المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

محاسن شريعة الرحمن وفساد شريعة الشيطان

حسن التمام

صفحة ١٤ من ٢٨

209 * بالنسبة للسبب: أن ترك الحكم بما أنزل ا { في الآية الثانية، وُصِفَ بأنه التولي عن حكم ا الآية الأولى. * وبالنسبة للحكم: فإن نفي الإيُان في الآية الأولى، وُصِفَ بأنه الكفر في الآية الثانية، بما يعني أن المراد نف ي أصل الإيُان لا كماله الواجب، فقد ذكرت في مبحث الاعتق اد عند نقد كلام ابن حجر في شرح كتاب الإيُان بصحيح البخاري، أن نفي الإيُان قد ي راد به نفي أصله بما يرا دف الكفر، أو نفي كماله الواجب بما يرادف الفسق، ويعرف المراد بالنفي في كل موضع بالقرائن. وذكرت هناك مر اجع المسألة في (مجموع فتاوى ابن تيمية) 7/ 14 - 15،37 - 42،337. ونعود مرة أخرى للكلام في السبب المشترك في الآيتين، حيث وُصِفَ مرة بترك الحكم بما أنزل الله { التولي عن حكم اما التولي؟ وقد ذكرت معناه اللغوي في نقد (الرسالة الليم انية في الموالاة) بآخر مبحث الاعتقاد، عند الكلام في المعنى اللغوي للموالاة، وأن (تولاه) معناها: اقترب منه وتاب َعَه، و (تولى عنه) معناها أعرض عنه وانصرف، ونقلت عن الراغب الأصفهاني أنه إذا جاءت كلمة (تولي ) بمعنى أعرض وانصرف ولم تتعد ب (عن) في اللفظ فينبغي تقدير (عن) بعدها. والتولي في هذه الآية معناه الإعراض، وفيه (عن) مقدَّرة وكأن اللفظ هو "فيها حكم الله ثم يتولون عنه" هذا معناه اللغوي. أما معناه الشرعي: فالتولي ضد الطاعة، فهو الانصراف عن الطاعة بما يعني

عدد الصفحات ٢٠٩

210 الترك والامتناع ويبينّ ذلك ما قال الطبري في تفسير قوله تعاوكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك ، قال رحمه الله: (يعني تعالى ذكره: وكيف يحكمك هؤلاء اليهود يا محمد بينهم، فيرضون بك حَكَماً بينهم، وعندهم التوراة التي أنزلتها على موسى، التي يقرّون بها أنها حقّ، وأنها كتابي الذي أنزلته على نبيي، وأن ما فيه من حكم فمن حكمي، يعلمون ذلك لا يتناكرونه، ولا يت دافعونه، ويعلمون أن حكمي فيها على الزاني المحصن الرجم، وهم مع علمهم بذلك يتولَّوْن، يقول: يتركون الحكم به بعد العلم بحكمي فيه جراءةً عليّ وعصياناً لي - إلى أن قال - وأصل التولي عن الشيء: الانصراف عنه، كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، ثني حجاج، عن ابن جري ج، عن عبد الله بن كثير (ثم يتولون من بعد ذلك) قال: توليهم: ما تركوا من كتاب الله) (تفسير الطبري) 6/ 247 - 248 وهذا الكلام يبينّ بجلاء أن مناط التكفير في آية المائدة هو مجرد ترك الح كم بما أنزل الله لا جحده، لأن الذين أنزلت فيهم الآيات كانوا - كما قال الطبري - (يقرون بها أنها حق ... يعلمون ذلك لا يتناكرونه) فالتولي والترك شيء والجحد أو التكذيب شيء آخر - لأن الجحد هو التكذيب الظاهر باللسان كما أسلفت - وفي بيان الفرق بين التولي والتكذي ب وأنهما أمران مختلفان قال ابن تيمية رحمه الله: (و "التولي" هو التولي عن الطاعة، كما قال تعاستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يُسلمون، فإن تطيعوا يؤتكم الله أجراً حسناً، وإن

عدد الصفحات ٢١٠

211 تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذاباً أليما- الفتح 16 - ، وقال تعافلا صَدَّق ولا صلى، ولكن كذّب وتو- القيامة 31 و32 - ، وقد قالتعالى{ :لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتو - الليل 15 و16 - ، وكذلك قال موسى وهارون على من كذب وتو 48 - ، فعُلِمَ أن التوليّ ليس هو التكذيب، بل هو التولي عن الطاعة، فإن الناس عليهم أن يصدقوا الرسول فيما أخبر ويطيعوه فيما أمر، وضد التصديق التكذيب، وضد الطاعة التولي) (مجموع الفتاوى) 7/ 142، ويظهر من كلام شيخ الإسلام أن الإيُان عند أهل السنة - وهو ما دلّ عليه الكتاب والسنة - لابد فيه من التصديق بالقلب واللسان مع الطاعة بأداء أعمال الإيُان، وهو معنى قول أهل السنة (الإيُان قول وعمل)، وأن الإيُان ينتفي بما يضاد التصديق وهو التكذيب والجحد، كما ينتفي بما يضاد الطاعة وهو التولي بترك المأمور به أو فعل المنهي عنه والمقصود هنا ما يخُل منها بأصل الإيُان كما بيّنته في التنبيه الهام المذكور بمبحث الاعتقاد، فمن حصر الكفر في الجحد فقد حصر الإيُان في التصديق وهذا قو ل المرجئة وهو قول باطل كما فصّلته بمبحث الاعتقاد، وفي هذا قال ابن تيمية رحمه الله (والكفر لا يختص بالتكذيب، بل لو قال: أنا أعلم أنك صادق لكن لا اتبعك، بل أعاديك وأبغضك وأخالفك ولا أوافقك، لكان كُفره أعظم، فلما كان الكفر المقابل للإيُان ليس هو التكذيب فقط، عُلِمَ أن الإيُان ليس هو التصديق فقط، بل إذا كان الكفر، يكون تكذيبا، ويكون مخالفة ومعاداة

عدد الصفحات ٢١١

212 وامتناعاً بلا تكذيب، فلا بد أن يكون الإيُان تصديقا مع موافقةٍ وموالاةٍ وانقياد، لا يكفي مجرد التصديق4]7/ 292. 4 - قال العلامة أبو محمدالمقدسي حفظه الله تعالى: "تكلم المصنف في (التوليّ) المذكور قبل آية المائدة وقرر أن التولي هو عين الترك الذي تكلم فيه من قبل .. والصواب أن التولي أبلغ من الترك. فالتولي نوع من أنواع الكفر كما بين الله تعا [31، 32] (ولكن كذّب) فكذلك التولي نوع من أنواع الكفر وهو يقابل ال طاعة والانقياد والاستسلام، (ولا صلى) ... (وتولى). وكل من النوعين كفر مخرج عن الملة، وقد يجتمعان فيصيران كفراً فوق كفر، وقد قال شيخ الإسلام: "التولي ليس هو التكذيب بل هو التولي عن الطاعة، فإن الناس عليهم أن يصدقوا الرسول فيما أخبر و يطيعوه فيما أمر، وضد التصديق التكذيب، وضد الطاعة التولي) مجموع الفتاوي (7/ 142.) فالتولي المذكور في قوله تعا تولّون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمن هم الكافرون43 - 44] الآية على حقيقته، ويؤكد هذا سبب النزول كما تقدم، فهذا لا نخالف فيه المصنف .. ولا نشترط فيه الجح د لأجل التكفير. وإنما نخالفه كما تقدم بإدراجه الترك المجرد كمعصية، الذي هو (مطلق الترك) تحت التولي المكفّر الذي هو (الترك المطلق) وبالتالي نخالفه في إنكاره على من اشترط الجحد أو الاستحلال لأجل التكفير في (مطلق الترك) وهي صورة الحكم القديُة التي يذكرها السل ف عادة .. * وقد وضح المصنف قصده في الخلاصة (ص 866.)

عدد الصفحات ٢١٢

213 فذكر أن الآية عامة تتناول بلفظها العام حتى ال قضاة بالشرع .. وهذا حق ول كن الشأن في التفصيل. فقد جعل مناط التكفير فيها هو ترك الحكم قال: (الذي يلازمه دائماً الحكم بغير ما أنزل الله كما دلّ عليه سبب النزول) أه . وقد قدّمنا لك أن (الحكم بغير ما أنزل الله) الذي لازَمَ ترك حكم الله في سبب النزول، هو الحكم بالشرع المخترع واتباعه. و ليس هو المعصية واتباع الهوى، فهذا أيض اً يندرج تحت الحكم بغير ما أنزل الله = = إن فعله القاضي المسلم الذي يدين بشرع الله، لكنه قضى فترك حكم الله في الواقعة دون أن يتبع شرعاً آخر مخترع، فهو قد حكم بغير ما أنزل الله، ولكن ليس بالمعنى الكفري الطاغوتي، ولذلك اشترط من اشترط من السلف، الجحد أو الاستحلال في تكفيره شأن ذلك شأن سائر المعاصي غير المكفرة .. والخلاصة: أن الحكم بغير ما أنزل الله الذي يلاز م ترك حكم الله إما أن يكون: - - حكماً بالشرع المخترع (تحاكماً للطاغوت). - أو معصية ومتابعة للهوى و الرشوة. - فالأول: هو صورة سبب نزول الآية ولم يختلف السلف في أنه ا عمل مكفر لا يفتقر إلى الجحد والإستحلال للتكفير فيه .. - والثاني: ليس هو سبب نزول الآية ولذلك و رد بعض الخلاف عن السلف فيه، واشترط جمهورهم الجحد والاستحلال للتكفير فيه .. والمصنف ي ُلْحق الصورة الثانية بالأولى، ولا يفرّق بينهما في اشتراط الجحد ويقول بأن ذلك كله من صورة سبب النزول. ولذلك قال بعد ذلك: (4 - إن الحكم بالكفر يقع على من ترك حكم الله في قضية واحدة... ). قلت: لو أراد: إن تحاكم فيها لغير شرع الله أي إلى الطاغوت، فصواب. لكنه أعرب عن قصده الذي بيّناه لك من قبل فقال: (والخلاصة أن كل من ترك حكم الله

عدد الصفحات ٢١٣

214 في قضية أو نازلة وحكم فيها بغير ما أنزل الله متعمداً غير مخطئ، فهو كافر كفراً أك ويدخل في هذا الحكام والقضاة الحاكمين بالقوانين الوضعية .. إلى قوله: (وإنما يردُ هذا التفريق في حق قضاة الشريعة ال ذين يلتزمون الحكم بال شريعة في الأصل، فمن خالفها منهم متعمداً كفر، ومن خالفها مخطئاً لم يكفر بل هو مأجور باجتهاده إن كان من أهل الاجتهاد.. ) أه . وكذا ص ( 879 )قال في الخلاصة: (ولا يستثنى من هذه الأحكام إلا الحاكم أو القاضي الشرعي المجتهد المخطئ) وقال ص ( 877): كل من قسّم الحكم بغير ما أنزل الله إلى قسمين (كفر أصغر وكف ر أكبر) فهو مخطئ، فإن الحكم بغير ما أنزل الله كفر = = أكبر لا غير، ولا ينجو من هذا الوعيد إلا المجتهد المخطئ يدل على أن كلامه يتناول الحكم بغير ما أنزل الله بصورة الترك المجرد كمعصية، دون التحاكم إلى شرع آخر، إذ لا يسوّغ للمجتهد اتباع شرع آخر بحال. وتأمل كيف ح صر المخالفين لحكم الله في الموضع الأول، في (المجتهد المأجور) وفي مقابلة (الكافر). وليس ثم وسط بينهما عنده وهو (العاصي أو الفاسق أو الظالم) ... خصوصاً وأنه صرّح بأنه يعني من كان ملتزماً بالشرع، و أطلق المخالفة بحيث لا تختص بالتحاكم إلى الطاغوت، بل وتشمل التر ك المجرد كمعصية متابعة للهوى أو الرشوة، تلك الصورة التي اشترط السلف الجحد والاستحلال للتكفير فيها .. ولأجل ذلك ترى المصنف في كتابه قد خطّأ في هذا كل من خالف مذهبه هذا، من المتقدمين والمتأخرين .. بدءاً بابن عباس كما تقدم ومن قال بقوله من السلف ثم ابن القيم وابن أبي العز وقد تقدم .. * ثم عاد ص 871 وخطّأهما في اشتراط الجحد ونحوه لتكفير تارك الحكم بالصورة القديُة التي يتناولها السلف ثم قال: "فاعتقاد وجوب الحكم مع العدول عنه، هي صورة سبب نزول الآية وحكم الله بأنها كفر أكبر لا أصغر" أه . فقد وضح أن سبب النزول ليس هو فقط، العدول عن حكم الله من جنس المعصية والهوى،

عدد الصفحات ٢١٤

215 والحاصل: أن أهل السنة القائلين بأن الإيُان قول وعمل يُكفِّرون بالأعمال - من الأقوال والأفعال والتروك - التي نصّ الشارع على كفر فاعلها، أما المرجئة القائلون بأن الإيُان هو التصديق وليس العمل منه، فلا يُكَفّرون بشيء من الأعمال، بل ليس الكفر عندهم إلا التكذيب والجحد أي: ما يضاد التصديق، ولكن الفقهاء والمتكلمين من المرجئة قالوا مع ذلك إن العمل (قول أو فعل أو ترك) الذي ن ص الشارع على كفر فاعله فإنه علامة على أنه مكذب بقلبه، ويكفرونه بذلك العمل، وجعلوا الجحد لازما لا ينفك عن التكفير بمثل هذا العمل، بّلاف غلاة المرجئة الذين جعل وا الجحد شرطا مستقلا للتكفير في هذا الموضع كما شرحته في تعليقي على العقيدة الطحاوية بمبحث الاعتقاد. والخلاصة: أن مناط التكفير في قوله تعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرونم بما أنزل الله الذي جاء مفسراً في الآية قبلها بأنه التولي عن حكم الله أي: تركه وعدم طاعته لا التكذيب به وجحده، فمن اشترط الجحد للتكفير هنا فقد خالف النص وشر طه باطل كما قال صلى الله عليه وسلم (من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط) الحد يث متفق عليه، ومما يزيد هذا بياناً: 2 - الدليل الثاني: وهو ما ذكرته في المقدمة الخامسة عشرة من أن ا لذنوب بل هو الإعراض والتوليّ عنه مع تحكيم الشرع المخ ترع بدلاً منه ولو في حكم أو حدٍّ واحد..".

عدد الصفحات ٢١٥

216 التي نصّ الشارع على كفر فاعلها فإنه يحكم عليه بالكفر بمجرد فعلها دون تقييد ذلك بجحد أو استحلال، بّلاف الذنوب التي لم يثبت عن الشارع كفر فاعلها فلا يكفر إلا إذا جحدها - إن كانت من الواجبات - أو استحلها - إن كا نت من المحرمات -. وقد ذكرت في المقدمة الخا مسة عشرة والتي شرحتها في التنبيه الهام المذكور عقب تعليقي على قول الإمام الطحاوي (ولا يخرج العبد من الإيُان إلا بجحود ما أدخله فيه)، ذكرت أن التفريق بين هذين النوعين من الذنوب (المكفّرة والمفسِّقة) وعدم اشتراط الجحد أو الاستحلال للتكفير بالأولى مع اشتراطه في الثانية أن هذا ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة حتى أ ن مخُالِفَه يكفر، ولهذا أكفر السلف من يشترط الجحد للتكفير بالذنوب المكفرة كما ذكره ابن تيمية في (مج موع الفتاوى) 7/ 205 و209. ومن الأدلة التي ذكرتها في التنبيه الهام المشار إليه: إجماع الصحابة على تكفير تارك الصلاة بمجرد الترك، مع إجماعهم على عدم تكفير شار ب الخمر إلا إذا استحلها، وذلك لأن النص أثبت الكفر لتارك الصلاة بمجرد الترك وهو قوله صلى الله عليه و سلم (بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة) رواه مسلم، في حين لم يثبت نص في تكفير شارب الخمر فلا يكفر إلا بشيء مكفّر زيادة على الشرب، وهو استحلال شربها بما يعني التكذيب بالنص المحرم لها، وهذا التكذيب كفر. فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال (بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة)، فقد قال تعاومن لم يحكم بما أنزل ا لله فأولئك هم

عدد الصفحات ٢١٦

217 الكافرون} بما أنزل الله كفر أكبر معرف بأل - (الكافرون) - فهذا تركٌ مُكَفِّر، وهذا تركٌ مكفّر نص الشارع على أن فاعله كافر كفراً أكبر ، فمن اشترط الجحد أو الاستحلال للتكفير هنا فقد استدرك عل ى الله وخالف الكت اب والسنة وإجماع الصحابة الذي هو سبيل المؤمنين، وقال تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غ ير سبيل المؤمنين نولّه ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا115. يبقى بعد ذلك التنبيه على قاعدتين هما أساس أخطاء معظم المعاصرين في موضوع الإيُان والكفر، ومنه الخطأ في موضوع الحكم بغير ما أنزل ا 5.] 5 - قال الشيخ أبو محمد المقدسي حفظه الله تعا "في الشبهة الثالثة: ذكر أقوال من جعل مناط التكفير في آية: = { في التكف في هذه الصورة ومن لم يشترط، مع أنه في عنوان الشبهة (ص 862) قال: (ترك الحكم بما أنزل الله والحكم بّلافه). - فإن أراد: (الحكم بّلافه) أي : بشرع آخر فهذا كما عرّفناك ليس هو ما يشترط فيه السلف الجحد، ومن ثم فلا داعي هنا لإيراد مقالاتهم التي يشترطون فيها الجحد، ثم تكلّف الرد عليها، إذ ليس هذا مناطها .. - وإن أراد: (بالحكم بّلافه) الهوى والشهوة والمعصية والرشوة، وذلك لا شك كله خلاف حكم الله .. فلا داعي هنا كما قدمنا لتخطئة من اشترط الجحد والاستحلال من السلف. كما فعل مع ابن عباس رضي الله عنه حيث أورد ما يُنسب إليه من أنه قال: (من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقرّ به ولم يحكم فهو ظالم فاسق) أه . (863) حيث جعل كلامه مصادماً لنص الآية.

عدد الصفحات ٢١٧

218 وقد عرّفناكفيما مضى أن كلام من قال مثل ذلك من السلف، غير مصادم للآية لأنهم لم يقولوا ذلك في مناطها بل قالوه في المناط الذي أنزلها الخوارج فيه. وأن مناط الآية الذي أنزلت فيه هو ترك حكم الله مع التشريع أو التواطؤ والتحاكم إلى شرع آخر غيره، وهو الذي قال عنه البراء: (في الكفار كلها) ولم يخالف أحد من السلف في أنه كفر أكبر. لأن اتباع غير تشريع الله شرك صراح كما نص الله تعالى في سو رة الأنعام وغيرها، وابن عباس رضي الله عنه نفسه روى سبب نزول قوله تعا 121]صحيح، فابن عباس وسائر الصحابة لا يشكّون بأنّ متابعة غير تشريع الله كفر مجرّد، ومن ثم فلم يشترط أحد منهم للتكفير بذلك، الجحد أو الاستحلال، وإنما اشترطوا ذلك لما هو من جنس المعاصي غير المكفرة، وقد عرفت صورته فيما تقدم .. ومن هذا تعرف مجانبة المصنف للصواب بقو له في الموضع نفسه (ص 863): (فالله سبحانه علّق الكفر على ترك الحكم بما أنزل اقه على جحد ما أنزل الله، فأثبت مناطاً للحكم غير المناط الوارد في الآية) أه . نعم، وحقَّ له أن يفعل ذلك، لأنه لا يفسّر بكلامه هنا الآية، فقد عرفت تفسير السلف لها في سبب النزول .. وإنما هو يتكلم في واقع ليس فيه مناطها، ولذلك اشترط الجحد .. فقد قدّمنا لك أن لفظ الآية عام، فيشمل ظاهرها الترك المجرد كمعصية، كما يشمل الحكم بغير ما أنزل بمعناه التشريعي الكفري، فهي إن لم تفهم على ضوء سبب النزول وأبقيت على عمومها هذا، صارت من المتشابه، ولذلك تمسّك الخوارج بظاهرها لتكفير كل من عصى الله كما زعموا .. ولكن عند رد المتشا به إلى المحكم، وفهم نص الكتاب على ضوء بيان السنة النبوية، كما هي طريقة الراسخين في العلم، يظهر من سبب النزول أن مناط التكفير في الآية، هو الإعراض عن حكم الله ولو في حدٍّ واحد من حدود الشرع، والحكم بشرع آخر غيره، فهذا هو المناط المكفِّر الذي لا يذكر معه الجحد.

عدد الصفحات ٢١٨

219 القاعدة الأولى: وهي قول أهل السنة (لا نكفر مسلماً بذنب ما لم يستحله) وهي قاعدة صحيحة، ولكن الخلل في فهم كثير من المعاصرين لها، فقد ظنوا أن كلمة (ذنب) فيها تعني أي ذنب كان - كما قاله الألباني، وبينت خطأه في أخطاء التكفير بمبحث الاعتقاد - وليس الأمر كذلك، بل المقصود بالذنب فيها الذنوب غير المكفرة كالزنا والربا والخمر والسرقة فهذه لا يكفر فاعلها إلا باستحلالها وقد قال أهل السنة هذه العبارة - كما ذكر ابن تيمية - للرد على الخوارج الذي يكفرو ن بالذنوب غير المكفرة بمجرد فعلها، أما الذنوب المكفرة فلا يسمى فاعلها مسلماً، وبالتالي فلا تسري عليه هذه القاعدة، وانظر شرحاً موجزاً لذلك بالمقدمة السادسة عشرة، والتفصيل مذكور بتعليقي على العقيدة الطح اوية بأول مبحث الاعتقاد. أما القاعدة الثانية: فهي قول الطحاوي رحمه الله ( ولا يخرج العبد من الإيُان إلا بجحود ما أدخله فيه) أه . وهذا خطأ وبيّنت خطأه كما بينت معنى هذه العبارة عند المر جئة وذلك في التعليق عليها بمبحث الاعتقاد بما يغني عن إعادته هنا، ويكفيك هنا قول ابن تيمية المذكور آنفا (والكفر لا يختص بالتكذيب ... ) إلى آخر ما نقلته عنه من (مجموع الفتاوى) 7/ 292. وقد كان هذا كله في بيان أنه لا يشترط الجحد أو الاستحلال للحكم أما ما كان ينتقده الخوارج على ولاة زمانهم ويستدلون بالآية منزلينها على غير مناطها، فهو الذي اشترط له السلف الجحد، وأوَّلوا الآية فيه، والحق كما قدّمنا لك أن تبقى على ظاهرها في مناطها .. وأن تؤَوّل إذا أنزلت في غير مناطها".

عدد الصفحات ٢١٩

220 بالكفر الأك على (من لم يحكم بما أنزل الله)، وقد ذكرت دليلين على بطلان هذا الشرط: أحدهما: أن اشتراط الجحد مخالف لمناط التكفير الوارد في الآي ة والذي هو مجرد ترك الحكم وال تولي عنه. والثاني: أن الكفر في الآية هو الكفر الأكبر وقد ثبت ذلك بأربعة أدلة - اتفاق الصحابة ودلالة اللغة ودلالة عرف الشارع ودلالة الشرع - ذكرتها في الرد على الشبهة الثانية - ورتب الله الكفر الأكبر على ترك الحكم بما أنزل الله بما يعني أن هذا الترك ذنب مكفِّ ر، وهذا لا يشترط جحد أو استحلال للتكفير به كما دلّ على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، ومن خالف في ذلك فقد خالف النص والإجماع، وقال بقول غلاة المرجئة الذين أكفرهم السلف لاشتراطهم الجحد للتكفير بالذنوب المكفرة يُا ينطوي عليه هذا الشرط من رد حكم الله بكفر من فع ل هذه الذنوب بمجرد فعلها، كما ذكرته في المقدمة الخامسة عشرة. خلاصة القول في تفسير قوله تعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون بعد الرد على الشبهات الثلاث الواردة على الاحتجاج بهذه الآ ية، وبيان الحق والقول الراجح في كل منها، ألخص ما سبق فيم ا يلي: 1 - أن الآية عامة: ي َعُم حكمُها كل من يتناوله لفظها، أي كل (من يحكم بما أنزل الله) من الحكام والقضاة أو غيرهم ممن يتصدى للحكم بين الناس، وسواء كان القاضي يحكم بالشرع في الأًصل كقضاة الشريعة، أو

عدد الصفحات ٢٢٠

221 كان لا يحكم به في الأَصل كقضاة القوانين الوضعية، فإن هؤلاء جميعهم يعمهم لفظ الآية إذا تركوا الحكم بما أنزل الله. 2 - أن الكفر في الآية هو الكفر الأكبر المخرج من الملة 3 - أن مناط التكفير في هذه الآية هو ترك الحكم بما أنزل الله والذي يلازمه دائما الحك م بغير ما أنزل الله كما دل عل يه سبب النزول، وهذا المناط هو سبب الحكم بالكفر الوارد في الآية دون النظر إلى الباعث على هذا السبب، فسواء كان الباعث هوىً أو رشوة أو قرابة أو جحداً أو استحلالاً أو كراهية لما أنزل الله وتفضيل غيره عليه أو غير ذلك من البواعث، فإن هذا كله لا يؤثر في الحكم الذي يترتب على السبب لا الباعث عليه، وقد ذكرت الفرق بين أسباب الكفر وأنواعه وبواعثه ضمن أخطاء التكفير المذكورة بمبحث الاعتقاد. 4 - أن الحكم بالكفر يقع على من ترك حكم الله في قضية واحدة أو جميع أقضيته، وذلك لأن الحكم بالكفر - في سبب نزول الآية - وقع على من ترك حكم الله في قضية واحدة و هي حكم الزاني المحصن، وصورة سبب النزول قطعية الدخول في النص كما في المقدمة السابعة. والخلاصة: أن كل من ترك حكم الله في قضية أو نازلة وحكم فيها بغير ما أنزل الله متعمداً غير مخطئ فهو كافر كفراً أكبر، و يدخل في هذا الحكم دخولاً أولياً جميع الحكام والقضاة الحا كمين بالقوانين الوضعية، لأن مجرد التزامهم الحكم بهذه القوانين هو تعمد منهم لترك حكم الله والحكم بغيره، فهؤلاء لا يرد فيهم التفريق بين المتعمد والمخطئ، وإنما يرد هذا التفريق في

عدد الصفحات ٢٢١

222 حق قضاة الشريعة الذين ي لتزمون الحكم بالشريعة في الأص ل، فمن خالفها منهم متعمداً كَ فَر، ومن خالفها مخطئا لم يكفر بل هو مأجور باجتهاده إن كان من أهل الاجتهاد لحديث عمرو بن العاص مرفوعا (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) متفق عليه، إلا أن المخطئ من قضاة الشرع حكمه مردود يج ب نقضه إذا خالف الثابت في الشرع للحديث (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) رواه مسلم. وهذا الذي رجّحنا أنه الحق في هذه الآية - من أنها عامة في كل من تعمّد ترك حكم الله والحكم بغيره أنه كافر كفراً أكبر - قال به كثير من أهل الع لم من الصحابة والتابعين رضي ا لله عنهم، وبذلك ترى أن ما ذك رناه لم يخرج عن مجموع أقوالهم، وهذا تحقيق لما ذكرناه في المقدمة الرابعة من أن الصحابة إذا اختلفوا - وإن أسقط هذا الاختلاف الحجة في قولٍ معين من أقوالهم كما في المقدمة الثالثة - إلا أنه لا بد أن يكون الحق في قولٍ من أقوالهم إذ لا يخرج الحق عنهم جميعا، ويعرف المُحق منهم بالترجيح كما قال مالك - في اختلاف الصحابة - (مخطئ ومصيب فعليك بالاجتهاد) وذكر ابن القيم في أصول مذهب أحمد بن حنبل (الأَصل الثالث من أصوله: إذا اختلف الصحابة تخيرَّ من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة، ولم يخر ج عن أقوالهم) (اعلام الموقعين) 1/ 31، وقوله (ولم يخرج عن أقوالهم) لأن الحق واحدٍ منها كما في المقدمة الرابعة. وممن قال من السلف بما رجّحناه في هذه الآية:

عدد الصفحات ٢٢٢

223 1 - ما نقله العلامة محمد جمال الدين القاسمي في تفسيره قال (ونقل "اللباب" عن ابن مسعود والحسن والنخعي: أن هذه الآيات الثلاث عامة في اليهود وفي هذه الأمة، فكل من ارتشى وبّدل الحكم فحكم بغير حكم الله، فقد كَفَر وظَلَم وفسق، وإليه ذهب السُّدّي، لأنه ظاهر الخطاب. ثم قال: وقيل: هذا فيمن عَلِمَ نصّ حكم الله ثم ردّه عياناً عمداً و حَ كَم بغيره، وأما من خفي عليه النص أو أخطأ في التأويل فلا يدخل في هذا الوعيد. انتهي. وقال إسماعيل القاضي في "أحكام القرآن" ظاهر الآيات يدل ع لى أن من فعل مثل ما فعلوا - يعني اليهود - واخترع حُكماً يخُالف به حكم الله، وجعله ديناً يُعمل به، فقد لزمه مثل ما لزمهم من الوعيد المذكور، حاكما كان أو غيره) (محاسن التأو يل) للقاسمي، 6/ 215 - 216، ط دار الفكر 1398 ه وما نقله القاسمي عن إسماعيل القاضي ذكره ابن حجر في (فتح الباري) 13/ 120، ومعنى كلام إسماعيل هو ما ذكرته في المقدمة السابعة من أن صورة سبب النزول قطعية الدخ و ل في النص، ونقل السيوطي الإجماع على ذلك، وصورة واقعن ا المعاصر من الحكم بالقوانين الوضعية هي صورة سبب النزول وهي تعمد ترك حكم الله والحكم بشرع مخترع يخالفه مع جعله ديناً يُعمل به أي: نظاماً مُلزماً كما ذكرته في معنى الدين في المقدمة الأولى، والحاكمون بالقو انين الوضعية لا يَرِد فيهم ما ذكره القاسمي من التفريق بين المتعمد والمخطئ والمتأول فهذا يرد في قضاة الشريعة، أما الحكام بالقوانين

عدد الصفحات ٢٢٣

224 الوضعية فهم متعمدون ترك حكم الله والحكم بغيره بمقتضى التزامهم الحكم بها، وهم لا يتولون مناصبهم الرئاسية والقضائية إلا على الال تزام بذلك كما تنص عليه سائر الدساتير العلمانية من أنه (الحكم في المحاكم بالقانون)، وقد نبّهت على هذا من قبل. 2 - وما نسبه القاسمي لابن مسعود رضي الله عنه، رواه الطبري عنه بأكثر من طريق وأكثر من لفظ، ذكرت بعضها قبلاً، ومنها قول الطبري (حدثنا هناد، قال: ثنا عبيدة، عن عمار، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، قال: سألت ابن مسعود عن السحت، أهو الرشا في الحكم، فقال: لا، من لم يحَْكم بما أنزل الله فهو كافر، ومن لم يحكم بما أنزل الله فهو ظالم، ومن لم يحكم بما أنزل الله فهو فاسق، ولكن السحت يستعينك الرجل على المَظْلمة فتعينه عليها، ف َيُهدى لك الهدية، فتقبلها) (تفسير الطبري) 6/ 230. 3 - وما نسبه القاسمي للسّدي رواه الطبري عنه ونقله ابن كثير، وهو قوله {( أنزلت فتركه عمداً، أو جَارَ وهو يعلم فهو من الكافرين) (تفسير ابن كثير) 2/ 61. 4 - وقال ابن القيم - في هذه الآية -: (ومنهم من تأوّلها على الحكم بمخالفة النصّ، تعمداً من غير جهل ولا خطأ في التأويل، حكاه البغوي عن العلماء عموماً) (مدارج السالكين) 1/ 365، ط دار الكتب العلمية، ط 1. 5 - وقال ابن كثير في تفسير قوله ا تعاأفحكم الجاهلية يبغون ومن

عدد الصفحات ٢٢٤