193 فيه: ضعيف جدا. وقال الحافظ ابن حجر: صدوق له أوهام. قلت: فلعل هذا من أوهامه لأن مثل هذا القول مرويّ ثابت عن ابن طاووس، فلعله وَهَم فنسبه إلى ابن عباس. وقال علي بن المديني: زعم سفيان قال: كان هشام بن حجير كتب كُتُبَه على غير ما يكتب الناس، أي: اقتداراً عليه، فاضطربت عليه. أه من "معرفة الرجال" 203/ 2. وهشام من أهل مكة، وسفيان كان عالماً عارفاً بأهل مكة، روي العقيلي بإسناده عن سفيان بن عيينة أنه قال: لم نأخذ منه إلا ما لم نجده عند غيره. أه . فصَحَّ أن هذا الأثر مما تفرد به هشام لأنه من رواية ابن عيينة عنه. وقال أبو حاتم: "يُكتب حديثه"، وهذه أيضا من صيغ التمريض والتضعيف، لأن هذا يعني أن حديثه لا يُقبل استقلالا، وإنما يؤخذ به في المتابعات فقط، ولذلك لم ي َرْو له البخاري ومسلم إلا متابعة أو مقروناً مع غيره، لذا كانت أحاديثه من الأحاديث المنتقدة على الصحيحين. أما البخاري فل م يرو له إلا حديثاً واحداً، هو حديث سليمان بن داود عليهما السلام "لأطوفن الليلة على تسعين امرأة ... " الحديث، أورده في كفارة الأيُان من طريق هشام وتابعه في كتاب النكاح برواية عبد الله بن طاووس، ومن المعلوم أن الحافظ ابن حجر من عادته في "مقدمة فتح
عدد الصفحات ١٩٣194 الباري" أن يذبّ عمن تُكُلم فيهم بغير حق ويدافع بكل ما أوتي من علم، أما من ظهر له ضعفهم وأن البخاري لم يعتمد عليهم وحدهم إنما أوردهم في المتابعات أو مقر ونين، فمثل هؤلاء لا يكلف نفسه عناء الرد عليهم، بل يذكر المتابعات الواردة لهم في الصحيح وكفى، وكذلك فعل مع هشام بن حجير "راجع المقدمة". أما مسلم فكذلك ليس له عنده إلا حديثين ولم يرو له إلا مقرونا .. وراجع في هذا ما قاله الشيخ الهرو ي في كتابه "خلاصة القول الم فهم على تراجم رجال الإمام مسلم". والخلاصة أنه عرف مما سبق أنه لا حجة لمن حاول تقوية هشام بالاحتجاج برواية البخاري ومسلم له .... لأنهما لم يرويا له استقلالاً ولكن متابعة ... وهذا من الأدلة على تضعيفه إذا انفرد. ومن أجل هذا كله لم يوثق هشام بن حجير إلا المتساهلون كابن حبان فإنه مشهور بالتساهل في التوثيق، ومثله العِجلي، قال المعلمي اليماني: "توثيق العجلي وجدته ب الاستقراء كتوثيق ابن حبان تماما أو أوسع" (الأنوار الكاشفة) ص 68 - إلى أن قال- وكذا توثيق ابن سعد فإن أغلب مادته من الواقدي المتروك كما ذكر ابن حجر في مقدمة الفتح عند ترجمة عبد الرحمن بن شريح، فإذا كان هذا حال من وَثَّقوه فإن رواياته لا تقوم بها حجة بتوثيقهم هذا .. فكيف وقد عارضهم وقال بتضعيفه الأئمة الجبال الرواسي كأحمد وابن معين ويحيى بن سعيد القطان وعلي بن المديني وغيرهم.
عدد الصفحات ١٩٤195 فخلاصة القول: أن هشام بن حجير ضعيف لا تقوم به حجة استقلالا وحده، نعم هو يصلح في المتابعات كما عرفت وليس له على رواية ابن عباس هذه متابع، فصح ضعفها وعدم جواز الجزم بنسبتها إلى ابن عباس. بل قد ثبت بإسناد صحيح عن ابن عباس في تفسير هذه الآية غير ذلك، فقد روي ابن جرير الطبري رحمه الله: ثن ا هناد قال ثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع قال ثنا أبي عن سفيان عن معمر بن راشد عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس: {كم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون كفر. (وليس كفرا بالله وملائكته وكتبه ورسله)، والظاهر أن القول الأخ ير (وليس كفرا بالله وملائك ته .... ) ليس من قول ابن عباس أو مدرج من قول ابن طاووس، والدليل على ذلك ما وراه ابن جرير الطبري قال ثنا الحسين بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن طاووس عن أبيه قال سُئل ابن عباس عن قولهك هم الكافرونكفر. قال ابن طاووس: (وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله)) انتهى كلام أبي أيوب البرقوي. وبهذا ترى أنه لا يصح عن ابن عباس قول (كفر دون كفر) في هذه الآية، بل صح عنه قوله (هي به كفر) هكذا باطلاق بما يعني أنه الكفر الأكبر ، وأذكر فيما يلي دليلين يبينان ذلك: الدليل الأول: ويبين أن ابن عباس رضي الله عنهما يرى أن الكفر في هذه الآية هو الكفر الأكبر، وهو ما رواه النسائي في باب تأويل قول الله عزّ وجلّ
عدد الصفحات ١٩٥196 بإسناد صحيح عن ابن عباس قال (كانت ملوكٌ بعد عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام بدّلوا التوراة والإنجيل، وكان فيهم مؤمنون يقرأون التوراة، قيل لملوكهم: ما نجد شت ماً أشد من شتم يشتمونا هؤلاء، إنهم يقرأون لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون في أعمالنا في قراءتهم، فادعهم فليقرأوا كما نقرأ وليؤمنوا كما آمنا، فدعاهم فجمعهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا م ا بدّلوا منها) الحديث (4990) بسنن النسائي ويدل هذا الحديث - وهو من رواية ابن عباس موقوفا - على أمرين: الأول: أن هذه الآية ك انت مما أنزل بالتوراة الصح يحة قبل تبديلها فأنزل الله تصديقها في القرآن. والأمر الآخر: أن الكفر فيها هو الأكبر ويدل على ذلك قول المبدّ لين منهم: ما نجد شتماً أشد من شتم يشتمونا هؤلاء، لمَّا قرأ المؤمنون منهم تلك الآية، ولا شتم أشد من وصفهم بالكفر الأكبر على ما بدّلوا وحَرّفوا، ولو لم يكن الكفر في الآية هو الأكبر لما وصفوه بأنه أشد شتمٍ. والدليل الثاني: وهو ما سبق ذكره في المناط المكفِّر الثالث عند الكلام في قوله تعاوإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم، وإن أطعتموهم إنكم لمشركون 121، وفي سبب نزولها روى ابن ماجه وابنأبي حاتم والحاكم بأسانيد صحيحة عن ابن عباس قوله: إن ناساً من المشركين كانوا يجادلون المسلمين في مسألة الذبح وتحريم الميتة فيقولون: تأكلون مما قتلتم ولا
عدد الصفحات ١٩٦197 تأكلون مما قتل الله؟ يعنون الميتة، فقالتعاوإن أطعتموهم إنكم لمشركون 2/ 169 - 171. فهذا نص عن ابن عباس في أن من اتبع التشريع المخالف - ولو في قضية واحدة وهي تحليل الميتة هنا - أنه مشرك، وذاك - أي ما رواه عنه النسائي - نص في أن تبديل الشريعة كفر أكبر، وهذا كله يؤكد بطلان نسبة قول (كفر دون كفر) إلى ابن عباس إذ قد ثبت عنه بأسانيد صحيحة خلاف ذلك في نفس الموضوع وهو الحكم بغير ما أنزل الله بالشرع المخترع، وأنه شرك وكفر بلغ الغاية في ا لشدة بما يعني أنه كفر أكبر. نعود بعد ذلك إلى الترجيح بين القولين الواردين في نوع الكفر في قوله تعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون كفر أكبر أم أصغر؟ والصواب الذي لاشك فيه أنه كفر أكبر مخرج من الملة، وإليك الأدلة على ذلك: 1 - دلالة إاع الصحاب ة لأنه قول الصحابة بلا مخالف منهم، فهو إجماع يجب المصير إليه، وقد نُقل ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وأثبتُ فيما مضى أنه قول ابن عباس أيضا وأنه لا يصح عنه قول (كفر دون كفر) ولا اعتبار لمخالفة بعض التابعين كطاووس وعطاء مع اتفاق الصحابة، وقد نقلت في المقدمة الثالثة أقوال الفقهاء في أن الصحابة إذا اتفقوا على قول وجب الأخذ به، كما ذكرت عند الكلام في إجماع الصحابة - في نقد (الرسالة الليمانية في الموالاة) ب آخر مبحث الاعتقاد - أن الإجماع الصحيح هو ما انتفى فيه المخالف والمنازع، وقد تبين لك أنه لا مخالف من الص حابة
عدد الصفحات ١٩٧198 في أن الكفر في هذه الآية هو الأكبر، ومع انتفاء المخالف يُكن القول بأن هذا إجماع منهم على ذلك. 2 - دلالة اللغة العربي ة: وذلك لأن الكفر في الآية جاء بصيغة الاسم المعرف بأل - (الكافرون) - الدال على حصول كمال المعنى، بما يعني أنه الكفر الأكبر كما ذكرته في المقدمة الثانية عشرة، فراجعها. وأضيف إلى ما ذكرته في تلك المقدمة: أن الله سبحانه وتعالى قد أكد الكفر في هذه الآية وبَالغَ في وصفه وتغليظه بأسلوب هو من أقوى أساليب اللغة في إفادة المعنى وهو: أ - مجيء الكفر بلفظ الاسم وهو دال على ثبوت الكفر ولزومه، دون الفعل الدال على التجدد والحدوث. ب - تصدير الاسم بالألف واللام المؤدية لحصول كمال المسمى (الكافرون) بما يعني أنه الكفر الأكبر كما سبق ذكره في المقدمة الثانية عشرة. ج - اتيانه سبحانه بجملة جواب الشرط في صورة مبتدأ وخبر معرفتين (أولئك ......... الكافرون) وذلك من علامات انحصار الخبر (الكفر) في المبتدأ (أولئك) وهو اسم إشارة يعود على (من لم يحكم بما أنزل الله)، وانحصار الخبر المعرف ب أل في المبتدأ فيه مبالغة في حصول كمال معناه في المحكوم عليه (وهو المبتدأ) أي مبالغة في حصول كمال الكفر لأولئك الذين لم يحكموا بما أنزل الله .. انظر (الإيضاح في علوم البلاغة) للقاضي جلال الدين القزويني، ص 101، ط دار الكتب العلمية1405 ه
عدد الصفحات ١٩٨199 د- ومجيء المبتدأ في جملة جواب الشرط في صيغة اسم ا لإشارة (أولئك) زيادة في الدلالة على المقصود من اختصاص المذكورين قبله (من لم يحكم...) باستحقاق الكفر، انظر (الإيضاح) للقزويني ص 47. ه- وتقديم المبتدأ على الخبر في جملة جواب الشرط وإن كان هو الأصل في اللغة إلا أنه يفيد في أن كون المبتدأ (أولئك) متصفاً بالخبر (الكافرون) هو المطلوب بيانه، كما أن هذا التقديم يفيد زيادة تخصيص. انظر (الإيضاح) للقزوني ص 58. و- و ادخال ضمير الفصل (هم) بين المبتدأ والخبر (أولئك هم الكافرون) يفيد اختصاص المبتدأ بالخبر، أي: اختصاص أولئك (الذين لم يحكموا بما أنزل الله) بالكفر. انظ ر (الإيضاح) للقزويني ص 57. والخلاصة: أن أسلوب هذه الآية من جهة بنية ألفاظها وتركيبها بلغ الغاية في إفادة المعنى، وهو أن أولئك الذين لم يحكموا بما أنزل الله قد بلغوا الغاية في الكفر، وهذا يتفق مع ما ذكرته آنفا عن النسائي في هذه الآية من أنه لا شتم أشد مما ور د بها، هذا من جهة دلالة اللغة العربية. 3 - دلالة عرف الشارع، أي لغة القرآن: وهو أن الكفر لم يرد في القرآن إلا بما يعني الكفر الأكبر، انظر المقدمة الثالثة عشرة وهي (وجوب حمل معنى اللفظ على معهود استعمال الشارع)، وفيها ذكرت ال قاعدة العامة التي ذكرها ابن تيمي ة في قوله (اللفظ إذا تكرر ذِكره في الكتاب، ودار مرة بعد مرة على وجه واحد، وكان المراد به غير مفهومه ومقتضا ه عند الإطلاق ولم ي ُب َينَّ ذلك كان تدليسًا وتلبيسا يجب أن يُصان كلام الله عنه) (مجموع
عدد الصفحات ١٩٩200 الفتاوى6/ 471، هذا على وجه الع موم، أما بالنسبة للكفر خاصة فإنه حيث أطلق ولم يرد نص يقيد معناه فالمراد به الكفر الأكبر أي: حقيقته المطلقة كما قال ابن حجر رحمه الله (عُرف الشار ع إذا أطلق الشرك إنما يريد به ما يقابل التوحيد، وقد تكرر هذا اللفظ في الكتاب والأحاديث حيث لا يُراد به إلا ذلك) (فتح الباري) 1/ 65، وقال الشيخ عبداللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ رحمهم الله (ولفظ الظلم والمعصية والفسوق والفجور والموالاة والمعاداة والرك ون والشرك ونحو ذلك من الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة قد يُراد بها مُسَمَّاها المطلق وحقيقتها المطلقة، وقد يراد بها مطلق الحقيقة، والأول هو الأصل عند الأصوليين، والثاني لا يحُمل عليه إلا بقرينة لفظية أو معنوية، وإنما يُعرف ذلك بالبيان النبوي وتفسير السنة، قال تعاوما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم - إبراهيم 4 - ) أه (الرسائل المفيدة) للشيخ عبد اللطيف، جمع سليمان بن سحمان، ص 21 - 22. ومعنى حقيقته المطلقة أي الكاملة، ومعنى مطلق الحقيقة أي أدنى ما يُطلق عليه، وبالنسبة للكفر فحيقيقته المطلقة - و هي الأصل في خطاب الشارع عند الأصوليين - هي الكفر الكامل أي الأكبر، ولا يحُمل على مطلق حقيقته أي: الكفر الأصغر إلا بدليل من كتاب أو سنة وهذا منتفٍ بالنسبة لآية المائدة، وقد سبق في المقدمة الحادية عشرة أن قول الصحابي لا يخصص القرآن ولا يقيده لاسيما إذا خولف فلا يكون في قوله حجة أصلا كما ذكرته في المقدمة الثالثة.
عدد الصفحات ٢٠٠201 ولأجل دلالة اللغة العربية ودلالة لغة القرآن (وهي عُرف الشارع في كلامه) على أن الكفر في هذه الآية هو الكفر الأكبر، فقد قال أبو حيان الأندلسي في تفسيره - منتقداً قول من قال إنه كفر أصغر - (وقيل المراد كفر النعمة، وضُعِّفَ بأن الكفر إذا أطلق انصرف إلى الكفر في الدين، وقال ابن الأنباري: فعل فعلاً يضاهي أفعال الكفار، وضُعِّف بأنه عدول عن الظاهر) (تفسير البحر المحيط) 3/ 493. 4 - دلالة الشرع: فقوله تعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرونإن ترت ب الكفر فيه على مجرد ترك الحكم بما أنزل الله، إلا أن هذا لا بد أن يلازمه الحكم بغير ما أنزل الله، كما يدل عليه سبب نزول الآيات: فاليهود تركوا الحك م بما أنزل الله (الرجم) وحكموا بغير ما أنزل الله (الجلد والتحميم ... ) فالحديث الوارد في سبب النزول يبين مناط الحكم الوارد في الآية، وأن المناط مركب من ترك حكم الله والحكم بغيره، لأن السنة مبينة للقرآن ومفسّرة له كما نقلته عن ابن تيمية في المقدمة الثانية، واستدل بقوله تعاوأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم - النحل 44 - على أن الرسول صلى الله عل يه وسلم يبينّ بسنته ما أنزل الله من القرآن. وقد بيّنتْ السنة - حديث سبب النزول - أن الحكم بغير ما أنزل الله داخل في مناط الحكم الوارد بالآية، وقد تبينّ من الأدلة التي ذكرتها في المناط المكفر الثالث أن الحكم بغير ما أنزل الله كفر أكبر بلا ريب، ويدل على ذلك ما ورد في تفسير قوله تعاأم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين
عدد الصفحات ٢٠١202 ما لم يأذن به ا21، وقولهتعااتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ا 31، وقولهتعاوإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون 121، وقوله تعاثم الذين كفروا بربهم يعدلون 1، فإذا كان الحكم بغير ما أنزل الله كفراً أكبر وهو داخل في المناط الوارد في قوله تعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون الأكبر، وقد نقلت في المقدمة الثانية (بيان أفضل طرق التفسير) عن ابن تيمية قوله (إن أصحّ الطرق في ذلك أن يُفسَّر القرآن بالقرآن، فما أُجمِلَ في مكان فإنه قد فُسّر في موضع آخر، وما اختصر من مكان فقد بُ سِط في موضع آخر) (مجموع الفتاوى) 13/ 363. وباتباع هذا الطريق في التفسير يتبين لك بالجمع بين النصو ص المختلفة أن الكفر في آية المائدة هو الأكبر كما أسلفت. والخلاصة: أنه قد دلت أقوال الصحابة بلا مخالف واللغة العربية ولغة القرآن (عُرف الشارع) والنصوص الأخرى في نفس المسألة: على أن الكفر الوارد في آية المائدة هو الكفر الأكبر. ولم يقع خلاف بين الصحابة في هذا ، وما نسب إلى ابن عباس لا يثبت عنه، ولو صح عنه ذلك لما كان في قوله ولا قول غيره من الصحابة حجة بسبب اختلافها (كما في المقدمة الثالثة) ولوجب الترجيح بين أقوالهم (كما في المقدمة الخامسة)، وقد تبينّ بالترجيح بدلالة اللغة ودلالة عرف الشارع
عدد الصفحات ٢٠٢203 أن ظاهر النص يراد به الكفر الأكبر، وقد تأيّد هذا بدلالة النصوص الأخرى في نفس المسألة، وهذا يرجح قول من قال من الصحابة بأن الكفر في الآية هو الأكبر. وأضيف هنا: أنه لو صح عن ابن عباس قول (كفر دون كفر) ولو لم يكن له مخالف من الصحابة، لَمَا كان هذا القول حجة، لأنه - وكما ذكرت في المقدمة الرابعة عشرة - أنه لا حجة في قول الصحابي إذا خالف نص الكتاب والسنة، وقد تبين بدلالة اللغة العربية ودلال ة عرف الشارع أن نص آية المائدة يدل على أن الكفر فيها هو الأكبر، فلا حجة في قول الصحابي إذا خالف في ذلك، فكيف إذا كان لا يثبت عن ابن عباس قول (كفر دون كفر)؟ وكيف وقد خالفه غيره من الصحابة؟ أما التابعون فهم الذين ثبت عنهم الخلاف في هذه المسألة: فقال الحسن البصري وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والسدّي إنه الكفر الأكبر، وقال طاووس وعطاء إنه الأصغر، وقد نقلت في المقدمة الثانية (أفضل طرق التفسير) عن ابن تيمية قوله - في أقوال التابعين في التفسير - (فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض و لا على من بعدهم، ويُرجع في ذلك إلى لغة القرآن، أو السنة، أو عموم لغة ال عرب، أو أقوال الصحابة في ذلك) (مجموع الفتاوى) 13/ 370. وما ذكره شيخ الإسلام هو ما صنعته في هذه ا سألة فقد لجأت إلى الترجيح بدلالة أقوال الصحابة ثم اللغة العربية ثم لغة القرآن (عُرف الشارع) ثم النصوص الأخرى في نفس المسألة، وقد ترجّح بهذا كله قول من قال من
عدد الصفحات ٢٠٣204 التابعين بأن الكفر في الآية هو الأك وقد كان هذا كله في الكلام عن المسألة الثانية في هذه الآية، وهل الكفر فيها هو الأكبر أم الأصغر؟ ثم نعرج على الرد على الشبهة الثالثة فيها.
عدد الصفحات ٢٠٤205 الشبهة الثالثة: على القول بأن الكفر في الآية هو الأكبر، فهل مناط الحكم به هو مجرد ترك الحكم بما أنزل الله والحكم بخلافه، أم أن مناط الحكم بالكفر هو جحد حكم الله واستحلال الحكم بخلافه؟ سبق بيان معنى الجحد في مبحث الاعتقاد عقب تعليقي على قول الطحاوي رحمه الله (ولا يخرج العبد من الإيُان إلا بجحود ما أدخله فيه)، وأنه يُطلق على انكار الواجب الشرعي، وأنه كُفر لأنه تكذيب بالنص الموجب للواجب، وقال تعاوما يجحد بآياتنا إلا الكافروننكبوت 47. كما سبق بيان معنى الاستحلال في التعليق المشار إليه أعلاه، وفي المقدمة السابعة عشرة، وأنه جعل ما حرّمه الله حلالاً، وسواء كان الباعث على ذلك: التكذيب بالنص المحرِّم للحرام أو معاندة النص مع الإقرار به، فإن الاستحلال كفر بالنص وبالإجم اع كما ذكرته في الم قدمة السابعة عشرة. ف َعَلَى القول بأن الكفر في آية المائدة هو الأكبر، فهل هذا في حق من تعمد ترك حكم الله والحكم بغيره أم هو في حق من جحد حكم الله أو استحل الحكم بغير ما أنزل الله؟ اختلفت أقوال الصحابة والتابعين في ذلك: فاشترط الجحد للحكم بالكفر: ابن عباس فيما نسبه إليه الطبري في تفسيره (6/ 257) ونقله ابن كثير، واشترطه عكرمة فيما نقله أبو حيان الأندلسي في تفسيره (3/ 493.)
عدد الصفحات ٢٠٥206 ولم يشترط الجحد للحكم بالكفر بقية من نقلنا عنهم من الصحابة والتابعين وأن من تعمد ترك حكم الله فقد كفر، كما نقل القاسمي في تفسيره (ونقل في "اللباب" عن ابن مسعود والحسن والنخعي: أن هذه الآيات الثلاث عامة في اليهود وفي هذه الأمة، فكل من ارتشى وبدّل الحكم، فحكم بغير حُكم الله فقد كَفَر وظَلَم وفَ سَق، وإليه ذهب السدّي، لأنه ظاهر الخطاب، ثم قال: وقيل: هذا فيمن عَلمَ نص حكم الله ثم ردّه عياناً عمداً وحكم بغيره، وأما من خفي عليه النص أو أخطأ في التأويل فلا يدخل في هذا الوعيد، انتهي) من (محاسن التأويل) للقاسمي، 6/ 215. هذا، وقد قال القرطبي (وقال ابن م سعود والحسن: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار، أي معتقداً ذلك ومستحلاً له) (تفسير القرطبي) 6/ 190. فأنبّه على أن جملة (معتقداً ذلك ومستحلاً له) هي من كلام القرط ليست من ك لام ابن مسعود والحسن رضي الله عنهما. فهذه أقوال من اشترط الجحد ومن لم يشترط للحكم بالكفر الأكبر الوارد في الآية على من لم يحكم بما أنزل الله، وإذ قد اختل فت الأقوال فلا حجة في أيٍ منها كما ذكرته في المقدمة الثالثة، ووجب الترجيح بينها كما ذكرته في المقدمة الخامسة. وبالترجيح نجد أن قول من لم يشترط الجحد أو الاستحلال للحكم بالكفر الوارد في الآية هو الصواب، وإليك الأدلة على ذلك: 1 - الدليلالأول: أن قول من قال يشترط الجحد للحكم بالكفر الوارد في
عدد الصفحات ٢٠٦207 الآية هو قول لا دليل عليه، فهو رأي، بل هو قول مخالف لنص الآية ف حجة فيه كما ذكرته في المقدمة الرابعة عشرة (لا حجة في قول الصحابي إذا خالف نص الكتاب والسنة) والذي نقله الطبري عن ابن عباس قوله {( يحكم بما أنزل ا فأولئك هم الكافرون الله فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق) أه (تفسير الط بري) 6/ 257. وهذا الكلام مخالف لنص الكتاب والسنة فالله سبحانه علّق الكفر على ترك الحكم بما أنزل الله (من لم يحكم)، وابن عباس علّقه على جحد ما أنزل الله، فأثبت مناطاً للحكم غير المناط الوارد في الآية. والحديث الوارد في سبب النزول أثبت أن اليهود أقروا بثبوت حد الرجم في التوراة كما ورد في لفظ البخاري لحديث ابن عمر وفيه قال اليهود (صَدَق يا محمد، فيها آية الرجم) الحديث، ويؤيده قوله تعالى: {وعندهم التوراة فيها حكم ا43، فاليهود أقروا بحكم الله ولم يحكموا به فأكفرهم الله، وابن عباس قال: من أقر بحكم الله ولم يحكم به فهو ظالم فاسق. وبهذا تعلم أن هذا القول المنسوب إلى ابن عباس مصادم لنص الآية، ولهذا فلا حجة فيه كما ذكرته في المقدمة الرابعة عشرة، وضربت ف يها أمثلة لما قاله بعض الصحابة بآرائهم باجتهاد منهم بما يخالف الكتاب والسنة وهم في هذا مجتهدون مخطئون لهم أجر ولكن القول المخالف للكتاب والسنة مردود لقوله صلى الله عليه وسلم (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ)
عدد الصفحات ٢٠٧208 رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم (من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط) الحديث متفق عليه. وابن عباس نفسه هو القائل (يو شك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول قال الله ورسو له، وتقولون قال أبو بكر وعمر) أه ، قاله لمن عارض نص الكتاب والسنة بقول أبي بكر و عمر. انظر (فتح المجيد/ باب من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله فقد اتخذهم أربابا). ولأجل مخالف ة شرط الجحد لمناط التكفير الوارد في الآية قال ابن ال قيم رحمه الله (ومنهم من تأوّل الآية على ترك الحكم بما أنزل الله جاحداً له، وهو قول عكرمة، وهو تأويل مر جوح، فإن نفس جحوده كُفْر، سواء حكم أو لم يحكم) (مدارج السالكين) 1/ 365، ط دار الكتب العلمية، ط1. ومما يؤكد أن مناط التكفير في الآية هو مجرد ترك الحكم بما أنزل الله أي: الامتناع عن الحكم به، لا جحد حكم الله، هو قوله تعاوكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله، ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين - إلى قوله - ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون43 - 44. فوصفهم الله في الآية الأو بالتولي عن حكم الله، ونفى عنهم الإيُان لذلكلآية الثانية بترك حكم الله، وحكم عليهم بالكفر لذلك، فاتحد السبب والحكم في الآيتين في المُعَيَّنين الذين نزل فيهم النص، بما ي بينّ أنه:
عدد الصفحات ٢٠٨