المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

محاسن شريعة الرحمن وفساد شريعة الشيطان

حسن التمام

صفحة ٢١ من ٢٨

321 (الاختيارات الفقهية ص 309.) وقد تقرر أن الجهاد يتعين إذا نزل العدو ببلد المسلمين (المغني والشرح الكبير)، 10/ 366. ولا فرق بين كون الكافر المتسلط أجنبيا عن البلد أو من أهلها فكَفَر وتسلط عليها إذ إن علة وجوب جهاده هي الكفر وهذه العلة قائمة في الحالين قال تعاإن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا الآية بين كافر أجنبي وكافر وطني، كما أن المرتد قد صار بكفر ه أجنبيا عن المسلمين من أهل البلدة ودليله أن نوح عليه السلام قال عن ابنه الكافر {تعايا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صا45 - 46، ولهذا لا يكون الأب الكافر محَْرَماً لابنته المسلمة لأنه بكفره صار أجنبيا عنها. الوجه ال ثاني: أنهم مرتدون، قال ابن تيمية رحمه الله: (وكفر الردة أغلظ بالإجم اع من الكفر الأصلي) (مجموع الفتاوى) 28/ 478. وقال أيضا (وقد استقرت السنة بأن عقوبة المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلي من وجوه متعددة، منها أن المرتد يقتل بكل حال ولا يُضرب عليه جزية، ولا تعقد له ذمة، بّلاف الكافر الأصلي، ومنها أن المرتد يقتل وإن كان عاجزاً عن القتال، بّلاف الكافر الأصلي الذي ليس هو من أهل القتال، فإنه لا يقتل عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد، ولهذا كان مذهب الجمهور أن المرتد يقتل كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد، ومنه ا أن

عدد الصفحات ٣٢١

322 المرتد لا يرث ولا يناكح ولا تؤكل ذبيحته، بّلاف الكافر الأصلي إ لى غير ذلك من الأحكام) (مجموع الفتاوى) 28/ 534. وقال ابن تيميةأيضا: (والصدِّيق رضي الله عنه وسائر الصحابة بدؤ و ا بجهاد المرتدين قبل جهاد الكفار من أهل الكتاب، فإن جهاد هؤلاء حفظ لما فُتح من بلاد المسلمين وأن يدخل فيه من أراد الخروج عنه، وجهاد من لم يقاتلنا من المشركين وأهل الكتاب من زيادة إظهار الدين، وحفظ رأس المال مق دم على الربح) (مجموع الفتاوى) 35/ 158 - 159 الوجه الثالث: لكون قتالهم مقدم على قتال غيرهم أنهم الأقرب إ المسلمين، قال ابن قدامة: (مسألة "ويقاتل كل قوم من يليهم من العدو": والأصل في هذا قول الله تعايا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفارتوبة 123، ولأن الأقرب أكثر ضررا) (المغني والشرح الكبير 10/ 372.) وقوله (ولأن الأقرب أكثر ضرراً) لا يخفى، فإن ما يفعله هؤلاءالحكام المرتدون - بما أوتوا من السلطان - في بلاد المسلمين من إشاعة الفواحش والفجور وإفساد دين الناس وحكمهم بغير شريعة الإسلام وما يتر تب على ذلك من تحريم الحلال وتحليل الحرام، مع قتلهم وتعذيبهم للدعاة إلى الله تعالى، لا يخفى أن هذا الحال يهدد جماهير غفيرة من المسلمين بالردة الشاملة، وهي الفتنة المذكورة في قوله تعاوقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله 39.

عدد الصفحات ٣٢٢

323 ومما سبق يتبين أن جهاد هؤلاء الحكام فرض عين على كل مسلم لأنهم عدو كافر حَلّ بين المسلمين، وهذا من مواضع وجوب الجهاد العيني باتفاق أهل العلم، انظر (المغني والشرح الكبير) لابن قدامة، 10/ 366. ولما كان جها دهم فرض عين فقد قال ابن حجر رحمه الله - فيما نقلته عنه آنفا - (فيجب على كل مسلم ٍ القيام في ذلك) (فتح الباري 13/ 123.

عدد الصفحات ٣٢٣

324 ثانيا: أثر الحكم بالقوانين الوضعية على أنصار الحاكم المرتد وجنوده و قد سبق بحث هذه المسألة بالتفصيل عند نقد (الرسالة الليمانية في الموالاة ) بمبحث الاعتقاد، وهناك ذكرت أنهم كفار على التعيين في الحكم الظاه ر بالكتاب والسنة والإجماع، وأنهم السبب الحقيقي لدوام حكم الكفار ودوام الحكم بقوانين الكفر مع ما يترتب عليها من فساد عظيم.

عدد الصفحات ٣٢٤

325 ثالثا: أثر الحكم بالقوانين الوضعية على الدار وقد سبق الكلام في أحكام الديار في مبحث الاعتقاد أيضا، ومنه تعلم أن البلدة المحكومة بالقو انين الوضعية هي دار كفر وردة إذ إن السلطان فيها للكفار والأحكام الجارية فيها هي أحكام الكفر، وهذا هو مناط الح كم على الدار، وهناك ذكرت الصفات غير المؤثرة في المناط كديانة السكان وإقامة الشعائر وغيرها.

عدد الصفحات ٣٢٥

326 رابعا: آثار الحكم بالقوانين الوضعية على عموم المسلمين بالدار. ومن هذه الآثار: 1 - أنه تحرم عليهم طاعة الحاكم الكافر أو معاونته على الحكم بقوان الكفر، قال تعاولا تعاونوا على الإثم والعدوان 2، وقال تعاومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كِفل منها85، والشفاعة السيئة هي الإعانة على فعل السيئة. 2 - أنه يجب عليهم جهاد هؤلاء الحكام لخلعهم ونصب حاكم مسلم يحكم بالشريعة، وهذا فرض عين على كل مس لم كما سبق بيانه في (أولاً). 3 - أما ما يقع على المسلمين من أحكام من جهة موقفهم من الحاكم الكافر، فقد تكلمت في هذه المسألة عقب نقدي لكتاب (حد الإسلام وحقيقة الإيُا ن) بمبحث الاعتقاد، وذكرت أنهم ثلاث فرق: أ - من أظهر الانكار عليهم: فهذا إسلامه ظاهر إلا أن ينتقض من وجه آخر. ب - من أظهر الرضى عنهم والموافقة على أفعالهم: فهذا كفره ظاهر. ج - من سكت عنهم: وهؤلاء ثلاثة أقسام: من أظهر الكفر لسبب آخر فهو كافر، ومن أظهر الإسلا م فهو مسلم مستور الحال، ومن لم يظهر منه شيء فهو مجهول الحال يتوقف في الحكم عليه ولا يحكم علي ه إلا بعد تبين حاله إذا دعت الحاجة إلى ذلك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنه يُستعمل عليكم أمراء فتعرفون

عدد الصفحات ٣٢٦

327 وتُنكرون، فمن كَرِه فقد برئ، ومن أنكر فقد سَلِمَ، ولكن من رضي وتابَع، قالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا) رواه مسلم، قال النووي في شرحه: (فمن عرف المنكر ولم يشتبه عليه فقد صارت له طريق إلى البراءة من إثمه وعقوبته بأنه يغيره بيديه أو بلسانه، فإن عجز فليكرهه بقلبه، وقوله صلى الله عليه وسلم (ولكن من رضي وتابع) معناه ولكن الإثم والعقوبة على من رضي وتابع، وفيه دليل على أن من عجز عن إزالة الم نكر لا يأثم بمجرد السكوت بل إنما يأثم بالرضى به أو بأن لا يكرهه بقلبه أو بالمتابعة عليه) (صحيح مسلم بشرح النووي) 12/ 243 4 - أما ما يجب على المسلمين من جهة القوانين الوضعية فأذكرها في (سادساً) إن شاء الله.

عدد الصفحات ٣٢٧

328 خامسا: أثر الحكم بالقوانين على أهل الكتاب بالدار: إذا كان أهلُ الكتاب أهلَ ذمةٍ في بلد ٍما، فإنه تسقط ذمتهم باستيلاء الحاكم الكافر على هذا البلد وتحكيمه قوانين الكفار فيها، ويعود أهل الكتاب كفاراً أصليين لا عهد لهم ولا ذمة، وسيأتي شرح موجز لذلك في الموضوع السادس بهذا المبحث إن شاء الله.

عدد الصفحات ٣٢٨

329 سادسا: العمل بالقوانين الوضعية حُكْماً وتحاكماً 1 - أما الحكم بها فكفر أكبر، وذكرت الأدلة على ذلك بالمسألت السادسة والسابعة من هذا الموضوع ، ويدخل في هذا الحكم: الرؤساء والقضاة و نحوهم، وكذلك سلطات الادعاء (النيابة العامة) التي تطالب القضاة بالحكم بهذه القوانين في الدعاوى التي ترفعها. 2 - وأما القوانين نفسها ومنها الأحكام الصادرة عن المحاكم، فباطلة تترتب عليها آثار شرعية، لقوله صلى الله عليه وسلم (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌ) رواه مسلم، فلا تحُل هذه القوانين دماً حراماً ولا مالاً ولا تنقل مِلْكاً ولا تُبطل حقاً. 3 - وأما التحاكم إلى هذه القوانين: أي تحاكم المسلمين بهذه البلاد إ المحاكم والقضاة الحاكمين بالقوانين الوضعية: فقد قال الشيخ حمد بن عتيق النجدي: (إذا كان هذا - يعني التحاكم إلى الطاغوت - كفراً، والنزاع إنما يكون لأجل الدنيا، فكيف يجوز أن تَكْفُر لأجل ذلك؟ فإنه لا يؤمن أحد حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وحتى يكون الرسول أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين، فلو ذهبت دنياك كلها لما جاز لك المحاكمة إلى الطاغوت لأجلها، ولو اضطرك أحد وخيرك بين أن تحاكم إلى الطاغوت أو تبذل دنياك لوجب عليك البذل ولم يجَُز لك المحاكمة للطاغوت، والله أعلم) من (الدرر السنية في الأجوبة النجدية ج 8 - كتاب المرتد - ص 273.)

عدد الصفحات ٣٢٩

330 وأما صّديق حسن خان فقد قال: (ومن حُكِمَ عليه بغير الشريعة المحمدية، إن كان يلزم عليه تحليل حرام أو تحريم حلال شرعاً، فلا يجوز له قبوله ولا امتثاله، وعليه رَدّ ذلك وكراهته إلا أن يُكْرَه عليه بما يسمى إكراهاً شرعاً، وإن حُكم عليه بما يوافق الشريعة المحمدية قبل ضرورة وليس له أن يُتهن نفسه بتعريضها لأحكامهم وهو يق در على الهجرة، وإلا كان في ذلك إذلالاً للدين واستخفافاً بالإسلام و المسلمين والله تعالى يقول للكافرين على المؤمنين سبيلاً والهجرة ) ص 252، ط دار الكتب العلمية1405 ه ومعنى قوله (حُكِمَ عليه بما يوافق الشريعة المحمدية) أي: حكم له بما يستحقه أو حَكَم عليه ما يجب عليه ما إذا لو حَكَم عليه قاضٍ شرعي بالشريعة، وقوله (إن كان يلزم عليه تحليل حرام ... فلا يجوز له قبوله) فلأن حكم الحاكم لا يحُل حراماً ولا يحُرم حلالاً، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنما أنا بشرٌ، وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون أَلحَْنَ بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار) متفق عليه. وكما ترى فالشيخ ابن عتيق منع من التحاكم لهذه القوانين مطلقا وإن ضاع حق المسلم، وصديق حسن أجازه للمضطر. وحَلّ هذا الإشكال يكون بتحاكم المسلمين فيما بينهم لمؤهلٍ للحكم الشرعي منهم بالتراضي، ونظراً لأهمية هذه المسألة فسأفردها بموضوع مستقل في هذا المبحث وهو الموضوع الخامس التالي إن شاء الله.

عدد الصفحات ٣٣٠

331 فإن تعذر التحاكم للشرع أو رفض الخَصْم،فهل يُتحاكم للقوانين الوضعية ومحاكمها وقضاتها، وما حكم المسلم إذا فعل ذلك؟ وهذا له حالان: الأول: إذا تحاكم المسلم إليها راضياً بها فقد كفر، لأن الرضى بالكفر كفر. والثاني: إذا تحاكم المسلم إليها كارها لها مضطراً لذلك، فهل يكفر؟ وهذه المسألة أنا متوقف في حكمها ولم أستطع أن أجزم فيها بشيء مع كثرة التفكير فيها، وذلك لأن الذين أكفرهم الله بتحاكمهم إلى الطاغوت (والقوانين ومحاكمها وقضاتها طواغيت كما سبق بيانه) تحاكموا إلى ذلك راضين راغبين، ويدل على ذلك أنه كان بوسعهم التحاكم للشريعة فعدلوا عنها عمداً إلى التحاكم للطاغوت، كما يدل عليه قوله تعاألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمن وا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت - إلى قوله - وإذا قيل لهم تعالوا إلى أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدّون عنك صدوداً - إلى قوله - فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم60 - 65، ومثلها الآيات بسورة النو ر 47 - 52، فهؤلاء الذين نفى الله عنهم الإيُان يؤمنون عن التحاكم للشريعة فقين يصدون عنكاغوت هنا قلت في (الحال الأول) إن من تحاكم إلى هذه القوانين راضيا كَفَر، أما من اضطر إلى ذلك وليس بوسعه التحاكم إلى الشر ع فلا تنطبق عليه صورة

عدد الصفحات ٣٣١

332 سبب نزول هذه الآيات، ولهذا لا استطيع الجزم بدخ وله في عموم حكمها. أما من كان بوسعه التحاكم إلى الشرع على الصفة التي سأذكرها في الموضوع الخامس إن شاء الله وعَدَل عن ذلك إلى التحاكم للقوانين فهو على خطر، لأن عدوله هذا علامة على رضاه بالت حاكم إلى قوانين الكفر، هذا والله تعالى أعلم9.] 9 - قالالشيخ أبو محمد المقدسي حفظه الله تعالى: "أقول: إذا كان التحكيم يتم وفق الشرع وفيه قدرة على رد الحقوق وإنصاف المظلوم، وأعرض عنه مختاراً التحاكم إلى حكم الطاغوت، فهذا نظير صورة سبب النزول، و النظير له حكم نظيره إن لم يكن بينهما فرق مؤثّر. أما إذا لم يكن للحاكم بالشرع سلطان يرد به الحقوق وينصف به المظلوم، أو كان الخصم لا يرضى بحكم الشرع، ولا ينزل عليه، فليس هذا من صورة سبب النزول، إذ أنّ صورة سبب النزول، كان لحكم الله فيها سلطان، و أعرض عنه من نزلت فيه الآيات مختاراً حكم الطاغوت، لكن المسلمين قد أمروا بالكفر بالطاغوت واجتنابه منذ أول الإسلام، وقبل نزول هذه الآيات، ومرادنا أن الأمر ليس محصوراً في صورة سبب النزول، إذ أن الكفر بالطاغوت ركن التوحيد، وقد قال تعالى منكراً على من أراد التحا كم إلى الطاغو ت يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به60] إيُان به يناقض ما افترضه الله على المسلمين من الكفر به فالواجب على كل مسلم في كل زمان ومكان وعلى كل حال أن يجتنب عبادة الطواغيت، ونصرتها، والتحاكم إليها، ولو ذهبت دنياه كلها .. إذ لا يعذر في التحاكم إلى شرائع الطاغوت المضاد لشريع ة الله إلاّ المكره .. لكن حد الإكراه يتفاوت عند الناس، وكلٌّ أعرف بحاله، كما أن للتكفير شروط يجب مراعاتها، مع التنبيه أيضاً إلى وجوب التفريق بين ما كان من جنس التحاكم إلى الشر ائع الوضعية المضادة لشرع الله، وما ليس هو كذلك من الاستنصار على كفار آخرين، أو غير

عدد الصفحات ٣٣٢

333 ذلك مما هو ليس من جنس التحاكم الطاغوتي المكفّر1) لكن الغريب في كلام المصنف تعليله الأحكام هنا بالرضا حيث قال: (لأن عدوله هذا علامة على رضاه بالتحاكم إلى قوانين الكفر) أه . فتأمل كيف ردّ المصنف الحكم الشرعي وعلّله في كلامه هذا وغيره في المنقول عنه أعلاه .. إلى الرضا .. الذي لا خلاف فيه .. إذ من رضي بأحكام الكفر رضاً قلبياً، فقد كفر، سواء تحاكم أم لم يتحاكم .. إلا أن يريد بالرضا هنا الطواعية والاختيار الذي هو ضد الإكر اه والإلجاء، فلا حرج في اشتراطه، إذ الإكراه الشرعي من موانع التكفير بالإتفاق .. وإلا ف قد أنكر المصنف من قبل على الطبري رحمه الله قوله في تفسير قوله تعا 51]629): "وهذا التعليل قاله من عند نفسه، وهو مصادم للنص الذي أثبت أن من نزلت فيهم الآيات كان باعثهم على موالاة الكفار، الخوف من دائرة الدهر والرضا بما عليه الكفار، وقول الطبري هنا يشبه قول مرجئة الفقهاء والمتكلمين، إن من أتى عملاً من أعمال الكفر فهو علامة على أنه مكذب بقلبه فقال الطبري، من تولىَّ الكفار فلا بد أن يكون راضياً بدينهم وكلا القولين فاسد ترده النصوص" فتأمل إنكاره هذا .. مع قوله الأول .. مع أن كلام الطبري رحمه الله تعالى هنا يحتمل أن يكون حكماً لا تعليلاً، خاصة وأنه ذكر ذلك في مسألة قد نص الله تعالى في كتابه وحكم على باطن فاعلها بالكفر كما في قوله تعا ما اتخذوهم أولياء81] جملة شرطية تقتضي أنه إذا وجد الشرط وجد المشروط بحرف "لو" والتي تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط (2) .. فلا يجتمع الإيُان مع اتخاذهم أولياء فنحن نحكم على كل من تولىَّ الكفار ظاهراً بأنه قد كفر ظاهراً بذلك العمل المكفّر، و بأنه قد نقض أيضاً إيُانه الباطن بالله والنبي وما أنزل إليه .. فهو حكم، وليس تعليلاً أو قيداً للحكم ..

عدد الصفحات ٣٣٣

334 هذا ما يتعلق بالآثار المترتبة على الحكم بالقوانين الوضعية، وأختم هذه المسألة بالفائدة التالية: (فائدة) كلمة في تغيير أنظمة الحكم الكافرة. قال الله تعااليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا3، هذا نص في أن الإسلام نعمة من الله تعالى، بل هو أجل النعم وأعظمها، وحظ العبد من هذه النعمة بقدر حظه من الإسلام وعمله بشرائع ه، وحظ الأمة منها بقدر حظها من العمل بشرائع الإسلام. وهذا يعني أن زوال حكم الإسلام من بلاد المسلمين وحلول أحكام الكفار محله هو نقص من دين الأمة ونقص من نعمة الله عليها، وهذا لا يقع أبداً إلا إذا بلغ المسلمون من الفساد مبلغا يستوجب هذه العقوب ة، كما قال وانتبه إلى الفرق .. فإنّ فيه مزلة أقدام المرجئة والجهمية .. ". (1) وقد بينا على هذا في رسالتنا الثلاثينية في التحذير من أخطاء التكفير، واعلم أننا المقابل قد سمعنا بعض المتسرعين في الفتوى: القول بجواز التحاكم مطلقاً إلى الطواغيت ومحاكمهم في هذا الزمان بحجة عدم وجود سلطان لحكم الله في الأرض، وأن التحاكم إلى الطاغوت لا يكون كفراً إلاّ عند وجود سلطان الإسلام، وقد أنكرنا هذا القول الرديء وتبرّأنا منه، ومع هذا فقد حاول البعض نسبته إلينا، مع أنه معلوم عند كل من يعرفنا أن من أصول دعوتنا التي نُ عادى عليها، الدعوة إلى البراءة من الطواغيت والكفر بها واجتناب عبادتها ونصرتها والنهي عن التحاكم إليها مطلقاً .. (2) انظر كتاب الإيُان لشيخ الإسلام ابن تيمية

عدد الصفحات ٣٣٤

335 تعا{ :ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم} الأنفال53، وقالتعاوما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم، ويعفو عن كثير } الشورى 30. ومع وقوع هذه المصيبة وهي زوال حكم الإسلام وحلول أحكام الكفار محله في بلاد المسلمين، وما صاحب ذلك من زوال دولة الخلافة، سعى المسلمون أفراداً وجماعات لتدارك الأمر، فأعلنت جماعات كثيرة أنها تسعى لإعادة الخلافة وإقامة حكم الإسلام، ومع ذلك لم يكتب النصر والتوفيق لأحدٍ منها، وهذا لا بد وأن يرجع إلى نقص في الإيُان، فقد قال تعاوكان حقاً علينا نصر المؤمن47، ووعد الله حق، فإذا لم يأت النصر دل على نقص الإيُان وأن العبد لم يستكمل بعد شرط استحقاق النصر، والتقصير إما أن يتعلق بالعمل الظاهر وهو متابعة الشريعة وإما أن يتعلق بالعمل الباطن وعلى رأسه الإخلاص، قال تعافمن كان يرجو لقا ء ربه فليعمل عملا صالحاً ولا يشرك بعباده ربه أحداً110، فقد جمعت هذه الآية شرطي ق بول العمل: وهما موافقة الشريعة صالحا وأنا لا أقصد هنا النقد على وجه الاستيعاب ولكني أردت الإشارة إلى بعض أوجه التقصير في العمل الإسلا مي مما لمسته ولمسه كثير غيري، وهذه الأوجه راجعة إما إلى نقص في موافقة الشريعة أو نقص الإ خلاص، وكلاهما من نقِصِ الإيُان الذي يترتب عليه الحرمان من التوفيق. أولا: فمن أوجه التقصير: التعجل في العمل الإسلامي: والتعجل علة

عدد الصفحات ٣٣٥

336 الحرمان، كما يقول الفقهاء، وقالوا: من ت عجّل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، ومن صور التعجل: 1 - سلوك الطريق الديُقراطي ظناً بأنهأسرع طرق التغيير، وقد تكلمت في فساد الديُقراطية وأساليبها في موضوع السياسة الشرعية بأول هذا المبحث الثامن، وفي أول الباب الرابع من هذا الكتاب عند الكلام في النية. 2 - التحالف مع جهات كافرة - من الدول أو الأحزاب العلمانية - مع قوله صلى الله عليه وسلم (إني لا استعين بمشرك) رواه مسلم. 3 - الاجتماع على غير منهج: كقيام بعض الجماعات بحشد أفرادها على غير منهج أو على مبادئ عامة تتسع لتفسيرات متناقضة للتكيف مع المتغيرات السياسية، ولجمع أكبر عدد من الأفراد من ذوي الاتجاهات المتناقضة، وهذه الجماعات أقرب إلى أن تكون أح زاباً سياسية منها إلى أن تكون جماعات دينية، وهذا كله مخالف لمنهج النبي وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإن الحق يجب إظهاره وإن لم يتبعه أحد ويحرم كتمانه أو تحريفه ولبسه بالباطل لأجل تكثير الاتباع، قال تعاقل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخ بيث100، والداعية مسئول أمام الله عن قول الحق لا عن عدد أتباعه، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (عُرضت عَلَي الأمم فرأيت النبي ومعه الرُّهَيْطُ، والنبي ومعه الرجل والرجلان ، والنبي ليس معه أحد) الحديث متفق عليه، فهذا نبي لم يتبعه أحد من قومه، وهذا لا يضره مادام قد بلّغ ما جاء به من الحق. 4 - ومن صور التعجل: التعجل في تأليف الكتب ووضع المناهج

عدد الصفحات ٣٣٦