241 وهنا قال الشيخ ابن إبراهيم إنه إذا اعتقد أن حكم الله هو الحق وأنه مخطئ في حكمه بغير ما أنزل الله فيكون كافراً كفراً أصغر، وهذا القول بّلاف قولٍ آخر له، حيث قال (لو قال من حَكَّم القانون: أنا أعتقد أنه باطل ، فهذا لا أثر له، بل هو عزل للشرع، كما لو قال أحدٌ: أنا أعبد الأوثان واعتقد أنها باطل) من (فتاوى ومقالات الشيخ محمد بن إبراهيم) 6/ 189. فانظر كيف ناقض نفسه؟ وق وله الأخير هو الصواب، لأن القول أو الفعل أو الترك المكفر لا يؤثر في التكفير به تصريح فاعله باعتقا دٍ مكفر من عدمه، ولا يتوقف التكفير به على الاعتقاد، بل لو قال إن مُعْت َقَده بّلاف قوله أو فعله الكفري لكان كاذبا، كما نقلته عن شيخ الإسلام - في التعليق على قوله تعااتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون ا الثالث أن تارك الصلاة لو قال - إنه مقر بوجوبها، ولو ألقى المصحف في على عقوبة دون الرجم ... ثم قال: "فالقرابة كانت أول ما تركوا حكم الله لأجله، فالحكم بغير ما أنزل الله بسبب قرابة، كفر أكبر لأنه داخل في صورة سبب النزول" أه . فلو أراد المصنف بالحكم بغير ما أنزل الله هنا، التحاكم إلى الشرع المخترع (الطاغوت والقانون)، فصواب؛ إذ ذلك كفر سواء كان لرشوة أم لقرابة أم لهوى أم لدنيا أم لغير ذلك .. وإذا أراد بذلك ما تقدم مراراً من كلامه، في ترك حكم الله كمعصية في الواقعة لرشوة أو لقرابة، من حاكم ملتزم بشرع الله ولا يدين بغيره، فليس بصواب؛ وهو الأمر الذي ردّ فيه كلام العلماء مراراً .. ".
عدد الصفحات ٢٤١242 الحش (القذر) وقال إنه يشهد أنه كلام الله، أو قتل نبياً وقال إنه يشهد أنه رسول الله لكان كاذبا في قوله، هذا مختصر كلامه من (مج موع الفتاوى) 7/ 615 - 616. لأن هذه أفعال مكفرة بذاتها، ولا بد أن يصاحبها اعتقاد مكفر، ومن فعل كفراً بغير إكراه فلا بد أن يكون كافراً ظاهراً وباطناً كما ذكرته بمبحث الاعتقاد، فإن صرّح بأن اعتقاده سليم لكان كاذباً ولا يُنع تصريحه هذا من تكفيره كما قال الشيخ ابن إبراهيم - في كلامه السابق - (فهذا لا أثر له). 4 - الشيخ عبد العزيز بن باز قال في أصناف من حك م بغير ما أنزل الله (ومن قال: أنا أحكم بهذا، وهو يعتقد أن الحكم بغير ما أنزل الله لا يجوز ويقول الحكم بالشريعة الإسلامية أفضل ولا يجوز الح كم بغيرها، ولكنه متساهل أو يفعل هذا لأمر صادر من حُكامه فهو كافر كفراً أصغر لا يخرج من الملة ويعتبر من أكبر الكبائر) أ ه نقلا من كتاب (قضية التكفير بين أهل السنة وفرق الضلال) لسعيد بن علي بن وهف القحطاني، ط 1409 ه ص73. وقوله كقول من سبقه إذ علّق الكفر على الاعتقاد، فقال (وهو يعتقد أن الحكم .... ) أي: إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله لم يكفر وإن اعتقد عدم وجوبه كَفَر، و قد سبق الرد على هذا. وأضيف هنا أنه قد سبق في مبحث الاعتقاد بيان أن الكفر يقع بقول أو فعل أو اعتقاد ثبت بالدليل أنه مكفِّر، ويدخل في الفعل الترك والامتناع، والحكم بغير ما أنزل الله اجتمع فيه تركٌ مكفر (ترك الحكم بما أنزل الله)
عدد الصفحات ٢٤٢243 وفعلٌ مكفر (الحكم بغير ما أنزل الله)، وهما المناطان الأول والثالث المذكوران في صدر هذه المسألة السادسة، فهو كفر فوق كفر ليس كفراً دون كفر، وحصر الكفر في الاعتقاد خطأ، و هو مذهب المرجئة كما ذك رته في أخطاء التكفير بمبحث الاعتقاد وفيه نقلت اتفاق أهل العلم على أن الكفر يقع بقولٍ أو فعل أو ا عتقاد، وقال علماء الدعوة النجدية (فيما ينقض به الإسلام: وأنه يكون بكلمة ولو لم تعتقد، ويكون بفعل ولو لم يتكلم، ويكون في القلب من الحب والبغض ولو لم يتكلم ولم يع مل) (الدرر السنية - كتاب المرتد - 8/ 101.) وقد سبق أن انتقدت أيضا تعليق شيخ الإسلام ابن تيمية كف ر من اتبع التشريع المخالف لشرع الله على الاعتقاد، وذلك في الكلام في قوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اثالث، فراجعه. وأيضا فإن قول الشيخ ابن باز (أو يفعل هذا لأمر صادر من حكامه فهو كافر كفراً أصغر) أه ، فمتى كانت طاعة الأمر بالكفر مانعة من التكفير؟ وقد أخبر تعالى أن المستضعفين من الكفار ما كفروا إلا بسبب طاعتهم لكبرائهم، كما قال تعاإن الله لعن الكافرين وأعدّ لهم سعيراً - إلى قوله - وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءَنا فأضلونا السبي64 - 67، وقالتعاو قال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مَكْر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر با33، فلم تكن طاعتهم لسادتهم ورؤَسائهم في الكفر بمانعة من تكفيرهم واستحقاقهم للوعيد، فتأمّل. 5 - ومن فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء بالسعودية، من الفتوى رقم
عدد الصفحات ٢٤٣244 5226، جاء فيها(أما نوع التكفير في قوله تعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون عباس رضي الله عنهما ومجاهد رحمه الله: وم ن لم يحكم بما أنزل الله رداً للقرآن وجحدا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر" انتهي. وأما من حكم بغير ما أنزل الله وهو يعتقد أنه عاص لله لكن حمله على الحكم بغير ما أنزل الله ما يدفع إليه من الرشوة أو غير هذا أو عداوته للمحكوم عليه أو قرابته أو صداقته للمحكوم له ونحو ذلك فهذا لا يكون كفره أكبر بل يكون عاصيا لله وقد وقع في كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق) أه ، إفتاء: عبد الله بن قعود وعبد الله بن غديّان وعبد الرزاق عفيفي وعبد العزيز بن باز، نقلا عن (فتاوى اللجنة الدائمة) جم ع الدويش، ج 2 ص93. ومنفتاوى نفس اللجنة في المسألة نفسها، ما ورد بالفتوى رقم 5741 (لكن إن استحل ذلك واعتقده جائزاًفهو كفر أكبر وظلم أكبر وفسق أكبر يخرج من الملة، أما إن فعل ذلك من أجل الرشوة أو مقصد آخر وهو يعتقد تحريم ذلك فإنه آثم يعتبر كافراً كفراً أصغر وظالماً ظلماً أصغر وفاسقاً فسقاً أصغر لا يخرجه من الملة كما أوضح ذلك أهل العلم في تفسير الآيات المذكورة) أه (المص در السابق) ج 1 ص540. وقد سبق القول بأن تعليق الكفر الأكبر على الجحد أو الاستحلال أو اعتقاد الجواز خطأ لسببين: أحدهما: أن هذه مناطات مكفر ة غير المناط المكفر الوارد بالآية.
عدد الصفحات ٢٤٤245 والثاني: أن هذه شروط للتكفير بالذنوب غير المكفرة لا المكفرة كالحكم بغ ما أنزل الله . وأضيف هنا ثلاثة أمور: الأول: قولهم إن من حكم بغير ما أنزل الله بسبب الرشوة وهو يعتقد تحريُه أي يعتقد أن حكم الله حق فكُفْره أصغر، هذا خطأ مخالف لنص الآية، فالذين أكفرهم ا يقبلون الرشوة للحكم بغيره كما وصفهم الله بقوله المائدة 42، وقالتعاولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ئدة 44، ولهذا لما سُئل عبد الله بن مسعود عن الرشوة في الحكم، قال: ذاك الكفر، وتلا هذه الآية، فالحكم بغير ما أنزل الله بسبب رشوة كفر أكبر لأنه صورة سبب النزول (المقدمة السابعة). الأمر الثاني: نفس الصورة السابقة ولكن حمله على الحكم بغير ما أنزل الله قرابته م ن المحكوم عليه، وهذا لا يُنع من تكفيره أيضا لأنه داخل في سبب نزول الآية فلا بد أن يشمله حكمها، وذلك لأن الطبري رحمه الله ذكر في إحدى روايات حديث سبب النزول عن أبي هريرة رضي الله عنه وفيه (فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: فماذا كان أول ما ترخصتم به أمر الله؟ قال زنى ابن عم مَلِك فلم يرجمه، ثم زني رجل آخر في أسرةٍ من الناس، فأراد ذلك الملك رجمه، فقام دونه قومه، فقالوا: والله لا ترجمه حتى ترجم فلانا ابن عم الملك، فاصطلحوا بينهم على عقوبة دون الرجم، وتركوا الرجم) الحديث
عدد الصفحات ٢٤٥246 (تفسير الطبري6/ 233. فالقرابة كانت أول ما تركوا حكم الله لأجل ه، فالحكم بغير ما أنزل الله بسبب قرابة كفر أكبر لأنه داخل في صورة سبب النزول (المقدمة الساب عة). والأمر الثالث: قولهم إن استحل الحكم بغير ما أنزل الله كَفَر كُفْرًا أكبر، هذا حقٌ كما أن الكفر بجحد الحكم حق، ولكن ليس الاستحلال والجحد شرطين للتكفير كما سبق بي انه لأن الحكم بغير ما أنزل الله مناط مكفر بذاته وصفه الله بالكفر الأكبر ومثل هذا لا يفتقر للجحد أو الاستحلال ليصبح مكفِّراً، ومع ذلك فإني أضيف هنا أن الحكم بالقوانين الوضعية هو استحلال صريح لما حرّمه الله من المحرمات القطعية، وقد ذكرت هذا في المقدمة السابعة عشرة بالتفصيل فراجعه، وقال ابن تيمية رحمه الله إن من حلل الحرام المجمع عليه كفر بالإجماع (مجموع الفتاوى) 3/ 267. هذا، وقد رددت على الأقوال السابقة المتضمنة لأخطاء متعلقة بمناط الكفر الوارد في الآية بشيء من التفصيل، والأقوال الت الية من السادس حتى الحادي عشر مشابهة لما مضى في نفس الأخطاء، ولهذا سأسردها سرداً والرد عليها كالرد على ما سبق، وهي: 6 - الشيخ محمد الصالح بن عثيمين قال (الحكم بغير ما في كتاب ا وسنة رسوله يصل إلى الكفر بشرطين: الأول: أن يكون عالما بحكم الله ورسوله، فإن ك ان جاهلا به لم يكفر بمخالفته. الثاني: أن يكون الحامل له على الحكم بغير ما أنزل الله اعتقاد أنه حكم غير صالح للوقت وأن غيره أصلح منه، وأنفع للعباد، وبهذين الشرطين يكون
عدد الصفحات ٢٤٦247 الحكم بغير ما أنزل الله كفراً مخرجا عن الملة، لقولهتعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأو لئك هم الكافرون الحاكم، ولا يكون له طاعة على الناس، وتجب محاربته، وإبعاده عن الحكم. أما إذا كان يحكم بغير ما أنزل الله وهو يعتقد أن الحكم به أي بما أنزل الله هو الواجب، وأنه أصلح للعباد، لكن خالفه لهوى في نفسه أو إرادة ظلم المحكوم عليه، فهذا ليس بكافر بل هو إما فاسق أو ظالم، وولايته باقية، وطاعته في غير معصية الله ورسوله واجبة، ولا تجوز محاربته أو إبعاده عن الحكم بالقوة) (فتاوى ابن عثيمين) ج 3 ص15 - 16، سؤال340. 7 - الشيخ الشنقيطي قال (من حَكَم بغير حُكْم الله، وهو عالم أنه مرتكب ذنبا فاعل ق بيحاً، وإنما حمله على ذلك الهوى فهو من سائر عصاة المسلمين) (أضواء البيان) 2/ 103. 8 - الشيخ محمود شاكر فيما نقله عنهأخوه أحمد شاكر في (عمدة التفسير) 4/ 157، قال (وإما أن يكون حكم بها هوى ومعصية، فهذا ذنب تناله التوبة) أه . 9 - الأستاذ محمد قطب قال عن الحكم بغير ما أنزل الله (وقد يكو ن شهوة، كحكم القاضي المرتشي بما يخالف حكم الله وهو عالم بالمخالفة، فهذه معصية) (واقعنا المعاصر) ص 333. 10 - الأستاذ عبد الرحمن عبد الخالق قال: (أن يعتقد أن حكم الله هو الخير وهو الحق، وكل حكم يخالفه مرجوح باطل، ولكن يحكم به بداف ع من شهوة أو رشوة أو منصب أو غير ذلك، وهذا الذي قال فيه ابن عباس
عدد الصفحات ٢٤٧248 رضي الله عنهما "كفر دون كفر" أي كفر لا يخرجه من ملة الإسلام) أه من كتابه (الحد الفاصل بين الإيُان والكفر) ص 51، ط دار الاعتصام 1397 ه 11 - الأستاذ حسن الهضي- ونقلت كلامه في هذه المسألة بمبحث الاعتقاد - ومنه قوله (الكافر هو من حكم بغير ما أنزل الله جاحداً، وأن من أقر بحكم الله وحَكَم في الأمر على خلافه فهو ظالم فاسق) (دعاة لا قضاة) ص 159. وقد رددت على الأخطاء في كلام المؤلفين من السادس حتى الحادي عشر عند الرد على أقوال من سبقهم. وهناك نوع آخر من الأخطاء في هذا الموضو ع تضمنتها الأقوال التالية: 12 - الدكتور عبد الله أحمد قادري، قال (النوع الرابع: أن يحكم بغير ما أنزل الله في جزئية من الجزئيات، وهو يعتقد أنه عاص وأن الحكم بغير ما أنزل الله محرم، وأن الواجب هو الحكم بما أنزل الله ولكنه غلبه هوا ه لمالٍ أو جاه أو قرابة ففعل ما فعل - إلى أن قال - فيجب حمل "كفر دون كفر" على النوع الرابع، وهذا هو اللائق بعلماء ال سلف الذين يكفّرون من أنكر وجوب الطهارة) أه من كتابه (الردة عن الإسلام) ص 57 - 59، ط مكتبة طيبة 1405 ه 13 - الأستاذ عبد الله بن محمد القر، قال (وأما الكفر الأصغر فبنحو الحكم بغير الشريعة في قضية معينة لأجل الشهوة، وهذا هو تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لقوله تعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم
عدد الصفحات ٢٤٨249 الكافرون256، ونقلت كلامه هذا من قبل في مب حث الاعتقاد. أما قول القرني إن ابن عباس قال إن من حكم في قضية معينة لشهوة فكفره أصغر، فابن عباس لم يقل هذا، وقد ذكر ت في الرد على الشيخ محمد بن إبراهيم أن هذه مناطات ركّبها المعاصرون على ما نسب إلى ابن عباس في تفسير الآية، وهو لا يصح عنه من جهة الرواية كما سبق تفصيله. وأما قولهما أن من حكم بغير ما أنزل الله ويعتقد أنه عاص لهوى أو رشوة أو قرابة فكفره أصغر، فقد سبق الرد ع ليه وأن هذه كلها داخله في سبب النزول وهو كفر أكبر. وأما قولهما إن الكفر الأصغر يكون إذا حكم في جزئية أو قضية معينة، فخطأ، وقد سبق القول بأن الكفر الأكبر الوارد في قوله تعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون بغيره في قضية واحدة وهي حد الزاني المحصن، كما أن الشرك الأكبر الوارد في قوله تعاوإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون - الأنعام 121 - متوعدٌ به من أطاع الكفار في تشريعٍ واحد مخالف وهو إباحة أكل الميتة، فالحكم بغير ما أنزل الله في قضية واحدة هو صورة سبب نزول هذه الآيات فهو قطعي الدخول في عموم حكمها (المقدمة السابعة) أي: أنه كفر أكبر ، ولهذا فقد انتقد العلماء عَلَ ى عبد العزيز الكناني قوله إن ال كفر في الآية هو في حق من لم يحكم بجميع ما أنزل الله، بأن الوعيد في الآية ورد في ترك حكم الرجم فقط، كما
عدد الصفحات ٢٤٩250 قال أبو حيان الأندلسي (وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني "ما أنزل" صيغة عموم، فالمعنى من أتى بضد حكم الله في كل ما أنزل الله ، والفاسق لم يأت بضد حكم الله إلا في القليل وهو العمل، أما في الاعتقاد والإقرار فهو موافق، وضُعِّف بأنه لو كان كذلك لم يتناول هذا الوعيد اليهود بسبب مخالفاتهم حكم الله في الرجم، وأجمع المفسرون على أن هذا الوعيد يتناول اليهود بسبب مخالفتهم حكم الله في واقعة الرجم فدلّ على سقوط هذا) (البحر المحيط) 3/ 493. وقال ابن القيم (ومنهم: من تأولها على ترك الحكم بجميع ما أنزل الله، قال: ويدخل في ذلك الحكم بالتوحيد والإسلام، وهذا تأويل عبد العزيز الكناني، وهو أيضاً بعيد، إذ الوعيد على نفي الحكم بالمنزّل، وهو يتناول تعطيل الحكم بجميعه وببعضه) (مدارج ال سالكين) 1/ 365. وأراد عبد العزيز الكناني بقوله (ترك الحكم بجميع ما أنزل الله) أنه يد خل في ذلك ترك التوحيد فيكفر من هذا الوجه - وكلامه هذا يشبه قول من اشترط الاعتقاد المكفر للتكفير - ويُبطله أن الوعيد بالكفر في الآية جاء في حق من ترك حكماً من الشرائع (الرجم) لا من العقائد. 14 - الدكتور عمر عبد الرحمن في كتابه (أصناف الحكام) ص 59 - 61، قال(نحن أمام نوعين من الحكام: أحدهما: مسلم يحكم بكتاب الله، ولكنه ترك الحكم بما أنزل الله في إحدى الوقائع أو بعضها وهو يعلم أنه بذلك عاص آثم .... والآخر: يدعي الإسلام، ولا يحك م بكتاب الله ولكم يحكم بتشريع وضعي
عدد الصفحات ٢٥٠251 يشرعه هو أو غيره من البشر ويحمل الناس على التحاكم إلى هذا الشرع الوضعي منحيا شرع الله عن الحكم. فما القول في كل منهما؟ .. وما نصيب كل واحد منهما من قوله تعالى: {لئك هم الكافرون هل يستوي هذا الحاكم الذي أسس بنيان حكمه على الإسلام وعلم أنه عبد لله ما عليه إلاَّ أن يطبق حكم الله ويقيم شرع الله ... بيد أنه أتى معصية بتركه الحكم بما أنزل الله في واقعة ... عصيانا لا جحوداً ولا استبدالاً ولا اعتقاداً بأفضلية شرع غير شرع الله ... وليس عنده تشريع غير شرع الله يأمر الناس بالتحاكم إليه .. هل يستوي هذا مع من أسس بنيان حكمه على شفا جرف هارٍ من القوانين الوضعية فانهارت به في نار جهنم ... فتجده لا يحكم بما أنزل الله لأنه لا يقيم حكمه على أساس أنه عبدٌ لله ... بل يرى أنه هو أو غيره - برلماناً كان أو حزباً أو هيئة أو نظاماً - صاحب الحق في التشريع من دون الله، أو التشريع مع الله ... إن الأول منهما - بلا جدال - إنما هو حاكم مسلم عاصٍ. * مسلمٌ: لأنه يقيم حكمه على أساس أن الحكم والتشريع إنما هو خالص حق الله تعالى لا يشاركه فيه غيره، ويعلم أن دوره - كوالٍ أو خليفة للمسلمين - هو أنه يحكم بين عباد الله بما أنزل الله ... * عاصٍ: لأنه خالف مولاه فترك الحكم بما أنزل الله في واقعة عصيانا لا جحوداً ولا استبدالاً وهو الذي عناه ابن عباس بقوله "إنه ليس بالكفر
عدد الصفحات ٢٥١252 الذي تذهبون إليه، إنه ليس كفرا ينقل ع ن الملةلله فأولئك هم الكافرون أما الثاني - قاتله الله - فهو كافر ... كافر . .. لأنه أراد أن يجعل نفسه - أو غيره - شريكاً لله، أراد أن يخلع على نفسه صفة من صفات الربوبية وخاصية من خصائصها، ألا وهي حق التشريع، قال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدي ن مالم يأذن به ا وكفره كفر أكبر ينقل عن الملة وإ ن صلى وصام وزعم أنه مسلم ... هذا هو الحق الذي لا مراء فيه ... وهذا هو القول الفصل في النوعين ... ) أه . أما قوله في النوع الأول (أحدهما: مسلم يحكم بكتاب الله) فهذا الوصف غير مؤثر في مناط الحكم، فإيراده في مقام التعليل اشتراط ما لم يشترطه الله، هذا فضلا عن أن الحاكم المسلم هو وسائر المسلمين داخلون في عموم نص الآية الله. وقوله (في إحدى الو قائع أو بعضها) فهذا قد رددت عليه قريبا أعلاه في الرد على قادري والقرني حيث بيّنت أن الكفر في آية المائدةكم ... } ما أنزل الله في قضية واحدة، فدخول هذه الصورة في حكم النص قطعيٌ (المقدمة السابعة). وأذكِّر القارئ هنا بما ذكرته في مبحث الاعتقاد في أكثر من موضع من أن العبد لا يدخل في الإيُان الحقيقي إلا بمجموع خصال ولكنه يدخل في
عدد الصفحات ٢٥٢253 الكفر الحقيقي بّصلة واحدة ومن ذلك حكمه في قضية واحدة بغير ما أنزل الله متعمداً. وقوله (وهو يعلم أنه بذلك عاص آثم) وفسّره بعد ذلك بقوله (لا جحوداً ولا استبدالاً ولا اعتقاداً) أه ، فقد سبق الرد على هذا، وأن كفر الحاكم بغير ما أنزل الله هو من جهة فعله لا من جهة اعتقاده، كما قال ابن كثير رحمه الله - في تفس- قال (فمن فعل ذلك فهو كافر) أه . ولم يقل (فمن اعتقد أو فمن جحد) فالاعتقاد والجحود مناطات مكفرة أخرى، أما الحكم بغير ما أنزل الله فهو مناط مكفر بذاته وق د دل على ذلك أكثر من دليل ذكرتها في (المناط المكفر الثالث). وبهذا تعلم أن قوله (إن الأول منهما - بلا جدال - إنما هو حاكم مسلم عاص) أه ، أن قوله هذا هو - بلا جدال - خطأ. أما قوله في النوع الثاني إنه كافر لأنه خلع على نفسه حق التشريع، فهذا خروج عن الكلام في مناط الحكم في الآية الأو وكأن الآية بذاتها ليس فيها دلالة على الكفر مع قوله تعافأولئك هم الكافرونبمناط غير وارد فيها وهو مناط التش ريع، وهذا شرط باطل لأنه ليس كل من حكم بغير ما أنزل الله قد شرع بنفسه خلاف شرع الله ، وذلك لأنني قد ذكرت في صدر هذه المسألة (السادسة) ثلاثة مناطات مكفرة في هذا الموضوع: ترك حكم الله، وتشريع ما يخالفه، والحكم بما يخالفه، ولا يشترط اجتماعها في الشخص ليكفر، بل يكفر بمناط واحد منها، فمن ترك حكم الله فلم يحكم بشيء في القضية وأطلق الجاني كفر
عدد الصفحات ٢٥٣254 بنص الآية عليه بغير ما أنزل الله لكفر بنص الآية نفسها (لأن الحكم بغير ما أنزل الله داخل في مناطها بدلالة سبب النزول)، وكلا هما لم يشرع شيئا من عند نفسه، فالتشريع مناط مكفر، وترك الحكم بما أنزل الله مناط مكفر آخر، والحكم بغير ما أنزل الله مناط مكفر ثالث، فتعليق كفر الحاكم بغير ما أنزل الله على مناط التشريع وحده مصادم لنص الآية وتعطيل لمناط التك فير الوارد في قوله تعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون 15 - الأستاذ محمد شاكر الشريف، قال ("فصل " في بيان متى يكون الحاكم بغير ما أنزل الله كافراً كفراً لا يخرجه من الملة؟ ثم قال إنه لا يكفر بشروط ثلاثة وهي: (أ) أن يكون ملتزماً ومتقبلاً ظاهراً وباطناً لكل حكم أو تشريع جاء عن الله سبحانه وتعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم. (ب) أن يكون مقراً ومعترفاً بأنه ترك الحكم بما أنزل الله سبحانه وتعالى في القضية أو الواقعة المعينة التي يحكم فيها صار آثما وأن حكمه خطأ وأن حكم الله هو الصواب. (ج ) أن يكون الحكم المخالف حكماً في وقائع الأعيان وليس في الأمور الكلية العامة، وهذا الشرط الثالث مما غمض فهمه والتنبّه له على كثير من المعاصرين) أه . وأراد بوقائع الأعيان الحكم في قضية معينة وأراد بالحكم في الأمور الكلية العامة وضع التشريع المخالف لشريعة الإسلام، ا نظر كتابه (إن الله هو الحَكَم) ص 88 - 91، ط دار الوطن،1413 ه
عدد الصفحات ٢٥٤255 وحاصل كلامه يرجع إلى كلام من سبقه (الدكتور عمر عبد الرحمن): أنه من لم يحكم بما أنزل الله لا يكفر إلا أن يشرع قانوناً عاماً، وقد سبق التنبيه على أن الحكم بغير ما أنزل الله مناط مكفر، وأن التشري ع مناط مكفر آخر، وتعليق حكم الكفر الوارد في قوله تعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرونتشريع فقط - الذي يرى المؤلف أنه غمض فهمه على الكثيرين - هو تعطيل لنص الآية، فإن الله حكم بالكفر فيها على من تركوا حكمه في وقائع الأعيان (حد ال رجم) وكانوا مقرين بأنه حكم الله الذي أنزله في التوراة كما في رواية البخاري لسبب النزول عن ابن عمر وفيه قال اليهود (صدق يا محمد، فيها آية الرجم). فالشروط الثلاثة التي اشترطها للحكم بالكفر الأصغر لو تحققت في حاكم بغير ما أنزل الله لكان كافراً كفراً أكبر بمجر د حكمه في قضايا الأعيان بغير حكم الله، ولو قال إنه ملتزم بحكم الله ومقر على نفسه بالعصيان لما أثّر هذا في الحكم، بل يكون كاذبا في قوله هذا كما نقلته من قبل عن ابن تيمية (مجموع الفتاوى) 7/ 616، وعن الشيخ محمد بن إبراهيم (مجموع فتاويه) 6/ 189. وقد استدل هذاالمؤلف لشروطه بكلام لأبي مجلز ولابن كثير (ص 106 و 107 من كتابه) وكلامهما غير صريح في الدلالة على ما ذهب إليه و يتناول أبو مجلز المسألة محل النزاع، أما ابن كثير فكلامه في تفس الجاهلية يبغون الكفر على مجرد الحكم بغير ما أنزل الله في قضايا الأعيان، فقال رحمه الله -
عدد الصفحات ٢٥٥256 عن الياسق (فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدمونها ع لى الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فمن فعل ذلك فهو كافر) (تفسير ابن كثير) 2/ 67، فعلق كفرهم على مجرد الحكم بغير ما أنزل الله. و بعد: فقد كانت هذه بعض الأخطاء المتع لقة بمناط حكم الكفر الوارد في قوله تعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون44، ومنها ومما رددت به عليها تعلم أن كل من قسَّم الحكم بغير ما أنزل الله إلى قسمين (كفر أكبر وكفر أصغر) فهو مخطئ، فإن الحكم بغير ما أنزل الله كفر أكبر لا غير، ولا ينجو من هذا الوعيد إلا المجتهد المخطئ كما سبق تفصيله. وأحب أن أنبّه على أن معظم المعاصرين ممن سبق ذكرهم متفقون على كفر الحكام بالقوانين الوضعية كما يظهر من بقية كتاباتهم - وإن كان منهم من يحاول أن يلتمس العذر لهؤلاء الحكام - إلا أنهم مع اتفاقهم على ذلك أشكل عليهم ما نُسب إلى ابن عباس من قوله في الآية فحاولوا التوفيق بين الأمرين على النحو التالي: فقالوا الكفر في الآية هو الأكبر، لكنه محمول على المعتقد أو الجاحد أو المستحل أو من بدّل الشرع وشرّع بّلاف حكم الله. وحملوا م قالة (كفر دون كفر) على من حكم بغير م ا أنزل الله غير جاحد -
عدد الصفحات ٢٥٦