305 واستذلوا الرعية من المسلم وبثوا فيهم عداوة الإسلام بالتدريج، حتى كادوا يردوهم على أعقابهم خاسرين، وما أولئك بالمسلمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون) (عمدة التفسير) 3/ 51. (د) وفي تعليقه على تفسير قولهتعايا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله 278 - 279، قالأحمد شاكر رحمه الله: (فانظروا أيها المسلمون - إن كنتم مسلمين - إلى بلاد الإسلام في كافة أقطار الأرض إلا قليلا، وقد ضربت عليها القوانين الكافرة الم لعونة، المقتبسة من قوانين أوربة الوثنية الملحدة، التي استباحت الربا استباحة صريحة بألفاظها وروحها، والتي يتلاع ب فيها واضعوها بالألفاظ، بتسمية "الربا": "فائدة" حتى لقد رأينا ممن ينتسب إلى الإسلام، من رجال هذه القوانين ومن غيرهم ممن لا يفقهون - من يجادل عن هذه الفائدة، ويرمي علماء الإسلام بالجهل والجمود، إن لم يقبلوا منهم هذه المحاولات لإباحة الربا. أيها المسلمون! إن الله لم يتوعد في القرآن بالحرب على معصية من المعاصي غير الربا. فانظروا إلى أنفسكم وأممكم ودينكم، ولن يغلب الله غالب) (عمدة التفسير) 2/ 197. وتأمل قوله (قوانين أوربة .... التي استباحت الربا استباحة صريحة بألفاظها)، وذلك لأن التشريع المخالف لشرع الله هو اس تحلال واستباحه كما ذكرته في المقدمة السابعة عشرة بالمسألة الخامسة بهذا الموضوع. وللشيخ أحمد شاكر كلام آخر في القوانين الوضعية والحكم بها راجعه في
عدد الصفحات ٣٠٥306 المواضع التالية * في (عمدة التفسير) ج 1 ص175 و204 و227 - 228، ج2 ص192، ج3 ص38 و102 - 109 و125 و135، ج4 ص 146 - 147. * وفي تعليقه على (المسند) لأحمد بن حنبل ج6 ص303 و305. * وفي تعليقه على (الرسالة للشافعي) ص 505. 13 - الشيخ محمود شاكر ره الله: نقل عنه أخوه الشيخ أحمد شاكر قوله: (وإذن، فلم يكن سؤالهم عما احتج به مبتدعة زماننا، من القضاء في الأموال والأعراض والدماء بقانون مخالف لشريعة أهل الإسلام، ولا في إصدار قانون ملزم لأهل الإسلام بالاحتكام إلى حكم غير الله في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، فهذا الفعل إعراض عن حكم الله ورغبة عن دينه وإيثار لأحكام أهل الكفر على حكم الله سبحانه وتعالى، وهذا كفر لا يشك أحد من أهل القبلة على اختلافهم في تكفير القائل به والداعي إليه) (عمدة التفسير) 4/ 157. 14 - الشيخ محمد حامد الفقي رحمه ا (أ) ففي تعليقه على كلام صاحب كتاب (فتح المجيد شرح كتاب ال توحيد) في بيان معنى الطاغوت، قال الفقي: (الذي يستخلص من ك لام السلف رضي الله عنهم: أن الطاغوت كل ما
عدد الصفحات ٣٠٦307 صُرَفَ العبد وصَدّه عن عبادة الله واخلاص الدين والطاعة لله ولرسوله، سواء في ذلك الشيطان من الجن والشيطان من الإنس، والأشجار والأحجار وغيرها، ويدخل في ذلك بلا شك: الحكم بالقوانين الأجنبية عن الإسلام وشرائعه وغيرها من كل ما وضعه الانسان ليحكم به في الدماء والفروج والأموال، وليبطل بها شرائع الله، من إقامة الحدود وتحريم الربا والزنا والخمر ونحو ذلك مما أخذت هذه القوانين تحللها وتحميها بنفوذها ومنفذيها، والقوانين نفسها طواغيت، وواضعوها ومروجوها طواغيت ، وأمثالها من كل كتاب وضعه العقل البشري ليصرف عن الحق الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم إما قصداً أو عن غير قصد من واضعه فهو طاغوت) هامش ص 287 بكتاب (فتح المجيد) ط دار الفكر، ط 7. (ب) وفي تعليقه على كلام ابن كث في تفسير قوله تعاأفحكم الجاهلية يبغون50، حيث أفتى ابن كثير بكفر التتار لحكمهم بقانون مخترع وهو الياسق، فقال محمد حامد الفقي: (ومثل هذا وشر منه من اتخذ من كلام الفرنجة قوانين يتحاكم إليها في الدماء والفروج والأموال، ويقدمها على ما علم وتبين ل ه من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو بلا شك ك افر مرتد إذا أصر عليها ولم يرجع إلى الحكم بما أنزل الله ، ولا ينفعه أي اسم تسمى به ولا أي عمل من ظواهر أعمال الصلاة والصيام ونحوها) هامش ص 406 (المصدر السابق). 15 - الاستاذ عبد القادر عودة رحمه ا قال: (إن إباحة المجمع على تحريُه كالزنا والسكر، واستباحة إبطال الحدود،
عدد الصفحات ٣٠٧308 وتعطيل أحكام الشريعة، وشرع ما لم يأذن به الله، إنما هو كفر وردة، وأن الخروج على الحاكم المسلم إذا ارتد واجب على المسلمين، وأقل درج ات الخروج على أولي الأمر عصيان أوامره ونواهيه المخالفة للشريعة) من كتابه (التشريع الجنائي) 2/ 232. وقال أيضا: (ومن الأمثلة الظاهرة على الكفر بالامتناع في عصرنا الحاضر الامتناع عن الحكم بالشريعة الإسلامية وتطبيق القوانين الوضعية بدلا منها، والأصل في الإسلام أن الحكم بما أنزل الله واجب وأن الحكم بغير ما أنزل الله محرم) (التشريع الجنائي الإسلامي) 2/ 708، ط5،1388 ه وتأمل قوله (الكفر بالامتناع) لتدرك أنه أفقه من غيره ممن علقوا الكفر في هذا الموضوع على الاعتقاد كما ذكرته في آخر المسألة السادسة. 16 - الأستاذ سيد قطب رحمه الله: وله كلام جيد في تفسير آيات سورة الما ئدة فراجعه، ومما قاله في تفسير سورة الأنعام: (إن الذين يحكمون على عابد الوثن بالشرك، ولا يحكمون على المتحاكم إلى الطاغوت بالشرك، ويتحرجون من هذه ولا يتحرجون من تلك، إن هؤلاء لايقرأون القرآن، ولا يعرفون طبيعة هذا الدين، فليقرأوا القرآن، كما أنزله الله، وليأخذوا قول الله بجد م إنكم لمشركون ما ذكره رحمه الله (في ظلال القرآن) ص 1216. 17 - الشيخ حمود التويجري رحمه ا قال (النوع الثاني: من المشابهة وهو من أع ظمها شراً وأسوأها عاقبة ما ابتلي
عدد الصفحات ٣٠٨309 به كثيرون من اطراح ا حكام الشرعية والاعتياض عنها بحكم الطاغوت من القوانين والنظامات الإفرنجية أو الشبيهة بالإفرنجية المخالف كل منها للشريعة المحمدية، وقد قال الله تعاأفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنونتعاأم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم وقد انحرف عن الدين بسبب هذه المشابهة فئام من الناس فمستقل من الانحراف ومستكثر، وآل الأمر بكثير منهم إلى الردة والخروج من دين الإسلام بالكلية فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. والتحاكم إلى غير الشريعة المحمدية من الضلال البعيد والنفاق الأ كبر قال الله تعاألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به و يريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا. وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا ، ثم نفى تبارك وتعالى الإيُان عمن لم يحَُكِّم الرسول صلى الله عليه وسلم عند التنازع ويرض بحكمه ويطمئن إليه قلبه ولا يبقى لديه شك أنما حكم به هو الحق الذي يجب المصير إليه فيذعن لذلك وينقاد له ظاهر ا وباطنا وأقسم سبحانه وتعالى على هذا النفي بنفسه الكريُة المق دسة فقال تعافلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما
عدد الصفحات ٣٠٩310 وما أكثر المعرضين عن أحكام الشريعة المحمدية من أهل زماننا ولاسيما أهل الأمصار الذين غلبت عليهم الحرية الإفرنجية ، وهان لديهم ما أنزل الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب والحكمة فاعتاضوا عن التحاكم إليهما بالتحاكم إلى القوانين والسياسات والنظامات التي ما أنزل الله بها من سلطان وإنما هي متلقاة عن الدول الكافرة بالله ورسوله أو ممن يتشبه بهم ويحذو حذوهم من الطواغيت الذين ينتسبون إلى الإسلام وهم عنه بمعزل) أه ، من كتابه (الإيضاح والتبيين لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين) ص 28 - 29، ط1405 ه 18 - الدكتور محمد نعيم ياس ين: قال: (ومن هنا يتضح أن شهادة أن (لا إله إلا الله) يناقضها أمران: الأول: نفي استحقاق الخالق لأن يعبد بأي نوع من أنو اع العبادة. الثاني: اثبات هذا الاستحقاق لأي مخلوق من مخلوقات الله سبحانه وتعالى. فكل قول أو تصرف أو اعتقاد يتضمن أحد هذين الأمرين يدخل صاحب ه في الكفر والردة - إلى أن قال - ويكفر من ادعى أن له الحق في تشريع ما لم يأذن به الله، بسبب ما أوتي من السلطان والحكم، فيدعي أن له الحق في تحليل الحرام، وتحريم الحلال، ومن ذلك وضع القوانين والأحكام التي تبيح الزنا والربا وكشف العورات أو تغيير ما جعل الله له ا من العقوبات المحددة في كتاب الله أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو تغيير المقادير الشرعية في الزكاة والمواريث والكفارات والعبادات وغيرها مما قدره الشارع في الكتاب والسنة؟
عدد الصفحات ٣١٠311 ويدخل في الكفر من يؤمن بهذه الطواغيت ويعترف لها بما ادعته من حقوق الألوهية، فقد قال تعاولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم شهادة أن لا إله إلا الله فهذا هو معناها: أن تنفي جميع أنواع العباد ة عن غير الله تعالى وتثبت جميع أنواع العبادة لله وحده لا شريك له. ومن هنا تعلم أنه إذا قام حاكم ينتحل الحق في إصدار تشر يعات مناقضة لما هو ثابت في الكتاب أو السنة، يحلل به ما حرم الله، أو يحرم ما أحله سبحانه، كفر وارتد عن دين الله القويم، لأنه يعتقد بذلك أن ه يسعه الخروج عن شريعة الإسلام بما يشرع للناس، ومن اعتقد ذلك كان من الكافرين. ولكن هذا الحكم لا يدخل فيه إصدار التشريعات التي تتناولها نصوص الشارع أو لم تتعرض لها، ولا الأحكام الاجتهادية التي اختلف العلماء فيها [8.] 8 - قال الشيخ أبو محمد المقدسي "كذا هو في الجامع، ولم يعلّق المصنف على استثناء الدكتور من حكم التكفير إصدار التشريعات التي تتناولها نصوص الشارع!! .. مع أنه نقل قبله فيما نقله من كلام العلاّمة أحمد شاكر (ص 893) في القوانين: "وصار هذا الدين الجديد هو القواعد الأساسية ال يتحاكم إليها المسلمون في أكثر بلاد الإسلام ويحكمون بها، سواءً منها ما وافق في بعض أحكامه شيئاً من أحكام الشريعة وما خالفها، وكله باطل وخروج، لأن ما وافق الشريعة إنما وافقها مصادفة لا اتباعاً ولا طاعة لأمر الله وأمر رسوله، فالموافق والمخالف كلاهما مرْتكس في حمأة الضلالة، يقود صاحبه إلى النار، لا يجوز للمسلم أن يخضع له أو يرضى به" أه .
عدد الصفحات ٣١١312 فمن سن قانونا يبيح بموجبه الزنا أو الربا أو أي شيء من المعاصي المتفق على حرمتها في شرع الله فقد ك فر ويكفر جميع من يسهم برضاه في إصدار مثل هذا القانون، ولكن لا يكفر من سن قانونا ينظم فيه السير مثلا أو نحوه مما لم يتعرض له الشارع بالذكر، ولا يكفر من سن قانونا ينظم فيه الأسعار، ولا يقال أن التسعيرة حرام لأن بعض العلماء لا يجيزه، ذلك أنه أمر اجتهادي، وقد قال به بعض الفقهاء. وتعلم أيضا أنه يكفر من الناس من يعترف لهذه الطواغيت بهذه الحقوق ويرضى بها، ويتحاكم إليها وإلى شرائعهم المناقضة للإسلام في أصوله وما وأقول: إن من يعرف واقع حكام اليوم الطاغوتي التشريعي يعرف أن كل قانون من قوانينهم، ما وافق الشرع مصادفة - كما قال أحمد شاكر- أو ما خالفه .. كل ذلك صادر بناء على الحق الطاغوتي الذي منحوه لأنفسهم ولأوليائهم ونصّوا عليه في دساتيرهم وهو قولهم: "السلطة التشري عية يتولاها الملك - أو الرئيس أو الأمير - وأعضاء البرلمان وفقاً لنصوص الدستور". فأي قانون يصدرونه سواء كان موافقاً للشرع أو مخالفاً له، لا يصدرونه أصلاً انقياداً لحكم الله، بل انقياداً لحكم الطاغوت (الملك أو الرئيس أو الأمير وأعضاء البرلمان)، ولا يتبعونه و يحكّمونه استسلاماً لحكم القرآن، بل عملاً بنصوص الدستور .. وإنما أقول هذا وأذكّر به، إن كان المصنف قد أقر ما هو مثبت في الجامع من كلام الدكتور محمد نعيم ياسين .. وإلا فالصواب أن في هذا النقل خطأ مطبعي، إذ الصواب الذي في كتاب الإيُان: (ولكن هذا الحكم لا يدخل منه إصدار التشريعات التي لم تتناولها نصوص الشرع) أه . فإن كان يقصد بذلك ما تركه الله ل لعباد من الترتيبات الإدارية، فلا غبار على هذه العبارة، ولا حرج في ذلك".
عدد الصفحات ٣١٢313 علم منه بالضرورة، وقد قال تعاألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قب لك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد ا لشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به ا 102 - 104. ط دار عمر بن الخطاب و بعد: فقد كانت تلك أقوال بعض أهل العلم من السلف ومن المعاصرين في موضوع الحكم بغير ما أنزل الله بمناطاته المكفرة الث لاثة: ترك حكم الله وتشريع غيره والحكم بهذا التشريع المغاير ، وهناك أقوال أخرى لمن شاء المزيد منها: رسالة (تحذير أهل الإيُان عن الحكم بغير ما أن زل الرحمن) للشيخ أبي هبة الله إسماعيل بن إبراهيم ا لأسعردي، ط الجامعة الإسلامية بالمدينة. مقالة (وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية) للشيخ مناع القطان، بمجلة البحوث الإسلامية الصادر عن دار الإفتاء بالسعودية، العدد الأول، رجب 1395 ه ، ص57 - 69. كلام للدكتور سفر ا لحوالي في هذا الموضوع في كتابه (العلمانية) ص 681 - 693، ط جامعة أم القرى 1402 ه وقد تكلمت عن الأخطاء الشائعة في أقوال أهل العلم في هذا الموضوع بآخر المسألة السادسة، كتعليق الكفر على الجحد والاستحلال والاعتقاد، وكاعتبار اتباع الهوى مانعاً من التكفير وغير ذلك، فأينما وجدت مثل هذه
عدد الصفحات ٣١٣314 الأخطاء فقد جاءك الرد علي ها. وأعود فأكرر ما ذكرته في أول هذه المسألة الثامنة من أن ه لا حجة في أقوال أهل العلم التي نذكرها للاستئناس بها ولفهم الأدلة، أما الحجة ففي الأدلة المذكورة بالمسألة السادسة، وفي الإجماع المذكور بالمسألة السا بعة. والذي يخرج به القارئ - مما سبق ذكره في هذا الم وضوع - أن كفر الحكام الحاكمين بالقوانين الوضعية هو محل اتفاق بين أهل العلم وقد تعاضدت النصوص مع الإجماع على بيان كفرهم، ولا يخالف في هذا إلا أحد رجلين: جاهل أو صاحب هوى وإن كان من المنتسبين إلى العلم الشرع ي. فإن الأمر هو كما قال ابن القيم رحمه الله: (كل من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبها، فلا بد أن يقول على الله غير الحق في فتواه وحكمه، في خبره وإلزامه، لأن أحكام الرب سبحانه كثيراً ما تأتي على خلاف أغراض الناس، ولاسيما أهل الرياسة والذين يتبعون الشبهات فإنهم لا تتم لهم أغراضٌ إلا بمخالفة الحق ودفعه كثيراً، فإذا كان العالم والحاكم محبين للرياسة متبعين للشهوات لم يتم لهما ذلك إلا بدفع ما يضاده من الحق، ولاسيما إذا قامت له شبهه فتتفق الشبهة والشهوة ويثور الهوى فيخفي الصواب وينطمس وجه الحق، وإن كان الحق ظاهراً لا خفاء به ولا شبهة فيه أقدم على مخالفته وقال لي مخ رج بالتوبة، وفي هؤلاء وأشباههم قال تعافخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات- مريم 59 - وقال تعا
عدد الصفحات ٣١٤315 فيهم أيضا الأدنى ويقولون سيُغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه، ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه، والدار الآخر ة خير للذين يتقون أفلا تعقلون- الأعراف 169 - فأخبر سبحانه أنهم أخذوا العَرَض الأدنى مع علمهم بتحريُه عليهم وقالوا سيُغفر لنا وإن عَرَضَ لهم عرضٌ آخر أخذوه، فهم مصرون على ذلك، وذلك هو الحامل لهم على أن يقولوا على الله غير الحق فيقولون هذا حكمه وشرعه ودينه وهم يعلمون أن دينه وشرعه وحكمه خلاف ذلك أو لا يعلمون أن ذلك دينه وشرعه وحكمه، فتارة يقولون على الله ما لا يعلمون، وتارة يقولون عليه ما يعلمون بطلانه) إلى أن قال: (وهذه الآيات فيهم إلى قولهيهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه، فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث - الأعراف 175 و176 - فهذا مَثَلُ عالم السوء الذي يعمل بّلاف علمه) أه من كتابه ( الفوائد) ص 100 - 101. وفي وصف علماء السوء وفتاويهم، قال الشاعر: ولتشهدنَّ بكل أرضٍ فتنةً:. …فيها يُباع الدين ب َيْع سماح يُفتي على ذَهَبِ المعز وسيفِه:. …وهوى النفوس وحقدها الملحاح ومن الشبهات التي اتفقت مع شهوات البعض ما نسب إلى ابن عباس من
عدد الصفحات ٣١٥316 مقالة (كفر دون كف ر) فتعلقوا بها وجعلوها عمدةً في المسألة، وقد قدمنا ما يعكّ ر عليهم فيما ذهبوا إليه بأواخر المسألة السادسة، وبالله تعالى التوفيق.
عدد الصفحات ٣١٦317 المسألة التاسعة: الآثار المترتبة على الحكم بالقوانين الوضعية للحكم بالقوانين الوضعية في بلدٍ ما آثار خطيرة على: 1 - الحاكم…2 - أنصار الحاكم وجنوده 3 - الدار…4 - عموم المسلمين بالدار 5 - أهل الكتاب بالدار…6 - العمل بالقوانين الوضعية وإليك شرحاً موجزاً للآثار المتعلقة بكل ٍ من هذه:
عدد الصفحات ٣١٧318 أولا: آثار الحكم بالقوانين الوضعية على الحاكم: والمقصود بالحاكم هنا رأس الدولة سواء كان رئيسا أو ملكا، وهو الحاكم بهذه القوانين والآمر بالحكم بها، وحكمه أ نه يكفر بذلك كفراً أكبر للأدلة المذكورة بالمسألة السادسة والإجماع المذكور بالمسألة السابعة، ويترتب على كفره: 1 - بطلان ولايته وتحر طاعته. لقوله تعايا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرس ول وأولي الأمر منكم59، والكافر ليس منا، فلا يكون وليا للأمر علينا ولا طاعة له علينا. ولقوله تعاولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبي 141، والولاية والطاعة من أعظم السُّبل، فلا ولاية ولا طاعة لكافر على مسلم. ولما رواه عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطِنا ومَكْرهِنا وعُسْرِنا ويُسْرِنا وأثرةٍ علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان) متفق عليه، فإذا وُجد الكفر البواح من أولي الأمر فقد سقطت طاعتهم وو جبت منازعتهم في الولاية. والحق أن الحكام الذين يحكمون بلاد المسلمين بالقوانين الوضعية لم يكونوا حكاما شرعيين في وقت من الأوقات، ف قد تولوا ولاياتهم على أساس الحكم
عدد الصفحات ٣١٨319 بالدستور والقانون لا على العمل بالكتاب والسنة، وبالتالي فلم تنعقد لهم ولاية شرعية من الأصل، ولم ا كان كثير من هؤلاء الحكام يدّعون الإسلام فقد صاروا بكفرهم مرتدين. 2 - وجوب خلع الحاكم الكافر: لحديث عبادة السابق، وفي شرح هذا الحديث قال النووي (قال القاضي عياض: "أجمع العلماء علي أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه كفر انعزل - إلى قوله - فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب علي المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذل ك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بّلع الكافر ولا يجب في المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه، فإن تحققوا العجز لم يجب القيام، وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفر بدينه) (صحيح مسلم بشرح النووي) 12/ 229. وقال ابن حجر- إذا كفر الحاكم - (وملخصه أنه ينعزل بالكفر إجماعا فيجب على كل مسلم القيام في ذلك) (فتح الباري 13/ 123.) وقال ابن حجر أيضا (قال ابن التين: وقد أجمعوا أنه أي الخليفة إذا دعا إلى كفر أو بدعة أنه يُقام عليه، واختلفوا إذا غصب الأموال وسفك الدماء وانتهك هل يُقام عليه أوْ لا، انتهي. وما ادعاه من الإجماع على القيام فيما إذا دعا الخليفة إلى البدعة مردود، إلا أن حمُِلَ على بدعة ٍ تؤدي إلى صريح الكفر) (فتح الباري) 13/ 116. والمقصود هو خلع الحاكم الكافر وإقامة حاكم مسلم، فإن أمكن خلع الكافر بغير قتال فقد تم المقصود، فإن لم يُكن ذلك إلا بقتال فهو واجب،
عدد الصفحات ٣١٩320 لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وحديث عبادة بن الصامت و إن اقتصر على بيان جواز منازعتهم (وألا ننازع الأمر أهله) إلا أن الأحاديث الأخرى فسّرت المنازعة بالقتال كما في حديث أم سلمة مرفوعا (قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا)، وحديث عوف بن مالك مر فوعا (قيل يا رسول الله: أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: لا ما أقاموا فيك م الصلاة) الحديثان رواهما مسلم في كتاب الإمارة من صحيحه، وذك رت في نقد كتاب (القول القاطع فيمن امتنع عن الشرائع) - بمبحث الاعتقاد - التوفيق بين هذه الأحاديث: وأنه إذا ترك الحاكم الصلاة فقد ك فر فيُخرج عليه ويكون ترك الصلاة هو أحد أنواع الكفر البواح المذكور في حديث عبادة، وإذا كفر من وجه آخر غير ترك الصلاة فإنه يخُرج عليه أيضاً لعموم حديث عبادة وإن كان مصلياً. ويتأكد وجوب الخروج على الحاكم الكافر وتقديم قتاله على قتال غيره من الكفار من وجوه ثلا ثة: الأول: أنه جهاد دفع متعين وهو يقدم على جهاد الطلب، أما كونه جها د دفع فلأن هؤلاء الحكام هم عدو كافر تسلط على بلاد المسلمين، قال تعاإن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا 101، وقال ابن تيمية رحمه الله: (وأما قتال الدفع، فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين، فواجب إجماعا، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيُان من دفعه، فلا يشترط له شرط، بل يدفع بح سب الإمكان)
عدد الصفحات ٣٢٠