337 للجماعات بدون أهلية لذلك، فتخرج الكتب والمناهج مشتملة على انحرافات عق ائدية وغرائب في الأحكام وقد ضربت في آخر مبحث الاعتقاد أمثلة على ذلك، حتى أنك تجد جماعتين أو عدة جماعات هدفها واحد ومناهجها متباينة متناقضة، مع أن الحق واحد لا يختلف ولا يتناقض، وما الاختلاف إلا بسبب فساد المناهج الناشئ عن التعجل في التأليف، وتجد مع ذلك (كل حزب بما لديهم فرحون). 5 - ومن صور التعجل: ترأس الجُهّال مع دعوى الجميع أنهم يسعون إ الخلافة الراشدة، ولا تتأتى هذه بأمراء جُهال بعلوم الشريعة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء بعلماء الشريعة، حتى إذا لم يُبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسُئِلوا فأفتوا بغير علم فضلّوا وأضلوا) متفق عليه، فإمارة الجهال لا تأتي بّلافة راشدة، بل لا تأتي إلا بالضلال كما في هذا الحديث، وقد رأيت بعض مسئولي الجماعات يحرمون على أتباعهم قراءة كتب السلف، ورأيت آخري ن يحرمون على أتباعهم قراءة كتب علماء الدعوة النجدية بدعوى أنها كتب التكفير ، وهذه بعض صور الضلال المذكورة في الحديث السابق، ورأيت آخرين يفعلون ما يرونه برأيهم ثم يلفقون بحثاً شرعيا لتبرير فعلتهم، ورأ يت جماعات يرأسها الجهال وفي أتباعهم من عنده شيء من العلم الشرعي يتخذونه مفتياً لهم عمله تلفيق الفتاوى التي تخلع الشرعية على تصرفات ا لأمراء، ولهم فتاوى متناقضة تماما في المسألة الواحدة بحسب توجهات الأمراء وأهوائهم، وهؤلاء أشبه شيء بالمفتين الذين ينصبهم الحكام
عدد الصفحات ٣٣٧338 الطواغيت لإسباغ الشرعية عليهم 6 - ومن صور التعجل: إمار ة الصبيان والأحداث، وهي من أسباب الفتن والخلاف، ولهذا بوّب لها البخاري في كتاب الفتن من صحيحه في باب (قول النبي صلى الله عليه وسلم هلاك أمتي على يَدَي أغيلمة سفهاء) وقال ابن حجر في شرحه: (قال ابن بطال: جاء المراد بالهلاك مبيناً في حديث آخر لأبي هريرة أخرجه علي بن معبد وابن أبي شيبة من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه "أعوذ بالله من إمارة الصبيان، قالوا: وما إمارة الصبيان؟ قال: إن أطعتموهم هلكتم - أي في دينكم - وإن عصيتموهم أهلكوكم" أي: في دنياكم بإزهاق النفس أو بإذهاب المال أو بهما) (فتح الباري) 13/ 10. وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم الخو ار ج بأنهم (حدثاء الأسنان) أي صغار السن. 7 - ومن صور التعجل: السير في الدعوة بالمقلوب، فالنبي صلى الله عليه وسلم بدأ بالدعوة وتمييز الحق من الباطل وتمييز المؤمن من الكافر، حتى قال الكفار إنه صلى الله عليه وسلم فرّق بين الأب وولده وبين المرء وزوجه، كما بدأ صلى الله عليه وسلم بجدال الكفار ودحض شبهاتهم وأباطيلهم، فاتبعه من اتبعه على بصيرة بما يدعو إليه، وعاداه من عاداه على بصيرة بما عاداه من أجله، ثم شرع في ترسيخ الإيُان في نفوس أتباعه، وأخذ يطلب النصرة والمنعة، ثم شرع في قتال أعداء الله. أما في هذا الزمان فالأمر يسير بالمقلوب: فيبدأ بالقتال قبل ترسيخ الإيُ ان وقبل نشر الدعوة وقبل معرفة الحق من الباطل، ولهذا فلا تعجب إذا رأيت بعض الجماعات الإسلامية تطلب
عدد الصفحات ٣٣٨339 الدليل الشرعي وهي في السجون على ما كانت تفعله من قبل، فتتعارض وجهات ا لنظر، وتؤلف الأبحاث الشرعية المتناقضة، ثم يكفِّر الناس بعضهم بعضاً وي ُبَدِّع بعضهم بعضا، وهذه كلها من آثار التعجل الذي هو علة الحرمان والندم. 8 - ومن صور التعجل: تعجل الصدام المسلح مع الحكومات الكافرة قبل الاستعداد الكافي لذلك بما لهذا التعجل من آثار مدمرة أحيانا، وليس الواجب الشرعي هنا هو مجرد النكاية في الحكومات الكافرة حتى يقدم عليها بضع عشرات من المسلمين وإن كانت هذه النكاية هي عمل صالح في ذاتها لقوله تعاولا ينالون من عدوٍ نيلاً إلا كتب لهم به عمل صا 120، ولكن الواجب هو تغيير هذه الحكومات وإزالتها وإقامة حكومة إسلامية لا مجرد النكاية، وذلك لقوله تعاوقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله 39، ويرجع تعجل الصدام لأسباب منها (أ) الجهل بالفرق بين الإيُان بالواجب وبين القدرة عليه، فإنه يجب الإيُان بوجوب جهاد هذه الحكومات لما قدمناه من أدلة على ذلك، ولكن القيام بهذا الواجب يحتاج مع العلم والإيُان به إلى القدرة على ا لقيام به، كالحج والزكاة وغيرهما من العبادات: الإيُان بها واجب، ولكن القيام بها متوقف على القدرة، فإذا تحقق العجز سقط الوجوب، و يكلف الله نفساً إلا وسعهانه في حالة الجهاد خاصة يجب الإعداد له عند العجز وذلك للنص الوارد في ذلك وهو قوله تعاولا يح سبن الذين كفروا سبقوا، إنهم لا يُعجزون، وأعدوا لهم ما استطعتم من قوةٍ59 - 60، قال ابن
عدد الصفحات ٣٣٩340 تيمية رحمه ا (وصارت تلك الآيات في حق كل مؤمن مستضعف لا يُكنه نَصْر الله ورسوله بيده ولا بلسانه فينتصر بما يقدر عليه من القلب ونحوه، وصارت آية الصَّغَار على المعاهدين في حق كل مؤمن قويّ يقدر على نَصْر الله ورسوله بيده أو لسانه، وبهذه الآية ونحوها كان المسلمون يعملون في آخر عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى عهد خل فائه الراشدين، وك ذلك هو إلى قيام الساعة، لاتزال طائفة من هذه الأمة قائمين على الحق ينصرون الله ورسوله النَّصْرَ التامَّ، فمن كان من المؤمنين بأرضٍ هو فيها مستضعف أو في وقتٍ هو فيه مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا ا لكتاب والمشركين، وأما أهل القوة فإنما يعملون بآيةِ قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتُوا الكتاب حتى يُعطوا الجزية عن يد ٍوهم صاغرون) (الصارم المسلول) ص 221، وقال أيضا: (والمصلحة في ذلك تتنوع، فتارة تكون المصلحة الشرعية القتال، وتار ة تكون المصلحة المهادنة، وتارة تكون المصلحة الإمساك والاستعداد بلا مهادنة) (مجموع الفتاوى) 15/ 174. وفي كلامه عن سد الذرائع قال ابن القيم رحمه ا (إنه تعالى نهى المؤمنين في مكة عن الانتصار باليد، وأمرهم بالعفو والصفح، لئلا يكون انتصارهم ذريعة إلى وقوع م ا هو أعظم مفسدة من مفسدة الإغضاء واحتمال الضيم، ومصلحة حفظ نفوسهم ودينهم وذريتهم راجحة
عدد الصفحات ٣٤٠341 على مصلحة الانتصار والمقابلة) (اعلام الموقعين) 3/ 150. والحاصل أنه يجب التفريق بين الإيُان بالواجب والقدرة على القيام به (ب) وقد يكون من أسباب تعجل الصدام الرغبة في إدر اك النصر، وهذا غير مُت َعَبد به أعيان المسلمين وإنما متعبد به مجموع المسلمين، فالنصر ليس واجبا على فرد بعينه أو جماعة بعينها وإنما يجب هذا على مجموع المسلمين، أما ما يجب على الأعيان فهو السعي في هذا قدر الطاقة وله أجره كاملا عند الله بقدر سعيه وإن لم يدرك ا لغاية كما قال تعا{ :لىومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على ا 100، ولهذا فقد قالتعالى: {ومن يقاتل في سبيل الله فيُقتَل أو يغلب فسوف نؤتيه أجراً عظيما74، فالمجاهد له أجره سواء قُتِلَ أو غَلَب، أما النصر والتمكين فهو واجب على المجموع كما قال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله نفال 39، فيجب أن يستمر السعي بصوره المختلفة حتى يتم التمكين لدين الله تعالى. (ج ) وقد يكون من أسباب تعجل الصدام طاعة الأمير في ذلك، وهنا إذا اتفق رأى أتباعه ع لى أنه لا مصلحة في الصدام فإنه يجب عليهم ألا يطيعوه، فقد قال محمد بن الحسن الشيباني في (باب ما يجب من طاعة الوالي وما لا يجب): (فإذا كان عندهم أنهم لو أطاعوه هلكوا، كان أمره إياهم بذلك قصداً منه إهلاكهم واستخفافا بهم، وقد ذم الله تعالى الطاعة في ذلك، فقال {عوه إنهم كانوا قوماً فاسق54) من كتابه
عدد الصفحات ٣٤١342 (السير الكب1/ 166. (د) وقديكون من أسباب تعجل الصدام: تقليد أنموذج قتالي نجح في بلد ٍما، في بلدٍ آخر تختلف ظروفه عن البلد الأول، فلا يكتب له النجاح، والرأي هنا: أن أسلوب التغيير المناسب لبلد ٍما هو الأسل وب الذي جُرِّب ونجح من قبل، هذا هو ما ينبغي اتباعه مع إدخال تعديلات عليه تتناسب مع تغير الأحوال والزمان. فهذه بعض صور التعجل، الذي هو سبب الحرمان، وقال عمر بن الخطاب (إن الحرب لا يُصلحها إلا الرجل المكيث) أي المتأني، وقال البرُّ بأن تأتوا البيوت من ظهورها، ولكن البر من اتقى، وأتوا البيوت من أبوابها189، فكل شيء- ومنه التغيير الإسلامي - له بابه الذي يجب أن يُؤتى منه، أما تسلّق الأسوار - بانتهاج الديُقراطية أو بالاجتماع على غير منهج أو بالتعجل في التأليف أو بتعجل الصدام - فليس من البر وليس من التقوى ولا يثمر إلا الحرمان والندم 10.] 10 - قال الشيخ أبو محمد المقدسي حفظه الله تعالى: "فالواجب عدم إطلاق هذا الكلام فيما وصفه بتعجل الصدام، وهو محاولة قتال وجهاد هذه الحكومات الكافرة مع التيقن من عدم إمكان تغييرها في ذلك الصدام .. فإخراج هذا ال قتال من البر والتقوى تعجّل من المصنف .. وإن كان يورث حرمان إقامة الدولة لمن تعجّ ل به .. لكنه إن شاء الله لا يورث الندم، بل إ ما الأجر أو الشهادة، وإنما يورث الندم عند من ابتغى به غير وجه الله، أو أقام به على غير بصيرة ودون علم وهدى ومعرفة بالواقع والمصالح و المفاسد .. ونحن نعتقد ونبين دائماً بأن الواجب على الأمة هو العمل الجاد لجهاد يكو ن فيه تغيير هذا
عدد الصفحات ٣٤٢343 الواقع وإقامة الدولة المسلمة لتحقيق التوحيد ودحر الشرك والتنديد .. ولكن هذا لا يعني عدم مشروعية الجهاد والقتال وإن لم يثمر إقامة الدولة حالاً .. فإن الجهاد عبادة مشروعة كالصلاة وسائر العبادات، وهي المدرسة التي يتربى من خلالها الجند الذين سي غيرون هذا الواقع إن شاء الله، والأدلة على مشروعية ذلك كثيرة لا يتسع هذا المجال الضيق لسردها .. والمصنف نفسه قد قال (ص 904) تحت رقم 8): "وإن كانت هذه النكاية هي عمل صالح في ذاتها لقوله تعا 120] " أه وهذه ليست دعوة مني أو تشجيع على العمل العشوائي غير المنظم والمدروس ودون إعداد، والذي يسميه البعض: بالأعمال اليائسة أو التزبّب قبل التحصْرم .. كلا .. فلا زلنا مع قولنا بجواز الجهاد الفردي والجماعي، نحث على ترسيخ العقيدة والخبرة بمكائد العدو ونقاط ضعفه، والبصيرة بالأحكام الشرعية وبالواقع وفقه المصالح والمفاسد، وغير ذلك مما ندندن عليه .. كي تكون الضربات في أعداء الله موجعة، تدفع الدعوة والجهاد إلى الأمام وتظهر صورة الجهاد ا لمشرقة واضحة غير مشوّهة بين الخلق، وليست مجرد أعمال عشوائية مبتورة غير مدروسة الثمرة، والتوقيت والأهداف، وربما تقرّ أعين أعداء الله ويفرحون بها، بل ربما تعمدوا تضخيم شأنها عبر وسائل إعلامهم، خصوصاً عند نجاحهم في كشف فاعليها بسرعة مع أن منفذيها شباب حدثاء أسنان، تنقصهم الخبرة والعدة والبصيرة، وذلك ليعظموا جهودَ جنود الشرك الذين دحضوا ت لك المخططات! وكشفوا أمر أولئك الشباب، تخ ويفاً لمن تحدّثه نفسه بمثل ذلك، كما قال تعا 175] ومفاخرة بّبراتهم، ونشراً للإحباط والتخذيل بين صفوف الشباب، وليحصلوا بذلك على مزيد من الصلاحيات والرتب والنياشين بتعجّل أولئك الشباب وقلّة خبراتهم وتفريطهم بالإعداد الجاد. ولا يعجل القارئ فيظن أنني أشترط النجاح والنصر للعمل كي يكون جهاداً شرعياً .. بل الذي أرمي إليه وأدعو إليه، هو بذل الوسع في ا لإعداد التربوي والمادي بترسيخ العقيدة وتعميق الخبرة بالواقع، ليجمع العمل -ولو كا ن صغيرا-ً بين البصيرة في الأحكام الشرعي ة
عدد الصفحات ٣٤٣344 والواقع، وبين التواصل في العمل (فلا يزال) سنة ظاهرة قائمة تحيي النفوس، مع الثبات على الحق في كل الأحوال .. وأُحذّر من أعمال تجمع بين الجهل في الأحكام الشرعية والواقع، والعشوائية في أعمال مبتورة غير مدروسة، يعقبها مو اقف تخاذل وذلة بين يدي أعداء الله وتشويه للدعوة والجهاد .. فتورث بذلك حقاً، الندامة والإحباط والتخذيل. فكم تألمنا على شباب تعجلوا الصدام، حاديهم في ذلك الحماس الأجوف قبل أن يرس خ الإيُان في قلوبهم ودون أن يتبصّروا في الأحكام الشرعية والواقع، وكأنما الغاية أن يعملوا عملاً مادياً كيفما كان ذلك العمل، تأثراً بما يسمّونه من أخبار إخواننا في بلدان أخرى، قد قطعوا شوطاً لم يقطع هؤلاء الشباب عشر معشاره بعد .. ودون مراعاة لاختلاف الظروف و الأحوال والإمكانات، وربما سعى بعضهم لقلّة معرفته بالأحكام الشرعية في أعماله العشوائية إلى عقوبة بعض العصاة بأشد مما شرع ه الله، من قتل أو قطع أعضاء أو استحلال مال ونحوه مما ينغمس فيه بعض المتحمسين عن غير بصيرة، ولا يفرق في المعاملة بين العصاة والكفار، فيُزر ون بدعوتهم ويشوّهون جهادهم، وربما انقلب بعضهم في السجن بعد ذلك على عقبيه فاعترض على أقدار الله وبرئ من إخوانه وقال أقوا لاً تشوّه الدعوة وقد تردّه عن الدين .. ثم رأينا بعد هذا كله من يُذل نفسه وأهله لأعداء الله، يستجدي الطواغيت والمشركين من نواب البرلمان، ك ي يفرجوا ويعفوا عنهم .. فأي جهاد هذا الذي لا يتقي الله أصحابه في دينهم وتوحيدهم الذي هو أهم مصلحة في الوجود، فيشوّهوه بأمثال هذه التناقضات .. ؟؟ والخلاصة: أن الذي أريد قوله بعد هذا الاستطراد هو كالذي قاله أسعد بن زرارة رضي الله عنه لقومه بين يدي بيعتهم للنبي صلى الله عليه وسلم .. يا قوم إما أن تأخذوا هذا الجهاد - سواء كان فردياً أم جماعياً، وسواء أقام دولة الإسلام أم لم يقمها - إما أن تأخذوه بحقه وتتحملوا تبعاته، فلا تنقلبوا على أعقابكم وتشوّهوا دين الله .. أو فذروه، واشتغلوا بالدعوة إذا لم تتحملوا تلكم التكاليف، فإن ذلك أعذر لكم عند الله، من أعمال تقوم على التخبط والجهل ثم تختم بالتناقض وتشويه الدعوة والتوحيد .. أو بالذل واستجداء أعداء الله ..
عدد الصفحات ٣٤٤345 ثانيا: ومن أوجه التقصير في العمل الإسلامي: نقص الإخلاص، وهو وإن كان من أعمال القلب الباطنة إلا أن له علامات ظاهرة، ومنها: 1 - عدم الرجوع عن الخطأ والإصرار عليه، خاصة الخطأ في التآليف الشرعية الناشئ عن التعجل وعدم الأهلية، فما رأيت أحداً عاد عن خطئه خاصة لو كان له أتباع، لأنه يرى بجهله أنه سيفتضح أمامهم لو اعترف بّطئه، وهذا خير له في الدنيا والآخرة من التمادي في الباطل والعناد. هذا رغم دعوى الج ميع أنهم يريدون مرضاة الله ونصرة دينه، وكذبوا، فلو كان هذا مقصدهم لاتبعوا ما دلّ عليه الكتاب والسنة ولأقروا بالخطأ، وقد ضربت أمثلة لذلك في عدة مواضع بهذا الكتاب، خاصة في آخر مبحث الاعتقاد، بل يصرون على الخطأ ويتخذونه دينا ومذهباً ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم، وحال هؤلاء يشبه من نزل فيهم قوله تعاوأقسموا بالله جهد أيُانهم لئن جاءهم نذير ليكونُن أهدى من إحدى الأمم، فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفوراً، استكباراً في الأرض ومكر السيئ، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهلهر 42 - 43. 2 - رفض التحاكم إلى الشرع: فإن الواجب على المسلم أن يتحاكموا أقول هذا نصحاً لإخواني، وتحريضاً على الأطيب والأفضل والأنكى بأعداء الله، لا تخذيلاً .. مع معرفتي بأن الصور المشرقة الثابتة بين أبناء هذا الدين كثير .. ولعل التفصيل في هذا الباب يكون له محل آخر". فحديث مشاهدات السجن طويل وذو شجون ..
عدد الصفحات ٣٤٥346 فيما بينهم إلى الشرع - وهذا سأفرده بموضوع مستقل عقب موضوع الحكم بغير ما أنزل الله - وقد رأيت جماعات إسلامية ترفض أن تحتكم في خلافاتها إلى الشرع، مع أنهم يدعون إلى تحكيم الشرع وأن جما عاتهم ما قامت إلا لمحاربة من يحكم بغير ما أنزل الله، فإذا ما دُ عوا إلى حكم الله أعرضوا، فهُم أولى بالجهاد من حكامهم، وهذا صريح النفاق كما قال تعاوإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً61، وقد شاء اأن أكون حَكَماً في خصومات بعض أطرافها من الدعاة المشهورين وحين وجب الحق عليه تملّص منه وأبى أن يؤدي ما وجب عليه، فقلت: والله لا يَُُنّ الله علينا بحكم إسلامي حتى نرضى بحكم الله فيما بيننا، فقد قال تعاإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا مابأ نفسهم 11. 3 - التعصّب للطائفة بالباطل: وهذا حال كثير من أتباع الجماعات والأحزاب الإسلامي ة، فبعض الأتباع يلغي عقله ولا يفكر أَعَلَىَ ضلال طائفته أم على هدى؟ وما صار أهل النار في النار إلا بتعطيل عقولهم كما قال تعاوقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب ا لسع الملك 10، وبعض الأتباع يظهر له خطأ طائفته ثم ينصرها با لباطل وحاله كمن قال الله فيهم حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا، أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون104. 4 - ورأيت مسئولي بعض الجما عات الإسلامية يقولون إنه لو تغلّب غيرهم
عدد الصفحات ٣٤٦347 من الجماعات الإسلامية الأخرى على بلدهم وأقام وا حكم الإسلام فيه، فلن يكون أمامهم إلا ترك بلدهم والعيش في غيره، وهذا لم يقف عند حد نقص الإخلاص، بل إن هذا القول ضلال مبين، إذ إنه يبينّ أن هؤلاء لا يريدون حكم الإسلام على الحقيقة وإنما يريدون الحكم لأنفسهم، ولو أرادوا حكم الإسلام لفرِحوا به كيفما أتى، خاصة وأن طاعة الإمام المتغلب واجبة بإجماع أهل السنة. 5 - ورأيت بعض الجماعات الإسلامية - وهم مستضعفون مشرّدون في الأرض - يتوعّدون خصومهم من الجماعات الأخرى بالانتقام منهم إذا مكّن الله لهم؟!! وهذه كلها من صور نقص الإخلاص، وقد قال تعالى{ :وما النصر إلا من عند ا}لله126، والله ينزل نصره على ما يعلمه من الصدق والإخلاص الذي في القلوب كما قال تعاف َعَلِم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً18، فهل هذه القلوب مؤهلة لتنزيل النصر والفتح؟ وهذا مما يبينّ لك أ ن بعض من يرفعون راية الدعو ة الإسلامية إنما هم يدعون لأنفسهم على الحقيقة - لطلب المُلك والسلطان والثروة - لا يدعون إلى الله كما يقتضي الإخلاص، وهؤلاء ليسوا من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم، فقد وصف أتباعه بأنهم أنا ومن اتبع108، وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في فوائد هذه الآية (الأولى: أن الدعوة إلى الله طريق من اتبع رسول الله
عدد الصفحات ٣٤٧348 صلى الله عليه وسلم الثانية: التنبيه على الإخلاص، لأن كثيراً لو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه) أه من (فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ) ص 94، ط أنصار السنة فأتباع النبي صلى الله عليه وسلم الذين يدعون إلى الله، لا الذين يدعون لأنفسهم. روي البخاري رحمه الله بسنده عن أبي المنهال قال: لما كان ابن زياد ومروان بالشام، وثب ابن الزبير بمكة، ووثب القرّاء بالبصرة، فانطلقت مع أبي إلى أبي برزة الأس لمي حتى دخلنا عليه في داره وهو جالس في ظل عُلِّيةٍ له من قصب فجلسنا إليه، فأنشأ أبي يستطعمه الحديث، فقال: يا أبا برزة ألا ترى ما وقع فيه الناس؟ فأول شيء سمعته تكلم به: إني احتسب عند الله أني أصبحت ساخطاً على أحياء قريش، إنكم يا معشر العرب كنتم على الحال الذي علمتم من الذِلة والقِلة والضلالة، وإن الله أنقذكم بالإسلام وبمحمد صلى الله عليه وسلم حتى بلغ بكم ما ترون، وهذه الدنيا التي أفسدت بينكم، إن ذاك الذي بالشام والله إن يقاتل إلا على دُنيا، وإن هؤلاء الذين بين أظهركم والله إن يقاتلون إلا على دُنيا، وإن ذاك الذي بمكة والله إن يقاتل إلا على الدنيا) حديث (7112) بكتاب الفتن من صحيحه وأنا أقول بقول أبي برزة رضي الله عنه، والله إن كثيراً من رؤساء الجماعات الإسلامية ما يريدون إلا الدنيا، وما يدعون إلا لأنف سهم، ولو كانوا يدعون إلى الله وإلى الحق لتعلموا الحق أولا ولا جتمعوا عليه ثانيا، ولكنهم (كل حزب بما لديهم فرحون)، وإني أحتسب عند الله أني أصبحت ساخطاً على
عدد الصفحات ٣٤٨349 هؤلاء وعلى أمثالهم. ولما شرع الصليبيون في الاستيلاء على الأندلس والتهامها قطعة بعد أخرى، كانت بلاد الأ ندلس مقسمة إلى عدة ممالك متناحرة في كل مدينة مملكة، فاضطر مل وك الطوائف هؤلاء للاستعانة بسلطان مراكش يوسف بن تاشفين وبجيشه على الإفرنج، فأغاثهم، وبعد النصر طلبوا منه أن يُبقي بعض جيشه ببلادهم ليعينهم على الإفرنج، فأبى وقال لهم (أخلصوا نياتكم يكفكم الله عدوك م)، وذلك لما رآهم متفرقين مختلفين متناحرين، وما زالت هذه الن صيحة قائمة لكل مشتغل بالعمل الإسلامي إلى اليوم. أما سوء الأخلاق المتفشي في ساحة العمل الإسلامي واتباع السياسات الحزبية الجاهلية مع الخصوم واتباع السياسة الميكافيلية لنيل المآرب بأي وسيلة، ونُدرة الأمانة، والأثرة، فحدث عنه ولا حرج، وهذا كله من أسباب الخذلان، فالتوفيق له أسباب معروفة في الشرع وعلى رأسها حُسن الخلق واتباع مكارم الأخلاق، وبهذا استدلت السيدة خديجة للنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك فيما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها - في حديث بدء الوح ي - قالت (حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الْ مَلَك فقال: اقرأ - إلى أن قالت - فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجُف فؤادُه، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال: زمّلوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا، والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على
عدد الصفحات ٣٤٩350 نوائب الحق) الحديث3.) فأقسمت السيدة خديجة رضي الله عنها على أن الله لا يخزيه صلى الله عليه وسلم واستدلت على ذلك بأمر استقرائي وصفت ه بأصول مكارم الأخلاق، هذا حاصل ما ذكره ابن حجر في شرحه (فت ح الباري) 1/ 24. فهل يُرجىنصرٌ من الله مع هذا كله؟ وإن الشّك في القائمين على العمل الإسلامي أهون من الشك في وعد الله تعالى بنصر المؤمنين، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقرب 135، ومنباب تمام الشهادة على النفس فلا شك في أنه يوجد صالحون وأفاضل يسددون ويقاربون في ساحة العمل الإسلامي عسى الله أن ينفع بهم، ولكن الأمر كما قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنهلك وفينا الصالحون؟ قال (نعم إذا كثر الخبث) الحديث رواه البخاري. وهذا الذي ذكرته هنا أقوله عن خبرة، وهي وجه نظر من محايد لا ينتمي لأي جماعة إسلامية أو حزب إسلامي، والجماعة حق وواجب في هذا الزمان، وقد ألفت كتابي (العمدة في إعداد العدة للجهاد في سبيل الله تعالى) في فقه العمل الإسلامي الجماعي، ولكن - وكما ذكرت من قبل - فإن هناك فرقاً بين العلم بالواجب والإيُان به وبين إمكان القيام به، ومثل هذا الواجب الذي له أهداف محددة لا يتأدى بالانتماء إلى جماعات بها مثل هذه العيوب المذكورة هنا، فهذه لا يُرجى لها نصرٌ ولا توفيق، ولكن من وجد جماعة صا لحة ديناً وعملاً لزمه العمل معها، وذلك لأنني لا أدعي
عدد الصفحات ٣٥٠351 العلم بأحوال كافة الجماعات في شتى البلدان، ولكني أردت أن أضرب أمثلة للسلبيات المتفشية في الجماعات الإسلامية لتجتنب هذه السلبيات، وهذا في معرض الحديث عن تغيير أنظمة الحكم الكافرة. وألخص ما سبق فأقول: إن طريق المسلمين لتغيير أنظمة الحكم الكافرة هو: الدعوة بشتى الصور بعد سلامة المنهج وصحة المعتقد، مع إظهار الحق والبراءة من الكافرين وكفرهم لا مشاركتهم في كفرهم كمشاركتهم في الحكم العلماني أو البرلمانات الشركية وإنما إعلان للبراءة والمفاصلة حتى تتميز الصفوف، مع الصبر على أذى الكفار، وطلب النصرة من المؤمنين حتى تتكون جماعة قوية قادرة على التغيير و قادرة على الحكم بالإسلام إذا مَكّن الله تعالى لها، وهذا واجب المجموع، أما ما يجب على كل فرد فهو السعي في تحقيق ذلك بقدر طاقتهال ذرة شراً يره الحسبان، وأن توسّد الأمور لأهلها، هذا وبالله تعالى التوفيق.
عدد الصفحات ٣٥١352 المسألة العاشرة: رد الشبهات في موضوع الحكم بغير ما أنزل ا تكلمت في المسألة الأولى الواردة بّاتمة مبحث الاعتقاد عن وجوب التحذير من الخطأ في الدين، وذكرت فيها أن السكوت عن هذه الأخطاء يؤدي إلى تراكمها حتى يؤول الأمر إلى تح ريف الدين وتبديله كما حرِّفت الديانات السابقة كاليهودية والنصرانية، اللتان يتعبد أهلهما بضلالات ي َرَوْن أنها الحق، ولهذا قال الأوزاعي رحمه الله: (إذا ظهرت البدع فلم ينكر ها أهل العلم صارت سُنَّة) رواه الخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث). وتكلمت في تلك المسألة عن أسباب الخطأ في الدين، وأنه قد يكون: * زلة عالم. * أو جهالة متعالم. * أو ضلالة مبتدع وزائغ. هذا وقد تعرضت مسألة تكفير الحكام الطواغيت ووجوب جهادهم لسيل من الشبهات بهدف صرف المسلمين عن الحق في هذه المسألة، وقد صدرت هذه الشبهات في الأساس من مصدرين وهما : المصدر الأول: وهو مصدر تابع للحكام الطواغيت، وهم بعض علماء السوء بالمؤسسة الدينية الرسمية، ومن أجهزة إعلام الطواغيت فيما يُنشر في الصحف والمجلات ونحوها. والمصدر الثاني: من بعض الجماعات الإسلامية التي يؤدي إظهار الحق في مسألة الحكّام إلى كشف فساد مناهجها، فيلبسون الحق بالباطل على
عدد الصفحات ٣٥٢