369 الشبهة التاسعة: شبهة أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بغير شريعة الإسلام - بالتوراة - فيجوز ذلك لأمته من بعده. وهذه أيضا من الشبهات التي يكفر قائلها، لما فيها من غمز النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال ابن حزم رحمه الله إن من قال إن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بين اليهوديين اللذين زنيا بحكم التوراة المنسوخة فهو مرتد، انظر (الإحكام في أصول الأحكام) له، 2/ 104. وسبب الردة هنا: هو مخالفة هذا ا لقول للنصوص الدالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم إلا بشريعة الإسلام، وأن القرآن ناسخ لما قبله من الشرائع كقوله تعاوأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدّقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل ا48. وقال صلى الله عليه وسلم (لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي) الحديث رواه أحمد والدارمي، فكيف يتبع النبي صلى الله عليه وسلم كتاب موسى مع هذا؟ ومصداق هذا الحديث من كتاب الله قوله تعاوإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدقٌ لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنّه، قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري، قالوا أقررنا، قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين 81، فجميع النبيين أقر وا أنه إذا بعث محمدٌ صلى الله عليه وسلم في حياتهم ليتبعونه، فكيف يتبع محمد شريعة موسى عليهما الصلاة والسلام؟ وسبب هذه الشبهة ما ورد في إحدى روايات حديث ر جم اليهوديين اللذين
عدد الصفحات ٣٦٩370 زنيا، وفيها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (فإني أحكم بما في التوراة، فأمر بهما فرُجمِاَ) الحديث رواه أحمد وأبو داود، والرد على هذا الحديث من وجهتين: الأولى: أن هذه الرواية ليست مما يحتج بها، فقد ذكر ابن حجر أن في سندها رجل مبهم (فتح الباري) 12/ 170 - 171. الثانية: أنها إذا صحت هذه الرواية فإنه ينبغي فهمها على أساس ما ذكرنا من أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم إلا بالإسلام، وينبغي رد المتشابه إلى هذا المحكم، فيكون معنى قوله (فإني أحكم بما في التوراة) أي: بمثل ما ورد فيها في حكم هذه ا لمسألة، ولا يكون هذا متابعة منه للتوراة بل تصويباً لما ورد فيها في ذلك وأن هذا مما أنزله الله فيها ليس مما بدّلوه، وهذا ما ذكره ابن كثير في كلامه عن هذه الرواية فقال (فهذه الأحاديث دالة على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم بمواف قة حكم التوراة، وليس هذا من باب الإكرام لهم بما يعتقدون صحته، لأنهم مأمورون باتباع الشرع المحمدي لا محالة، ولكن هذا بوحي خاص من الله عزّ وجلّ إليه بذلك وسؤاله إياهم عن ذلك ليقررهم على ما بأيديهم مما تواطؤوا على كتمانه) (تفسير ابن كثير) 2/ 59، ولابن حجر مثل ه في (فتح الباري) 12/ 170 - 171، ولابن قدامة مثله في (المغني مع الشرح الكبير) 10/ 130. وقال ابن تيمية رحمه الله (وهو صلى الله عل يه وسلم لم يحكم إلا بما أنزل الله عليه، كما قال تعاوأن احكم بينهم بما أنزل ا 4/ 111، وقال أيضا
عدد الصفحات ٣٧٠371 (إذ كا ن المسلمون متفقين على أنه لا يجوز لمسلم أن يحكم بين أحد إلا بما أنزل الله في القرآن - إلى أن قال - وإذا كان من المعلوم بالكتاب وا لسنة والإجماع، أن الحاكم بين اليهود والنصارى لا يجوز أن يحكم بينهم إلا بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم، سواء وافق ما بأيديهم من التوراة والإنجيل أو لم يوافقه) (منهاج السنة النبوية) 5/ 508 - 509.
عدد الصفحات ٣٧١372 الشبهة العاشرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم بما أنزل الله في إقامة حد القذف على عبد الله بن أبَيّ بن سلول. وهذه أيضا من الشبهات التي يكفر قائلها لأن فيها تنقيص للنبي صلى الله عليه وسلم باتهامه بأنه لم يحكم بما أنزل الله، وهو صلى الله عليه وسلم القائل لأسامة بن زيد (أتشفع في حدٍ من حدود الله تعالى، إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله، لو أن فاطمة بنت محمدٍ سرقت لقطعت يدها) الحديث متفق عليه. وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في بعض الأمور برأيه ولكنه كان لا يُقر على خطأ، ومن هنا عاتبه الله في بعض الأمور، كقوله تعاوإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، و لئن صبرتم لهو خير للصابرين 126، وكقو له تعاليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون128، ونحوها من المواضع، والمسألة معروفة بكتب الأصول وبوّب عليها البخاري أيضا في كتاب الاعتصام من صحيحه على الآية الأخيرة، والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُعاتب بشيء فيما يخص ابن سلول فدّل على أن فِعْله معه كان صواباً وحقاً، سواء كان قد أقام عليه الحد أو لم يُقِمْه، خاصة وأن الأخبار قد تعارضت في هذا تعارضا يُسقط الاحتجاج بها. وذلك أنه في حادثة الإفك عَرَّض ابن سلول بقذف السيدة عائشة رضي
عدد الصفحات ٣٧٢373 الله عنها، ولم يصرح، ومن المعلوم الفقه أن القذف له ألفاظ صريحة وله كنايات، والكناية وهي التعريض لا يؤاخذ بها إلا مع النية أو قرائن الحال، و تلقى هذا التعريض آخرون عن ابن سلول وأشاعوه تصريحاً به. وانقل ما ورد بشأن إقامة حد القذف على الذين وقعوا في قذف عائشة رضي الله عنها عن الدكتور عبد العز يز بن عبد الله الحميدي فإنه لخّصه تلخيصاً جيداً في كتابه (المنافقون في القرآن) فقال: (وقد اختلف العلماء في الذين صرحوا بالإفك هل أقام عليهم النبي صلى الله عليه وسلم الحد أم لا على ثلاثة أقوال: أولا: أنه لم يقم الح د على أحد منهم لأن الحد لا يثبت إلا ببينة أو إقرار، ولم يحصل شيء من ذلك وبهذا قال الماوردي كما ذكر ابن حجر (فتح الباري) 8/ 479. ثانيا: أنهقد أقيم الحد عليهم جميعا إلا عبد الله بن أبيّ وبهذا قال ابن القيم (زاد المعاد) 2/ 114 - 115. ومما يستدل به لهذا القول ما أخرجه الترمذي قال: حدثنا بندار أخبرنا ا بن أبي عدي عن محمد بن اسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها قالت: "لما نزل عذري قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حَدّهم" هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن إسحاق. وأخرجه ابن ماجه بهذا السند كما أخرجه أبو داود من طريقين عن محمد بن
عدد الصفحات ٣٧٣374 إسحاق به، إحداهما مرسل ة وفيها: (فأمر برجلين وامرأة ممن تكلم بالفاحشة: حسان بن ثابت ومسطح ابن أثاثة، قال النفيلي: ويقولون إن المرأة حمنة بن ت جحش). فهذا الحديث فيه التصريح بأن الذين أق يم عليهم الحد ثلاثة، وفي الرواية المرسلة التي أخرجها أبو داود أنهم حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة و حمنة بنت جحش وليس فيه ذكر لابن أبيّ. وقد قيل في التعليل لعدم إقامة الحد عليه أنه لم يصرح بالقذف بل كان يجمع الحديث و يستخرجه بالبحث عنه، وممن قال بذلك القاضي عيا ض كما ذكر ابن حجر (فتح الباري) 8/ 481. وقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم ترك حده لمصلحة هي أعظم م ن إقامته كما ترك قتله مع ظهور نفاقه خوفا من وقوع الفتنة بسببه لأنه مطاع في قومه. وقيل إنما ترك حده لأن الحدود تقام ع لى المؤمنين تكفيرا لذنوبهم وابن أبيّ قد ثبت نفاقه فليس مؤمنا حتى يقام عليه الحد. ذكر هذين القولين ابن القيم ورجح الثاني. (زاد المعاد) 2/ 115. ثالثا: أنه قد أقيم عليه الحد كغيره ممن صرح بالإفك ومما يدل على ذلك ما أخرجه الطبراني بسنده عن سعيد بن جبير أنه قال : (جلد النبي صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت وعبد الله بن أبيّ ومسطحا وحمنة بنت جحش كل واحد ثمانين جلدة في قذف عائشة ثم تابوا من بعد ذلك غير عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين مات على نفاقه) قال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه ابن
عدد الصفحات ٣٧٤375 لهيعة وفيه ضعف وبقية رجاله رجال ا لصحيح (مجمع الزوائد) 7/ 80. وذكر ابن حجر أنالحاكم أخرج في "الإكليل" من رواية أبي أويس عن الحسن بن زيد وعبد الله بن أبي بكر بن حزم وغيرهما م رسلا أن ابن أبيّ ممن جلد الحد (فتح الباري) 8/ 481. والظاهر أن هذا القول أرجح لأمرين أولا: لثبوت إقامة الحد على ابن أبيّ في الروايتين السابقتين وإن كان من طرق ك لها مرسلة إلا أنه يقوى بعضها بعضا. ثانيا: لأنه قد ثبت في الحديث السابق الذي أخرجه أصحاب السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام الحد على الثلاثة المذكورين ولا يُكن شرعا أن يقيم الحد على بعض القذفة ويترك البعض الآخر. أما القول بأنه صلى الله عليه وسلم ترك إقا مة الحد على ابن أبيّ لأنه مطاع في قومه فربما حصل بسبب ذلك فتنة فهو مردود، لأنه إما أن يكون كافرا قد أعلن كفره فيجب قتله ردة ولن يثور لقتله ثائر لأنه مرتد، وإما أن يكون مظهراً الإسلام فلا بد من إقامة الحدود عليه إذا ارتكب جريُة كغيره من المسلمين ولن يثور لذلك ثائر، وقد كان ابن أبيّ ممن يظهر الإسلام نفاقا فلذلك لم يقتله النبي صلى الله عليه وسلم بالرغم من ظهور أمارات الكفر عليه واقتناع النبي من ذلك حتى لا يتحدث الناس أنه يقتل أصحابه كما سبق، أما أن يترك إقامة الحد خو فا من قومه فهذا ما لا يُكن وقوعه لأن كونه مظهرا الإيُان يستلزم إقامة الحد عليه إذا عصى. ثم من هم قومه الذي سيثورون له؟ أليسوا من المؤمنين؟ و هل يثور المؤمنون
عدد الصفحات ٣٧٥376 إذا أقيم حد الله على واحد منهم بحق وإن كان شريفا فيهم؟ هذا ما يُكن أن يقع أبدا من مؤمن حقا، أما تركه قتله مع ظهور نفاقه فإنه يختلف عن هذا لأنه يظهر الإيُان فحقن بذلك دمه فليس هناك سبب ظاهر يستوجب قتله، وقد قتل النبي صلى الله عليه وسلم س ويد بن الصامت حداً لقتله المجذر بن زياد البلوي كما سبق فلم ينكر ذلك أحد من قومه. والرسول صلى الله عليه وسلم هو أول م ن أنكر على الأمم السابقة إقامة الحد على ضعفائهم وترك إقامته على أشرافهم، كما أخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها في حديث المخزومية التي سرقت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه وإذا سرق الضعي ف فيهم أقاموا عليه الحد وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها". فكيف ينكر صلى الله عليه وسلم شيئا ثم يرتكبه؟ هذا ما لا يُكن حدو ثه ولا يليق بمقام النبوة) من كتابه (المنافقون في القرآن) ص 294 - 296، ط دار المجتمع 1409 ه وحاصل الروايات المختلفة : أن ابن سلول إما أنه لم يُقم عليه الحد لأنه عَرَّض ولم يُصرّح بالقذف، وإما أنه أقيم عليه الحد كغيره، فسقطت بذلك هذه الشبهة، أما لماذا لم يقتله النبي صلى الله عليه وسلم على النفاق؟ فقد سبق جواب ذلك في مبحث الاعتقاد عند الكلام في ثبوت الردة بشرح قاعدة التكفير.
عدد الصفحات ٣٧٦377 الشبهة الحادية عشرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم وبعض الصحابة حَرّموا الحلال ولم يكفر أحد بذلك. ويريد أصحاب هذه الشبهة أنه إذا كانت القو انين الوضعية تحل الحرام وتحرم الحلال فلماذا يكفر واضعها والحاكم بها، ولم يكفر من حرّم الحلال من الصحابة، وهذه الشبهة أيضا فيها تنقيص للنبي صلى الله عليه وسلم، و يقال فيها ما قيل فيما سبقها. ويشير أصحاب هذه الشبهة إلى ما ورد في قوله تعايا أيها النبي لمَِ تحرم ما أحلّ الله لك تبتغي مرضات أزواجك، والله غفور رحيم، قد فرض الله لكم تحلة أيُانكم1 - 2، وفي قوله تعايا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحلّ الله لكم ولا تعتدوا - إلى قوله - لا يؤاخذكم الله باللغو في أيُانكم ولكن يؤاخذكم بما عقَّدتم الأيُان، فكفارته إطعام عشرة مساك87 - 89 بسورة المائدة والرد على هذه الشبهة يكون بمعرفة أن تحريم ا لحلال يأتي على أربعة أوجه، منها ما هو كفر ومنها م ا ليس كذلك: الوجه الأول: التحريم على وجه التشريع، كالذي قصَّه الله عن أهل الجاهلية من النسيء وتحريم بعض الأنعام بحبسها على الطواغيت، كما قال تعالى: {إنما النسيء زيادة في الكفر يُضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاماً37، وكما قال تعاما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام، ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب 103،
عدد الصفحات ٣٧٧378 فهذا تحريم على وجه الإلزام للنفس وللغير، وهذا هو التشريع المكفِّر المخالف لشرع الله. الوجه الثاني: مجرد ترك الشيء لأن النفس تكرهه أو لا حاجة لها فيه. الوجه ال ثالث: تحريم الشيء على النفس بنذرٍ، بأن ينذر لله ألا يفعل بعض المباح. الوجه الرابع: تحريم الشيء على ا لنفس بيمين، بأن يحلف على ألا يفعل بعض المباح. والوجهان الثالث والرابع كانا مشروعين في شرع من قبلنا، أن يحر م المرء على نفسه الشيء فلا يجوز له أن يفعله، ومن هذا الباب ما حكى الله تعالى عن يعقوب عليه السلام حرّم إسرائ يل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة 93، ثم نُسِخ هذا في شريعتنا فصار لا يجوز للمرء أن يحِّرم الحلال على نفسه للآيات السابقة { وقولهتعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات } ....ه أن يكفِّر عن يُينه ويأتي الذي حرّمه على نفسه. والذي يدل على أن التحريم في الآيات التي استدل بها أصحاب هذه الشبهة كان من باب التحريم بنذر أو يُين وليس على وجه التشريع: أن الآيتين اللتين استدلوا بهما قد أعقب الله النهي عن التحريم فيهما بذكر كفارة اليمين: فقال تعايا أيها النبي لم تحرم - إلى قوله - قد فرض الله لكم تحلة
عدد الصفحات ٣٧٨379 أيُانكم وقال تعالا تحرموا طيب ات ما أحل الله - إلى قوله - ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيُان فكفارته فليس فيما استدلوا به حجة على إباحة التحريم والتحليل على وجه التشريع والذي لم يصف الله فاعله بغير الكفر، فقال تعاإنما النسيء زيادة في الكفرتعاما جعل الله من بحيرة - إلى قوله - ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب والوج وه الأربعة للتحريم المذكورة هنا ذكرها الشاطبي وفصّل القول فيها في كتابه (الاعتصام) ج 1 ص323 وما بعدها،ونقلها عنه الأستاذ عبد المجيد الشاذلي وزاد عليها وجهاً خامساً في كتابه (حد الإسلام) ص 342 وما بعدها.
عدد الصفحات ٣٧٩380 الشبهة الثانية عشرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز الحكم بغير ما أنزل الله بقوله (فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك). وهذه الشبهة تلحق بما قبلها في اشتمالها على تنقيص النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه أجاز الحكم بغير ما أنزل الله، أ ي أجاز الكفر، ومن أجاز الكفر فهو كافر، فكيف يسوغ هذا الظن وهو ص لى الله عليه وسلم إنما جاء بالإيُان بالله وحده والكفر بالطاغوت؟ وهذه الشبهة تدل على وفور جهل صاحبها، والحديث المشار إليه هو حديث بريدة بن الحصيب المشهور في الغزو، وفيه قال بريدة (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كَفَر بالله - إلى قوله - وإذا حاصرت أهل حصن وأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حُكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا؟) الحد يث رواه مسلم. وهذا النص لا يدل على إجازة الحكم بغير ما أنزل الله، وإنما يدل على أن المجتهد قد يصيب وقد يخطئ، وإصابته معناها أن يوافق حكمه في مسألة ٍما حكمَ الله فيها، وخطؤه أن يخالف حكمه حكمَ الله فيها، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) الحديث متفق عليه.
عدد الصفحات ٣٨٠381 ولهذا كان من آداب المفتي، كم ا قال ابن القيم: (ينبغي ألا ينسب المفتي الحكم إلى الله إلا بنصٍ ... لا يجوز للمفتي أن يش هد على الله ورسوله بأنه أحلّ كذا أو حرّمه أو أوجبه أو كرهه إلا لما يعلم أن الأمر فيه كذلك مما نص الله ورسوله على إباحته أو تحريُه أو كراهته) انظر (اعلام الموقعين) 4/ 175، ونقلت هذا في أحكام المفتي بالباب الخامس بهذا الكتاب ولهذا فإن قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المستدل به هو كما قال الشوكاني في شرحه (هذ النهي مح مول على التنزيه والاحتياط، وكذلك الذي قبله، والوجه ما سلف، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم "فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا؟ ") أه . والأمر كما قال ابن القيم، فإن الأقضية التي تعرض للحاكم ( القاضي) والمسائل التي تعرض للمفتي، بعضها تكون واضحة وحكمها ورد منصوصاً عليه فهذه يجوز الجزم بأن الحكم أو الفتوى فيها هو ما قضى به الله، وبعضها تكون خفية وحكمها يعرف بالا ستنباط من النصوص أو بالقياس عليها، فهذه لا يجوز الجزم بأن الحكم أو الفتوى فيها هو حكم ا لله. ولهذا فإن حديث بريدة لا حجة فيه على إجازة الحكم بغير ما أن زل الله، وينبغي فهمه بجمعه مع غيره من الأدلة الدالة على أن الأصل في الحاكم أن يكون مجتهداً، وأنه يجب عليه أن يحكم بما أنزل الله، وأن من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، هذا هو صنيع الف قهاء: أن يجمع النص مع غيره من النصوص، ويردّ المتشابه إلى المحكم، ويعمل بالخاص في موضعه والعام في موضعه، ونحو ذلك، أما أهل الزيغ والضلال فيعمد أحدهم إلى
عدد الصفحات ٣٨١382 نص يحَُمِّله مالا يحتمل من المعاني ليضل الناس بغير علم كما قال تعالى: {وأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله آل عمران 7، وقد قال تعاوننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين، ولا يزيد الظالمين إلا خساراً82.
عدد الصفحات ٣٨٢383 الشبهة الثالثة عشرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز الحكم بغير ما أنزل الله بقوله (استفت قلبك). ويقال فيها ما قيل فيما قبلها من اشتمالها على تنقيص النبي صلى الله عليه وسلم والطعن فيه. وماذا يصنع صاحب هذه الشبهة بقوله تعافاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون43، وبقولهتعاوما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبيناً36،فهل يسأل المسلم أهل الذكر أم يستفت قلبه فيما يجهل حكمه؟ وهل يفعل ما قضى الله ورسوله به أم ما رآه قلبه فيكون قد ضل ضلالا مبينا بنص آية الأحزاب؟ وقد قدّمت في الرد على هذه الشبهة بهذه التساؤلات ليعلم القارئ أن أهل الزيغ والضلالة - وكما أسلفت القول - لا يعجزهم أن يأتوا بنص آية أو حديث يستدلون به على الباطل بل على الفسق والكفر، وقد ضربت أمثلة لذلك عند الكلام في الترجيح في القسم الخامس من أحكام المفتي بالباب الخامس، ولكن عند جمع النصوص يظهر من ضل ومن اهتدى. وفي حق الحاكم والقاضي قال تعاوأن احكم بينهم بما أنز ل ا المائدة 49، وقالتعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون المائدة 44، فهل يحكم بما أنزل ا ، أم يحكم بما رآه قلبه وإن خالف ما أنزل الله فيكون كافراً؟ وهل يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك؟
عدد الصفحات ٣٨٣384 والحق أنه لا تعارض بين كل النصوص السابقة سو اء ما يلزم الحاكم والقاضي والمفتي منها أو ما يلزم العامي، وإنما يجب الجمع بين هذه النصوص وإعمال كل منها في موضع ه لدفع التناقض بين نصوص الشريعة، فإنها لا تتناقض في ذاتها، وإنما يقع التناقض في فهم بعض الناس لها، قال تعاأفلا يتدبرون القرآن، ولو كان من عن د غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً82. أما الحديث الذي استدل به أصحاب هذه الشبهة فهو حديث وابصة بن معبد رضي الله عنه وفيه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (جئت تسأل عن البر والإثم؟) قلت: نعم قال (استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك) قال النووي في الأربعين: حديث ح سن رويناه في مسندي الإمامين أحمد بن حنبل والدارمي بإسناد حسن . أه ، وقال ابن رجب الحنبلي: ففي إسناد هذا الحديث أمران يوجب كل منهما ضعفه - إلى أن قال - وقد روي هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة وبعض طرقه جيدة. أه (جامع العلوم والحكم) ص 219. وهذا الحديث قد ذكرته في عدة مواضع بالباب الخامس من هذا الكتاب (أحكام المفتي والمستفتي وآدابهما) وذكرت هناك المواضع التي يُعمل فيها بهذا الحديث، ومنها: 1 - مسألة إذا لم يجد المستفتي أحداً يفتيه البتة (في مراتب المفتين بأحكام
عدد الصفحات ٣٨٤