المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

محاسن شريعة الرحمن وفساد شريعة الشيطان

حسن التمام

صفحة ١٨ من ٢٨

273 تعالى، ومما قاله ابن حزم في بيان ذلك (أ) قال رحمه الله (فإن كان يعتقد أن لأحدٍ بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم أن يحرم ش يئا كان حلالا إلى حين موته عليه السلام، أو يحل شي ئا كان حراما إلى حين موته عليه السلام، أ و يوجب حداً لم يكن واجبا إلى حين موته عليه السلام، أو يشرع شريعة لم تكن في حياته عليه السلام، فهو كافر مشرك حلال الدم والمال حكمه حكم المرتد ولا فرق) (الإحكام) 1/ 73. (ب) وقال ابن حزم أيضا (وأما من ظن أن أحداً بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينسخ حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ويحُدث شريعة لم تكن في حياته عليه السلام، فقد كَفَر وأشرك وحَلَّ دمه وماله ولحق بعبدة الأوثان، لتكذيبه قول الله تعاكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ال تعا الإسلام دينا فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين شيئا مما كان في عصره عليه السلام على حكمٍ ما، ثم بُدّل بعد موته فقد ابتغى غير الإسلام دينا، لأن تلك العباداتِ والأحك ام والمحرمات والمباحات والواجبات التي كانت على عه ده عليه السلام، هي الإسلام الذي رضيه الله تعالى لنا، وليس الإسلام شيئا غيرها، فمن ترك شيئا منها فقد ترك الإسلام، ومن أحدث شيئا غيرها فقد أحدث غير الإسلام، ولا مرية في شيء أخبرنا الله تعالى به أنه قد أكمله، و كل حديث أو آية كانا بعد نزول هذه الآية، فإنما هي تفسير لما نزل قبلها، وبيان لجملتها، وتأك يد لأمر متقدم، وبالله

عدد الصفحات ٢٧٣

274 تعالى التوفيق) (الإحكام2/ 144 - 145. (ج ) وقال ابن حزم رحمه الله (من حكم بحكم الإنجيل مما لم يأت بالنصّ عليه وحيٌ في شريعة الإسلام فإنه كافر مشرك خارج عن الإسلام) (الإحكام) 5/ 173. فهذا حُكْممن حَكَم بالشرائع المنسوخة فكيف بمن حَكَ م بالقوانين المخترعة؟. (د) وقال ابن حزم أيضا (وأيضاً فلا فرق بين جواز شرع شريعة من إيجاب أو تحريم أو إباحة بالرأي لم ينص تعالى عليه ولا رسوله عليه السلام، وبين إبطال شريعة شرعها الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بالرأي، والمفرق بين هذين العملين متحكم بالباطل مفتر، وكلاهما كُفر لا خفاء به) (الإحكام) 6/ 31. (ه ) وقال ابن حزم أيضا (لأن إحداث الأحكام لا يخلو من أحد أربعة أوجه: إما إسقاط فرض لازم، كإسقاط بعض الصلاة أو ب عض الصيام أو بعض الزكاة أو بعض الحج أو بعض حد الزن ا أو حد القذف، أو إسقاط جميع ذلك، وإما ز يادة في شيء منها، أو إحداث فرض جديد، وإما إحلال محرم كتحليل لحم الخنزير والخمر والميتة، وإما تحريم محلل كتحريم لحم الكبش وما أشبه ذلك، وأي هذه الوجوه كان، فالقائل به كافر مشرك، لاحق باليهود والنصارى، والفرض على كل مس لم قتل من أجاز شيئا من هذا دون استتابة، ولا قبول توبة إن تاب، واستصفاء ماله لبيت مال المسلمين، لأنه مبدل لدينه، وقد قال عليه السلام "من بدل دينه فاقتلوه" ومن الله تعالى نعوذ من غضبة لباطل أدت إلى مثل هذه المهالك) (الإحكام) 6/ 110.

عدد الصفحات ٢٧٤

275 وكلام ابن حزم هذا ينطبق ع لى واقعنا، فالقوانين الوضعية قد أتت بما قاله من إسقاط حد الزنا وحد القذف وسائر الحدود، وأتت بإباحة الربا والخمر والزنا والميسر، وأتت بتحريم الجهاد في سبيل الله وغير ذلك مما هو معلوم. ولابن حزم رحمه الله كلا م مماثل في (الإحكام) ج 2 ص9، ج6 ص77 - 78 و109 و117. 2 - شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (728 ه (أ) قال رحمه الله (ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق جميع المسلمين أن من سوغ اتباع غير دين الإسلام، أو اتباع شريعة غير شريعة محمد صلى الله عليه و سلم فهو كافر وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب، كما قال تعا بالله ورسله، ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض، ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا، أولئك هم الكافرون حقا، وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا - النساء 150 و151 - ) (مجموع الفتاوى 28/ 524. فهذهالقوانين الوضعية هي شريعة الكفار وشريعة الجاهلية كما ذكرته في المسألة الرابعة من هذا الموضوع، والحكام الذين يحكمون بلاد المسلمين لم يقفوا عند حد تسويغ اتباعها بدلاً من أحكام الشريعة الإسلامية ولكنهم يُلزمون المسلمين باتباعها ويعاقبون الخارج عليها. (ب) وقال ابن تيمية رحمه الله (ومن بدّل شرع الأنبياء وابتدع شرعاً، فشرعُه باطل لا يجوز اتباعه، كما قال تعاأم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين

عدد الصفحات ٢٧٥

276 ما لم يأذن به ا منسوخ) (مجموع الفتاوى) 35/ 365. (ج ) وقال أيضا (مثل أن يقال: نُسَخ هذه التوراة مُبَدَّلة لا يجوز العمل بما فيها ومن عمل اليوم بشرائعها المبدّلة والمنسوخة فهو كافر، فهذا الكلام ونحوه حقٌ لا شيء على قائله، والله أعلم) (مجموع الفتاوى) 35/ 200. وقول شيخ الإسم هنا يشبه قول ابن حزم السابق - وسيأتي لابن القيم كلام مثله - أن من عمل بالشرائع المنسوخة كالتوراة والإنجيل كَفَر، مع أنها شرائع سماوية منزّلة من عند الله في أصلها، فكيف بمن يُعرض عن الشريعة الإسلامية الناسخة المهيمنة على ما سواها ويلتزم بالحكم بقوانين بش رية مناقضة لشريعة الله؟. (د) وقال ابن تيمية أيضا (الشرع المنزّل من عند الله تعالى وهو الكتاب والسنة الذي بعث الله به رسوله، فإن هذا الشرع ليس لأحدٍ من الخلق الخروج عنه، ولا يخرج عنه إلا كافر) (مجموع الفتاوى) 11/ 262. والخروج عن الشرع هو بعدم الالتزام بأحكا مه فكيف بمن شَرَع ما يضاد أحكامه والتزم بالحكم بها ؟. (ه ) وقال رحمه الله (ومعلوم أن من أسقط الأمر والنهي الذي بعث اللهُ به رُسُله فهو كافر باتفاق المسلمين واليهود والنصارى) (مجموع الفتاوى) 8/ 106، وتعطيل الحدود الشرعية وغيرها من أحكام الشريعة مع إباحة المحرمات كالزنا والربا والخمر، هذا هو إسقاط الأمر والن هي الشرعيين الذي يكفر فاعله بالاتفاق.

عدد الصفحات ٢٧٦

277 (و وقال ابن تيمية أيضا (والإنسان متى حَلَّل الحرام - المجمع عليه - أو حرَّم الحلال - المجمع عليه - أو بدّل الشرع - المجمع عليه - كان كافراً باتفاق الفقهاء) (مجموع الفت اوى) 3/ 267. وقد تبينّ لك من المقدمة السابعة عشرة كيف تشتمل القوانين الوضعية على تحليل الحر ام وتحريم الحلال وتبديل الشرع، فكل من وضعها أو أجاز الحكم بها أو أمر بالحكم بها أو حكم بها فهو كافر بالاتفاق. (ز) وقال ابن تيمية رحمه الله (ومتى ترك العالمِ ما علمه من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - واتبع حكم الحاكم المخالف لحكم الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - كان مرتدا كافرا، يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة، قال تعامص، كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين، اتبعوا ما أ نزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا م ا تذكرون } - الأعراف 1 - 3 - ولو ضرب وحبس و أوذي بأنواع الأذى ليدع ما علمه من شرع الله ورسوله الذي يجب اتباعه واتبع حكم غيره كان مستحقا لعذاب الله بل عليه أن يصبر وإن أوذِيَ في الله فهذه سنة الله في الأنبياء وأتباعهم، قال الله تعاا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذب- العنكبوت 1 - 3 - ) (مجموع الفتاوى 35/ 373. (ح ) وسُئل ابن تيمية رحمه الله عن التتار الذين يغيرون علىبلاد الشام مرة بعد أخرى وهم يٌظهرون الإسلام ولا يلتز مون بكثير من شرائعه، ما حكمهم

عدد الصفحات ٢٧٧

278 وحكم قتالهم ؟ (مجموع الفتاوى) 28/ 501 و509، فأجاب رحمه ا (الحمد لله، كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة مع شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة من هؤلاء القوم وغيرهم فإنه يجب قتا لهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر الصديق والصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة، وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم بعد سابقة مناظرة عمر لأبي بكر رضي الله عنهما، فاتفق الصحابة رضي الله عنهم على القتال على حقوق الإسلام، عملا بالكتاب والسنة. وكذلك ثبت عن ا لنبي صلى الله عليه وسلم من عشرة أوجه الحد يث عن الخوارج، وأخبر أنهم شر الخلق والخليقة، مع قوله: "تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم" فعلم أن مجرد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه ليس بمسقط لل قتال، فالقتال واجب حتى يكون الدين كله لله وحتى لا تك ون فتنة، فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب. فأيُا طائفة امتنعت من بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء، والأموال، والخمر، والزنا، والميسر، أو عن نكاح ذوات المحارم، أو ع ن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته - التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها - التي يكفر الجاحد لوجوبها، فإن الطائفة الممتنعة ت ُقَاتَل عليها وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء) (مجموع الفتاوى) 28/ 502 - 503.

عدد الصفحات ٢٧٨

279 وقال ابن تيمية أيضا (كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المت واترة فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين، وإن تكلمت بالشهادتين، فإذا أقروا بالشهادتين وامتنعوا عن الصلوات الخمس وجب قتالهم حتى يُصلوا، وإن امتنعوا عن الزكاة وجب قتالهم حتى يؤدوا الزكاة، وكذلك إن امتنعوا عن صيام شه ر رمضان أو حج البيت العتيق، وكذلك إن امتنعوا عن تحريم الفواحش، أو الزنا، أو الميسر، أو الخمر، أو غير ذلك من محرمات الشريعة، وكذلك إن امتنعوا عن الحكم في الدماء والأموال والأعراض والأبضاع ونحوها بحكم الكتا ب والسنة، وكذلك إن امتنعوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار إلى إن يُسلموا ويؤ دوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وكذلك إن اظهروا البدع المخالفة للكتاب والسنة واتباع سلف الأمة وأئمتها - إلى أن قال - قال الله تعا لا تكون فتنة ويكون الدين كله الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله) (مجم وع الفتاوى) 28/ 510 - 511. إلى أن قال ابن تيمية (وقد اتفق الصحابة والأئمة بعدهم على قتال مانعي الزكاة وإن كانوا يصلون الخَمس ويصومون شهر رمضان، وهؤلاء لم يكن لهم شبهة سائغة، فلهذا كانوا مرتدين، وهم يقاتلون على منعها وإن أقروا بالوجوب، كما أمر الله، وقد حكي عنهم أنهم قالوا: إن الله أمر نبيه بأخذ الزكاة بقوله - التوبة: 103 - وقد سقطت بموته) (مجموع الفتاوى) 28/ 519.

عدد الصفحات ٢٧٩

280 3 - العلامة ابن القيم رحمه ا (751 ه قال ابن القيم (وقد جاء القرآن، وصحّ الإجما ع بأن دين الإسلام نسخ كل دين كان قبله، وأ ن من التزم ما جاءت به التوراة والإنجيل، ولم يتبع القرآن، فإنه كافر، وقد أبطل الله كل شريعة كانت في التوراة والإنجيل وسائر الملل، وافترض على الجن والإنس شرائع الإسلا م، فلا حرام إلا ما حرمه الإسلام، ولا فرض إلا ما أوج به الإسلام) (أحكام أهل الذمة) لابن القيم، ج 1 ص259، ط دار العلم للملاي1983 م وقد نقلت من قبل كلام ابن حزم وابن تيمية الذي يشبه قول ابن القيم هذا في أن من التزم بأحكام الشرائع المنسوخة فقد كفر، فإذا كان هذا هو حكم من التزم بشرائع نزلت في أصلها من عند الله تعالى ولكن الإسلام نسخها، فكيف بمن التزم بقوانين من اختراع البشر كجوستنيان ونابليون وغيرهما، وكيف بمن فرض هذه القوانين على المسلمين؟ وسيأتي في كلام ابن كثير التالي إشارة إلى ذلك. 4 - الحافظ ابن كث رحمه الله ( 774 ه (أ) ذكر رحمه الله كتاب الياسق وبع ض ما ورد فيه من أحكام وهو كتاب وضعه جنكيز خان ملك التتار وصار في بنيه شرعا متبعاً يحكمون به ويتحاكمون إليه مع دعواهم الإسلام، ثم قال ابن كثير: (وفي ذلك كله مخالفة لشرائع الله المنزّلة على بعباده الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فمن ترك الشرع المحكم المنزّل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا

عدد الصفحات ٢٨٠

281 وقدَّمها عليه؟ من فعل ذلك كَفَر بإجماع المسلمين، قالتعاأفحكم الجاهلية يبغون ومَن أحسن مِن الله حُ كْماً لقوم يوقنونتعافلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً لابن كثير، 13/ 119. (ب) وفي تفسير قولهتعاأفحكم الجاهلية يبغون ومَن أحسن مِن الله حُكْماً لقوم يوقنون50، قال ابن كثير ر ه الله: (ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله ا لمشتمل على كل خير الناهي عن كل شر وعَدَلَ إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به م ن الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، و كما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكز خان الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير م ن الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شر عا متبعا يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير، قال تعاأفحكم الجاهلية يبغونون ويريدون وعن حكم الله يعدلون،حُكْماً لقوم يوقنون أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه وآمن به وأيقن وعلم أن الله

عدد الصفحات ٢٨١

282 أحكم الحاكمين، وأرحم بّلقه من الوالدة بولدها فإنه تعالى هو العالم بكل شيء القادر على كل شيء العادل في كل ش يء) (تفسير ابن كثير) 2/ 67. وهنا ستة تنبيهات على هذه الفتوى: التنبيه الأول: أن فتوى ابن كثير هذه منذ سبعمائة سنة تنطبق على واقعنا المعاصر تمام الانطباق، وأخطأ من جعلها خاصة بالتتار، فإن فتواه عامة شاملة لكل من خرج عن حكم الله تعالى إلى الحكم بآراء الرجال، وهذا القول ينطبق تماماً على القوانين الوضعية فإنها خروج عن حكم الله إلى الحكم بآراء الرجال وقواني نهم التي اخترعوها، ثم إن ابن كثير ضرب مثلين لذلك: أحدهما قوله (كما كان أهل الجاهلية يحكمون به .... ) والثاني قوله (وكما يحكم به التتار من السياسات .... )، فتبينّ بذلك أن ذِكره للتتار هو من باب ضرب المثل لا من با ب تخصيص الفتوى، ولذلك فقد ختم فتواه بصيغة عمو م، وهي الجملة الشرطية المصدّرة بمَنْ الشرطية فقال (فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله) فهذا نص عام منه يقطع التأويلات الباطلة لفتواه رحمه الله تعالى. والتنبيه الثاني: على قوله - عن الياسق - (وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه) أه . وهذا الوصف ينطبق على القوانين الوضعية المعمول بها في بلاد المسلمين، فإنها مشتملة على ضلالات وأهواء ومشتملة أيضا على بعض القوانين

عدد الصفحات ٢٨٢

283 الإسلامية، وهذا لا يخرجها عن كونها قوا نين كافرة، لأن من آمن ببعض وكَفَر ببعض فقد كَفَر بالكل كما سبق في أول ما نقلته عن ابن تيمية آنفا، ولأن الله أكفر اليهود لما بدّلوا حداً واحداً من حدوده (الرجم) فكيف بالقوانين الوضعية التي اسقطت الحدود كلها. والتنبيه الثالث: على قوله - عن الياسق - (فصارت في بنيه شرعاً متبعاً) أه . أي: في أبناء جنكيز خان وهم التتار، وهذا مما يبينّ لك أن حكام اليوم أكفر من التتار، فإن كِلا الفريقين أظهر الإسلام والتزم ببعض شعائره و لكنه حكم بغير ما أنزل الله، ولكنهما افترقا في أمرٍ هام: وهو أن التتار مع استيلائهم على بلاد المسلمين وتوليهم الحكم فيها لم يفرضوا على المسلمين الحكم بقانونهم الكافر (الياسق) وإنما حكم به التتار فيما بينهم وظل الحكم بين المسلمين جاريا وفق الشرع كما سبق إيضا حه في آخر المسألة السابعة، أما حكام اليوم فإنهم فرضو ا قوانين الكفر على المسلمين وألزموهم بالحكم بها والتحاكم إليها وأنشأوا المعاهد (كليات الحقوق) لتخريج من يتولى الحكم بهذه القوانين بين المسلمين وكل هذا لم يفعله التتار، وهذا مما يبين لك أن حكام اليوم أكفر من التتار الذين نقل ابن تيمية ومن بعده ابن كثير الإجماع على كفرهم لحكمهم بغير ما أنزل الله. والتنبيه الرابع: على قول ابن كثير (وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكز خان الذي وضع لهم الياسق - إلى قوله - فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتال ه) أه . وهذا الكلام فيه رد على الشبهة التي يثيرها البعض دفاعاً عن الحكام المرتدين الحاكمين بالقوانين

عدد الصفحات ٢٨٣

284 الوضعية أن هؤلاء الحكام ليسوا هم الذين وضعوا هذه الأحكام وأدخلوها بلاد المسلمين، فأقول: وكذلك الذين أفتى ابن كثير بكفرهم لم يكونوا هم الذين وضعوا الياسق، و إنما وضعه ملكهم الوثني جنكيز خان الذي مات عام 624 ه، في حين وُلِدَ ابن كثير عام 700 ه ، وأفتى بكفر أبناء جنكيز خان الذين أعلنوا إسلامهم وحكموا بقانون جدهم، فالحال هو الحال، وقبل فتوى ابن كثير لدينا فتوى رب العالمين فإن الذين قال الله تعالى فيهم {كم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون برجم الزاني المحصن وحكمهم بحكم بديل، لم يكن المعاصرون منهم للنبي صلى الله عليه وسلم هم الذين اخترعوا الحكم البديل وإنما اخترعه أسلافهم، كما هو مذكور في الأحاديث التي وردت في بيان سبب النزول خاصة ما رواه الطبري عن أبي هريرة من أن أول من ترك حد الرجم وبدّل حكمه كان ملكاً من ملوك اليهود، ولم تكن لهم ملوك زمن النبي صلى الله عليه وسلم عندما نزلت الآية، فوقوع التبديل من أسلافهم لم يُنع من الحكم بكفرهم ما اتبعوهم على ذلك. أما التنبيه الخامس: فعلى قول ابن كثير (ف من فعل ذلك فهو كافر) أه . فتأمل ترتيبه الحكم بالكفر على مجرد الفعل (فمن فعل ذلك فهو كافر)، أي: من حكم بالشرع المخترع فقد كفر، ولم يقل كما قال معظم المعاصرين من أنه لا يكفر من فعل ذلك إلا إذا اعتقد جوازه أو استحله أو جحد حكم الله فهذه كلها شروط فاسدة والقول بها هو قول غلاة المرجئة الذين أكفرهم السلف كما سبق التنبيه عليه في مبحث الاعتقاد وفي المقدمة

عدد الصفحات ٢٨٤

285 السادسة عشرة في المسألة الخامسة بهذا الموضوع. والحاصل: أن الحكم بالكفر في الدنيا يكون بالإتيان بقول أو فعل ثبت أنه مكفِّر بالدليل الشرعي، وقد دلت الأدلة على كفر م ن ترك الحكم بما أنزل الله أو حكم بغيره أو اخترع حكماً غيره كما سبق بيانه في المسألة السادسة. أما التنبيه السادس: على فتوى ابن كثير السابقة، فهو أنه يجوز العمل بها بالنسبة للحكام المعاصرين الحاكمين بالقوانين الوضعية لانطباقها عليهم كما أسلفت القول، وإن كان في الأدلة المذكورة بالمسألة السادسة والإجماع المذكور بالمسألة السابعة ما يغني عن تقليد ابن كثير في فتواه هذه، ومع ذلك فإن تقليده جائز كما سبق في أحكام المفتي بالباب الخامس بهذا الكتاب، وفيه قال ابن القيم رحمه الله: (هل يجوز للحي تقليد الميت والعمل بفتواه م ن غير اعتبارها بالدليل الموجب لصحة العمل بها؟ فيه وج هان لأصحاب الإمام أحمد والشافعي، فمن منعه قال: يجوز تغيير اجتهاده لو كان حيا، فإنه كان يجدد النظر عند نزول هذه النازلة إما وجوباً وإما استحباباً، على النزاع المشهور، ولعله لو جَدَّد النظر لرجع عن قوله الأول. والثاني: الجواز، وعليه عمل جميع المقلدين في أقطار الأرض، وخيار ما بأيديهم من التقليد تقليد الأموات، ومَنْ منع منهم تقليد الميت فإنما هو شيء يقوله بلسانه، وعمله في فتاويه وأحكامه بّلافه، والأقوال لا تموت بموت قائلها، كما لا تموت الأخبار بموت رُوَاتها وناقليها) (اعلام الموقعين) ج 4 ص215. 5 - الشوكاني ر ه الله (محمد بن علي) رحمه الله ( 1250 ه في رسالته (الدواء العاجل في دفع العدو الصائل) وصف أحوال أهل البلاد

عدد الصفحات ٢٨٥

286 الخارجة عن سلطان الدولة في زمانه، فقال (فلنبينّ لك حال القسم الثا وهو حكم أهل البلاد الخارجة عن أوامر الدولة ونواهيها - إلى قوله - منها أنهم يحكمون ويتحاكمون إلى من يعرف الأحكام الطاغوتية م نهم في جميع الأمور التي تنوبهم وتعرض لهم من غير انكار ولا حياء من الله ولا من عباده ولا يخافون من أحد بل قد يحكمون بذلك بين من يقدرون على الوصول إليهم من الرعايا ومن كان قريبا منهم، وهذا الأمر معلوم لكل أحد من الناس لا يقدر أحد على انكاره ودفعه وهو أشهر من نار على علم، ولا شك ولا ريب أن هذا كفر بالله سبحانه وتعالى وبشريعته التي أمر بها على لسان رسوله واختارها لعباده في كتابه وعلى لسان رسوله، بل كفروا بجميع الشرا ئع من عند آدم عليه السلام إلى الآن، وهؤلاء جهادهم واجب وقتالهم متعين حتى يقبلوا أحكام الإسلام ويذعنوا لها ويحكموا بينهم بالشريعة المطهرة ويخرجوا من جميع ما هم فيه من الطواغيت الشيطانية - إلى قوله - ومعلوم من قواعد الشريعة المطهرة ونصوصها أن من جرد نفسه لقت ال هؤلاء واستعان بالله وأخلص له النية فهو منصور وله العاقبة فقد وعد الله بهذا في كتابه العزيز ينصرن الله من ينصره تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم - إلى أن قال - فإن ت َرَكَ من هو قادر على جهادهم فهو متعرض لنزول العقوبة مستحق لم ا أصابه، فقد سلط الله على أهل الإسلام طوائف عقوبة لهم حيث لم ينتهوا عن المنكرات ولم يحرصوا على ا لعمل بالشريعة المطهرة، كما وقع من تسليط الخوارج في أول الإسلام، ثم تسليط القرامطة والباطنية بعدهم، ثم تسليط

عدد الصفحات ٢٨٦

287 الترك حتى كادوا يطمسون الإسلام، وكما يقع كثيرا من ت سليط الفرنج ونحوهم فاعتبروا يا أولي الأبصار إن في هذا لعبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) أه من رسالته (الدواء العاجل) ص 33 - 35، ضمن (الرسائل السلفية) له، ط دار الكتب العلمية. 6 - الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله. سُئل الشيخ عبداللطيف (1292 ه ) عما يحكم به أهل السوالف من البوادي وغيرهم من عادات الآباء و الأجداد، هل يُطلق عليهم بذلك الكفر بعد التعريف؟ فأجاب (من تحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بعد التعريف فهو كافر، قال تعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرونتعاأفغير دين الله يبغون تعاألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وقد أِمروا أن يكفروا به وقال تعاولقد بعثنا في كل أمة رسو لاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوتفي هذا المعنى كثيرة) أه من (الدرر السنية في الأجوبة النجدية) جمع عبد الرحمن بن قاسم، ج 8 ص241، ط دار الإفتاء بالسعودية 1385 ه 7 - الشيخ حمََد بن عتيق النجدي رحمه ا1301 ه في رسالته (بيان النجا ة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك) ذكر ضمن نواقض الإسلام (الأمر الرابع عشر: التحاكم إلى غير ك تاب الله وسنة

عدد الصفحات ٢٨٧

288 رسوله صلى الله عليه وسلم، وذكر الشيخ حمََد فتوى ابن كثير في تفسيره لقوله تعاأفحكم الجاهلية يبغون عامة البوادي ومن شابههم من تحكيم عادات آبائهم وما وضعه أوائلهم من الموضوعات الملعونة التي يُسَمُّونها شرع الرّ فاقة، يقدمونها على كتاب الله وسنة رسوله، ومن فعل ذلك فإنه كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله) أه من (مجموعة التوحيد) لشيخي الإسلام، ص 412، ط دار الفكر 1399 ه 8 - الشيخ عبد الله بن حميد رحمه ا : قال (ومن أصدر تشريعاً عاماً مُلزماً للناس يتعارض مع حكم الله، فهذا يخرج من الملة كافراً) نقلا عن كتاب (أهمية الجهاد) لعلي بن نفيع العلياني، ص 196، ط دار طيبة1405 ه ومناط التكفير في الصورة التي ذكرها هو التشريع من دون الله وهو المناط الثاني المذكور في المسألة السادسة. 9 - الشيخ محمد بن إبراهيم آل ال شيخ رحمه الله ( 1389 ه ) المف المشهور، وهو حفيد الشيخ عبد اللطيف المذكور آنفا، في رسالته (تحكيم القوانين) قال الشيخ محمد (إن من الكفر الأكبر المستبين تنزي ل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين على ق لب محمد صلى الله عليه وسلم ليكون من المنذرين، بلسا ن عربي مبين، في الحُكْم به بين العالمين، والرَدِّ إليه عند تنازع المتنازعين، مناقضةً ومعاندةً لقول الله عزّ وجلّ شيء فردوه إلى الله والرسو ل إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ

عدد الصفحات ٢٨٨