالتعاما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قر ة 113. وأما أنه- أي النجاشي - حكم بما أنزل الله أو حكم بغير ما أنزل الله، فهذا ما لا يُكن اثباته أو نفيه إلا بّبر صحيح في هذه المسألة بعينها، وهو ما لا سبيل إليه. ولكن الثابت الذي يدل عليه مجموع الأحاديث أن المسلمين المهاجرين إلى الحبشة لم تبلغهم بعض الشر ائع التي أنزلت في غيبتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الحال بالنسبة للنجاشي أيضا، والمسلم مكلف بما بلغه من الشرع وما لم يبلغه فهو غير مؤاخذ ب ه، وكون النجاشي مات مسلماً فهذا دليل على أنه فعل ما يجب عليه بقدر ما بلغه من دين الإسلام سواء كان قد حكم أو لم يحكم بما أنزل الله. فهل يَقارن حاله بحال هؤلاء الحكام الطواغيت الذين تطالبهم الشعوب المسلمة بتحكيم الشريعة ليل نه ار، فما يجدون من الحكام جواباً إلا القتل والسجن والتعذيب والمؤامرات الدولية والإقليمية لحرب الإسلام والمسلمين باسم مكافحة الإرهاب والتطرف؟ فأين هؤلاء الطواغيت من النجاشي رضي الله عنه؟ ومدار جواب هذه الشبهة على أن التكليف منوط ببلوغ أحكام الشريعة مع القدرة، فالنجاشي لم تبلغه أو عمل بما بلغه وما قدر عليه منها، أما الحكام
عدد الصفحات ٣٩١392 المعاصرون فقد بلغهم ما يجب عليهم وعلموا المراد منهم فما ازدادوا إ طغيانا وعُت ُوّا. وفي بيان هذا الأصل قال ابن تيمية رحمه الله: (وأيضا فإن الله تعالى قد أخبر في غير موضع أنه لا يكلّف نفسا إلا وسعها، كقوله تعاوالذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفساً إلا وسعها42، وقوله البقرة 233، وقوله7، وأمر بتقواه بقدر الاستطاعة فقالرة التغابن 16، وقد دعاه المؤمنون بقولهم الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به لبقرة 286 فقال قد فعلت. فدلت هذه النصوص على أنه لا يكلف نفسا ما تعجز عنه، خلافا للجهمية المجبرة، ودلت على أنه لا يؤاخذ المخطئ والناسي، خلافا للقدرية والمعتزلة، وهذا فصل الخطاب في هذا الباب. فالمجتهد المستدل - من إمام وحاكم وعالم وناظر ومناظر ومفت وغير ذلك - إذا اجتهد واستدل فاتقى الله ما استطاع، كان هذا هو الذي كلّفه الله إياه، وهو مطيع لله مستحق للثواب إذا اتقاه ما استطاع، ولا يعاقبه الله البتة - إلى أن قال - وكذلك الكفّار من بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في دار الكفر، وعلم أنه رسول الله فآمن به، وآ من بما أنزل عليه، واتقى الله ما استطاع، كما فعل النجاشي وغيره، ولم يُكنه الهجرة إلى دار الإسلام، ولا
عدد الصفحات ٣٩٢393 التزام جميع شرائع الإسلام، لكونه ممنوعا من الهجر ة، وممنوعاً من إظهار دينه، وليس عنده من يعلّمه جميع شرائع الإسلام، فهذا مؤمن من أهل الجنة - إلى أن قال - وكثير من شرائع الإسلام - أو أكثرها - لم يكن دخل فيها لعجزه عن ذلك، فلم يهاجر ولم يجاهد ولا حج البيت، بل قد رُوي أنه لم يكن يصلي الصلوات الخمس، ولا يصوم شهر رمضان، ولا يؤدي الزكاة الشرعية، لأن ذلك كان يظهر عند قومه فينكرونه عليه، وهو لا يُكنه مخالفتهم، ونحن نعلم قطعا أنه لم يكن يُكنه أن يحكم بينهم بحكم القرآن - إلى أن قال - والنجاشي ما كان يُكنه أن يحكم بحكم القرآن، فإن قومه لا يقرّونه على ذلك، وكثيرا ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار قاضيا - بل وإماما - وفي نفسه أمور من العدل يريد أن يعمل بها، فلا يُكنه ذلك، بل هناك من يُنعه ذلك، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها - إلى أن قال - وبالجملة لا خلاف بين المسلمين أن من كان في دار الكفر وقد آمن وهو عاجز عن الهجرة لا يجب عليه من الشرائع ما يعجز عنها بل الوجوب بحسب الإمكان، وكذلك ما لم يعلم حكمه، فلو لم يعلم أن الصلاة واجبة عليه وبقي مدة لم يصل لم يجب عليه القضاء في أظهر قولي العلماء، وهذا مذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر، وهو أحد الوجهين في مذه ب أحمد. وكذلك سائر الواجبات م ن صوم شهر رمضان وأداء الزكاة وغير ذلك ، ولو لم يعلم تحريم الخمر فشربها لم يحد باتفاق المسلمين، وإنما اختلفوا في قضاء الصلاة) أه من (منهاج السنة النبوية) 5/ 110 - 123، وهو بعينه موجود في (مجموع الفتاوى) 19/ 215 - 225.
عدد الصفحات ٣٩٣394 (تنبيه) على خطأ في كلام ابن تيمية الساب ق: اشتمل كلام ابن تيمية السابق على صواب وخطأ: أما الصواب: فهو أن العاجز عن شيء من الشريعة، سواء من جهة عدم التمكن من العلم به أو عدم القدرة على فعله، فهو معذور لا إثم عليه. وأما الخطأ: فقول شيخ الإسلام إن قوم النجاشي - وهم كفار - كانوا لا يُقرّونه على الحكم بالقرآن، وهو لا يُكنه مخالفتهم، هذا حاصل كلامه رحمه الله، وهو خطأ، وهذا القول لا يُصار إليه في الأصل إلا بعد اثبات بلوغ أحكام الشريعة إليه وأنه لم يلتزم بها بعد البلاغ، ولم يثبت ذلك بنقل صحيح، بل الظاهر خلاف ذلك كما يدل عليه حال الصحابة العائدين من الحبشة، فيكفي القول بأن الشرائع لم تبلغ النجاشي فلم تجب عليه. أما القول بأن قومه كان ينكرون عليه ولا يقرونه، فهذا محض الظن والتخمين، والذي يهمنا هنا هو التنبيه على أن هذا ليس من الأعذار التي تجيز ترك الحكم بالشريعة، وهذا هو وجه الخط أ في كلامه، وإلا لجاز لأي حاكم ممن يحكمون بالقوانين الوضعية اليوم أن يعتذر بهذا العذر، فيدعي أنه يخشى من قومه أو يخشى من القوى العالمية والدول الكبرى إن هو حكم بالشريعة، فهل هذا عذر مقبول يُنع من تكفيره؟ أما الأدلة على أن مثل هذه الخشية ليست عذراً ولا مانعاً من التكفير، فمنها. 1 - قوله تعافلا تخشوا الناس واخشون، ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون المائدة 44. فأبطل ا
عدد الصفحات ٣٩٤395 عذر الخوف وخشية الناس في هذا المقام بقوله الحكم بغير ما أنزل الله كفر اً أكبر كما تقدم بسطه، فالكفر لا يترخص فيه بالخوف ما لم يقع إكراه ملجئ، وهذا غير متصور في حق الحكام لأنهم يفعلون ما يفعلون باختيارهم وغاي ة أحدهم أن يخلع نفسه من الحكم ويتخلى عن الملك إن عجز عن إقامة حكم الله فهذا خير له من أن يظل في مُلكه مقيماً على الكفر، وقد تقدم الكلام في الفرق ب ين الخوف والإكراه بآخر مبحث الاعتقاد. 2 - وقولهتعايا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنه منهم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين، فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة، فع سى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسرّوا في أنفسهم نادم51 - 52، وقد سبق تفصيل القول في هذه الآية عند نقد (الرسالة الليمانية في الموالاة) بمبحث الاعتقاد، وأن الخوف ليس عذراً للوقوع في الكفر - وهو هنا بسبب موالاة الكفار - فدل على أن الخوف ليس مانعا من التكفير. 3 - وهناك دليل خاص في هذه المسألة، وهو قصة هرقل ملك الروم مع قومه، فلما بلغته رسالة النبي صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام، أراد أن يُسلم، ولكنه خاف من قومه أن يقتلوه كما قتلوا غيره ممن أسلم من أساقفة النصارى، فأراد أن يختبرهم فلم يوافقوه فلم يُسلم. وحديثه متفق عليه، وفي رواية البخاري (ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية، وكان نظيره
عدد الصفحات ٣٩٥396 في العلم، وسار هرقل إلى حمِْص، فلم يَرِمْ حمص حتى أتاه كتابٌ من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروج النبي صلى الله عليه وسلم وأنه نبيٌّ، فأذِن هرقل لعظماء الروم في دَسْكرةٍ له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلِّقت، ثم اطلّع فقال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرُشْ د وأن يثبُت مُلككم فتبايعوا هذا النبي؟، فحاصوا حَيْصة حمُُر الوَحْش إلى الأبواب فوجدوها قد غلّقت، فلما رأى هرقل ن َفْرتهم وأيس من الإيُان قال: رُدّ وهم عَلَيّ، وقال: إني قلت مقالتي آنفا اختبر بها شِدّتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل) الحديث ( 7.) وقصة قتلهم لأسقفهم لما أعلن إسلامه ذكرها ابن حجر في شرحه لهذا الحديث، وقال ابن حجر عن هرقل (وكان يحب أن يطيعوه فيستمر مُلكه ويسلم ويسلموا بإسلامهم، فما أيس من الإيُان إلا بالشرط الذي أراده، وإلا فقد كان قادراً على أن يفر عنهم ويترك مُ لكه رغبة فيما عند الله، والله الموفق) (فتح الباري) 1/ 43. والشاهد من حديث هرقل أن خوفه من قومه لم يكن مانعا من تكفيره، وسبب كفره ترك الإقرار بال شهادتين، ولم يقع عليه إكراه فقد كان بإمكانه أن يفرّ عنهم كما قال ابن حجر، فكذلك لا يكون الخوف مانعا من تكفير الحاكم بغير ما أنزل الله، فالكفر هو الكفر وإن اختلف سببه سواء كان كفره بسبب ترك الإقرار بالشهادتين أو بسبب ترك الحكم بما أ نزل الله. وأحب أن أنبّه هنا على أن قول ابن تيمية إن قوم النجاشي لم يكونوا ليوافقوه على إظهار دينه والحكم به، وأنه كان لا يستطيع أن يخالف هم، وأن
عدد الصفحات ٣٩٦397 هذا الكلام قاله ابن تيمية رحمه الله برأيه أو هو شيء استنبطه، وقد قال ابن القيم عكسه تماما، وأن النجاشي أظهر دينه - أو ما علمه من الدين - وأن قومه أطاعوه وأن هرقل علم بإسلامه لأن النجاشي كان يدفع له خراجاً ولما أسلم امتنع من دفعه، فرجلٌ يحمله دينه على تحدي هرقل ثم يخشى أن يحكم بالقرآن؟ والصواب في هذا كله أنه عمل بما بلغه من الدين، أما ما ذكره ابن القيم فهو في (زاد الم عاد) في (ذِكر هديه صلى الله عليه وسلم في مكاتباته إلى الملوك وغيرهم) وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عمرو بن العاص إلى ملك عُمان يدعوه إلى الإسلام، وهو جيفر وأخيه عبد ابني الجلندي، فسأل عبد ابن الجلندي عمراً فقال فيما رواه عمرو (فسألني أين كان إسلامك، قلت عند النجاشي وأخبرته أن النجاشي قد أسلم، قال فكيف صنع قومه بمُلكه، فقلت أقروه واتبعوه، قال والأساقفة والرهبان تبعوه، قلت نعم، قال انظر يا عمرو ما تقول إنه ليس من خصلة في رجل أفصح له من الكذب، قلت ما كذبت وما نستحله في ديننا، ثم قال ما أرى هرقل عَلِم بإسلام النجاشي، قلت بلى، قال بأي شيء علمت ذلك، قلت كان النجاشي يخرج له خرجا فلما أسلم وصدق بمحمد صلى الله عليه وسلم قال لا والله لو سألني درهما واحداً ما أعطيته فبلغ هرقل قوله فقال له النياق أخوه أتدع عبدك لا يخرج لك خرجا ويدين بدين غيرك دينا محدثا؟ قال هرقل رجل رغب في دين فاختاره لنفسه ما أصنع به والله لولا الضن بملكي لصنعت كما صنع، قال انظر ما تقول يا عمرو، قلت والله صدقتك) أه (زاد المعاد) 3/ 62.
عدد الصفحات ٣٩٧398 وهذا كله في بيان خطأ ما ذهب إليه شيخ الإسلام من أن النجاشي يحكم بالقرآن لأنه قومه لن يطيعوه في ذلك ، والصواب أنه لم يحكم بالقرآن لأنه لم تبلغه الأحكام الشرعية التفصيلية ، وشيخ الإسلام مع جلالته ورسوخ قدمه في العلم إلا أنه غير معصوم، وبالله تعالى التوفيق.
عدد الصفحات ٣٩٨399 الشبهة السادسة عشرة: القول بأن هؤلاء الحكام الحاكمين بالقوانين الوضعية بغاة. وهو قول الاستاذ حسن الهضيبي في آخر كتابه (دعاة لا قضاة)، وفي كتابه (سبعة أسئلة في العقيدة) ط دار الأنصار. وهذا القول خطأ لأنه حكم لهؤلاء الحكام بالإسلام، وهم كفار كفراً أكبر، وذلك لأن الباغي - بالمصطلح الشرعي - مؤمن لم يخرج ببغيه من الإسلام، قال تعاوإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي - إلى قوله - إنما المؤمنون إخوة9 - 10، فسمّاهم الله تعالى مؤمنين مع البغي، وهذا لا خلاف عليه بين علماء أهل السنة، فوصف هؤلاء الحكام بالإيُان مع ما قدمناه من الأدلة على كفرهم هو خطأ ظاهر، نعم، يجوز وصف الكافر بأنه باغ ٍ بالمعنى اللغوي لا بالمعنى الشرعي، ولكن لا خلاف في أن اللفظ إذا أطلق يجب صرفه إلى معناه الشرعي، ومن هنا كان خطؤه. أما تسمية الكافر باغيا بالمعنى اللغوي فمنه قول النبي صلى الله عليه وسلم عن كفار مكة يوم الخندق (إن الأُلى قد ب َغَوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا) الحديث رواه البخاري ( 4104) فوصف الكفار بالبغي وأحب أن أنبّه هنا على خطأ آخر في كلام حسن الهضيبي، وهو أنه في دار الإسلام إذا ظَلَم الحاكم المسلم الرعية فإنه لا يُسمى باغيا، وإنما الباغي هو
عدد الصفحات ٣٩٩400 من خرج على الإمام الحق بغ حق، وحول هذا المعنى تدور تعري فات الباغي في المذاهب الفقهية الأربعة. انظر للأحناف (حاشية ابن عابدين) 3/ 426، وللمالكية (شرح الزرقاني على مختصر خل يل) 8/ 60، وللشافعية (نهاية المحتاج) للرملي، 7/ 382، وللحنابلة (كشاف القناع 4/ 114، وللظاهرية (المحلى) لابن حز م، 11/ 97 - 98. ولم يقل أحد إن الإمام المسلم يوصف بالبغي إلا ابن حزم (المحلى) 11/ 99، والصواب هو القول الأول وأن الإمام إذا ظلم لا يوصف بالبغي وإنما يوصف بالجور كما قال صلى الله عليه وسلم (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) رواه النسائي بإسناد صحيح. والذي أدى بالأستاذ الهضيبي إلى وصف الحاكم - ولو مسلما - بالبغي هو اعتماده فيما يكتبه على مؤلفات ابن حزم فتابعه على قوله هذا، ومن هنا حذّرت في المبحث السابع - الخاص بدراسة الفقه - من شذوذ ابن حزم، وهذا أنموذج من الاعتماد على أقواله دون غيره. والحاصل: أن الحاكم سواء كان مسلماً أو كافراً لا يو صف بأنه باغٍ بالمعنى الشرعي لهذا المصطلح. أما الحكام الحاكمون بالقوانين الوضعية فهم كفار كفراً أكبر ووصفهم بأنهم بغاة حكم لهم بالإسلام وتحريم للخروج عليهم وإسقاط لوجوب جهادهم، لاتفاق أهل السنة - بعد الخلاف القديم - على أن السلطان لا يخُرج عليه إلا بالكفر البواح، هذا وبالله التوفيق.
عدد الصفحات ٤٠٠