225 أحسن من الله حكما لقومٍ يوقنون05، وهذه الآية هي ختام الآيات الواردة في قصة تبديل اليهود حكم الله في الزاني المحصن، فقال ابن كثير فيها: (ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر وعَدَلَ إلى ما سواه من الآراء والأ هواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من الشريعة، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكز خان الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير، قال تعاأفحكم الجاهلية يبغون وعن حكم الله يعدلون ابن كثير 2/ 67.) فبينّ رحمه الله أن الحكم بالكفر يقع على من خ ر ج على حكم الله وعَدَل إلى آراء الرجال، وضرب لذلك مثلين أحدهما ما كان عليه أهل الجاهلية والآخر ما كان عليه التتار، ثم عمَّم الحكم فقال (فمن فعل ذلك فهو كافر) أه . ولم يقل من اعتقد ذلك أو من جحد حكم الله لأن هذه الصفات وإن
عدد الصفحات ٢٢٥226 كانت مكفرة في ذاتها إلا أن تقييد ا لكفر بها خروج على مناط الحكم الوارد في قوله تعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون كما أسلفنا هو تعمد ترك حكم الله والحكم بغيره. 6 - وقال الشوكاني رحمه الله مخاطبا القاضي الشرعي المقلد الذي يحكم بالأقوال التي يجدها في كتب من سبقه من العلماء ولا يدري الراجح من المرجوح والصواب من الخطأ فيها، إذ إن المقلد لا بَصَر له بأدلة الكتاب والسنة التي يعلم بها الراجح والصواب، فقال الشوكاني (واعلم أرشدك الله أيها المقلد إنك إن أنصفت من نفسك وخلّيت بين عقلك وفهمك وبين ما حررناه في هذا المؤَلَّف لم يبق معك شك في أنك على خطر عظيم - إلى قوله - لأنك تريق الدماء بأحكامك وتنقل الأملاك والحقوق من أهلها وتحلل الحرام وتحرّم الحلال وتقول على الله مالم يقل، غيرَ مُستَنِدٍ إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بل بشيء لا تدري أحقٌ هو أم باطل باعترافك على نفسك بأنك كذلك - إلى قوله - وكيف أقدمت على أصول في الحكم بغير ما أنزل الله حتى تكون ممن قال فيه "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون - ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون - ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" فهذه الآيات الكريُة م تناولة لكل من لم يحكم بما أنزل الله، فإنك لا تدّعي أنك حكمت بما أنزل الله) أه (القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد) للشوكاني ص 46 - 47، ضمن (الرسائل المفيدة) له، ط دار الكتب العلمية. فإذا كان هذا هو قول الشوكاني للقاضي الشرعي المقلد، واستدل عليه بعموم هذه
عدد الصفحات ٢٢٦227 الآيات، فكيف يكون قوله للقضاة بالقوانين الوضعية الذين يجزمون بأنهم يحكمون بغير ما أنزل الله؟. 7 - وبمثل قول الشوكاني قال صديق حسن خان (في قوله تعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون وغيره) أه (الإذاعة لما كا ن وما يكون بين يدي الساعة) لصديق حسن، ص 111، ط المد وبعد، فقد كانت هذه أقوال بعض أهل العلم في المسألة بمثل ما قلته فيها، وهو أن كل من تعمد ترك حكم الله والحكم بغيره فهو كافر سواء كان قاضيا شرعيا أو غير شرعي، ولا يستثنى من هذا الحكم إلا المجتهد المخطئ للحديث الوارد في حقه (حديث عمرو بن العاص). يبقى بعد هذا تنبيهان متعلقان بتفسير هذه الآية: أحدهما متعلق ببيان معنى الحكم فيها، والآخر في التنبيه على أخطاء شائعة متعلقة بمناط الحكم الوارد في الآية. (التنبيه الأول) في المراد بالحكم في قوله تعاومن لم يحكم بما أنزل الله} الآية قال الفخر الرازي في تفسيره (أما الخوارج فقد احتجوا بهذه الآية، وقالوا: إنها نصٌ في أن كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر، وكل من أذنب فقد حكم بغير ما أنزل الله، فوجب أن يكون كافراً) (تفسير الرازي) 12/ 5 . فأخذ أهل العلم في الرد عل ى احتجاج الخوارج بهذه الآية بردود ذكرتها وأبطلت معظمها فيما مضى من القول. ومن ذلك القول بأنها في أهل
عدد الصفحات ٢٢٧228 الكتاب، والقول بأن الكفر فيها هو كفر دون كفر، والقول بأن المراد بالكفر: فعل فعلا يضاهي أفعال الكفار، والقول بأن المراد من لم يحكم بجميع ما أنزل الله هذا مع أن النص وار د في ترك الحكم في قضية واحدة، ومنها القول بأن الحكم بالكفر فيها إنما يقع على الجاحد والمستحل. وكل هذه الأقوال باطلة مردودة. وبيّنت بطلانها فيما مضى، فالخوارج غلوا في الاحتجاج بالآية، وأصحاب هذه الردود جفوا فأفرغوا الآية من مضمونها وعدلوا عن ظاهرهاً، والحق وسطٌ بين هذين الطرفين. أما الرد على احتجاج الخوارج المذكور بهذه الآية فينبغي أن يكون من وجهين وهما: الوجه الأول: أن نص الآية وإن كان من صيغ العموم، إلا أنها خاصة بالحكام المَعْنيين بالحكم بين الناس وفصل الخصومات (كالسلطان والقاضي وغيرهما)، فالآية عامة في موضوعها أو هي عامة في موضوع خاص وهو الحكم وفصل الخصومات، وحيث ورد لفظ (الحكم) - كواجب على الناس - في الكتاب والسنة، فإنه لا يُراد به إلا فصل الخصومات ولا يراد به جميع أعمال الإنسان، فإن الله تعالى قال ا (ومن لم يعمل بما أنز ل الله) وقال تعاوما كان ربك نسيّاً64، فتعميم لفظ (الحكم) على جميع أعمال الإنسان ليصبح كل من أذنب حاكما بغير ما أنزل الله هو من تحريف الكلم عن مواضعه، وهذا من صفات الخوارج كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما تواتر عنه في وصفهم أنهم (يقرأون ا لقرآن لا يجاوز حناجرهم) الحديث، أي: يرددونه
عدد الصفحات ٢٢٨229 قراءة بحناجرهم ولا يجاوزها إلى القلوب التي هي موضع الفهم، والمراد وصفهم بأنهم لا يفهمون معنى ما يقرأون من القرآن. وقد تقدم في المقدمة الثالثة عشرة أنه يجب حمل معنى اللفظ على معهود استعمال الشارع (أي عرف ال شارع في كلامه)، وفيها ذكرت قول ابن القيم (اللفظ الذي اطّرد استعماله في معنى هو ظاهر فيه، ولم يُعهد استعماله في المعنى المؤول أو عُهِدَ استعماله فيه نادراً، فحملُه على خلاف المعهود من استعماله باطل، فإنه يكون تلبيساً يناقض البيان والهداية، بل إذا أرادوا استعمال مثل هذا في غير معناه المعهود حَفّوا به من القرائن ما يبينّ للسامع مرادهم به لئلا يسبق فهمه إلى معناه المألوف، ومن تأمل كمال هذه اللغة وحكمة واضعها تبينّ له صحة ذلك) (مختصر الصواعق المرسلة) ص 16، ط دار الكتب العلمية 1405 ه فإذا طبقت هذه القاعدة على لفظ (الحكم) الواجب على الناس، وجدته لم يأت إلا بمعنى فصل الخصومات والحكم في أقضية الناس، فكيف إذا جاءت القرائن مؤكدة لهذا المعنى: ومن ذلك قوله تعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون جاءت في الحكم بين الناس ويؤكد ذلك قوله تعالى قبلها إن حكمت فاحكم بينهم بالقسط في قضية اليهوديين اللذين زنيا. وقوله تعاخصمان بغي بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق - إلى قوله - يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق
عدد الصفحات ٢٢٩230 ص22 - 26، وهذا نص صريح أن الحكم إنما يكون بين الخصوم، وأن الملوك (والرؤساء) مخاطبون به كالقضاة، لأن داود عليه السلام كان ملكاً كما قال تعاوقتل داود جالوت وآتاه الله المُلْك والحكمة 251. وعلى هذا المعنى دار لفظ (الحكم) في الكتاب والسنة، كما قال تعالى: {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل58، وقالتعالى: {فاحكم بينهم بما أنزل ا 48، وقالتعالتحكم بين الناس بما أراك ا 105، وقالتعاحتى يحكِّموك فيما شجر بينهم65. والحاصل أن قولهتعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون وإن كان ن صّاً عاماً، إلا أنه خاص بالحكم بين الناس في أقضيتهم وخصوماتهم، لا يشمل سائر أعمال الإنسان في خاصة نفسه كما ذهب إليه الخوارج، وهذا هو الوجه الأول في الردّ عليهم. أما الوجه الثاني: فهو أنه لو افترضنا صحة رأي الخوارج من أن الآية عامة في كل من لم يعمل بما أنزل الله وأنه كافر، فإنه لا خلاف بين المسلمين في أن العام يدخله التخصيص، وقد دلّت النصوص الخاصة في حق بعض العصاة كالزاني والسارق وشارب الخمر على أنهم لا يكفرون بذلك ولا يُعاقبون عقاب المرتدين، وهذه نصوص خاصة تقدم على العام بالإجماع، فبطل بذلك استدلال الخوارج بالآية على العموم من الوجه الذي قالوا به. هذا ما يتعلق بالرد على احتجاج الخوارج بالآية، وفيه غُنْية عن التأويلات
عدد الصفحات ٢٣٠231 التي رد بها بعض أهل العلم عليهم بما يصرف الآية عن ظاهرها ويفرغها من مضمونها. (التنبيه الثاني) في التنبيه على أخطاء شائعة متعلقة بمناط الحكم الو ارد في قوله تعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون وأذكر فيما يلي الأقوال المتضمنة لهذه الأخطاء ثم أبينّ وجه الخطأ فيها: 1 - قال ابن القيم رحمه ا - في كلامه عن هذه الآية - (والصحيح أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين : الأصغر والأكبر، بحسب حال الحاكم، فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة وعَدَل عنه عصيانا مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا كفر أصغر، وإن اعتقد أنه غير واجب وأنه مخيرّ فيه مع تيقنه أنه حكم الله فهذا كفر أكبر، وإن جهله وأخطأه فهذا مخطئ له حكم المخطئين) (مدارج السالكين) 1/ 365، ط دار الكتب العلمية، ط1. أما قوله (إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة وعدل عنه عصيانا) أن هذا كفر أصغر، فهذا قولٌ مصادم لنص الآية فهو خطأ، لأن الذين أنزلت فيهم الآية أقروا بأن حكم الله في الواقعة هو الر جم فقالوا - فيما رواه البخاري عن ابن عمر - (صَدَق يا محمد، فيها آية الرجم)، وعدلوا عن حكم الله عصيانا كما قال تعاوعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك} وفيها قال الطبري: (وهم مع علمهم بذلك يتولون، يقول: يتركون الحكم به بعد العلم بحك مي فيه جراءةً علي وعصيانا لي) (تفسير الطبري) 6/ 247، فالذين أقروا بحكم الله وعدلوا عنه عصيانا
عدد الصفحات ٢٣١232 أكفرهم الله كفراً أكبر بّلاف ما قال ابن القيم، فالصورة التي ذكرها ابن القيم - والتي سيقلده فيها كثير ممن يأتي ذكرهم - هي صورة سبب النزول وهي قطعية الدخول في حكم النص. وأما قوله (وإن اعتقد أنه غير واجب ... فهذا كفر أكبر) أه ، وهذا معناه تعليق الكفر على الجحد، لأن اعتقاد عدم الوجوب أي انكار الوجوب هو الجحد، وبذلك وقع ابن القيم فيما أنكره قبل كلامه هذا بسطور حيث قال (ومنهم من تأول الآية على ترك الحكم بما أنزل الله جاح داً له، وهو قول عكرمة، و هو تأويل مرجوح، فإن نفس جحوده كُفْر، سواء حَكَم أو لم يحكم) (مدارج السالكين) 1/ 365. وإنما كان اشتراط الجحد للحكم بالكفر الأكبر على من لم يحكم بما أنزل الله تأويلا مرجوحا للسببين المذكورين في الرد على الشبهة الثالثة فيما مضى، وهما: أن الجحد مناط مخالف للمناط المذكور في الآية وهو مجرد الامتناع عن الحكم بما أنزل الله، والامتناع نوع من أنواع الكفر الأكبر كما أن الجحد نوع آخر منه، والامتناع هو سبب كفر إبليس، فإنه كَفَر بامتناعه عن السجود {بقرة 34، والامتناع هو سبب كفر مانعي الزكاة كما قال أبو بكر رضي الله عنه (والله لو منعوني عقالا) الحديث متفق عليه، ولم يقل (لو جحدوا) فالجحد والتكذيب كُفْر كما أن الامتناع كُفْر أيضا كما قال ابن تيمية (بل إذا كان الكفر، يكون تكذيبا، ويكون مخالفة ومعاداة وامتناعاً بلا تكذيب) (مجموع الفتاوى) 7/ 292.
عدد الصفحات ٢٣٢233 والسبب الثاني: أن الجحد مشترط للتكفير بالذنوب غير المكفرة كالربا والزنا والخمر ونحوها أما الذنوب المكفرة التي ورد النص بأنها كفر أكبر كما هو الحال فيمن لم يحكم بما أنزل الله فهذه يكفر الشخص بمجرد فعلها، واشتراط الجحد للتكفير هنا هو قول غلاة المرجئة الذين أكفرهم السلف كما ذكره ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) 7/ 205 و209، وقد فصلت هذا في مبحث الاعتقاد، أما ما ثبت كفر فاعله أو تاركه فإنه يكفر بمجرد الفعل أو الترك وإن كان مقراً بالوجوب، قال ابن تيمية - عن تارك الصلاة -: (وأكثر السلف على أنه يُقتل كافراً، وهذا كله مع الإقرار بوجوبها) (مجموع الفتاوى) 28/ 308. وقد نقل ابن القيم في كتابه (الصلاة) إجماع الصحابة على ذلك، وقال ابن تيمية في مانعي الزكاة: (وهؤلاء لم يكن لهم شبهة سائغة فلهذا كانوا مرتدين، وهم يقاتَلون على منعها وإن أقروا بالوجوب) (مجموع ال فتاوى) 28/ 519. فالتفريق بين الجاحد والمقر بالوجوب في الذنوب المكفرة لا أثر له ومخالف لإجماع الصحابة، فقد وصف ابن تيمية هذا التفريق في حق تارك الصلاة بأنها فروع فاسدة لم تنقل عن الصحابة (مجموع الفتاوى) 22/ 48، ونقل عنه علماء الدعوة النجدية قوله (وقال أبو العباس أيضا في الكلام على كفر مانعي الزكاة: والصحابة لم يقولوا أنت مقر بوجوبها أو جاحد لها، هذا لم يُعهد عن الخلفاء والصحابة) (الدرر السنية في الأجوبة النجدية - كتاب
عدد الصفحات ٢٣٣234 المرتد - 8/ 35.) والحاصل أن الصحيح الذي ذكره ابن القيم رحمه الله غ صحيح كما تبينّ لك. 2 - وقال شارح العقيدة الطحاوية ابن أبي العز الحنفي رحمه الله: (وهنا أمر يجب أن يُتفطَّن له، وهو أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفرا ينقل عن الملة، وقد يكون معصيةً: كبيرة أو صغيرة، ويكون كفراً: إما مجازياً، وإما كفراً أصغر، على القو لين المذكورين، وذلك بحسب حال الحاكم: فإنه إن اعتقد أنّ الحكم بما أنزل الله غيرَ واجب، وأنه مخيرَّ فيه، أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله: فهذا كفرٌ أكبر، وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله، وعَلِمَه في هذه الواقعة، وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا عاص، ويسمى كافراً كفراً مجازياً، أو كفراً أصغر، وإن جهل حكم الله فيها، مع بذل جهده واستفراغ وسعه في معرفة الحكم وأخطأه، فهذا مخطئ، له أجرٌ على اجتهاده، وخطؤه مغفور) (شرح العقيدة الطحاوية) ص 363 - 364، ط المكتب الإسلامي1403 ه ونقل الألباني في تعليقه على متن العقيدة الطحاوية هذا الكلام وأقرَّه كما ذكرت في مبحث الاعتقاد، وابن أبي العز في كلامه هذا هو غالبا قد نقل كلام ابن القيم المذكور في (مدارج السالكين) ولكن تصرف في عبارته، فإنه متأخر عنه في الوفاة، ولهذا فإن الرد عليه هو كالرد على كلام ابن القيم سواء بسواء. فقوله (إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب) فهذا هو الجحد،
عدد الصفحات ٢٣٤235 وتعليق الكفر الأكبر على هذا الشرط ونحوه من التخيرّ والاستهانة هو حيدة عن نص الآية بوضع مناط للكفر غير الوارد فيها، كما أنه تنزيل للحكم بغير ما أنزل الله منزلة الذنوب غير المكفرة مع أن الله و صفه بأنه كفر أكبر . وقوله (وإن اعتقد وجوب الحكم .... وعدل عنه ... كفر أصغر) فاعتقاد وجوب الحكم مع العدول عنه هي صورة سبب نزول الآية وحكم الله بأنها كفر أكبر لا أصغر. وكلام ابن القيم وابن أبي العز هنا هو عمدة المعاصرين الذين أخطأوا في هذه المسألة فقد قلدوهما في هذا التقسيم و التفريق وزادوا عليهما أموراً أخرى، ومن ذلك: 3 - الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ قال (وأما القسم الثاني من قِسْمي كُفر الحاكم بغير ما أنزل الله، وهو الذي لا يخرج من الملة، فقد تقدم أن تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لقول الله عزّ وجلّومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون الله عنه في الآية "كفر دون كفر" وقوله أيضا "ليس بالكفر الذي تذهبون إليه" أه . وذلك أن تحمله شهوته وهواه على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله، مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق، واعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهدى) أه . من رسالته (تحكيم القوانين) ص 7، والرد عليه من وجوه: أولها: لم يصح عن ابن عباس رضي الله عنهما ما نسبه إليه هنا كما ذكرته في الرد على الشبهة الثانية.
عدد الصفحات ٢٣٥236 وثانيها: أن من روى عن ابن عباس هذه المقالة لم يقل إنه قالها فيمن حكم بغير ما أنز ل الله لشهوة وهوى معتقداً أنه الحق، وإنما هذا شيء ركّبه المعاصرون على كلام ابن عباس ليوفقوا بينه وبين الكفر الأكبر الذي يدل عليه نص الآية، فجعلوا الكفر الأكبر في حق الجاحد وجعلوا الكفر الأصغر في كلام ابن عباس في حق من اعتقد الوجوب و حكم بغير ما أنزل الله لهوى، فجعلوا الحكم بغير ما أنزل الله بمنزلة الذنوب غير المكفرة كالزنا ونحوه التي لم يصفها الله بالكفر الأكبر في حين وصف الله الحكم بغير ما أنزله بأنه كفر أكبر، فأداهم هذا التوفيق بين نص الآية وبين مقالة ابن عباس إلى مصادمة ظاهر نصها. وثالثها: أن الصورة التي وصفها الشيخ ابن إبراهيم بأنها كفر أصغر هي نفس صورة سبب نزول الآية وقد وصفها الله بأنها كفر أكبر، وصورة السبب قطعية الدخول في النص، فقوله هذا خطأ قطعاً، فقد قال: من حكم بغير ما أنزل الله لهوى وهو معتقد أن حكم الله هو الحق، والذين أكف رهم الله في الآية أقروا بحكم الله في الرجم وهذا تعبير عن اعتقادهم أنه حق من عند الله، ولم يحكموا به إلا لهوى، وذلك لأن كل من لم يحكم بما أنزل الله فلا بد أن يكون متبعاً للهوى، كما قال تعاوأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم49، وقالتعالى: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل ا ص: 26، وقالتعافإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم القصص 50، وقالتعاثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا
عدد الصفحات ٢٣٦237 تتبع أهواء الذين لا يعلمون الجاثية 18، فهذه الآيات وما في معناها تبين أن كل من لم يحكم بما أنزل الله وكل من لم يتبع الرسول وكل من لم يتبع الشريعة فلا بد أن يكون متبعاً للهوى، فهُما أمران لا ثالث لهما: حق أو هوى، فالذين أكفرهم الله أقروا بوجوب حكمه ولم يحكموا به اتباعا للهوى، فالقول بأن من فعل هذا لا يكفر كفراً أكبر مصادم للنص6.] 6 - قال الشيخ أبو محمد المقدسي حفظه الله تعا "وكل أحد يعلم أن اتباع الهوى يكون في المعصية كما يكون في الكفر .. وعدم التفريق بين هذا وذاك زلة عظيمة. - فالزاني حين يزني وشا رب الخمر والسارق، كلٌّ مخالف لشرع الله ومتبع لهوا ه .. - ومن كفر بالله وسجد للصنم أو سب الدين أو شرّع مع الله، مخالف لشرع الله ومتبع لهواه أيضاً. * فالذين أكفرهم الله في آيات المائدة، نعم؛ قد أقروا بحكم الله في الرجم، وتركوا تحكيمه اتباعاً للهوى، ولكن كان ذلك اتباعاً وتحاكماً منهم لشر ع آخر (تحاكموا إلى الطاغوت) .. * والذين يُثل بهم محمد بن إبراهيم وَمِنْ قبله ابن القيم وابن أبي العز ممن أقروا بحكم الله، والتزموه ودانوا به، ثم لم يحكموا به في الواقعة كان ذلك اتباعاً للهوى أيضاً لكن كمعصية، دون اتباع أو تح كيم لشرع آخر .. ولا بدَّ من التفريق .. ولعدم تفريق الم صنف بين الصورتين تراه هنا يرمي الشيخ محمد بن إبراهيم بالتناقض لمَّا قال في موضع آخر من فتاويه: "لو قال من حكّم القانون أنا أعتقد أنه باطل، فهذا لا أثر له ... الخ". - والصواب أنه لم يتناقض، بل كلامه الأخ ير في الحكم بغير ما أنزل الله: ( التحاكم إلى القوانين). - والأول في ترك حكم الله في الواقعة كمعصية، لمن كان ملتزماً بحكم الله في الأصل ولم
عدد الصفحات ٢٣٧238 يتحاكم إلى شرع سواه، وهو الذي يشترط فيه الأكثرون الجحد للتكفير، واشترطه ابن إبراهيم، بينما بينّ أنه لا أثر لدعوى صحة ا لاعتقاد في التكفير، في النوع الآ خر الطاغوتي. * وكذلك اعترض (ص 875 - 876) على تفصيل الدكتور عمر عبد الرحمن في كتابه "أصناف الحكام وأحكامهم" وبالتحديد على النوع الأول الذي ذكره الدكتور ولم يكفّره، لأنه ملتزم بشرع الله، وترك حكم الله في الواقعة عصياناً لا اتباعاً لشرع آخر .. فاستدل المصنف بآية الأنعامتموهم إنكم لمشركون 121] فيها وفي آية المائدة قضية واحدة، فدخول هذه الصورة في حكم النص، قطعي" أه . ومعلوم في سبب نزول آية الأنعام أنها تتكلم فيمن اتبع تشريعاً غير تشريع الله، فلا خلاف في أن مثل هذا يكفر دون اشتراط الجحد .. أما الصورة التي ذكرها الدكتور عمر عبد الرحمن، فهي صورة القاضي الملتزم شرع الله الذي يدين به ولا يتبع شرعاً سواه، وإذا ترك حكم الله في الواقعة تركه عصياناً، وهي الصورة التي يُثل بها أكثر من يشترطون الجحد من العلماء المحققين. أما صورة الحكم الطاغوتي التشريعي، فهذه هي الصورة التي لا يشترط الجحد فيها لأجل التكفير، إلا المرجئة، ومنه يتضح تسرّع المصنف بقوله (ص 655) عن الدكتور عمر عبد الرحمن في هذا ا لموضوع على وجه الخصوص: "والشيخ الذي ذكرته له كتاب بعنوان "أصناف الحكام وأحكامهم" يأتي نقده في المبحث الثامن في موضوع الحكم بغير ما أنزل الله إن شاء الله وهو على نفس القول الأول في الإرجاء" أه . ولذلك فإنّ استشهاد المصنف بعد ذلك (ص 876) بكلام ابن كثير في تف سير… {عد أن ذكر ياسق التتار: (فمن فعل ذلك فهو كافر) قال المصنف: "ولم يقل فمن اعتقد أو فمن جحد" أه . نقول: هذا صحيح ولا يلزم أن يقال أو يشترط مثل ذلك في تحكيم شرائع الكفر أو التشريع مع الله وسائر الأعمال والأقوال المكفّرة .. ولكن إيراده في الرد على النوع الأول ال ذي ذكره الدكتور عمر فَ كّ الله أسره، غير سديد كما
عدد الصفحات ٢٣٨239 تبين لك * وكذا (ص 877) في ردّه على الأستاذ محمد شاكر الشريف الذي وضع شروطاً ثلاثة يكفر معها من ترك الحكم بما أنزل الله، وإن سمّاه (الحاكم بغير ما أنزل الله) فإن شروطه تفصح عن أنه لا يعني صورة الحكم الط اغوتية؛ وملخصها: 1 - أن يكون ملتزماً ظاهراً وباطناً بكل حكم وتشريع جاء عن ا 2 - أن يكون مُقِرّاً معترفاً بأنه حين ترك حكم الله في الواقعة المعينة صار آثماً، وأنّ حكمه خطأ وحكم الله هو الصواب. 3 - أن يكون الحكم المخالف (أي الذي حكم به لمّا ترك حكم الله) حكماً في وقائع الأعيان وليس في الأمور الكلية العامة. وقال المصنف عقبه: "وأراد بوقائع الأعيان: الحكم في قضية معينة، وأراد بالحكم في الأمور الكلية العامة: وضع التشريع المخالف لشريعة الإسلام، انظر كتاب (إن الله هو الحكم) " أه . والمصنف يعرف أن الأستاذ اشترط هذا الشرط الواضح، ومع هذا فقد قال: "وحاصل كلامه يرجع إلى كلام من سبقه -الدكتور عمر عبد الرحمن" أه . واعتبر الشرط الثالث تعليقاً من الكاتب لمناط التكفير في هذه المسألة بالتشريع، مع أن كلام الأستاذ يحتمل أيضاً متابعة المشرعين أو تحكيم التشريعات الباطلة .. وقال في ردّه عليه: "فإن الله حكم بالكفر فيها -أي آية- على من تركوا حكمه في وقائع الأعيان (حد الرجم) ... " أه . والصواب كما عرّفناك: أنهم تركوا جنس حكم الله في زنا المحصن (الرجم) واجتمعوا في ذلك على تشريع آخر حكموا به بدلاً من حكم الله .. وهذا يختلف كل الإختلاف عمّا يُثّل به كثير من المتقدمين والمتأخرين في الحاكم بشرع الله إذا عصى وترك حكم الله في الواقعة، دون أن يتبع شرعاً آخر .. وهي الصورة التي يصرّ المصنف على إدراجها تحت النوع الكفري، بل ويجعلها صورة سبب النزول .. بل يصف (ص 878) جميع من فرّقوا بالصورتين، واشترطوا الجحد للتكفير في الصورة غير
عدد الصفحات ٢٣٩240 المكفّرة، بأنهم قالوا بمقالة غلاة المرجئة الذين يشترطون الجحد للتكفير بالذنوب المكفّرة ولا شك أن هذه مجازفة قد يدخل فيها من اشترط مثل ذلك من السل ف .. وهذه الصورة من الحكم التي يصفها العلماء بأنها معصية لا يكفر فاعلها إلا بالجحود أو الإستحلال، يرتكبها فاعلها في الواقعة، كمعصية يتأثمّ في فعلها ويعلم أنه مخطئ، وهو في الأصل محكّم لشرع الله، وهو منهجه ودينه الذي يدين به .. وهذه لا تشبه بحال صورة من نبذ شرع الله ولو في حكم واحدٍ من أحكامه سبحانه، وتولىّ عنه واتبع شرع الطاغوت، فهذه صورة من صور التوليّ والإعراض والامتناع عن حكم الله والتحاكم إلى الطاغوت .. ولذلك كان كلام المصنف أسدّ حين جعل (ص 870) مناط التكفير هو الامتناع عن الحكم فقال: "والامتناع هو سبب ك فر مانعي الزكاة".أه وذكر امتناع إبليس م ن السجود وهو كفر الإب اء الكافرين 34] وذكر قول أ بكر الصديق رضي الله عنه: "والله لو منعوني عقالاً". وقول ابن تيمية أن الكفر "يكون مخالفة ومعاداة وامتناعاً بدون تكذيب" أه . فهذا أسدّ وأدقّ من دندنته حول مطلق الترك لحكم الله الذي تقدم مراراً، فإن لفظة الترك تشترك فيها المعصية والتولي الكفري .. ولا بدّ من التفريق .. ثم نحن لسنا مضطرين إلى الخوض في صورة الترك كمعصية .. فواقع الحكم اليوم طاغوتي صريح في الكفر .. حيث جمع الحكام فيه بين التوليّ عن شر ع الله، والامتناع عن تحكيمه، مع التشريع مع الله والتحاكم إلى الطواغيت المتفرقة على كافة المستويات المحلية والدولية في جميع نواحي حياتهم .. * وكذلك قال (ص 873): "فالحكم بغير ما أنزل الله بسبب الرشوة كفر أكبر لأنه صورة سبب النزول" أه . و ذلك بعد أن ذكر أن الله وصف اليهود بأنهم "أكّالون للسحت". وساق رواية الطبري في أنّ ملكاً لليهود ترك رجم قرابته، ثم أراد رجم غيره فقام دونه قومه، فاصطلحوا عندها بينهم
عدد الصفحات ٢٤٠