المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

محاسن شريعة الرحمن وفساد شريعة الشيطان

حسن التمام

صفحة ١ من ٢٨

1

عدد الصفحات ١

2 محاسن شريعة الرحمن وفساد شريعة الشيطان للشيخ الدكتور عبد الق ادر بن عبد العزيز مقتبس من كتابه: الجامع في طلب العلم الشريف اقتبسه أبو سامي العبدان حسن التمام

عدد الصفحات ٢

3 مقدمة  الحكم بغير ما أنزل الله وآثاره: والمقصود به الحكم بقوانين الكفار - المعروفة بالقوانين الوضعية - في بلاد المسلمين، وهذا الأمر من مُلمّات هذا العصر ونوازله الشديدة التي ترتب عليها فساد عظيم في عموم بلدان المسلمين، وقد أشرت إلى هذا الموضوع في عدة مواضع من هذا الكتاب من قبل، خاصة في مبحث الاعتقاد عند نقد كلام بعض المؤلفين فيه، وفي نفس المبحث عند الكلام في حكم جنود المرتدين - (في نقد الرسالة الليمانية في الموالاة) - وذكرت هناك أن الحكم على هؤلاء الجنود مبني على معرفة حكم رؤَسائهم وهم الحكام الحاكمون بغير ما أنزل الله، والذين نبينّ حكمهم في هذا الموضوع إن شاء الله. ولا ينبغي لمسلم أن يظن أن الحكم بما أنزل الله محصوراً في القضاء الشرعي، بل ينبغي فهم الحكم بمعناه الشامل، ليشمل كافة أمور المسلمين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والإعلامية بالإضافة إلى التشريع

عدد الصفحات ٣

4 والقضاء، فكل هذه الأمور ينبغي أن تكون على مقتضى أحكام الشريعة ونظراً لندرة الكتاب ة في هذا الموضوع في زماننا رغم أهميته، ونظراً لاشتمال كتابات بعض المعاصرين في هذا الموضوع على أخطاء ينبغي التنبيه عليها، فقد رأيت أن أتكلم فيه بشيء من التفصيل، وذلك في عشر مسائل وهي: 1 - بيان كيف تم تحكيم قوانين الكفار في بلاد المسلمين 2 - بيان تعلّق مسائل التشريع و الحكم والتحاكم بتوحيد الله عزّ وجلّ. 3 - بيان وفاء أحكام الشريعة بحاجة العباد وتحقيقها لمصالحهم 4 - بيان مفاسد الحكم بالقوانين الوضعية 5 - مقدمات هامة 6 - سرد الأدلة النصية الدالة على كفر الحكام بغير ما أنزل ا 7 - ذِكر الإجماععلى كفر الح كام بغير ما أنزل الله. 8 - سرد أقوال العلماء في بيان كفر الحكام بغير ما أنزل ا 9 - الآثار المترتبة على الحكم بالقوانين الوضعية 10 - رد الشبهات الواردة في هذا الموضوع

عدد الصفحات ٤

5 المسألة الأولى: بيان كيف تم تحكيم قوانين الكفار في بلاد المسلمين قال الله عزّ و جلّ {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم، وتمت كلمة ربك لأملان جهنم من الجِنة والناس أجمعين} هود118 - 119. فلم يشأ الله أن يجعل الناس أمة واحدة- كما يدل عليه حرف "لو" فإنه حرف امتناع لا متناع - وإنما جعلهم مختلفين، وللاختلاف صور شتى كالاختلاف في اللون واللغة والجنس والغنى والفقر والصحة والمرض، ولكن أعظم صور الاختلاف تلك التي يترتب عليها السعادة والشقاء في الآخرة وهي اختلاف الخلق في أديانهم إلى مؤمن وكافر. فقد أراد الله أن يكون خلقه بين م ؤمن وكافر كما قال تعالى: {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن، والله بما تعملون بصير } التغابن2، وابتلى الله الفريقين بعضهم ببعض لتتم المحنة ولتجزى كل نفس ٍبما كسبت، قال تعاوجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون } الفرقان 20، وقال تعافإذا لقيتم الذين كفروا ف ضرب الرقاب - إلى قوله - ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض} محمد4، وقال الله عزّ وجلّ - في الحديث القدسي - لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم (إنما بعثتك لأبتليك وابتلي بك) الحديث رواه مسلم. وقد انعقدت العداوة بين الفريقين قدراً وشرعاً كما أر اد الحق جل وعلا بقوله

عدد الصفحات ٥

6 لآدم وزوجه {وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو، ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين } البقرة 36، فصارت هذه العداوة في بني آدم، إما عداوة الدين وإما في الدنيا، والعداوة الدينية واقعة لامحالة فقد جَبَل الله الكفار على معاداة المؤمنين كما قال تعاإن الكافرين كان وا لكم عدواً مبينا} النساء101، كما أمر الله تعالى المؤمنين بمعاداة الكافرين فقال تعاقد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا ب ُرَآءُ منكم ومما تعبدون من دون الله، كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده } الممتحنة4، وبهذه العداوة المتبادلة بصورها المختلفة يبتلي الله كل فريق بالآخر لتتم المحنة ويقع الاختبار للفريقين في الدنيا، ثم يجزيهم الله بأعمالهم يوم البعث. وقد اتخذت عداوة الكفار للمؤمنين صوراً شتى، منها: (1) إثارة الشبهات لل طعن في الدين وصد الناس عنه، كما قال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إ بعض زخرف القول غروراً، ولو شاء ربك ما فعلوه، فذرهم وما يفترون، ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون} الأنعام112 - 113، وقالتعاودّ و ا لو تكفرون كما كفروا}النساء89. (2) الاستهزاء بالمؤمنين والسخرية منهم: قال تعايا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون } يس30، وقالتعازُيِّن للذين كفروا الحياةُ الدنيا، ويسخرون من الذين آمنوا} البقرة 212، والآيات

عدد الصفحات ٦

7 بآخر سورة المطففين ونحوها. (3) التضييق المادي على المؤمنين وفرض الحصار الاقتصادي عليهم: كما قال تعاهم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا} المنافقون7 (4) السعي في إفساد المؤمنين: كما قال تعايا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودّوا ما عنتّم} آل عمران 118، وقالتعالو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا، ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة} التوبة47. (5) تهديدهم المؤمنين بالنفي والتشريد، إن لم يرجعوا عن دينهم، كما قال تعاوقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودنّ في ملتنا} إبراهيم 13. (6) تعذيبهم المؤمنين لصرفهم عن دينهم: كما قال تعاإنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا } الكهف20، وقال تعاولقد كُذّبت رُسُلٌ من قبلك فصبروا على ما كُذّبوا وأوذوا} انعام 34. (7) قتلهم وقتالهم للمؤمنين لصدهم عن دينهم: كما قال تعاقُتِل أصحاب الأخدود، النار ذات الوقود، إذ هم عليها قعود، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود، وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد } البروج 4 - 8، وقالتعاولا يزالون يقاتلونكم ح تى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا} البقرة 217، والقرآن مليء ببيان هذه الصور وغيرها -

عدد الصفحات ٧

8 خاصة في السور المكية- ولم تختلف صور معاداة الكفار للمؤمنين في أمة ٍعن أخرى، ولهذا فقد قصَّها الله تعالى علينا في القرآن تثبيتاً للمؤمنين، وبأن ما يُفعل بهم فُعل بأسلافهم وأن العاقبة للمتقين، وفي هذا قال تعالى: {وكُلاً نقصّ عليك من أنباء الرُسُل ما نثبت به فؤادك} هود120، وقال تعالى - بعد ذكر قصة نوح عليه السلام مع قومه – {تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك، ما كنت تعلمها أنت ولا قومُك من قبل هذا، فاصبر إن العاقبة للمتقين} هود49،وبمثل هذا كا ن يُثبّت رسو ل الله صلى الله عليه وسلم أصحابه حين وقع عليهم إيذاء المشركين بمكة وذلك فيما روي خباب بن الأرتّ رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسّد بُردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال (قد كان مَنْ قبلكم يؤخذ ال رجل فيُحفر له في الأرض فيُجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيُجعل نصفين، ويُُشَط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصُدّه ذلك عن دينه، والله ليتمّن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا اللهَ والذئبَ على غنمه، ولكنكم تستعجلون) رواه البخاري، وفي رواية (وهو متوسد بردة وقد لقينا من المشركين شدة). وفي مقابل عداوة الكفار - بصورها المختلفة - لنا، فقد أمرنا الله بدعوتهم إلى دين الحق كما أمرنا بب ُغْضهم ومعاداتهم وقتالهم إن لم يستجيبوا لذلك، قال تعاقل للذين كفروا إ ن ينتهوا يُ غفر لهم ما قد سلف، وإن يعودوا فقد مضت سُنّة الأولين، وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله

عدد الصفحات ٨

9 لله} الأنفال38 - 39. وقالتعاوقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين } التوبة36، وقتال المؤمن للكافرين مم ا يدفع الله تعالى به الفساد كما قال تعاولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، ولكن الله ذو فضل على العالمين} البقرة 251. وقد تعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى ما شاء الله من أذى المشركين وحصارهم وشبهاتهم وحربهم حتى أذن الله بظهور الد ين والتمكين للمؤمنين في الأرض، ومَلَك المسلمون مشارق الأرض ومغاربها بعد إزالتهم سلطان فارس والروم، ثم بدأ الضعف يدبّ في جسد الأمة الإسلامية والوَهَن يتطرق إلى قلوب أبنائها، فتكالب عليهم الأعداء من كل حدب وصوب، وقد كان من أعتى ذلك: هجمات الصليبيين على بلاد الشام ومصر بدءًا من القرن السادس الهجري، ثم الغزو المغولي للمشرق الإسلامي واستيلائهم على بلاد المسلمين حتى الشام في القرن السابع الهجري، ثم انتزاع الصليبيين أرض الأندلس من المسلمين في القرن العاشر الهجري، ولم يتوقف الصراع بين الكافرين والمؤمنين في وقت ٍمن الأوقات، حتى أنني أحصيتُ الحروب التي خاضتها الدولة العثمانية التي عمَّرت ستمائة سنة (1300 م- 1900 م) فكانت ستين حرباً، أي: بمعدل حرب واحدة كل عشر سنين، وقد ظل المسلمون قادرين ردحاً من الزمان على صد غزوات الكفار وتلافي آثارها على الأمة حتى بدأت مقاومتهم تض عف منذ قر نين من الزمان حين تمكن الكفار الأوربيون والروس من الاستيلاء على

عدد الصفحات ٩

10 معظم بلاد المسلمين بالغزو المسلح، وهنا شرعوا في إفساد هذه البلاد وأهلها بوسائل شتى، تهدف كلها إلى سلخ المسلمين عن دينهم والقضاء على إرادة المقاومة وعلى مصادر القوة لديهم، كما قال تعاولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا } البقرة 217، وقد تركزت جهود الكفار - لأجل إفساد المسلمين بعد استيلائهم على بلادهم - في ثلاثة محاور، وهي القضاء على مصادر قوة المسلمين، والسيطرة على التشريع والسيطرة على الحكم ببلاد المسلمين، وهذا بيانه ا بإيجاز: المحو ر الأول: القضاء على مصادر قوة المسلمين: وهناك ثلاثة مصادر أساسية للقوة وهي البشر والثروة والوحدة، وقد سعى الكفار في تخريب هذه الركائز بإفساد المسلمين واستنزاف ثرواتهم وتفتيت وحدتهم، حتى لا يتمكن المسلمون من مقاومة الكفار وحتى لا تقوم للمسلمين قائمة. 1 - أما إفساد المسلمين في دينهم وأخلاقهم فقد سعى فيه الكفار بشتى السُّبل، منها الطعن في الإسلام والتشكيك في أصوله، والسعي في تحريف أحكامه القطعية خاصة ما يتعلق منها بالحكم والإمامة والجهاد والولاء والبراء والحجاب، ومحاولة حصار الدين وتقليص نفوذه ليبقى محصوراً في العلاقة بين العبد وربه ولا شأن له بما وراء ذلك من شئون السياسة والحكم والاقتصاد والاجتماع، وقد قام المستشرقون من الكفار بوضع أسس الطعن في الإسلام وتحريفه وحذا تلاميذهم من أبناء المسلمين حذوهم في ذلك، ومن سُبُل إفساد الكفار للمسلمين: نشر الفجور والإباحية و الخمر

عدد الصفحات ١٠

11 والمخدرات والزنا بين المسلمين، والحضّ على تبرج النساء وسفورهن ومخالطتهن للرجال كل ذلك باسم الحرية والتمدن، وغرس قيم حب الدنيا والتكاثر منها والتكالب عليها في نفوس المسلمين، وقد ساهم التعليم العلماني الذي وضعه الكفار في تنفيذ مخططاتهم الإفسادية، كما س اعدهم على ذلك وسائل الإعلام الحديثة كالصحف والمجلات والسينما والمسرح والإذاعة بما سَهَّل لهم الإفساد الجماعي للمسلمين، ومقصدهم من ذلك إضعاف الوازع الديني لدى المسلمين وجعلهم أناسا يلهثون وراء الشهوات بشتى صنوفها، وهذا بهدف القضاء على إرادة مقاومة الكفار لدى المسلمين. 2 - استنزاف الثروة: أي: ثروات بلاد المسلمين، من الأموال والمواد الأولية الزراعية والصناعية، وذلك باحتكار هذه المواد لقاء أثمان زهيدة، وفتح بلاد المسلمين أمام صادرات الكفار، وتوريط بلاد المسلمين في الديون الربوية لتظل ثرواتها مستنزفة في تسديد الديون وفوائدها، وتوريط بلاد المسلمين في الحروب الإقليمية لتظل سوقاً مفتوحة لتصدير الأسلحة إليها وغير ذلك من صور استنزاف الثروات. 3 - تفتيت وحدة المسلمين: خاصة مع ضعف الدولة العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، فقام الكفار المستعمرون بتفتيت المسلمين من جهتين: أ - من جهة الأرض: بتفتيتهم إلى دول ودويلات تفصلها حدود سياسية، مع غرس التعصب لهذه الأوطان، وتقديسها والتضحية في سبيلها باسم

عدد الصفحات ١١

12 الوطنية كبديل عن تقديس الدين والتضحية لأجله ب - ومن جهة الجنس: بتفتيتهم إلى قوميات متباينة، مع غرس التعصب للقومية بدل الدين. ولا يخفى أن وحدة المسلمين من أهم أسباب قوتهم وأن تفرقهم من أهم أسباب ضعفهم. وقد عمل الكفار على تقويض ركائز القوة الثلاث هذه، بحيث أن من لم تؤثر فيه مخططاتهم الإفسادية وأراد مقاومتهم، فلن يجد الثروة التي تمكّنه من إعداد العدة لمقاومتهم وجهادهم، ولن يصل بدعوته إلى خارج حدود بلده بعد ما تم تفتيت المسلمين بالحدود السياسية والقوميات العرقية، فانشغل أهل كل بلد بأنفسهم وقليلٌ منهم من يبالي بما يجري للإسلام والمسلمين في بقية العالم. المحور الثاني: السيطرة على التشريع في بلاد المسلمين: لم يكن ليتم للكفار تحقيق أهدافهم المذكورة في المحور الأول من إفساد المسلمين ونهب ثرواتهم وتفتيت وحدتهم بدون غطاء قانوني لكل ما يجري وما يقع، فما كان للخمر الذي يخرب العقول والأبدان، والزنا الذي يهدم البيوت والأخلاق، والربا الذي يفقر الشعوب والدول، ما كان لهذه الموب قات وغير ها أن تبقى وتعمل في المسلمين إفساداً وتخريباً مع وجود الأحكام الشرعية الإسلامية التي تمنع ذلك وتردع من يفعله. وما كان للإلحاد والزندقة والطعن في الدين والاستهزاء بأهله وترويج هذا كله في وسائل التعليم والإعلام، ما كان لهذا أن يقع مع قيام أحكام الشري عة،

عدد الصفحات ١٢

13 فكان لا بد للمستعمر الكافر من إقصاء أحكام الشريعة عن الحكم بين المسلمين وإحلال قوانينهم الوضعية محلها، وقد كان هذا ما فعلوه بكل بلد استولوا عليه، وهو ما لم يفعله التتار بعد غزوهم لبلاد المسلمين في القرن السابع الهجري، فإن التتار مع كفرهم ووثنيتهم لم يف رضوا قوا نينهم على المسلمين وإنما تحاكموا بها فيما بينهم حتى بعد ما أعلنوا إسلامهم ومن هنا أكفرهم العلماء في زمانهم كما سيأتي في المسألة السابعة. أما الصليبيون الذين استولوا على بلاد المسلمين منذ القرن الماضي فقد فرضوا قوانينهم على المسلمين بقوة الاحتلال الم سلح وأنشأوا المدارس (كليات الحقوق) لتعليم أبناء المسلمين هذه القوانين ليحكموا بها في أهلهم، ومن هنا كُتِبَ لهذه القوانين الكافرة الدوام في بلاد المسلمين إلى اليوم، وتحت مظلتها تُرتكب جميع الموبقات بلا رادع إذ (لا جريُة ولا عقوبة إلا بقانون). المحور الثالث: السيطر ة على الحكم في بلاد المسلمين: إذ ما كان للكفار أن يسيطروا على التشريع وأن ينفذوا مخططاتهم لإفساد المسلمين وهم بعيدون عن سُدّة الحكم، فكان أول ما بدأوا به السيطرة على الحكم ببلاد المسلمين بقوة الاحتلال العسكري، وبهذا تم لهم توجيه الأمور وتنفيذ ما أر ادوا بهذه البلاد، واختلفت أساليبهم في السيطرة على الحكم، ففي حين كان الإنجليز يفضلون الحكم غير المباشر بنَصْب حاكم وطني يُُلون عليه إرادتهم ونصب وزراء وطنيين لهم مستشارون إنجليز يوجهونهم، فقد كان الفرنسيون يفضلون أسلوب الحكم المباشر في مستعمراتهم، ولهذا

عدد الصفحات ١٣

14 كان عدد الموظفين الفرنسيين في المستعمرات الفرنسية أضعاف ما كان للإنجليز من ذلك، إلا أنه كان لا بد في كل الأحوال من وجود قوة مسلحة للمستعمر بالبلد للتدخل عند اللزوم كأن يحدث تمرد من الحاكم الوطني أو ثورة من الشعب، ولم يرحل المستعمر الكافر بقواته ورجال إدارته عن بلاد المسلمين إلا بعد أن اطمأن إلى وجود طائفة من أبناء المسلمين قادرة على القيام بتنفيذ ما أرسي دعائمه عن حب واقتناع منها بذلك، وهذه هي الطوائف العلمانية الممسكة بزمام الحكم والجيش والسياسة في شتى بلدان المسلمين اليوم، ولهذا فإن المستعمر الكافر وإن رَحَ ل عن بلادنا بقواته إلا أنه ما زال يحكم بلادنا إلى اليوم بقوانينه ونُظُمه السياسية والاقتصادية والعسكرية والتعليمية والإعلامية والاجتماعية، فلم ينته استعمار الكفار لبلادنا كما يظن البعض. ولا يخفى أنه ما كان لشيء من هذا أن يقع لولا فساد المسلمين وتفريطهم في دينهم، فعاقبهم الله تعالى بأن سلّط عليهم أعداءهم الكافرين يفسدون عليهم دينهم ويسلبونهم دنياهم الذي منعهم حُبُّها من القيام بما أوجبه الله عليهم من جهاد الكفار، قال تعاوما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} الشورى 30، وقالتعاإلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليما ويستبدل قوماً غيركم ولا تضروه شيئا، والله على كل شيء قدير} التوبة 39. وبعمل الكفار على هذه المحاور الثلاثة في بلاد المسلمين تم لهم إرساء العلمانية (وهي الجاهلية المعاصرة) بشتى صورها السياسية والتشريعية

عدد الصفحات ١٤

15 والإقتصادية والإجتماعية في بلاد المسلمين، وقد وقع هذا كله و سط صمت مريب من المنتسبين إلى العلم الشرعي على اختلاف مراتبهم، بل وقع بتواطؤ من بعضهم أحيانا، وبهذا حَلّت قوانين الكفار محل الشريعة الإسلامية في الحكم بين المسلمين وكُتِبَ لها البقاء حتى يأذن الله بزوالها. وفي المسائل التالية نبينّ إن شاء الله ت عالى أن أمر التشريع للناس والحكم بينهم ليس من مسائل الدين الفرعية وإنما هو أمر متعلق بأصل الإيُان وبتوحيد الله عزّ وجلّ، فلا يصح الإيُان ولا التوحيد مع صرف هذه الأمور لغير الله تعالى. ثم نبين بعد ذلك وفاء أحكام الشريعة بحاجة العباد وتحقيقها لمصالحهم، ثم نبين مفاسد تحكيم القوانين الوضعية، وذلك قبل الشروع في بيان حكم الحاكمين بغير ما أنزل الله.

عدد الصفحات ١٥

16 المسألة الثانية: بيان تعلّق مسائل التشريع والحكم والتحاكم بتوحيد الله عزّ وجلّ ينبغي لكل مسلم شفوق على دينه يخشى مقامه بين يدي الله عزّ وجلّ أن يعلم أن هذه المسائل - مسائل التشريع والحكم والتحاكم - ليست من مسائل الأحكام الفرعية في الدين وإنما هي داخلة في أصل الإيُان وصلب التوحيد. ويتبين هذا بمعرفة أن الله سبحانه قد خلق الخلقَ لعبادته وحده لا شريك له، وجعل لهم جنةً وناراً ليجزيهم بأعمالهم في الآخرة، فقال تعالى{ :وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} الذاريات 56، وهذا مع غِناه جل شأنه عن خلقه وعن عبادتهم كما قال تعاوقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغنيٌ حميد} إبراهيم 8. وقد فَطَر الله الخلقَ على معرفته وتوحيده، وأرسل إليهم الرُّسلفي هذه الدنيا يذكر ونهم بما فطرهم الله عليه ويعلمونهم ما يجب عليهم من عبادته جل شأنه، وقد ظل الخلق على الدين الحق وهو عبادة الله وحده لا شريك له قروناً عديدة بعد ما أهبط الله آدم وزوجه من الجنة إلى الأرض حتى دبّ إليهم الشرك فبعث الله الرسل مبشرين ومنذرين، ق ال تعالى: {كان الناس أمة واحدة، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} البقرة 213، قال ابن كثير رحمه ا

عدد الصفحات ١٦