289 وأحسنُ تأوين لم يحَُكِّموا النبي صلى الله عليه وسلم فيما شجر بينهم، نفياً مؤكداً بتكرار أداة النفي وبالقسم، قال تعافلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويُسلموا تسليما ولم يكتف تعالى وتقدس منهم بمجرد التحكيم للرسول صلى الله عليه وسلم، حتى يُضيفوا إلى ذلك عَدَمَ وجود شيء من الحرج في نفوسهم بقوله جل شأنه يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت- والحَرَجُ: الضيقُ - بل لا بدَّ من اتساع صدورهم لذلك وسلامتها من القلق والاضطراب ، ولم يكتف تعالى أيضا هنا بهذين الأمرين، حتى يضمُّوا إليهما التسليم وهو كمالُ الانقياد لحكمه صلى الله عليه وسلم، بحيث يتخلون هاهنا من أي تعلق للنفس بهذا الشيء ويسلموا ذلك إلى الحكم الحق أتم تسليم، ولهذا أكد ذلك بالمصدر المؤكد، وهو قوله جل شأنه (تسليما) الم بينِّ أنه لا يُكتفي هاهنا بالتسليم .. بل لا بد من التسليم المطلق) أه ثم ذكر الشيخ محمد أن الحكم بغير ما أنزل الله يكون كفراً أكبر في أحوال، الخامس منها يصور واقع البلاد المحكومة بالقوانين الوضعية، وفيه قال: ( ... الخامس: وهو أعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشرع ومكابرة لأحكامه ومشاقة لله ولرسوله، ومضاهاة بالمحاكم الشرعية إعدادا وإمدادا وإرصادا وتأصيلا وتفريعا وتشكيلا وتنويعاً وحكما وإلزاما، ومراجع ومستمدات، فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع مستمدات مرجعها كله ا إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلهذه المحاكم مراجع هي:
عدد الصفحات ٢٨٩290 القانون الملفق من شرائع شتى، وقوانين كثيرة، كالقانون الفرنسي، والقانون الأمريكي والقانون البريطاني، وغيرها من القوانين، ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلي الشريعة وغير ذلك. فهذه المحا كم الآن في كثير من أمصار الإسلام مهيأة مكملة مفتوحة الأبواب، والناس إليها أسراب إثر أسراب، يحك م حكامها بينهم بما يخالف حكم السنة والكتاب، من أحكام ذلك القانون وتُلزمهم به وتقرهم عليه، وتحتمه عليهم، فأي كْفُر فوق هذا الكفر، وأي مناقضة للشهادة بأن محمداً رسو ل الله بعد هذه المناقضة. وذكر أدلة جميع ما قدمنا على وجه البسط معلومة معروفة، لا يحتمل ذكرها هذا الموضع، فيا معشر العقلاء! ويا جماعات الأذكياء وأولي النهى! كيف ترضون أن تجري عليكم أحكام أمثالكم، وأفكار أشباهكم، أو من هو دونكم، ممن يجوز عليهم الخطأ، بل خطأهم أكثر من صوابهم بكثير، بل لا صواب في حكمهم إلا ما هو مستمد من حكم الله ورسوله، نصا أو استنباطا، تدعونهم يحكمون في أنفسكم ودمائكم وأبشاركم، وأعراضكم وفي أهاليكم من أزواجكم وذراريكم، وفي أموالكم وسائر حقوقكم، ويتركون ويرفضون أن يحكموا فيكم بحكم الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، الذي لا يتطرق إليه الخطأ، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنز يل من حكيم حميد، وخضوع الناس ورضوخهم لحكم ربهم خضوع ورضوخ لحكم مَنْ خلقهم تعالى ليعبدوه، فكما لا يسجد الخلق إلا لله، ولا يعبدون إلا إياه، ولا يعبدون المخلوق، فكذلك يجب أن لا يرضخوا ولا يخضعوا أو
عدد الصفحات ٢٩٠291 ينقادوا إلا لحكم اكيم العليم الحميد، الرؤوف الرحيم، دون حكم المخلوق، الظلوم الجهول، الذي أهلكته الشكوكُ والشهواتُ والشبهات، واستولت على قلوبهم الغفلةُ والقسوةُ والظلماتُ، فيجب على العقلاء أن يربأوا بنفوسهم عنه، لما فيه من الاستعباد لهم، والتحكم فيهم بالأهواء والأغراض، والأغ لاط والأخطاء، فضلا عن كونه كفراً بنص قوله تعالى: { القوانين)، وقد انتقدت من قبل قوله إن الحكم بغير ما أنزل الله يكون كفراً أصغر في بعض الأحوال وذلك في أواخر المسألة السادسة. 10 - الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: (أ) في تفسير قوله تعاإن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم 9، قال الشنقيطي (ومن هدي القرآن للتي هي أقوم - بيانه أن كل من اتبع تشريعا غير التشريع الذي جاء به سيد ولد آ دم محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، فاتباعه لذلك التشريع المخالف كفرٌ بواحٌ مخرجٌ من الملة الإسلامية، ولما قال الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم: الشاة تصبح ميتة من قتلها؟ فقال لهم: "الله قتلها" فقالوا له: ما ذبحتم بأيديكم حلال، وما ذبحه الله بيده الكريُة تقولون إنه حرام! فأنتم إذن أحسن من الله!؟ - أنز ل الله فيهم قوله تعاولاتأكلوا مما لم ي ذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون الفاء من قولهه في
عدد الصفحات ٢٩١292 الخلاصة واحذف لدى اجتماع شرط وقسم …جواب ما أخرت فهو ملتزم. إذ لو كانت الجملة جوابا للشرط لا قترنت بالفاء على حد قوله في الخلاصة أيضا: واقرن بِفَا حتماً جوابا لو جعل…شرطا لإن أو غيرها لم ينجعل. فهو قسم من الله جل وعلا أقسم به على أن من اتبع الشيطان في تحليل الميتة أنه مشرك، وهذا الشرك مخرج عن الملة بإجماع المسلمين، وسيوبخ الله مرتكبه يوم القيامة ب قوله الشيطان إنه لكم عدو مب عبادته، وقال تعاإنْ يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا ذلك باتباعهم تشريعه، وقال: {من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم فسماهم شركاء لأنهم أطاعوهم في معصية الله تعالى، وقال عن خليله أبت لا تعبد الشيطانوالمعاصي، ولما سأل عدي بن حاتم النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعااتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرب ابا) الآية، بين له أن معنى ذلك أنهم أطاعوهم في تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم. والآيات بمثل هذا كثيرة. والعجب ممن يحُكِّم غير تشريع الله ثم يدعي الإسلام، كم ا قال تعا تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أ نزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم
عدد الصفحات ٢٩٢293 ضلالا بعيدا وقالو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين3/ 439 - 441. (ب) وفي تفسير قولهتعاولا يُشرك في حكمه أحداً26، قال الشنقيطي رحمه الله: (قرأ هذا الحرف عامة السبعة ما عدا ا بن عامر التحتية، وضم الكاف على الخبر، ولا نافية، والمعنى: ولا يشرك الله جل وعلا أحداً في حكمه، بل الحكم له وحده جل وعلا لا حكم لغيره البتة، فالحلال ما أحله تعالى، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، والقضاء ما قضاه، وقرأه ابن عامر من السبعة، "ولا تشرك" بضم التاء المثناة الفوقية وسكون الكاف بصيغة النهي، أي: لا تشرك يا نبي الله، أو لا تشرك أيها المخاطب أحداً في حكم الله جل وعلا، بل أخلص الحكم لله من شوائب شرك غيره في الحكم، وحكمه جل وعلا المذكور في قوله حكمه أحداًل ما يقضيه جل وعلا، ويدخل في ذلك التشريع دخولا أوليا. وما تضمنته هذه الآية الكريُة من كون الحكم لله وحده لا شريك له فيه على كلتا القراءتين جاء مبينا في آيات آخر، كقوله تعا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه توكلت ...}يء فحكمه إ
عدد الصفحات ٢٩٣294 ا...}لكم بأنه إذا دُعِيَ الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكب تعاكل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون مد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون له أحسن من الله حكما لقوم يوقنون وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفص ويفهم من هذه الآيات كقوله (ولا يُشرك في حكمه أحداً) أن متبعي أحكام المشرعين غير ما شرعه الله أنهم مشرك ون بالله، وهذا المفهوم جاء مبيناً في آيات أخر، كقوله فيمن اتبع تشريع الشيطان في إباحة الميتة بدعوى أنها ذبيحة الله (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } فصرح بأنهم مشركون بطاعت هم، وهذا الإشراك في الطاعة، واتباع التشريع المخالف لما شرعه الله تعالى - هو المراد بعبادة الشيطان في قوله تعاألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين. وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم } وقوله تعالى عن نبيه إبراهيم الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا تعاإن يدعون من دونه إلا إناثاً. وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً أي: وذلك باتباع تشريعه، ولذا سمى الله تعالى الذين يطاعون فيما زينوا من المعاصي شركاء في قوله تعاوكذلك زين لكثير من المشر كين قتل أولادهم شركاؤهم صلى الله عليه وسلم هذا
عدد الصفحات ٢٩٤295 لعدي بن حاتم رضي الله عنه لما سأله عن قوله تعا ورهبانهم أرباباً من دون ا- فبين له أنهم أحلوا لهم ما حرم الله، وحرموا عليهم ما أحل الله فاتبعوهم في ذلك، وأن ذلك هو اتخاذهم إياهم أرباباً، ومن أصرح الأدلة في هذا: أن الله جل وعلا في سورة النساء بينَّ أن من يريدون أن يتحاكموا إلى غير ما شرعه الله يتعجب من زعمهم أنهم مؤمنون، وما ذلك إلا لأن دعواهم الإيُان مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت بالغة من الكذب ماي حصل منه العجب، وذلك في قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمِروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيداً وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور: أن الذين يتب عون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أ وليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم، أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم. تنبيه: اعلم أنه يجب التفصيل بين النظام الوضعي الذي يقتضي تحكيمه الكفر بّالق السموات والأرض، وبين النظام الذي لا يقتضي ذلك. وإيضاح ذلك: أن النظام قسمان: إداري، وشرعي، أما الإداري الذي يراد به ضبط الأمور وإتقانها على وجه غير مخالف للشرع، فهذا لا مانع منه، ولا مخالف فيه من الصحابة، فمن بعدهم، وقد عمل عمر رضي الله عنه من
عدد الصفحات ٢٩٥296 ذلك أشياء كثيرة ما كانت في زمن النبي صلى ا عليه وسلم، كَكَتْبِهِ أسماء الجند في ديوان لأجل الضبط، ومعرفة من غاب ومن حضر كما قدمنا إيضاح المقصود منه في سورة "بني إسرائيل" في الكلام على العاقلة التي تحمل دية الخطأ، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك، ولم يعلم بتخلف كعب بن مالك عن غزوة تبوك إلا بعد أن وصل تبوك صلى الله عليه وسلم، وكاشترائه - أعني عمر رضي الله عنه - دار صفوان بن أمية وجعله إياها سجناً في مكة المكرمة، مع أنه صلى الله عليه وسلم لم يتخذ سجنا هو ولا أبو بكر، فمثل هذا من الأمور الإ دارية التي تفعل لإتقان الأمور مما لا يخالف الشرع لا بأس به، كتنظيم شئون الموظفين، وتنظيم إدارة الأعمال على وجه لا يخالف الشرع، فهذا النوع من الأنظمة الوضعية لا بأس به، ولا يخرج عن قواعد الشرع من مراعاة الم صالح العامة. وأما النظام الشرعي المخالف لتشريع خال ق السموات والأرض فتحكيمه كفر بّالق السموات والأرض، كدعوى أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف، وأنهما يلزم استواؤهما في الميراث ، وكدعوى أن تعدد الزوجات ظلم، وأن الطلاق ظلم للمرأة، وأن الرجم والقط ع ونحوهما أعمال وحشية لا يسوغ فعلها بالإنسان، ونحو ذلك، فتحكيم هذا النوع من النظام في أنفس المجتمع وأموالهم وأعراضهم وأنسابهم وعقولهم وأديانهم: كفر بّالق السموات والأرض، وتمرد على نظام السماء الذي وضعه من خلق الخلائق كلها وهو أعلم بمصالحها سبحانه وتعالى عن أن يكون معه مشرع آخر علوا كبيرا (أم لهم شركاء شرع وا لهم من الدين مالم يأذن به الله) أه (أضواء البيان) 4/
عدد الصفحات ٢٩٦297 82 - 85. (ج ) وفي تفسير قولهتعاوما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى ا الشورى 10، قال الشنقيطي رحمه ا (ما دلت عليه هذه الآية الكريُة من أن م ا اختلف فيه الناس من الأحكام فحكمه إلى الله وحده، لا إلى غيره، جاء موضحا في آيات كثيرة. فالإشراك بالله في حكمه كالإشراك به في عبادته قال في حكمه في حكمه أحداً)، وفي قراءة ابن عامر من السبعة أحداً وقال في الإشراك ب ه في عبادته صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداًرى إيضاحه إن شاء الله - إلى أن قال - وأما الآيات الدالة على أن اتباع تشريع غير الله المذكور كفر فهي كثيرة جداً، كقوله تعاه والذين هم به مشركون { إنكم لمشركون {دم ألا تعبدوا الشيطان كثيرة جداً، كما تقدم إيضاحه في الكهف - إلى أن قال الشنقيطي - ولما كان التشريع وجميع الأحكام، شرعية كانت أو كونية قدرية، من خصائص الربوبية، كما دلت عليه الآيا ت المذكورة كان كل من اتبع تشريعاً غير تشريع الله قد اتخذ ذلك المشرع ربا، وأشركه مع الله - إلى أن قال - وعلى كل حال فلا شك أن كل من أطاع غير الله، في تشريع مخالف لما شرعه الله،
عدد الصفحات ٢٩٧298 فقد أشرك به مع الله كما يدل لذ لك قوله المشركين قتل أولادهم شركاؤهم الأولاد) أه (أضواء البيان) 7/ 162 - 173. (د) وفي تفسير قولهتعاإن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبينّ لهم الهدى الشيطان سوَّل لهم وأملى لهم، ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزّل الله سنطيعكم في بعض الأمر، والله يعلم إسرارهم، فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون و جوههم وأدبارهم، ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط اللهَ وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم 25 - 28، قال الشنقيطي رحمه ا (والآية الكريُة تدل على أن كل من أطاع م ن كره ما نزل الله في معاونته له على كراهته ومؤازرت ه له على ذلك الباطل، أنه كافر بالله بدليل قوله تعالى فيمن كان كذلك ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط اللهَ وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم- إلى أن قال - فكل من قال لهؤ لاء الكفار الكارهين لما نزله الله: سنطيعكم في بعض الأمر، فهو داخل في وعيد الآية، وأحرى من ذلك من يقول له م: سنطيعكم في كل الأمر كالذين يتبعون القوانين الوضعية مطيعين بذلك للذين كرهوا ما نزل الله، فإن هؤلاء لا شك أنهم ممن تتوفاهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبا رهم، وأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه، وأنه محبط أعمالهم) أه (أضواء البيان) 7/ 587 - 590. وانظر أيضا (أضواء البيان) ج 1 ص395 - 396 و476، وج 7 ص
عدد الصفحات ٢٩٨299 614. 11 - محمد بن جعفر الكتاني رحمه الله من علماء المغرب في كتابه (نصيحة أهل الإسلام) قال: (المبحث السادس: اتباع عوائد الكفار والتمذهب بمذاهبهم والعمل بقوانينهم - إلى قوله - ومن جملتها، أعني تلك القوانين، الحكم في القضايا النازلة بين الخلق بغير ما حكم به فيها الملك الحق، بل بضوابط عقلية، وسياسات كفرية، وآراء فكرية، لم يأت بها شرع ولا دين، ولا نزل بها مَلَ كٌ من ملائكة إله العالمين، وإنما هي أحكام مختلفة وافقهم فيها ضعفة الإيُان، ممن استزله وأغواه الشيطان ح اولوا بها تبديل الشرع المطاع، وتحويل ما له من الأوضاع وإظهار عزتهم، وترويج كفرهم وشركهم وكلمتهم، والكتاب والسنة مملوآن بالتحذير من هذا، والتنفير عنه والو عيد عليه، والتقريع والتوبيخ لمن يفعله أو يُيل بقلبه إليه، وكيف أيتها الأمة نتمذهب بمذاهبهم، ونأخذ في الدين بقوانينهم وأحكامهم، أو نميل أدنى ميل إليها، ونساعد في زمن من الأزمان عليها، والحق تعالى يقول في كتابه الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر- إلى قوله - {وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما أهواءهم، واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك - إلى قوله - أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكما لقوم يو قنون {كافرون
عدد الصفحات ٢٩٩300 الظالمون فكل من لم يحكم بما جاء من عند الله ورسوله كملت فيه هذه الأوصاف الثلاثة: الكفر والظلم والفسق أه ) (نصيحة أهل الإسلام) ص 191 - 194، ط مكتبة بدر بالرباط بالمغرب، 1409 ه. والطرطوشي هو أبو بكر الطرطوشي صاحب كتاب البدع، وله كتاب في السياسة الشرعية اسمه (سراج الملوك). 12 - الشيخ أحمد شاكر رحمه ا (أ) في تعليقه على تفسير قوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم65، قال الشيخ أحمد شاكر (فانظروا أيها المسلمون، في جميع البلاد الإسلامية أو البلاد التي تنتسب للإسلام، في أقطار الأرض - إلى ما صنع بكم أعداؤكم المبشرون والمستعمرون: إذ ضربوا على المسلمين قوانين ضالة مدمرة للأخلاق والآداب والأديان، قوانين إف رنجية وثنية، لم تبن على شريعة ولا دين، بل بنيت على قوا عد وضعها رجل كافر وثني، أبى أن يؤمن برسول عصره - عيسى عليه السلام - وأصر على وثنيته، إلى ما كان من فسقه وفجوره وتهتكه! هذا هو جوستنيان، أبو القوانين و واضع أسسها فيما يزعمون، والذي لم يستح رجل من كبار رجالات مصر المنتسبين - ظلماً وزوراً - إلى الإسلام، أن يتر جم قواعد ذاك الرجل الفاسق الوثني، ويسميها "مدونة جوستنيان"! سخرية وهزءاً ب "مدونة مالك"، إحدى موسوعات الفقه الإسلامي المبني على الكتاب والسنة،
عدد الصفحات ٣٠٠301 والمنسوبة إلى إمام دار الهجرة، فانظروا إلى مبلغ ذلك الرجل من السخف، بل من الوقاحة والاستهتار! هذه القوانين التي فرضها على المسلمين أعداء الإسلام السافرو العداوة، هي في حقيقتها دين آخر جعلوه ديناً للمسلمين بدلا من دينهم النقي السامي، لأنهم أوجبوا عليهم طاعتها، و غرسوا في قلوبهم حبها وتقديسها والعصبية لها، حتى لقد تجري على الألسنة والأقلام كثيراً كلمات "تقديس القانون" "قدسية القضاء" "حَرَم المحكمة"، وأمثال ذلك من الكلمات التي يأبون أن توصف بها الشريعة الإسلامية وآراء الفقهاء الإسلاميين، بل هم حينئذ يصفونها بكلمات "الرجعية" "الجمود" "الكهنوت" "شريعة الغاب" إلى أمثال ما ترى من المنكرات في الصحف والمجلات والكتب العصرية، ا لتي يكتبها أتباع أولئك الوثنيين! ثم صاروا يطلقون على هذه القوانين ودراساتها كلمة "الفقه" و "الفقيه" و "التشريع" و "المشرع"، وما إلى ذلك من الكلمات التي يطلقها علماء الإسلام على الشريعة وعلمائها، وينحدرو ن فيتجرؤ و ن على الموازنة بين دين الإسلام وشريعته وبين دي نهم المفتري الجديد!! - إلى أن قال - وصار هذا الدين الجديد هو القواعد الأساسية التي يتحاكم إليها المسلمون في أكثر بلاد الإسلام ويحكمون بها، سواء منها ما وافق في بعض أحكامه شيئاً من أحكام الشريعة وما خالف ها، وكله باطل وخروج، لأن ما وافق الشريعة إنما وافقها مصادفة، لا اتباعاً لها، ولا طاعة لأمر الله وأمر رسوله، فالموافق والمخالف كلاهما مرتكس في حمأة الضلالة، يقود صاحبه إلى النار لا يجوز
عدد الصفحات ٣٠١302 لمسلم أن يخضع له أو يرضى به. وقد نزيد هذا المعنى بياناً، عند كلام الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: 50 من سورة المائدة، إن شاء الله) (عمدة التفسير مختصر تفسير ابن كثير) لأحمد شاكر، 3/ 214 - 215. (ب) وفي تعليقه على كلام ابن كثير في تفسير قوله تعاأفحكم الجاهلية يبغونئدة 50، قال أحمد شاكر رحمه ا (أقول: "أفيجوز مع هذا في شرع الله أن يحكم المسلمون في بلادهم بتشريع مقتبس عن تشريعات أوربا الوثنية الملحدة؟ بل تشريع تدخله الأهواء والآراء الباطلة، يغيرونه ويبدلونه كما يشاءون، لا يبالي واضعه أوافق شرعة الإسلام أم خالفها؟ إن المسلمين لم ي ُب ْلَوْا بهذا قط فيما نعلم من تاريخهم إلاّ في ذلك العهد عهد التتار، وكان من أسوأ عهود الظلم و الظلام ومع هذا فإنهم لم يخضعوا له، بل غلب الإسلام التتار، ثم مزجهم فأدخلهم في شرعته، وزال أثر ما صنعوا بثبات المسلمين على دينهم وشريعتهم، وبأن هذا الحكم السيئ الجائر، كان مصدره الفريق الحاكم إذ ذاك، لم يندمج فيه أحد من أفراد الأمم الإسلامية المحكومة، ولم ي تعلموه، ولم يعلموه أبناءهم، فما أسرع ما زال أثره. أفرأيتم هذا الوصف القوي من الحافظ ابن كثير - في القرن الثامن - لذاك القانون الوضعي، الذي صنعه عدو الإسلام "جنكيز خان"؟ ألستم ترونه يصف حال المسلمين في هذا العصر، في القرن الرابع عشر إلا في فرق واحد أشرنا إل يه آنفا: أن ذلك كان في طبقة خاصة من الحكام، أتى عليها الزمن
عدد الصفحات ٣٠٢303 سريعا، فاندمجت في الأمة الإسلامية وزال أثر ما صنعت ثم كان المسلمون الآن أسوأ حالا وأشد ظلما وظلاما منهم، لأن أكثر الأمم الإسلامية الآن تكاد تندمج في هذه القوانين المخالفة للشريعة والتي هي أشبه شيء بذاك الياسق، الذي اصطنعه رجل كافر ظاهر الكفر، هذه القوانين التي يصنعها ناس ينتسبون للإسلام، ثم يتعلمها أبناء المسلمين ويفخرون بذلك آباء وأبناء، ثم يجعلون مرد أمرهم إلى معتنقي هذا "الياسق العصري"، ويح قرون من يخالفهم في ذلك، ويسمون من يدعوهم إلى الاستمساك بدينهم وشريعتهم "رجعياً" و "جامداً"! إلى مثل ذلك من الألفاظ البذيئة. بل إنهم أدخلوا أيديهم فيما بقي في الحكم من التشريع الإسلامي، يريدون تحويله إلى "ياسقهم الجديد"، بالهوينا واللين تارة، وبالمكر والخدي عة تارة، وبما ملكت أيديهم من السلطان تارات، ويصرحون - و لا يستحيون - بأنهم يعملون على فصل الدولة عن الدين!! أفيجوز إذن - مع هذا - لأحد من المسلمين أن يعتنق هذا الدين الجديد، أعني التشريع الجديد! أوَ يجوز لأب أن يرسل أبناءه لتعلم هذا واعتناقه واعتقاده والعمل به، عالماً كان الأب أو جاهلاً؟! أو يجوز لرجل مسلم أن ي لي القضاء في ظل هذا الياسق العصري، وأن يعمل به، ويعرض عن شريعة الله البينة؟ ما أظن أن رجلاً مسلماً يعرف دينه، ويؤمن به جملة وتفصيلا، ويؤمن بأن هذا القرآن أنزله الله على رسوله كتابا محكماً، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبأن طاعته
عدد الصفحات ٣٠٣304 وطاعة الرسول ال ذي جاء به واجبة قطعية الوجوب في كل حال، ما أظنه يستطيع إلا أن يجزم غير متردد ولا متأول بأن ولاية القضاء في هذه الحال باطلة بطلاناً أصلياً، لا يلحقه التصحيح ولا الإجازة. إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس، هي كفر بواح، لا خفاء فيه ولا مداورة، ولا عذر لأحد ممن ينتسب للإسلام - كائنا من كان - في العمل بها أو الخضوع لها أو إقرارها، فليحذر امرئ لنفسه، وكل امرئ حسيب نفسه، ألا فليصدع العلماء بالح ق غير هيابين، وليبلغوا ما أمروا بتبليغه، غير موانين ولا مقصرين) أه (عمدة التفسير) 4/ 173 - 174. (ج ) وفي تعليقه على تفسير قوله تعايا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين 149، قال أحمد شاكر رحمه الله: (و قد وقع المسلمون في هذه العصور الأخيرة فيما نهاهم الله عنه من طاعة الذين كفروا فأسلموا إلى الكفار عقولهم وألبا بهم، وأسلموا إليهم - في بعض الأحيان - بلادهم، وصاروا في كثير من الأقطار رعية للكافرين من الحاكمين، وأتباعاً لدول هي ألد الأعداء للإسلام والمسلمين، ووضعوا في أعناقهم ربقة الطاعة لهم، بما هو من حق الدول ة من طاعة المحكوم للحاكم، بل قاتل ناس ينتسبون للإسلام من رعايا الدول العدوة للإسلام - إخوانهم المسلمين في دول كانت إسلامية إذ ذاك، ثم عم البلاء، فظهر حكام في كثير من البلاد الإسلامية يدينون بالطاعة للكفار - عقلا وروحاً وعقيدة -
عدد الصفحات ٣٠٤