257 لهوى أو قرابة أو رشوة -، أو على من حكم في قضية معينة، مع أن هذه كلها من صورة سبب النزول وحكمها الكفر الأكبر. فوقعوا بهذا التوفيق في محظورين: الأول: القول بمقالة غلاة المرجئة الذين يشترطون الجحد للت كفير بالذنوب المكفرة. الثاني: تعطيل نص الآية والأمر أيسر من هذا، فإنه لا يجب علينا إذا ثبت قولٌ عن صحابي يخالف نص الكتاب والسنة أن نتكلف له التكلفات التي تؤدي بنا إلى مخالفة النص عمداً في حين يكون هو مجتهداً معذوراً في قوله، وبالنسبة لأقوال الصحابة فلا حجة فيها إلا بشروط ثلاثة: الأول: أن يصح قوله من جهة الرواية، أي: يثبت أنه قاله بنقل صحيح. والثاني: ألا يخالف قوله نص الكتاب والسنة، كما ذكرته في المقدمة الرابعة عشرة. والثالث: ألا يخالفه مثله أو من هو أولى منه من الصحابة، كما ذكرته في المقدمة الثالثة. وفي تقرير هذه الشروط قال ابن تيمية رحمه الله (ومَن قال مِن العلماء إن قول الصحابي حجة، فإنما قاله إذا لم يخالفه غيره من الصحابة، ولا عُرِف نصٌ يخالفه) (مجموع الفتاوى) 1/ 283. وهذه الشروط الثلاثة منتفية كلها في قول ابن عباس ف حجة فيه، ولو انتفي شرط واحد منها لأ سقط الاحتجاج بقوله، فقوله لم يصح من جهة
عدد الصفحات ٢٥٧258 النقل، وقوله مخالف لظاهر النص وأن الكفر فيه هو الأكبر، وقد خالفه غيره من الصحابة كابن مسعود وغيره كما ذكرته في الرد على الشبهة الثانية، وقد ذكرت في المقدمتين الثالثة والرابعة عشرة أمثلة كثيرة لأخطاء الصحابة ومخالفاتهم للكتاب والسنة، والأمر في هذا هو كما قال الإمام مالك - في اختلاف الصحابة - (مخطئ ومصيب فعليك بالاجتهاد) أه ، فلا يجب علينا أن نتأول لقول المخطئ منهم أو نتكلف في التوفيق بين خطئه وبين النصوص، بل نقول إنه ثبت بالترجيح أن هذا مصيب وهذا مخطئ، وهذا له أجران وه ذا له أجر وخطؤه مغفور ولكنه لا يُتابع عليه، للحديث (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ) رواه مسلم. هذا هو المنهج العلمي الواجب الاتباع في هذا المقام، والذي بمخالفته وقع من سبق ذكرهم فيما وقعوا فيه من أخطاء ومخالفات، وا لواجب بالنسبة لما نُسب إلى ابن عباس أن نقول إنه: 1 - لم يصح عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله إن الكفر في الآية هو (كفر دون كفر). 2 - ولو صح عنه هذا لكان مخطئاً- لأن قوله مصادم لنص الآية - كما أخطأ في ظنه إباحة نكاح المتعة وإباحة لحوم الحمر الأهلية وإباحة ر با الفضل، وكما أخطأ في قوله إن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج خالته السيدة ميمونة وهو محُرِمٌ في عمرة القضاء وحديثه في هذا متفق عليه ولكنه خطأ، انظر (فتح الباري) 4/ 51 - 52، ولأجل جواز الخطأ على
عدد الصفحات ٢٥٨259 الصحابي أجمع العلماء على أن كل أحدٍ يؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكره ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) 11/ 208. 3 - وعلى فرض صحة قول ابن عباس (كفر دون ك فر)، وكذلك ما نُقل عن عطاء بن أبي رباح وطاووس اليماني بمثل هذا، فإن هذا القول ينبغي ألا يحمل على أنه تفسير منهم للآية، لأنه مصادم لظاهر الآية الدال على أنه كفر أكبر، وقول الصحابي والتابعي لا يخصص القرآن ولا يقيده (المقدمة الحادية عشرة)، ولكن يحُمل هذا على أ نه ردٌ منهم على الخوارج المستدلين بهذه الآية على تكفير العصاة بالذنوب غير المكفرة كالزنا والخمر، فكأنهم يقولون للخوارج: إن هذه الآية لا تسري ع لى هؤلاء وإن ما يفعلونه هو كفر دون ك فر، ومناظرات ابن عباس للخوارج معروفة مشهورة في يوم النهروان وفيما بعده، انظر في ذلك على سبيل المثال (جامع بيان العلم) لابن عبد البر 2/ 103 - 104، أما احتجاج الخوارج بهذه الآية فبيَّنت فساده وبطلانه في التنبيه الأول. 4 - أن المناطات المكفرة التي ذكرناها هذه المسألة (ترك حكم الله، أو تشريع ما يخالفه، أو الحكم بتشريع مخالف) لم يقع ش يء منها في زمن ابن عباس ت 68 ه ، ولا فيما ب َعْده بِعِدّة قرون7] 7 - قال العلامة أبو محمد المقدسي حفظه ا تعالى: "وهذا غير صحيح - خصوصاً وأنك قد عرفت أن المصنف يُدخل في مناط (ترك حكم الله) صورة الترك المجرد كمعصية في الواقعة لمن كان ملتزماً في الأصل بشرع الله ولا يتحاكم لشرع غيره. فمثل هذه الصورة لا شك كانت موجودة في القرون التي جاءت بعد زمن ابن عباس رضي
عدد الصفحات ٢٥٩260 ا عنه .. والمطَّلع على تاريخ الخلافة الأموية والعباسية يرى من ذلك أمثلة كثيرة .. والمصنف نفسه قد ذكر (ص 879) قصة القاضي الظالم، بلال بن أبي بردة وأنه أول قاض جار في القضاء وقصته نقلها من كتاب "الأوائل" لأبي بكر بن أبي شيبة (ت 235 ه حيث قال: "وأول قاض جار في القضاء بلال بن أبي بردة، أخبرنا أبو أحمد بإسناده أن رجلاً قدَّم إلى بلال رجلاً في دَينٍ له عليه، فأقر الرجل به، وكان بلال يُعنى بالرجل، فقال المدعي: يعطيني حقي أو تحبسه بإقراره، قال القاضي إنه مفلس قال : لم يذكر إفلاسه، قال: ما حاجته إلى ذكره وأنا عارف ب ه؟؟ فإن شئت أحبسه، فالتزم نفقة عياله، فانصرف الرجل وترك خصمه وكان بلال معروفاً بالجَور" أه . قال: وبمثل هذا الجور يكفّر الخوارج، إلى أن قال: "هذا ما كان يقع في زمانهم، أما أن يتولىّ رئيس دولة أو ملك أو قا ضي ولايته على الحكم بالدستور والقانون الوضعيّين ملتزماً بذلك لا يحيد عنه فهذا لم يقع من قبل قط إلا في طائفة التتار أواخر القرن السابع الهجري" أه . فتأمل كيف صار المصنف هنا إلى التفريق بين ما أنكره مراراً في إطلاقاته المتقدمة مما يُثل به المتقدمون والمتأخرو ن، في صورة مَنْ ترك حكم الله في الواقعة دون أن يلتزم بشرع آخر، وبين الحكم بغير ما أنزل الله بصورته الكفرية الطاغوتية .. فهذا الذي ذكره هنا، ألا يصدق عليه كثير من إطلاقاته المتقدمة من قبل؟ - فهو قد ترك حكم الله. - ويجوز أن يقال فيه أيضاً كما يفعل كثير من المتقدمين والمتأخرين: (حَكَمَ بغير ما أنزل الله)، فيُشْكِل ذلك على بعض الناس .. مع أن المراد أنه حكّم هواه أو شهوته، وهنا أذكّرك بكلام المصنف المتقدم في إنكاره على من فرّق بين الحاكم بغير ما أنزل الله إذا اتبع شرعاً آخر، و بين من ترك حكم الله في الواقعة عصياناً واتباعاً للهوى .. فجعل هذا النوع الأخير نوعاً مكفراً مثل الأول .. وسرد الأدلة على أن كل من حكم بغير ما أنزل الله فقد اتبع هواه ..
عدد الصفحات ٢٦٠261 كتب (الأوائل- وهي الكتب التي يذكر مؤلفوها أول من فعل كذا أو أول من قال كذا - فلم أر فيها أدنى إشارة إلى وقوع شيء من هذه المناطات في القرون الأولى خاصة الثلاثة الخيرية منها في هذه الأمة، انظر على سبيل المثال كتاب (الأوائل) ضمن (المُصنَّف) لأبي بكر بن أبي شيبة (ت 235 ه )، ط دار التاج1409 ه ، وكتاب الأوائل منه يقع في ج 7 ص247 - 276، ولم يذكر ف يه شيئاً من ذلك، غاية ما كان يقع من الحكام والقضاة هو الجور في الحكم في بعض الأمور بحيلة أو تأويل يصعب معه تأثيمه قضاءً وإن كان يأثم ديانةً، ومن هذا ما ذكره أبو هلال العسكري في كتابه (الأوائل) قال: (أول قاضٍ جار في القضا ء بلال بن أبي بُردة: أخبرنا أبو أحمد بإسناده أن رجلاً قدّم إلى بلال رجلاً في دَيْن له عليه، فأقر الرجل به - وكان ب لال ي ُعْنىَ بالرجل - فقال المدعي: يعطني حقي أو نحبسه بإقراره ، قال القاضي: إنه مفلس، قال: لم يذكر إفلاسه، قال: وما حاجته إلى ذكره، وأنا عارف به ؟ - وكذلك فهذا القاضي ترك حكم الله، أو قُل: حكم بغير ما أنزل الله (الهوى والظلم والجور) للقرابة أو للمعرفة والدنيا ونحوه مما تقدم كلام المصنف في عدم التفريق بينه، وبين الحكم بغير ما أنزل الله بمعناه الكفري .. والإنكار على من مثّل بذلك واشترط الجحد للتكفير فيه .. فقوله هنا: "وبمثل هذا الجور يكفّر الخوارج" نقض لما أسسه وأنكره مراراً من قبل، من ذلك قوله (ص 879): "ولا يُستثنى من هذه الأحكام إلا الحاكم أو القاضي الشرعي المجتهد المخطئ" أه . فقد استثنى هنا هذا القاضي الجائر العامد غير المجتهد .. !! ".
عدد الصفحات ٢٦١262 فإن شئت أحبسه فالتزم نفقة عياله، قال: فانصرف الرجل وترك خصمه، وكان بلال معروفاً بالجور) أه من كتابه (الأوائل) ص 246، ط دار الكتب العلمية 1407 ه وبمثل هذا الجور يُكَفِّ ر الخوارج، كما ذكره ابن حزم رحمه الله في كلامه عن شِنَع الخوارج قال: (وقالت العُوفية - وهم طائفة من البيهسية التي ذكرنا آنفا - إن الإمام إذا قضى قضية جور وهو بّراسان أو بغيرها حيث كان من البلاد ففي ذلك الحين نفسه يكفر هو وجميع رعيته حيث كانوا من شرق الأرض وغربها، ولو بالأندلس واليمن فَمَا بين ذلك من البلاد) (الفصل) لابن حزم، 5/ 54. هذا ما كان يقع في زمانهم، أما أن يتولى رئيس دولة أو ملك أو قاضي ولايته على الحكم بالدستور والقانون الوضعيين ملتزما بذلك لا يحيد عنه فهذا لم يقع من قبل قط إلا في طائفة التتار أواخر القرن السابع الهجري حين أعلنوا إسلامهم وحكموا فيما بينهم بقانون وضعي مخالف لشريعة الإسلام، وسأفصّل هذا في أول المسألة التالية إن شاء الله، ولا يظن أحد أن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم لا يكفرون أمثال هؤلاء، فإن هذا إ زراء بالسلف وغمط لهم، وهم الذين أكفر وا مانعي الزكاة بمجرد المنع كما فصّلته في مبحث الاعتقاد، فكيف بمن منع الحكم بالشريعة كلها وحكم بشرع مخالف لها؟ وقد ذكرت من قبل أنه صح عن ابن عباس: أن من أطاع التشريع المخالف واتبعه فقد أشرك بالله، و ذلك في تفسير قوله تعالى{ :وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون
عدد الصفحات ٢٦٢263 الأنعام121. وخلاصة ما ذكرته في المسألة السادسة بحسب المناطات الثلاثة المكفرة المذكورة في صدر المسألة: 1 - أن كل من ترك الحكم بما أنزل الله فيما تصدى للحكم فيه فهو كافر. 2 - وأن كل من شرع ما يخالف شرع الله فهو كافر سو اء حكم به أو لم يحكم. 3 - وأن كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر، سواء كان هو الذي اخترع التشريع المخالف الذي حكم به أو اخترعه غيره، وسواء حكم في قضية واحدة أو أكثر. ولا يستثنى من هذه الأحكام إلا الحاكم أو القاضي الشر عي المجتهد المخطئ للنص الوارد في حقه، وخطؤه مغفور ومردود لا يُعمل به. ويدخل في هذه الأحكام دخولا أوليا الرؤساء والقضاة والمشرعون في الدول المحكومة بالقوانين الوضعية إذ إن هؤلاء يتولون ولاياتهم في هذه البلاد باختيارهم ملتزمين الحكم بهذه القوانين مع علمهم بمخالفتها لشريعة الإسلام، وهذا مستفيض لا ينكره إلا معاند مكابر. وهذا الذي ذكرته هنا هو الصواب والراجح الذي دلت عليه الأدلة الشرعية أما مخالفة بعض المعاصرين وغيرهم ممن نبّهنا على أخطائهم فلا اعتبار لها بعد معرفة وجه الخطأ فيها، خاصة وأنه يتبين لك من تتبع أخطائهم أنهم يقلد بعضهم بعضا فيها بلا حجة ولا برهان ولا تمحيص، وصار الأمر كما روى ابن عبد البر عن درّاج أبي السمح قال:
عدد الصفحات ٢٦٣264 (يأتي على الناس زمان يُسَمِّن الرجل راحلته حتى يُقعِدَ شحماً، ثم يس عليها في الأمصار حتى تصير نقضاً، يلتمس من يفتيه بسُ نةٍ قد عُمِلَ بها فلا يجد إلا من يفتيه بالظن) أه . ذكر هذا الأثر صالح بن محمد الفلاّني (1218 ه ) في كتابه (ايقاظ همم أولي الأبصار) ثم قال (ولقد شاهدنا في زماننا هذا مما قاله أبو السمح فلقد طفت من أقصى المغرب ومن أقصى السودان إلى الحرمين الشريفين فلم ألق أحداً يُسأل عن نازلة فيرجع إلى كتاب رب العالمين وسنة سيد ا لمرسلين وآثار الصحابة والتابعين إلا ثلاثة رجال وكل واحد منهم مقموع محسود يُبغضه جميع من في بلده من المتفقهين وغالب من فيه من العوام والمتسمين بسيم الصالحين، وموجب العداوة والحسد تمسكهم بالكتاب وسنة إمام المتقين صلى الله عليه وسلم ورفضهم كلام الطائفة العصبي ة والمقلدين) أه من كتابه المذكور ص 27 - 29. وبعد سرد الأدلة النصّية الدالة على كفر من ذكرنا في هذه المسألة نعرّج على ذكر الإجماع على ذلك.
عدد الصفحات ٢٦٤265 المسألة السابعة: ذِكر الإجماع على كُفر الحكام بغير ما أنزل الله (تمهيد) في بيان أول ما وقع تبديل الشرع في المنتسبين إ لى الإسلام. قد تبين مما ورد في سبب نزول قوله تعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون المحصن واخترعوا حكماً بديلاً عن ذلك وصار هذا الحكم المخترع هو القانون المعمول به بينهم، وفي المنتسبين للإسلام فإن أول ما وقع هذا كان من التتار في أواخر القرن السابع الهجري كما قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله (أفيجوز مع هذا في شرع الله أن يحُكم المسلمون في بلادهم بتشريع مقتبس عن تشريعات أورب ا الوثنية الملحدة؟ - إلى قوله - إن المسلمين لم ي ُبْلو بهذا قط - فيما نعلم من تاريخهم - إلا في ذلك العهد عهد التتار، وكان من أسوأ عهود الظلم والظلام) (عمدة التفسير) 4/ 173. وهو كما قال. أما انتساب التتار للإسلام: فقد وقع هذا بعد استيلائهم بقيادة هولاكو على بغداد عام 656 ه وكانوا وثنيين، وأول من أسلم منهم هو السلطان أحمد بن هولاكو ع ام 680 ه ، انظر كتاب (وثائق الحروب الصليبية والغزو المغولي) د. محمد ماهر حمادة، ص 80، ط مؤسسة الرسالة، 1986 م ويظهر ادعاؤهم الإسلام من الاستفتاءات الموجهة بشأنهم إلى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ففي استفتاء منها و رد (ما تقول الفقهاء أئمة الدين في هؤلا ء التتار الذين قدموا سنة تسع وتسعين وستمائة، وفعلوا ما اشتهر من
عدد الصفحات ٢٦٥266 قتل المسلم- إلى قولهم - وادعوا مع ذلك التمسك بالشهادتين وادعوا تحريم قتال مقاتلهم لما زعموا من اتباع أصل الإسلام ) (مجموع الفتاوى) 28/ 501 - 502، وفي استفتاء آخر (ما تقول السادة العلماء .... في هؤلاء التتار الذين ي َقْدِمون إلى الشام مرة بعد مرة، وتكلموا بالشهادتين، وانتسبوا إلى الإسلام ولم يبقوا على الكفر الذي كانوا عليه في أول الأمر) (مجموع الفتاوى) 28/ 509. هذا منجهة انتسابهم للإسلام، وأما حكمهم بغير ما أنزل الله مع دعواهم الإسلام: فيبيّنه قول ابن تيمية في وصفه للتتار ضمن فتواه بشأنهم، حيث قال: (ولا يلتزمون الحكم بينهم بحكم الله، بل يحكمون بأوضاع لهم توافق الإسلام تارة وتخالفه أخرى) (مجموع الفتاوى) 28/ 505. وقال ابن كثير: (وكما يحكم به التتار من السياسا ت الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكز خان الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسل م، فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير) (تفسير ابن كثير) 2/ 67. وجنكيز خان هو جَدّ هولاكو الذي استولى على بغداد
عدد الصفحات ٢٦٦267 وبعد: فقد ك انت هذه هي أول مرة فيما يُعرف من تاريخ المسلمين أن ينتسب قوم إلى الإسلام ويحكمون بغير شريعته، فهي نازلة من النوازل التي ليست لها سابقة، ومع ذلك فقد أفتى فيها ابن تيمية وابن كثير ونقلا الإجماع على كفر من فعل ذلك. 1 - أما فتوى ابن تيمية، فهي ما قاله رحمه ا - ضمن فتواه في شأن التتار - قال: (ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق جم يع المسلمين أن من سوغ اتباع غير دين الإسلام، أو اتباع شريعة غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب، كما قال تعارون بالله ورسله، ويريدون أن يفرقوا بين ا لله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ، ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا، أولئك هم الكافرون حقا، وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا - النساء 150 و151 - ) (مجموع الفتاوى 28/ 524 وفي مواضع أخرى من فتاويه نقل شيخ الإسلام ا جماع على كفر من حكم بالشرائع المتضمنة ل تحليل الحرام أو تحريم الحلال أو إسقاط الأوامر والنواهي الشرعية، وهذه الصفات كلها تنطبق على القوانين المعاصرة، ومن هذا قوله رحمه الله (والإنسان متى حَلّل الحرام - المُجمع عليه - أو حرَّم الحلال - المجمع عليه - أو بدّل الشرع - المجمع عليه - كان كافراً باتفاق الفقهاء) (مجموع الفتاوى) 3/ 267.
عدد الصفحات ٢٦٧268 وقال أيضا: (ومعلوم أن من أسقط الأمر والنهي الذي ب َعَث الله به رسله فهو كافر باتفاق المسلمين واليهود والنصارى) (مجموع الفتاوى) 8/ 106. ولشيخ الإسلام أقوال أخرى سننقلها في المسألة التا لية إن شاء الله تعالى. 2 - وأما فتوى ابن كثير التي ذكر فيها الإجماع على كفر من حكم بغير ما أنزل الله. فقوله (فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كَفَر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كَفَر بإجماع المسلمين، قال الله تعاأفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنونتعافلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما 13/ 119، ضمن أحداث عام624 ه ، عند ترجمته لجن كيز خان. هذا، وقد سبق - في نقد (الرسالة الليمانية) بآخر مبحث الاعتقاد - الكلام في حُجِّية الإجماع، وأنه متى صح من جهة النقل ولم يُعلم له مخالف فهو حجة ملزمة، ولا يجوز نسخه ولا تبديله، انظر (ارشاد الفحول) للشوكاني ص 67 - 85، و (شرح التلويح على التنقيح) للتف تازاني 2/ 51. وعلى هذا فالإجماع على كفر من حكم بغير ما أنزل الله - الذي نقله ابن تيمية وابن كثير - هو حجة مُلزِمة لنا، ودليل مستقل نعتمد عليه في الفتوى
عدد الصفحات ٢٦٨269 بكفر الحكام الحاكمين بالقوانين الوضعية، وإنما وقع الإجماع على حك م هذه المسألة في عصر ابن تيمية (728 هوابن كثير ( 774 ه ) لأنه هذه المسألة وقعت في عصرهما ولم تقع قبله من الناحية التاريخية، ومثلها في ذلك كمسألة خَلْق القرآن التي وقعت في عصر أحمد بن حنبل فانعقد إجماع أهل السنة على حكمها (وأن القرآن كلام الله غير مخلوق و أن من قال إنه مخلوق فهو كافر) ولم ينقل ه ذا الحكم عن أحد من الصحابة إذ لم تقع المسألة في حياتهم فلم ينقل عن أحدٍ منهم قولٌ فيها، وهذا مما ينبهك على أن فتاوى المسائل المستجدة تؤخذ عن معاصريها من العلماء. (تنبيه على فرق هام بين التتار وبين حكام اليوم) زعم بعض المجادلين عن الحكام الطواغيت أنه لا وجه لتطبيق فتاوى ابن تيمية وابن كثير في الت تار على حكام اليوم لأن التتار وثنيون، وهذه مغالطة فقد تبين لك مما سبق أن التتار دخلوا في الإسلام ولكنهم ظلوا يحكمون بغير شريعته، وهذه الأوصاف هي نفس أوصاف حكام اليوم، ولهذا فحكمهم كحكمهم، لأن حالهم كحالهم. والحق أن حكام اليوم أشدُّ كفراً وضلالاً من التتار، وذلك لأن التتار مع استيلائهم على كثير من بلاد المسلمين كخراسان والعراق والشام أحيانا فإنهم لم يفرضوا على هذه البلاد الحكم بقانونهم الوضعي (الياسق) وإنما تحاكموا به فيما بينهم وظل الحكم في المسلمين جاريا وفق أحكام ال شريعة، أما حكام اليوم فإنهم فرضوا على الم سلمين الحكم بهذه القوانين الكافرة. أما ما يبينّ أن الحكم بالياسق ظل محصوراً في طائفة التتار لم يتعداهم إلى
عدد الصفحات ٢٦٩270 سائر المسلمين، فيدل عليه قول ابن تيمية فيهم (ولا يلتزمون الحكم بينهم بحكم الله) (مجموع الفتاوى) 28/ 505. وقول ابن كثير (وكما يحكم به التتار من السيا سات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذي وضع لهم الياسق - إلى قوله - فصارت في بنيه شرعاً متبعاً) (تفسير ابن كثير) 2/ 67. فقول ابن تيمية (الحكم بينهم) وقول ابن كثير (فصارت بنيه) يبين أن الحكم بالياسق كان في طائ فة التتار فقط لم يفرضوه على المسلمين في البلاد التي استولوا عليها، وقد نبّه الشيخ أحمد شاكر على هذا الفرق بقوله (أفرأيتم هذا الوصف القوي من الحافظ ابن كثير - في القرن الثامن - لذاك القانون الوضعي، الذي صنعه عدو الإسلام "جنكيز خان"؟ ألستم ترونه يصف حال المسلمين في هذا العصر، في القرن الرابع عشر؟ إلا في فرق واحد أشرنا إليه آنفا: أن ذلك كان في طبقة خاصة من الحكام، أتى عليها الزمن سريعا، فاندمجت في الأمة الإسلامية وزال أثر ما صنعت، ثم كان المسلمون الآن أسوأ حالا وأشد ظلما وظلاما منهم، لأن أكثر الأمم الإسلامية الآن تكاد تندمج في هذه القوانين المخالفة للشريعة والتي هي أشبه شيء بذاك "الياسق") (عمدة التفسير) 4/ 173 - 174. وأما أن الحكم بين المسلمين ظل جاريا وفق أحكام الإسلام في البلاد ال استولى عليها التتار، فيدل عليه رسالة سلطان التتار قازان (أو غازان) إلى نائبه في حكم بلاد الشام سيف الدين قبجق، تلك الر سالة التي قرئت على
عدد الصفحات ٢٧٠271 منابر دمشق عام699 ه- وهي نفس السنة التي استفتي فيها ابن تيمية في شأنهم كما سبق قريبا -، وفيها قال قازان (وعلى مَلِك الأمراء سيف الدين بتقوى الله في أحكامه، وخشيته في نقضه وإبرامه، وتعظيم الشرع و حُكّامه، وتنفيذ أقضية كل قاضٍ على قول إم امه، وليعتمد الجلوس للعدل والإنصاف، وأخذ حق المشروف من الأشراف، وليُقِم الحدود والقصاص على كل من وجبت عليه، وليكُفّ الكف العادية عن كل من يُتعدى عليه) نقلا عن (وثائق الحروب الصليبية والغزو المغولي) د. محمد ماهر حمادة، ص 403 - 406، ط مؤسسة الرسالة 1986 م و في وصف أحوال تلك البلاد بعد استيلاء التتار عليها نقل صديق حسن خان (وأما البلاد التي عليها ولاة كفار فيجوز فيها أيضاً إقامة الجمعة والعيدين والقاضي قاض بتراضي المسلمين، إذ قد تقرر أن ببقاء شيء من العلة يبقى الحكم، وقد حكمنا بلا خلاف بأن هذه الديار قبل استيلاء التتار من ديار الإسلام، وبعد استيلائهم إعلان الآذان والجمع والجماعات والحكم بمقتضى الشرع والفتوى ذائع بلا نكير من ملوكهم) أه (العبرة مما جاء في الغزو والشهادة والهجرة) لصد يق حسن، ص 232، ط دار الكتب العلمية 1405 ه . والحاصل: أن الحكم بمقتضى الشرع في بلا د المسلمين التي استولى عليها التتار ثابت تاريخيا، وهذا مما يبين لك أن حكام اليوم الذين يفرضون قوانين الكفار على المسلمين أشد كفراً وضلالا من التتار، وأن المناط الذي أفتي بموجب ه بكفر التتار متحقق في المعاصرين بصورة أق وى.
عدد الصفحات ٢٧١272 المسألة الثامنة: سرد أقوال العلماء في بيان كفر الحكام بغير ما أنزل الله بعد سرد الأدلة النصّية على كفر الحكام بغير ما أنزل الله (في المسألة السادسة) ثم ذِكْر الإجماع على ذلك (في المسألة السابعة)، أذكر هنا أقوال بعض العلماء في هذا الموضوع للاستئناس بها، فقد ذكرت في الباب الرابع من هذا الكتاب أن أقوال العلماء يحُتج لها ولا يحتج بها، وإنما تقوم الحجة بالأدلة الشرعية التي يذكرها العلماء ضمن فتاويهم وأجوبتهم، وقد ذكرت في صدر المسألة السادسة أن الحكم بغير ما أنزل الله - بالقوانين الوضعية - يشتمل على ثلاثة مناطات مكفرة وهي: ترك الحكم بما أنزل الله، وتشريع ما يخالف شرع الله، والحكم بهذا الشرع المخالف أي: الحكم بغير ما أنزل الله، وأقوال أهل العلم المذكورة في هذه المسألة تتناول مناطاً أو أكثر من هذه الثلاثة. ومن هؤلا ء العلماء: 1 - الإمام ابن حزم الأندلسي رحمه ا (456 ه تكلم في مواضع من كتابه (الإحكا م في أصول الأحكام) عمن أجاز الحكم بالشرائع المنسوخة كالتوراة والإنجيل وأن هذا كفر، وتكلم عمن شرع ما لم يأذن به الله أو أبطل ما شرعه الله وأن هذا كله كفر، وكلامه هذا ين طبق على واقعنا من حيث اختراع شرائع مخالفة لشرع الله وإيجاب الحكم بها والتحاكم إليها، مع تضمن هذه الشرائع المخترعة لإبطال ما شرعه الله
عدد الصفحات ٢٧٢