353 المسلمين في هذه المسألة، وغايتهم تبرير مواقفهم والدفاع عن وجودهم، وهذه هي عصبية الجاهلية بعينها. وتصدر الشبهة من هنا وهناك، ثم يتلقاها الناس بألسنتهم ويقولون بأفواههم ما ليس لهم به علم، ويحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم. ويُكن تقسيم الشبهات الواردة للصد عن تكفير الحكام وجهادهم إلى ستة أقسام على النحو التالي: القسم الأول: شبهات ضد التكفير بوجه عام: وقد رددت على كثير منها في مبحث الاعتقاد، مثل: 1 - القول بأن المسلم لا يكفر أبدا 2 - والقول بأنه لا يكفر أحدٌ بعمل، ولا كفر إلا بالاعتقاد. 3 - والقول بأنه لا يكفر إلا الجاحد والمستحل 4 - والقول بأنه يشترط قصد الكفر لأجل التكف 5 - والإسراف في العذر بالجهل القسم الثاني: شبهات لمنع تكفير الحكام الحاكمين بغير ما أنزل الله. وهذه سوف أرد عليها في هذه المسألة العاشرة إن شاء الله، وإن كان قد سبق الرد على كثير منها. القسم الثالث: شبهات لمنع تكفير أعوان الحاكم الكافر وجنوده. 1 - كالاعتذار لهم بأنهم جُهال 2 - والاعتذار بأنهم مكرهون 3 - والاعتذار بأنهم مستضعفون.
عدد الصفحات ٣٥٣354 4 - والقول بأنهم يأتون بالشهادتين ومنهم من يصلي 5 - والقول بأنهم يعتقدون أنهم وقادم على الحق. 6 - والقول بأن هناك من يُضلهم من المشايخ وغيرهم 7 - والقول باشتراط الموالاة القلبية لتكفيرهم بالموالاة الظاهرة 8 - والقول باشتراط استتابتهم قبل تكفيرهم على التعيين. وقد سبق الرد على كل هذه الشبهات في مبحث الاع تقاد عند نقد (الرسالة الليمانية في الموالاة)، وعند نقد كتاب (القول القاطع فيمن امتنع عن الشرائع)، وعند الكلام في موانع الحكم في شرح قاعدة التكفير. القسم الرابع: شبهات للصد عن جهاد هؤلاء الحكام الكافرين. 1 - كالقول بأنه لا يخرج عليهم ما داموا يصلون، وهذه ال شبهة رددت عليها عند نقد كتاب (الق ول القاطع) بمبحث الاعتقاد. 2 - والقول بوجوب دعوتهم قبل قتالهم، وهذه الشبهة رددت عليها عند نقد (الرسالة الليمانية) بمبحث الاعتقاد، وذكرت أن دعوتهم غير واجبة لأن الدعوة بلغتهم، ولأنه لا دعوة في جهاد الدفع، وهو نوع جهادهم. وهناك شبهات أخرى للصد عن جهادهم رددت عليها في كتابي (العمدة في إعداد العدة للجهاد في سبيل الله تعالى)، ومنها: 3 - القول بأنه لا جهاد إلا بإمام ممَُكَّن، أي اشتراط وجود الخليفة وإذنه الجهاد. 4 - القول باشتراط وجود الدار المستقلة للشروع في الجهاد. 5 - القولباشتراط التميز للشروع في الجهاد.
عدد الصفحات ٣٥٤355 6 - القول بأن الواجب تربية النفوس لا الخروج على الحكام وكل هذه الشبهات وغيرها قد رددت عليها في كتابي (العمدة). 7 - وهناك شبهة أخرى متعلقة بجهاد هؤلاء الحكام المرتدين، و هي أقرب إلى أن تكون أضحوكة أتى بها أحد المعاصرين إذ زع م أن قتالهم لا يُسمى جهاداً وإنما توصيفه الفقهي أنه خروج على الحاكم، أما الجهاد فهو في المصطلح قتال الكفار. هذا حاصل قوله، والرد عليه من ثلاثة أوجه: أ - أن هذا ليس حاكماً مسلماً من الأصل حتى يقال للمسلم الذي يقاتله إنه خارج عليه، فهؤلاء الحكام - وكما سبق القول في نقد كتاب (القول القاطع) بمبحث الاعتقاد - لم تنعقد لهم بيعات شرعية على الحكم بالكتاب والسنة، وإنما تولوا على الحكم بالدستور والقانون الوضعيين، وبالتالي فلم يكونوا حكاماً شرعيين للمسلمين في يوم من الأيام حتى يخُرج عليهم. ب - أنه إذا كان الجهاد - في الاصطلاح - هو قتال الكفار، فهؤلاء الحكام كفار بنص قوله تعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون قوله تعاومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر 217، وقال تعالا تعتذروا قد كفرتم بعد إيُانكم 66، ومثلها 74، فالمرتدون صنف من أصناف الكفار. ج - أن قتال المرتدين هو جهاد بنص قوله تعامن يرتد منكم عن
عدد الصفحات ٣٥٥356 دينه فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه، أذلة ٍعلى المؤمنين أعزةٍ عل ى الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم }54، وقال ابن تيمية في هذه الآية: (ولفظها يُصرح بأنهم جماعة - وذكر الآية - أفليس هذا صريحاً في أن هؤلاء ليسوا رجلاً، فإن الرجل لا يُسمى قوماً في لغة العرب، لا حقيقة ولا مجازاً - إلى أن قال - بل هذه الآية تدل على أنه لا يرتد أحد عن الدين إلى يوم ال قيامة إلا أقام الله قوما يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون هؤلاء المرتدين) (منهاج السنة النبوية) 7/ 220 - 221، بتحقيق د. محمد رشاد سا فقتال الحكام الحاكمين بغير ما أنزل الله ه و جهاد بلا ريب، وإلا لزم صاحب هذه الشبهة أن أبا بكر و سائر الصحابة رضي الله عنهم عندما قاتلو ا المرتدين لم يكونوا مجاهدين في سبيل الله. أما إذا كان صاحب هذه الشبهة لا يرى كفر هؤلاء الحكام فهذا أمر آخر، والرد عليه بالمسألتين السادسة والسابعة. القسم الخامس: شبهات للصد عن العمل الإسلامي الجماعي. وذلك لأن جهاد هؤلا ء الحكام لأجل خلعهم ونصب إمامٍ مسلم لا يتأتى إلا بواسطة جماعة فلا تصلح فيه الجهود الفردية، فكان الصد عن العمل الجماعي وسيلة للصد عن الجهاد، ومن هذا: 1 - القول بأن الجماعة بدعة 2 - القول بأن الإمارة على هذه الجماعات بدعة. 3 - القول بأن بيعات هذه الجماعاتبدعة.
عدد الصفحات ٣٥٦357 4 - القول بأن العمل السري في الإس لام بدعة. وغير ذلك من الشبهات التي رددت عليها بكتابي (العمدة). القسم السادس: شبهات لتسويغ انخراط الجماعات الإسلامية في المسار الديُقراطي لصرفها عن الجهاد الواجب. وذلك بدعوى المصلحة أو باسم الدعوة إلى الله أو باسم الشو رى، وقد بيّنت فساد الديُقراطية مع تفنيد هذه المزاعم والشبهات في أول الباب الرابع من هذا الكتاب (آداب العالم والمتعلم) عند الكلام في النية، وأيضا في موضوع السياسة الشرعية بأول هذا المبحث. بعد هذا العرض الموجز للشبهات الواردة للصد عن تكفير الحكام الحاكمين بغير الشريعة وللصد عن جهادهم، أذكر ما أرج أت الكلام فيه وهي:
عدد الصفحات ٣٥٧358 رد الشبهات الواردة لمنع تكفير الحكام الحاكمين بغير ما أنزل ا وقد بلغ الزيغ بالبعض إلى أن حملهم على اختراع شبهات تجعلهم هم أنفسهم يكفرون لما تنطوي عليه شبهاتهم من تنقص الأنبياء وذمهم والتعريض بهم ، وسيأتي بيان ذلك في مواضعه إن شاء الله، وبعض الشبهات الواردة هنا سبق الرد عليها، خاصة في مبحث الاعتقاد وعند الكلام في قوله تعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون بموضوعنا هذا، ومثل هذه الشبهات سيكون الرد علي ها بالإحالة إلى ما سبق ذِكره فيها، وهذا سرد للشبهات الواردة لمنع تكفير هؤلاء الحكام: الشبهة الأولى: أن قول الله تعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون… وهذه الشبهة قد سبق الرد عل يها في المسألة السادسة، وبيّنت أن النص عام يلزم المسلمين من سبعة أوجه. وأضيف إلى ذلك: أن هذا ليس هو النص الوحيد الدال على كفر هؤلاء الحكام بل قد ذكرت في المسألة السادسة أنه قد دَلّ على كفرهم عدة نصوص مقسمة على ثلاثة مناطات وهي: ترك الحكم بما أنزل الله، وتش ريع ما يخالف شرع الله، والحكم بغير م ا أنزل الله، فإذا احتال زائغ لإبطال الاحتجاج بهذه الآيةومن لم يحكم العديدة الدالة على كفر هؤلاء الحكام؟ الشبهة الثانية: أن الكفر في قوله تعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك
عدد الصفحات ٣٥٨359 هم الكافرون وهذه أيضا سبق الرد عليها في المسألة السادسة، وأنه كفر أكبر من أربعة أوجه. ويقال هنا أيضا: إن هذا ليس هو النص الوحيد الدال على كفر هؤلاء الحكام. الشبهة الثالثة: أن هؤلاء الحكام لا يكفرون إلا إذا جحدوا حكم الله أو إذا استحلوا الحكم بغيره. وهذه أيضا قد سبق الرد عليها في المسألة السادسة، وبيّنت: 1 - أن الجحد والاستحلال مناطات مكفرة، ولكنها ليست هي مناطات التكفير الواردة في الآيات الدالة على كفر الحكام كمناط ترك حكم الله والحكم بغيره في قوله تعاومن لم يحكم ... ) الآية، و كمناط اتباع التشريع المخالف في قوله تعااتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا {إنكم لمشركون 2 - أن الذنوب المكفرة بذاتها كالحكم بغير ما أنزل الله لا يشترط للتكف بها جحد أو استحلال بل من اشترط هذا فقد قال بقول غلاة المرجئة الذين أكفرهم السلف، ويراجع هنا ما ذكرته في مبحث ا لاعتقاد في التنبيه الهام المذكور بتعليقي على العقيدة الطحاوي ة، وفي نقد كتاب (القول القاطع)، وفي نقد (الرسالة الليمانية). وقد أشرت إلى هذا أيضا في المقدمتين الخامسة عشرة والسادسة عشرة بالمسألة الخامسة بهذا الموضوع.
عدد الصفحات ٣٥٩360 3 - كما ذكرت في المقدمة السابعة عشرة أن شر ط الاستحلال المكفر متوفر في الحكم بالقوانين الوضعية.
عدد الصفحات ٣٦٠361 الشبهةالرابعة: أن الحكام الحاليين ليسوا هم الذين وضعوا القوانين الوضعية المعمول بها. والرد عليها من ثلاثة أوجه: 1 - أن وضع القوانين مناط مكفر (وهو مناط التشريع المخال ف لشرع الله)، أما الحكم بها فهو مناط مكفر آخر (وهو مناط الحكم بغير ما أنزل الله)، فإن أفلت الحاكم من مناط التشريع وقع في مناط الحكم بها، فكيف وهو واقع فيهما؟ فمن جهة مناط التشريع: فإن معظم الحكام لهم صلاحيات تشريعية في الدستور كما أنهم وإن لم يضعوا معظم ال قوانين المعمول بها بأنفسهم إلا أنهم يجيزونها بل ويُلزمون الرعية بالعمل بها، والأمر بالكفر كفر، و الحكم بقوانين الكفر كفر. 2 - أن هذه هي صورة سبب نزول قوله تعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون حكم الله في الرجم ولكن بدّله أسلافهم كما تدل عليه أحاديث سبب النزول خاصة رواية الطبري عن أبي هري رة وقد سبق أن ذكرتها، ولكن الذين نزل فيهم النص وأكفرهم الله وإن لم يبدّلوا حكم الله لكنهم حكموا بهذا الحكم المبَدّل، فحال الحكام المعاصرين كحالهم، وصورة سبب ال نزول قطعية الدخول في النص كما في ا لمقدمة السابعة. 3 - أن التتار الذين نقل ابن تيمية وابن كثير ا جماع على كفرهم لحكمهم
عدد الصفحات ٣٦١362 بغير شريعة الإسلام (بالياسق) مع دعواهم الإسلام، لم يكونوا هم الذين وضعوا ذاك الياسق وإنما وضعه جدهم الوثني جنكيز خان، وقد سبق تفصيل هذا في المسألة السابعة عند ذِكر الإجماع، فصورة الحكام المعاصرين كصورتهم، وحكمهم كحكمهم، بل إنهم أشد إج راماً لما ذكرته في آخر المسألة السابعة من أن التتار حكموا بقوانين الكفر فيما بين طائفتهم فقط، ولم يلزموا بها عموم المسلمين، أما المعاصرون فألزموا المسلمين بالع مل بهذه القوانين تعلّماً وحكماً وتحاكماً.
عدد الصفحات ٣٦٢363 الشبهة الخامسة: أن القوانين المعمول بها فيها بعض أحكامالشريعة الإسلامية. وهذا لا يدرأ عنهم الكفر، وذلك لأن الوعيد الوارد في قوله تعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون أحكام الله وهو رجم الز اني المحصن، ولا يلزم تبديل جميع أحكام الدين ليلحقهم هذا الوعيد كما سبق في رد أبي حيان الأندلسي وابن القيم على عبد العزيز الكناني وهو ما ذكرته في آخر المسألة السادسة ، فإذا كان الله تعالى قد حكم بالكفر على من بدّل حكماً واحداً من أحكامه، فكيف بمن أسقط الحدود الشرعية جملة وأباح المحرمات القطعية؟ وإذا كانت صورة سبب النزول قطعية الدخول في النص - كما في المقدمة السابعة - فقد تبين لك أن صورة الواقع أشد من صورة السبب وأولى بحكم النص. ويضاف إلى هذا ما ورد بفتوى ابن كثير في تكفير التتار مع أن قانونه م الوضعي (الياسق) كان مشتملا على بعض أحكام الشريعة الإسلامية، فالصورة هي الصورة، والحكم هو الحكم ، وقال تعاوما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون 106.
عدد الصفحات ٣٦٣364 الشبهة السادسة: القول بأن فتاوى العلماء في التتار لا يجوز تطبيقها على الحكام المعاصرين. والرد من ثلاثة أوجه: 1 - أن الحجة في تكفير هؤلاء الحكام هي النصوص الشرعية المذكورة بالمسألة السادسة والإجما ع المذكور في المسألة السابعة، ليست في أقوال العلماء. 2 - أن حال الحكام المعاصرين أشد من حال التتار من جهة تحقق مناط التكفير فيهم لما سبق بيانه في آخر المسألة السابعة وأشرت إليه هنا في الرد على الشبهة الرابعة. 3 - وبالتالي يجوز تقليد فتاوى العلماء بشأنهما ذكرته من قبل من جواز تقليد الميت، فكيف ونحن لسنا بحاجة إلى تقليدهم مع وجود الأدلة من النص والإجماع؟ وكيف وفتاواهم ليست مجرد رأي وإنما نقلوا فيها الإجماع على ما قالوا؟ فالعمل بفتاويهم عمل بالإجماع ليس تقليداً محضاً مجرداً من الدليل.
عدد الصفحات ٣٦٤365 الشبهة السابعة: أن دساتير هؤلاء الحكام تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع. والرد من ثلاثة أوجه: 1 - وهو أن الدستور نص على أن الشريعة المصدر الرئيسي لا الوحيد ا يعني أن هناك مصادر أخرى للتشريع، أي: أن هناك أرباباً أخرى في التشريع مع الله، وقد سبق في المسألة الثانية - بهذا الموضوع - بيان أن هذا النص الدستوري قد أفصح عن كفرهم غاية الإفصاح، فإنه نص صراحة على اتخاذ أرباب مع الله ، قال تعااتخََّذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَ ان َهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيمََ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِي َ عْبُدُوا إِلهًَا وَاحِدًا لاَ إِ لَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ31] الله أن متابعتهم في هذا شرك بالله، وقد سبق تفصيل القول في هذه الآية في المسألتين الثانية والسادسة. 2 - أن الدستورلم ينص على أن أحكام الشريعة المصدر الرئيسي، وإنما نصّ على أن مبادئ الشريعة المصدر الرئيسي، وبينهما فرق: أما الأحكام فمعروفة وهي الأحكام التفصيلية في كل مسأل ة، وأما المبادئ فهي القواعد العامة كتحقيق العدل وأن الأصل براءة الذمة ونحو ذلك مما يدّعي سدنة القوانين الوضعية أنها تحقق هذه المبادئ، وبهذا تعلم أن هذا النص الدستوري لا يترتب عليه أي إلزام للحكومات بالحكم بأحكام الشريعة. 3 - أنه لو افترضنا أن هذا النص الكفري يترتب عليه التزام الحكم
عدد الصفحات ٣٦٥366 بالشريعة، فإن هناك نصاً دستوريا آخر يناقضه تماما، ويعبرّ عن الواقع القائم، وهو النص على أن (الحكم في المحاكم بالقانون). والحاصل: أن من ظن أن هذا النص الدستوري - (مبادئ الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع) - يدرأ الكفر عن هؤلاء الحكام فقد أخطأ، بل إن هذا النص مما يدينهم ويدمغهم بالكفر لأنه نص ضمنياً على اتخاذ مصادر للتشريع غير شريعة الله.
عدد الصفحات ٣٦٦367 الشبهة الثامنة: وهي أن يوسف عليه السلام عمل لملك مصر، بما يعني أنه حكم بشريعة هذا الملك الكافر. ويريد قائل الشبهة أن يوسف لم يكفر مع هذا، فلماذ ا يكفر الحكام بذلك؟ وكنت قد ذكرت في نقد (الرسالة الليمانية) بمبحث الاعتقاد أن قائل هذه الشبهة يكفر لأنها تنقيص للأنبياء عليهم السلام يدخل في حكم سبّهم، قال ابن تيمية رحمه الله (لا خلاف أن من سَبَّ النبي صلى الله عليه وسلم أو عَابَه بعد موته من المسلمين كان كافراً حلال الدم، وكذلك من سبّ نبياً من الأنبياء) (الصارم المسلول) ص 226. وقد ذكرت في النقد المشار إليه بآ خر مبحث الاعتقاد الرد على هذه الشبهة، وحاصله: أن الإجماع قد انعقد على عصمة الأنبياء من الكفر ومن الكبائر، كما ذكره القاضي عياض في (الشفا)، والجمهور ع لى عصمتهم من الصغائر أيضا. والحكم بشريعة الكفار كفر، ولا بد أن يكون يوسف عليه السلام معصوماً منه، فدل هذا على أنه لم يحكم بشريعة الكفار. كما أن الحكم بشريعة الكفار هو حكم بالطاغوت وتحاكم إليه، ويوسف عليه السلام معصوم من هذا، لأن الله قد بعث سائر الرسل باجت ناب الطاغوت والكفر به، كما قال تعاولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت36، فهل أمر يوسف باجتناب الطاغوت ولم يجتنبه؟
عدد الصفحات ٣٦٧368 والصحيح- كما ذكرت في مبحث الاعتقاد - أن يوسف عليه السلام كان ممَُكَّنا مفوّضاً يجري الأمور على اجتهاده و فق شريع ته وشريعة أبيه يعقوب عليهما السلام، ولهذا استرق أخاه بنيامين وكان هذا هو حكم السارق في شريعتهم.
عدد الصفحات ٣٦٨