المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

محاسن شريعة الرحمن وفساد شريعة الشيطان

حسن التمام

صفحة ١٢ من ٢٨

177 قال البراء بن عازب وحذيفة بن اليمان وابن عباس وأبو مجلز وأبو رجاء العطاردي وعكرمة وعبيد الله بن عبد الله والحسن البصري وغيرهم: نزلت في أهل الكتاب، زاد ا لحسن البصري وه ي علينا واجبة. وقال عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم قال: نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل ورضي الله لهذه الأمة بها، رواه ابن جرير. وقال ابن جرير أيضا حدثنا يعقوب، حدثنا هشيم، أخبر عبد الملك بن أبي سلمان عن سلمة بن ك هيل عن علقمة و مسروق أنهما سألا ابن مسعود عن الرشْوة، فقال من السحت، قال فقالا وفي الحكم، قال: ذاك الكفر ثم تلا {كم بما أنزل ا فأولئك هم الكافرون وقال السدي لم يحكم بما أنزلت فتركه عمدا أ و جار وهو يعلم فهو من الكافر ين. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله فأولئك هم الكافرون: من جحد ما أنزل الله فقد كفر ومن أَق َرَّ به فهو ظالم فاسق، رواه ابن جرير ثم اختار أن الآية المراد بها أهل الكتاب أو من جحد حكم الله المنزل في الكتاب. وقال عبد الرز اق عن الثوري عن زكريا عن الشع ا وقال ابن جرير: حد ثنا ابن المثنى، حدثنا عبد الصمد، حدثنا شعبة، عن أبي السفر، عن الشع هذا في المسلمين {بما أنزل ا فأولئك هم الظالمون

عدد الصفحات ١٧٧

178 هذا في اليهودا في النصارى، وك ذا رواه هشيم والثوري عن زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي. وقال عبد الرزاق أيضا: أخبرنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، قال: سئل ابن عباس عن قو له (ومن لم يحكم) الآية قال: هي به كفر. قال ابن طاووس: وليس كمن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله. وقال الثوري عن ابن جريج عن عطاء أنه قال: كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق، رواه ابن جرير. وقال وكيع عن سعيد المكي عن طاووس {ل الله فأولئك هم الكافرونال: ليس بكفر ينقل عن الملة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن حجير، عن طاووس، عن ابن عباس في قوله لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون تذهبون إليه. ورواه الحاكم في مستدر كه من حديث سفيان بن عيينة وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) أه (تفسير ابن كثير) 2/ 61. وما ورد بسائر ال تفاسير المتداولة لا يختلف كثيراً عما ذكره ابن كثير هنا، وسوف ننقل ما نحتاج إليه من التفاسير الأخرى أثناء الشرح إن شاء الله . وقد سعى البعض في إبطال الاحتجاج بهذه الآية على كفر الحكام المعاصرين، ولهم في ذلك ثلاث شبهات تعتمد كل منها على أقوال لبعض السلف وردت فيما ذكره ابن كثير وغيره من المفسرين وهذه الشبهات الثلاث هي: قولهم إن الآية خاصة بأهل الكتاب لا المسلمين، وقولهم إن

عدد الصفحات ١٧٨

179 الكفر فيها هو الأصغر (كفر دون كف ر)، وقولهم إنه لا يحُمل على الكفر الأكبر إلا في حق الجاحد أو المستحل، فجعلوا هذا هو مناط التكفير في الآية. و فيما يلي رد على هذه الشبهات وبيان الراجح والصواب في كل منها إن شاء الله، وسوف نعتمد في قدر كبير من الردود هنا على المقدم ات المذكورة في المسألة الخامسة من هذا الموضوع، وقد أفردت هذه المقدمات بمسألة مستقلة حتى لا استطرد كثيراً أثناء الردود هنا في إقامة الأدلة على صحة هذه المقدمات، فإذا قلت في كلامي التالي: انظر المقدمة رقم كذا فالمراد بها ما ذكرته في المسألة الخامسة.

عدد الصفحات ١٧٩

180 الشبهةالأولى: هل الآية خاصة بأهل الكتاب أم عامة يشمل حكمها المسلمين؟ اختلفت أقوال الصحابة والتابعين في هذه المسألة على قولين: فمنهم من قال نزل ت في أهل الكتاب والكفار (كقول البراء بن عازب وحذيفة بن اليمان وابن عباس وأبي مجلز وأبي رجاء العطاردي وعكرمة وقتادة والضح اك وعبيد الله بن عبد الله والحسن البصري وغيرهم)، ومنهم من قال إنها واجبة على المسلمين (كقول حذيفة بن اليمان والحسن البصر ي وإبراهيم النخع ي وعامر الشعبي) ولم يقل إنها ليست في المسلمين إلا أبو صالح. انظر كلام ابن كثير السابق وكلام الطبري في تفسيره 6/ 252 - 255. وقد ذكر ت في المقدمة الثالثة أنه لا حجة في أقوال الصحابة مع اختلافها، ومع ذلك فلا بد أن يكون الحق في أحد أقوالهم المختلفة ولا يخرج الح ق عن جميعهم كما ذكرته في المقدمة الرابعة، ولمعرفة الحق في أقوالهم فلا بد من الترجيح بينها بوجوه الترجيح المختلفة كما ذكر ته في المقدمة الخامسة، وقد نقلت في المقدمتين الثالثة والخامسة قول الإمام مالك رحمه الله - في اختلاف الصحابة - (مخطئ ومصيب فعليك بالاجتهاد). وبالترجيح نجد أن الصواب في هذه المسألة قول من قال إن الآية عامة يدخل المسلمون في حكمها، والدليل على ذلك: 1 - أن صيغة الآية عامة لأنها مصدَّرة بمَنْ الشرطية (ومن لم يحكم بما أنزل الله)، وقد ذكرت في المقدمة السادسة أن العبرة بعموم اللفظ لا بّصوص

عدد الصفحات ١٨٠

181 السبب، وعلى هذا فإن الحكم الذي تضمنته الآية يعم ويلزم كل (من لم يحكم بما أنزل الله) قال ابن تيمية رحمه الله (ولفظ "مَ نْ" أبلغ صيغ العموم لاسيما إذا كانت شرطاً أو استفهاماً، كقوله يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذر ة شراً يرهه له سوء عمله فرآه حسناً15/ 82، ومثله24/ 346. ولما كانت صيغة الآية عامة فقد قال ابن ا لقيم فيها: (ومنهم من تأوّلها على أهل الكتاب، وهو قول قتادة والضحاك وغيرهما، وهو بعيد، وهو خلاف ظاهر اللفظ، فلا يُصار إليه) (مدارج السالك ين) 1/ 365، ط1 دار الكتب العلمية وكذلك قال القاسمي في تفسيره: (وكذا ما أخرجه أبو داود عن ابن عباس: أنها في اليهود - خاصة قر يظة و النضير - لا ينافي تناولها لغيرهم، لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بّصوص السبب، وكلمة "مَنْ" وقعت في معرض الشرط فتكون للعموم) (محاسن التأويل) للقاسمي، 6/ 215، ط دار الفكر1398 ه وبالمثل قال غيره من المفسرين كأبي حيان الأندلسي في (البحر المحيط) 3/ 492. 2 - ومما يؤكد أن حكم الآية عام يدخل المسلمون في عمومه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخاطَب بهذه الآيات كما يدل عليه قوله

عدد الصفحات ١٨١

182 تعايا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر)، وقوله (فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم}، وقوله{فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم }، فهذا كله خطاب لرسولنا صلى الله عليه وسلم، وهو الذي حكم فعلا في الواقعة التي نزلت فيها هذ ه الآيات فحكم برجم الزانيين، وقد تبينّ لك من المقدمة العاشرة أن خطاب الله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم هو خطاب لأمته إلا أن يقوم دليل على التخصيص، ولا دليل على ذلك هنا، بل إن العدول في الخطاب من صيغة المفرد (يا أيها الرسول) إلى صيغة الجمع (فلا تخشوا الناس .... ولا تشتروا بآياتي ثمنا) يؤكد عموم الخطاب لأمته، وقد نقلت في تلك المقدمة قول ابن تيمية (الأصل فيما خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما أُمِرَ به ونهُِيَ عنه وأبيح له، سارٍ في حق أمته، كمشاركة أمته له في الأحكام وغيرها حتى يقوم دليل على التخصيص، فما ثبت في حقه من الأحكام ثبت في حق الأمة إذا لم يخصّص، هذا مذهب السلف والفقهاء) (مجموع الفتاوى) 15/ 82. 3 - ومما يؤكد أن الحكام المعاصرين الذين يدّعون الإيُان ويحكمون بغير ما أنزل الله داخلون في عموم الحكم الوارد بالآية، أن حالهم كحال الذين أنزلت فيهم الآي ات كما قال ابن كثير : (نزلت هذه الآيات الكريُات في المسارعين في الكفر الخارجين عن طاعة الله ورسوله المقدمين آراءهم وأهواءهم على شرائع الله عزّ وجلّ - إلى قوله - والصحيح أنها نزلت في اليهوديين اللذين زنيا وكانوا قد بدّلوا كتاب الله الذي بأيديهم من الأمر برجم من أحصن منهم فحرّ فوه) (تفسير ابن كثير) 2/

عدد الصفحات ١٨٢

183 58. فصورة الواقع هي صورة سبب نزول الآيات، وقد ذكرت في المقدمة السابعة أن صورة سبب النزول قطعية الدخول في النص، ونقل السيوطي في (الاتقان، 1/ 28) الإجماع على ذلك ولأجل ذلك قال إسماعيل القاضي في "أحكام القرآن" بعد أ ن حكي الخلاف في ذلك: (ظاهر الآيات يدل على أن من ف َعَل مثل ما فعلوا، واخترع حكماً يخالف به حكم الله، وجعله ديناً يُعمل به، فقد لزمه مثل ما لزم هم من الوعيد المذكور حاكماً كان أو غيره) أه ، نقله ابن حجر في (فتح الباري) 13/ 120، ونقله القاسمي في تفسيره (محاسنالتأويل) 6/ 216. وهذا الذي ذكره إسماعيل القاضي ينطبق تماما على الحكام المعاصرين فهم يحكمون بشرع مخترع جعلوه دينا يُعمل به أي نظاماً ملزماً كم ا ذكرته في معاني الدين في المقدمة الأولى، ولا يؤثر في ذلك كون الحكام المعاصرين هم الذين اخترعوا القوانين الوضعية أو ورثوها عن أسلافهم ، لأن اليهود الذين أنزلت فيهم الآيات لم يكونوا هم الذين ابتدعوا التشريع المخالف وإنما ورثوه عن أسلافهم، فهي صورة سبب ال نزول أيضا، كما تدل على ذلك أحاديث سبب النزول خاصة ما رواه الطبري عن أبي هريرة في سبب نزولها، كذلك فإن التزام الحكام الم عاصرين للحكم بهذه القوانين وإلزامهم غيرهم الحكم بها في البلاد هو رضاءٌ منهم بها فيكون حكمهم حكم من اخترعها، فالتزام الكفر كفر، والإلزام ب الكفر كف ر، والرضا بالكفر كفر، (ظلمات بعضها فوق

عدد الصفحات ١٨٣

184 بعض 4 - أنه لم يرد عن أحدٍ من الصحابة أنه قال إن الآية ليست في المسلم، وإنما غاية ما و رد عن بعضهم قوله: إنها نزلت في أهل الكتاب، وهذا ليس تخصيصاً وليس قصراً للنص العام على هذا السبب، وقول الصحابي هنا هو مجرد ب يان لسبب النزول كما ذكرته في المقدمة الثامنة، وقال ابن تيمية أيضا: (إن الصحابة يقولون نزلت الآية في كذا ولا يختلفون في أن نصّها يتعدى إلى غير سبب نزولها طالما يتناوله لفظها) (مجموع الفتاوى) 31/ 28 - 29. وهناك فرق بين أن يقول قائل: نزلت في أهل الكتاب وب ين أن يقول ليست في المسلمين، فهذا القول الأخير لم يرد عن الصحابة وإنما ورد عن بعض التابعين، وهو خطأ لما قدّمت من أدلة، ولأن قول الصحابي لا يخصص عموم القرآن لاسيما إذا خولف كما ذكرته في المقدمة الحادية عشرة، وبالأحرى فإن قول التابعي لا يخصصه. 5 - وعلى القول بأنها نزلت في كفار أهل الكتاب، فإن ما لزمهم من الوعيد الوارد فيها يلزم المسلمين، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم (لتتبعُ نَّ سَنَن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جُحر ضبٍّ تبعتموهم) قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال صلى الله عليه وسلم (فَ مَن؟) الحديث متفق عليه. وهذا هو معنى ما ورد عن حذيفة بن اليمان فيما رواه الطبري بإسناده عن أبي البختري قال: سأل رجلٌ حذيفة عن هؤلاء الآيات

عدد الصفحات ١٨٤

185 { الظالمونبني إسرا ئيل؟ قال: نِعْم الإخوة لكم بنو إسرائيل، إن كانت لهم كل مُرَّةٍ، ولكم كل حُلوةٍ، كلاّ والله لتسلكنّ طر يقهم قدر الشِراك. أه (تفسير الطبري) 6/ 253. هذا وقد ذكرت في المقدمة التاسعة الأدلة على جواز الاستدلال بالآيات التي نزلت في الكفار على المسلمين طالم ا يتناو لهم لفظها بعمومه، وذكرت فيها سبعة أدلة ثم قول ابن تيمية (وإنما قَصَّ الله علينا قصص من قبلنا من الأمم لتكون عبر ة لنا، فنُشَبِّه حالنا بحالهم، ونقيس أواخر الأمم بأوائلها، فيكون للمؤمن من المتأخرين شبه بما كان للمؤمن من المتقدمين، ويكون للكافر والمنافق من المتأخرين شبه بما كان للكافر والمنافق من المتقدمين) (مجموع الفتاوى) 28/ 425. 6 - وعلى القول أيضا بأن الآية نزلت اليهود، قال تعايا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر - إلى قوله - من الذين هادوا فإن (الذين هادوا) هو لقب، ومفهوم مخالفة اللقب لا حجة فيه، بمعنى أنه إذا أثبتت الآيات حكماً لهذا اللقب (الذين هادوا)، فإن مفهوم المخالفة معناه أن ينتفي هذا الحكم عن غير (الذين هادوا)، ولما كان مفهوم مخالفة اللقب لا يحتج به، فإن هذا معناه أن الحكم الخاص بالذين هادوا لا يلزم بالضرورة أن ينتفي عمن ع داهم، والحكم المشار إليه هو الوارد في قوله تعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون مخالفة اللقب لا حجة فيه يرد على من ادعى خصوصية أهل الكتاب بهذا

عدد الصفحات ١٨٥

186 الحكم. انظر في مفهوم مخالفة اللقب: (الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 3/ 104، و (ارشاد الفحول) للشوكاني ص 166 و169. 7 - وعلى القول أيضا بأن الآية نزلت في أهل الكتاب، فإن عامة السلف وجمهور الفقهاء على أن شرع من قبلنا شرع لنا إ ذا ثبت أنه شرع لهم بنقلٍ موثوق ولم يثبت في شرعنا ما يخالفه، وهذا متحقق بالنسبة للحكم الوارد في هذه الآية، وقد تكلمت في هذه المسألة في آخر مبحث الاعتقاد في نقد (الرسالة الليمانية) نقلا عن (مجموع فتاوى ابن تيمية) 1/ 258، و19/ 7، و (اقتضاء الصراط المستقيم) ل ه ص 167 - 169، ط المد فإذا كان ما لزم أهل الكتاب شرعاً لنا فهذا مما يدل أيضا على عموم النص. وبعد، فهذه سبعة أوجه ت دل كلها على أن قوله تعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون من أتى بالسبب الوارد فيها (لم يحكم بما أنزل الله) لزمه الحكم الوراد فيها (فأولئك هم الكافرون) ويتبين من ذلك أن القول بأنها نزلت في أهل الكتاب هو من باب بيان سبب النزول لا غير، أما القول بأنها ليست في المسلمين فهو خطأ قطعا كما أسلفت.

عدد الصفحات ١٨٦

187 الشبهة الثانية: هل الكفر الوارد في هذه الآية كفر أكب ر أم كفر أصغر؟ حَكَمَ الله تعالى بكفر من لم يحكم بما أنزله، فقال الله فأولئك هم الكافرون هذا الكفر هو الأكبر المخرج من الملة أم الأصغر الذي لا يخُرج من الملة أو بلفظ آخر كفر دون كفر؟ اختلفت أقوال الصحابة والتابعين في ذلك على قولين: 1 - فمنهم من قال إنه الكفر هكذا بإطلاق بما يعني أنه الأكبر كما سنبينه إن شاء الله، ومن هؤلاء عبد الله ب ن مسعود فيما نقله عنه ابن كثير في تفسيره أنه سُئل عن الرشوة في الحكم فقال: ذاك الكفر، وتلا الآية، ورواه ابن جرير من طرق وفي ر واية له بإسناده عن مسروق قال: سألت ابن مسعود عن السُّحت، أهو الرشا في الحكم، فقال: (لا، من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر، ومن لم يح كم بما أنزل الله فهو ظالم، من لم يحكم بما أنزل الله فهو فاسق، ولكن السحت يستعينك الرجل على المَظْلمة فتعينه عليها، فيهدي لك الهدية، فتقبلها) (تفسير الطبري) 6/ 240. وروي الطبراني بإسناد صحيح عن ابن مسعود قال (الرشوة في الحكم كفر، وهي بين الناس سُحت) ذكره ابن حجر المكي في كتابه (الزواجر) 2/ 189، ط دار المعرفة 1402 ه وبمثل قول ابن مسعود قال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وذلك فيما نقله الألوسي البغدادي في تفسيره قال (وأخرج ابن المنذر عن مسروق قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: أرأيت الرشوة

عدد الصفحات ١٨٧

188 في الحكم أمن السحت هي؟ قال: لا، ولكن كفر، إنما السحت أن يكون للرجل عند السلطان جاه ومنزلة، ويكون للآخر إلى السلطان حاجة فلا يقضي حاجته حتى يهدي إليه هدية. وأخرج عبد بن حميد عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه سئل عن السحت فقال: الرشا، فقيل له في الحكم، ق ال: ذاك الكفر. وأخرج البيهقي في سننه عن ابن مسعود نحو ذلك) (تفسير روح المعاني) للألوسي، مجلد 3، ج6 ص140. وقال بمثل قول ابن مسعود من التابعين: الحسن البصري وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والسدي، فقال ابن قدامة الحنبلي: (قال الله تعاأكّالون للسحت الحسن وسعيد بن جبير في تفسيره: هو الرشوة، وقال: إذا قبل القاضي الرشوة بلغت به إلى الكفر) (المغني مع الشرح الكبير) 11/ 437 - 438. وقال القاسمي في تفسه: (ونقل في "اللباب" عن ابن مسعود والحسن والنخعي: أن هذه الآيات الثلاث عامة في اليهود وفي هذه الأمة، فكل من ارتشى وبدّل الحكم فحكَم بغير ما أنزل الله، فقد كَفَر وظَلَم وفَسَق، وإليه ذهب السُّدّي لأنه ظاهر الخطاب) (محاسن التأويل) للقاسمي، 6/ 215، ط دار الفكر 1398 ه وقول السدي ذكره ابن كثير فيما نقلته عنه ورواه ابن جرير بإسناده عنه قال {(ال: ومن لم يحكم بما أنزلتُ فتركه عمداً

عدد الصفحات ١٨٨

189 وجَارَ وهو يعلم فهو من الكافرين) (تفسير الطبري6/ 257. فهذه أقوال الصحابة والتابعين في أن الكفر الوارد في الآية هو الأكبر على ظاهره، وبهذا تعلم أنه لا وجه لكلام محمد رشيد رضا في تفسيره (المنار) حيث قال: (أما ظاهر الآية فلم يقل به أحد من أئمة الفقه المشهورين، بل لم يقل به أحدٌ قط، فإن ظاهرها يتناول من لم يحكم بما أنزل الله مطلقاً سواء حكم بغير ما أنزل الله تعالى أم لا، وهذا لا يُكفره أحدٌ من المسلمين حتى الخوارج الذين يكفّرون الفساق بالمعاصي ومنها الحكم بغير ما أنزل الله ) (تفسير المنار) 6/ 406، ط دار المعرفة، ط 2. والرجل - رشيد رضا - كأنه يستخف عقل القارئ خاصة فيما نسبه إلى الخوارج وهو خلاف ما تواتر عنهم، وقد ورد قوله السابق ضمن فتواه التي أفتى فيها بجواز الحكم بالقوانين الانجليزية الوضعية)، انظر (تفسيره المنار) 6/ 405 - 409، وأجاز فيها تولي المسلم لمنصب القضاء على أن يحكم بهذه القوانين، فكان لا بد له من أن يقول إن الكفر الوارد في آي ة المائدة ظاهره غير مراد و إلا لأبطل فتواه، وفتواه هذه ضلال مبين وقد اشتملت على مغالطات شرعية شنيعة انتقدها الأستاذ محمد قطب في كتابه (واقعنا المعاصر) ص 332 - 340، ط مؤسسة المدينة1407 ه ، ونقده له صائب في مجمله وإن كان ي ُعْوِزُه الاستدلال الشرعي في مواضع، فراجعه إن شئت. فهذا ما يتعلق بمن قال من الصحابة والتابعين بأن الكفر في الآية على

عدد الصفحات ١٨٩

190 ظاهره 2 - أما من قال إنه كفر أصغر أو كفر لا ينقل ع ن الملة أو كفر دون كفر: فمن الصحابة: نُسِب هذا القول إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ولا يصح عنه كما سأبينه إن شاء الله. ومن التابعين: رُوِيَ عن طاووس أنه قال (ليس بكفر ينقل عن الملة)، وعن عطاء بن أبي رباح أنه قال فيها (كفر دون كفر) رواهما ابن جرير ( 6/ 256) ونقله عنه ابن كثير فيما نقلته عنه. هذا جميع ما ورد في التفاسير - فيما اطلعت عليه - من أقوال في نوع الكفر الوارد في الآي ة، ومادام المسألة قد اختلف فيها فلا بد من الترجيح بين أقوال المختلفين، ولكن قبل الترجيح نذكر ما ورد عن ابن عباس في المسألة لبيان عدم صحته من جهة الرواية، وقد رُوِيَ عنه في تفسير هذه الآية قولان: الأول: قوله (وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله) أه . وع لى التحقيق فهذا ليس قول ابن عباس، وإنما قول ابن طاووس أُدرج - في رواية سفيان عن معمر - على ابن عباس. وبيان ذلك أن الطبري رحمه الله رو ى من طريق سفيان بن عيينة عن معمر بن راشد عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس هي به كفر، وليس كفراً بالله وملائكته وكتبه ورسله، أه . ورواه الطبري من طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: سُئل ابن عباس عن قوله

عدد الصفحات ١٩٠

191 به كفر، قال ابن طاووس: وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله، أه . انظر (تفسير الطبر ي) 6/ 256. وقد ظهر من الرواية الثانية- رواية عبد الرزاق وهي التي اقتصر ابن كثير على إيرادها - أن كلمة (و ليس كمن ك فر بالله) هي من كلام ابن طاووس لا ابن عباس، وعلى هذا فلا يصح نسبة هذا القول لابن عباس. والقول الثاني لابن عباس: قول (ليس بالكفر الذي تذهبون إليه)، ولم يذكره الطبري وإنما ذكره ابن كثير من رواية ابن أبي حاتم والحاكم كلاهما من طريق سفيان بن عيينة عن هشام بن حُ جير عن طاووس عن ابن عباس في قوله { يذهبون إليه، إنه ليس كفراً ينقل عن الملة { فأولئك هم الكافرون المستدرك ( 2/ 313) وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وهذا الأثر - وإن صححه الحاكم - فهو ضعيف من جهة الرواية، والعلة فيه: هشام بن حجير فقد اتفق جهابذة الحديث على تضعيفه وبالتالي فالأثر ضعيف، نعم يصلح حديثه للمتابعة إذا توبع على روايته أما إذا انفرد - كما هو الحال في هذا الأثر - فلا يصلح للاحتجاج، ومن هذا الباب روى له البخاري ومسلم في المتابعات لا ما انفرد به، ولعل رواية الشيخين له هو ما جعل الحاكم رحمه الله يحكم بصحة هذا الحديث ظناً منه أن هشاماً قد جاوز القنطرة بذلك، وهذه الجملة نبّه عليها الزيلعي في (نصب الراية) فذكر م ن أسباب غلط الحاكم في التصحيح: أن بعض الرواة يكون قوياً إذا

عدد الصفحات ١٩١

192 روي عن شيخ معين معروف بملازمته له ولا يكون قوياً في غيره من الشيوخ، فيخرج البخاري ومسلم أح اديث هذا الراوي من الوجه القوي فقط فيظن الحاكم أن هذا توثيقاً مطلقا من الشيخين له فيعتمد جميع حديثه ويحمله على الصحة، وهنا روي الشيخان لهشام متابعةً فاعتبر الحاكم أن هذا توثيقاً مطلقاً له. هذا وقد سعى أحد المعاصرين - وهو علي بن حسن بن عبد الحميد الحلبي - في تصحيح هذا الأثر عن ابن عباس، وهذا الرجل مطعون في عدالته لتحريفه فيما ينقله عن الآخرين مثله كشيخه الألباني وقد ذكر ت مازوّره على شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابي (العمدة) وستأتي إشارة إلى ذلك في موضوع الحجاب من هذا المبحث إن شاء الله ، وقد انتدب للرد عليه في تصحيحه أثر ابن عباس الشيخ أبو أيوب البرقوي، ونقل هذا الرد لي أحد الإخوان الثقات، فأنقله عنه باختصار من باب نسبة الفضل إلى أهله فهذا من بركة العلم كما قال ابن عبد البر في جامِعِه، قال البرقوي - بعد ما ذكر لفظ الحاكم للأثر -: (هشام بن حجير ضعّفه الأئمة الثقات ولم يتابعه على هذه الرواية أحد، قال أحمد بن حنبل: هشام ليس بالقوي، وقال: مَكْيٌّ ضعيف الحديث. وهذا طعن من جهة الر واية، وضعَّفه يحيى بن سعيد القطان وضَرَب على حديثه، وضعّفه علي بن المديني، وذكره العُقيلي في الضعفاء، وكذا ابن عَدِ يّ، وهشام صالحٌ في دينه، لذا قال ابن شبرمة: ليس بمكة مثله، وقال ابن معين: صالح فهذا في الدين أو العبادة بدليل أن ابن معين نفسه قد قال

عدد الصفحات ١٩٢