المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

محاسن شريعة الرحمن وفساد شريعة الشيطان

حسن التمام

صفحة ١١ من ٢٨

161 لا شيء مثله، وأعلم أن الكفار يحعلون له عديلا"، والعَدْلُ: التسوية، يقال عَدَل الشيء بالشيء، إذا سوَّاه به، ومعنى يعدلون به: يشركون به غير ه - إلى قوله - ومثله قوله تعالى عن هؤلاء المشبِّهين أنهم يقولون في النار لآلهتهم {نْ كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ. إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ 97،98]، إذ جعلوا لله شِبْهاً وعدلاً من خلقه سَوَّوهم به في العبادة والتعظيم) (إغاثة اللهفان) لابن القيم، 2/ 245 - 246. وبهذا تعلم أن كل من حكم بغير ما أنزل الله أي: حكم بتشريع غير الله فقد جعل هذا الغير عَدْلاً مساوياً لله الذي له وحده حق التشريع للخلق، ومن جعل لله عَدْلاً فقد جعل له شريكا وكفر بذلك كما قال تعاثم الذين كفروا بربهم يعدلون (سووهم به في خصائص الربوبية وهي التشريع، كما قال الله عنهم أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ا من الدين ما لم يأذن به اديث عديّ بن حاتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرح ذلك) وقال الفقي أيضا (وعَدَلوا به في الطاعة والتشريع) انظر هامش ص 21 بالجزء الثالث من (مدارج السالكين) لابن القيم، تحقيق الفقي. وبهذا ترى أن الأدلة يعضد بعضها بعضا في بيان أن كل من اتبع تشريع غير الله فقد اتخذ هذا الغير شريكا ورباً ، وسوّاه بذلك بالله تعالى أي: عَدَلَهُ بالله وكَفَر بذلك. وهذا فيه بيان لما ذكرته في المسألة الثانية بهذا الموضوع من

عدد الصفحات ١٦١

162 تعلق مسائل التشريع والحكم والتحاكم بتوحيد الله عزّ وجلّ ووجوب إفراده وحده لا شريك له بذلك كله. ثم نتابع سرد بقي ة الأدلة على كفر من حكم بغير ما أنزل الله. 6 - قولهتعاألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بم ا أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا للطاغوت وقد أمِروا أن يكفروا به، ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيداً - إلى قوله - فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما60 - 65. وقد سبق بيان معنى الطاغوت على التفصيل عند نقد (الرسالة الليمانية في الموالاة) في آخر مبحث الاعتقاد، فراجعه هناك، وحاصله: أنه بحسب الحقيقة فإن الطاغوت هو الشيطان الداعي لكل كفرٍ بالله، وبحسب الظاهر فإن الطاغوت نوعان: طاغوت عبادة كما قال تعاوالذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها الزمر 17. وطاغوت حُكم كما قالتعايريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت النساء 60، والحكم والتحاكم هما أيضا عبادة كما قال تعالى: {إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه}40، وعلى هذا فالطاغوت بحسب الباطن والحقيقة هو الشيطان الداعي لكل كفر، وبحسب الظاهر هو كل ما عُبد من دون الله ومنه كل ما تحوكم إليه غير الله تعالى. والحاكمون بغير ما أنزل الله - كالرؤَساء والقضاة وغيرهم - بحكمهم

عدد الصفحات ١٦٢

163 بالقوانين الوضعيةإنما هم يتحاكمون إلى مَنْ شرعها فيتبعون تشريعه بالحكم به بين الناس، ومن تحاكم إلى غير شرع الله فقد تحا كم إلى الطاغوت، ومن تحاكم إلى الطاغوت فقد عبده لأن التحاكم عبادة كما سبق بيانه، ومن عبد الطاغوت فقد كفر بالله، ألا ترى كيف أكذبهم الله في دعواهم الإيُان بقوله تعايزعمون أنهم آمنوا فقال يؤمنونما داموا يتحاكمون إلى الطاغوت حتى يتحاكموا إلى شريعة الله تعالى. والحاكمون بغير ما أنزل الله مع كونهم يتحاكمون إلى الطاغوت، فإنهم هم أنفسهم طواغيت لأنهم يُتحاكم إليهم من دون الله. وفي تفسير قوله تعاإن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن يُشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً، إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريداً116 - 117، قال الشنقيطي رحمه الله: (قوله تعان إلا شيطانا مريداًراد في هذه الآية بدعائهم الشيطان المريد عبادتهم له ونظيره قوله تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان تعبد الشيطان يعبدون الجنله {المشركين قتل أولادهم شركاؤهم الآيات ما وجه عبادتهم للشيطان، ولك نه بين في آيات أخر أن معنى عبادتهم للشيطان إطاعتهم له واتباعهم لتشريعه وإيثاره على ما جاءت به

عدد الصفحات ١٦٣

164 الرسل من عند الله تعالى كقوله لشياطين ليوحون إلى أولي ائهم ليجادلوكم وإن أطعت موهم إنكم لمشركون أربابا من دون ا عدي بن حاتم رضي الله عنه لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم كيف اتخذوهم أربابا؟ قال له النبي صلى الله عليه وسلم "إنهم أحلوا لهم ما حرم الله وحرموا عليهم م ا أحل الله فاتبعوهم" وذلك هو معنى اتخاذهم إياهم أربابا ويُفهم من هذه الآيات بوضوح لا لَبْس فيه أن من اتبع تشريع الشيطان مؤثرا له على ما جاءت به الرسل، فهو كافر بالله، عابد للشيطان، متخذ الشيطان ربا وإن سمى اتباعه للشيطان بما شاء من الأسماء، لأن الحقائق لا تتغير بإطلاق الألفاظ عليها كما هو معلوم) (أضواء البيان) 1/ 476. وبعد، فقد كان ما سبق من الأدلة على كفر من حكم بغير ما أنزل الله كلها متعلقة ببيان كفرهم من جهة أن اتباعهم تشريع غير الله هو شركٌ منهم وكفرٌ باتخاذهم شركاءًا وأرباباً من دون الله في التشريع، وأ ن هذا كله راجع في حقيقت ه إلى اتباع شريعة الشيطان وعبادته بالتحاكم إليه، وهناك وجه آخر لكفر الحكام بغير ما أنزل الله يبينه الدليل التالي، وهو: 7 - وقولهتعايا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض، و من يتولهم منكم فإنه منهم، إن الله لا يهدي القوم الظا51. وقدسبق الكلام في تفسير هذه الآية مع بيان معاني الموالاة في اللغة والشرع، وذلك في نقد (الرسالة الليمانية في الموالاة) بآخر مبحث الاعتقاد،

عدد الصفحات ١٦٤

165 فراجع ما ذكرته هناك، ومن ضمن ما ذكرته هناك أن ا والاة في اللغة تعني القُرْب والدُّنُو والمتابعة، وقد ذكرت في المسألة الأولى من هذا الموضوع أن القوانين الوضعية المعمول بها الآن في الدول التي تزعم أنها إسلامية هي في معظمها قوانين أوربية تم فرضها بقوة الاحتلال المسلح، أي: أن هذه القوانين هي دين أوربا لأن ا لدين هو الطريقة المتبع ة حقاً كانت أو باطلاً - كما في المقدمة الأولى بالمسألة الخامسة - أو بعبارة أخرى: إن هذه القوانين هي دين اليهو د والنصارى أهل أوربا، ومتابعتهم في قوانينهم التي هي شريعتهم ودينهم يدخل في صريح الموالاة، وموالاتهم كفر كما قال تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهمفهذا هو الوجه الآ خر لكفر الحكام بغير ما أنزل الله، فإن حكمهم بهذه القوانين موالاة لليهود والنصارى وغيرهم من الكفار الذين اقتبسوا من قوانينهم. وقد ذكر الأستاذ محمد نعيم ياسين ضمن صور موالاة الكفار (استعارة قوانينهم ومناهجهم في حكم الأمة وتربية أبنائها - إلى قوله - فمن اجتمعت عندهم هذه الأمور أو قدر منها، وكان ذلك له خُلقاً وعادة، فقد أقام الدليل على أنه راض بكفر الكافرين، فيكون مثلهم، بل منهم، ولا ينجيه من الكفر إلا إيُان جديد واقلاع عن موالاة الكفار) (الإيُان) لمحمد نعيم ياسين، ص 110 - 111، ط دار عمر بن اطاب. وقال الشيخ أحمد بن الصديق الغماري في كتابه (الاستنفار لغزو التشبه بالكفار)، قال: (كان من آثار التشبه بالكفار اتباعهم في الرفض للدين ولشريعة الله كنظام

عدد الصفحات ١٦٥

166 لحياة المسلمين حكومة وشعباً، واستيراد قوانين الأرض بديلاً عن الشريعة الحكم والتربية، وبذلك ارتدوا على أعقابهم فعادوا لحياة ما قبل الإسلام - إلى قوله - والتبعية للغرب تعنى ردّة، ولهذا استباح المسلمون حُرمات الله ومقدسات الدين بشعارات التقدم فأبيح الربا والخمر والمجون والإباحة والتبرج والاختلاط وشيوع الزنا والعلاقات المحرمة بتعميم تحرر المرأة وتواجدها في جميع مجالات الحياة، وظهرت في بلاد الإسلام مذاهب الكفر والفجور تدعو لنفسها علناً وتمارس أنشطتها في حر ية وهدوء - إلى قوله - وليعلم هؤلاء وجميع المستغربين أن العرب بغير دين لا مكان لهم في دنيا الناس، وليست محنة الأندلس السليبة ببعيدة، فليحذر المجانين أن يكر روا الكارثة، وليحذروا أن يرموا بشعوبهم ودولهم للغرب، وإنه لمُنتظر!، والغرب غرب، قديُُه وحديثُه، وللغرب عنت الآية حين قالت النصارى حتى تتبع ملَّتهم- البقرة 120 - ) أه من المرجع المذكور، ص 82 - 83، ط دار البشائر الإسلامية 1409 ه وبعد: فقد كانت هذه بع ض الأدلة على كفر الحكام بغير ما أنزل الله، وهي أدلة إجمالية، وهناك أدلة تفصيلية على كفره م ترجع إلى ما تشتمل عليه القوانين الوضعية من استحلال المحرمات وإباحتها كإباحة الربا وإباحة الزنا بالتراضي وإباحة الخمر والميسر في أماكن معينة، واستحلال مال المسلم بغير حق كما هو الحال في الاشتراكية، واستحلال قتل المسلم بغير حق بقوانينهم الباطلة التي تبيح قتل المسلم المجاهد الخارج على الحاكم الكافر بتهمة قلب نظام

عدد الصفحات ١٦٦

167 الحكم وغير ذلك من صور استحلال المحرمات القطعية وإباحتها، وهي أمور مكفرة بالإجماع، ويُراجع في هذا ما ذكرته في ا لمقدمة السابعة عشرة، كما أشرت إلى ذلك أيضا في آخر التنبيه الهام المذكور عقب تعلي قي على قول الطحاوي (ولا يخرج العبد من الإيُان إلا بجحود ما أدخله فيه) وذلك بمبحث الاعتقاد. وبهذا أختم الكلام في سرد الأدلة النصية على كفر الحكام بغير ما أنزل الله، وقد تبين لك مما ذكرته في هذه المسألة أن مسألة الحكم بغير ما أنزل الله مشتملة على ثلاثة مناطات مكفرة، كل منها مكفر بذاته، وهي ترك حكم الله، وتشريع غير حكمه، والحكم بغير ما أنزل الله بهذا التشريع المخالف لشرعه. كما تبين لك أن القائمين على العمل بالقوانين الوضعية ببلاد المسلمين من الحكام والمشرعين، منهم من تجتمع في حقه المناطات الثلاثة المكفرة، ومنهم دون ذلك. وبهذا ترى أن كفر الحكام بغير ما أنزل الله لا يعتمد على دليل واحد، بل تعاضدت الأدلة على بيان كفرهم من عدة أوجه، وذلك لأن مس ائل التشريع والحكم وا لتحاكم هي من مسائل الدين الكبار الداخلة في أصل الإيُان وفي تحقيق التوحيد، فبينّ الله كُفْر المخالف فيها بأكثر من دليل قطعي الدلالة بما يبين لك أن كفرهم هو كفر على كفر ليس كفراً دون كفر كما يزعمه بعض من لا علم لهمعند الكلام في المناط المكفر الأول (ترك ا لحكم بما أنزل الله) كنت قد أرجأت

عدد الصفحات ١٦٧

168 الكلام في قولهتعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ا لكافرون إلى ما بعد سرد بقية الأدلة، وعليه فهذا أوان الكلام في هذه الآية: الكلام في قول الله عزّ وجلّل الله فأولئك هم الكافرون أرجأت الكلام في هذه الآية لأتكلم فيها بشيء من التفصيل، وذلك لأنها عمدةٌ في موضوعنا ونص صريح في محل النزاع، ولكن لما ورد على الاستدلال بها بعض الشبهات التي تفرغ الآية من مضمونها وتعطّلها عما أراد الله بها فقد لزم تفصيل القول فيها: أما كون هذه الآية عم دةٌ في موضوعنا: فذلك لأن الحكم بالقوانين الوضعية في واقعنا المعاصر صورته كصورة الذين أنزلت فيهم هذه الآ يات، فقد نزلت في قوم يزعمون أنهم مؤمنون، ومع ذلك تركوا الحكم بحدٍ من حدود الله فرضه عليهم - وهو حد رجم الزاني المحصن - ولم يُحوه من كتابهم - التوراة - وإنما عطّلوا العمل به، واخترعوا حكماً بديلا من عند أنفسهم وجعلوه شرعا متبعاً بينهم، فحكَمَ الله بكفرهم بمجرد تركهم الحكم بما أنزل الله، فكيف إذا انضاف إليه الحكم بغيره بقانون مخترع؟ وإذا كان الله تعالى قد أكفر من ترك الحكم بحدٍ واحدٍ من حدوده، فكيف بمن ترك ا لأحكام الشرعية جملة و استبدل قوانين الكفار بها؟ فإذا كانت صورة الواقع كصورة سبب نزول هذا النص فإنها جارٍ عليها حكمُه لا محالة، فقد أجمع العلماء على أن صورة سبب النزول قطعية الدخول في النص كما ذكرته في المقدمة السابعة بالمسألة الخامسة، فكيف وصورة الواقع أشد من صورة سبب النزول كما أسلفت البيان؟ هذا ما يتعلق بكون هذه الآية عمدة ًفي موضوعنا.

عدد الصفحات ١٦٨

169 أما أن الشبهات الواردة على الا ستدلال بهذه الآية قد كثرت بما يؤدي إلى تعطيل النص وتفريغه من مضمونه، فمرجع هذه الشبهات إلى أمرين: (أحدهما) استدلال أصحاب هذه الشبهات بأقوال بعض السلف من الصحابة والتابعين في هذه الآية دون اعتبار لأقوال مخالفيهم من طبقتهم. (والأمر الثاني) الخطأ في الاستدلال ببعض القواعد التي هي إما أنها صواب ولكن أخطأ المستدل في فهمها كقاعدة (لا نكفر مسلماً بذنب ما لم يستحله) وإما أنها خطأ ولم يدرك المستدل وجه الخ طأ فيها فاستدل بها مقلداً لمن وضعها وذلك كالاستدلال بمقالة (لا يخرج العبد من الإيُان إلا بجحود ما أدخله فيه). وسوف أذكر فيما يلي ما ورد في سبب نزول هذه الآيات بسورة المائدة، ثم أذكر المسائل المختلف فيها في تفسيرها مع بيان القول الراجح في كل منها بما فيه رد على الشبهات الواردة على الاستدلال به. الكلام في سبب نزول هذه الآيات قال الله عزّ وجلّلاَ يحَْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فيِ الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَف ْوَاهِهِمْ وَلمَْ ت ُؤْمِنْ ق ُلُوب ُهُ مْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سمََّاعُونَ لِ لْكَذِبِ سمََّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لمَْ يَأْتُوكَ يحَُرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ ب َعْدِ مَ وَاضِعِهِ ي َقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لمَْ ت ُؤْت َوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِت ْنَتَهُ ف َ لَنْ تمَْلِكَ لَهُ مِ نَ اللَّهِ شَيْئًا أُ ولَئِكَ الَّذِينَ لمَْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ ق ُلُوب َهُمْ لهَُمْ فيِ الدُّ ن ْيَا خِزْ يٌ وَلهَُمْ فيِ الآْخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ. سمََّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ ب َي ْن َ هُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَ ن ْهُمْ وَإِنْ ت ُعْرِضْ عَن ْهُمْ ف َلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا

عدد الصفحات ١٦٩

170 وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ ب َي ْن َهُمْ بِالْقِ سْطِ إِنَّ اللَّهَ يحُِبُّ الْمُقْسِطِينَ. وَكَيْفَ يحَُكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ الت َّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثمَُّ ي َت َوَلَّوْنَ مِنْ ب َعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْ مُؤْمِنِينَ. إِنَّا أَن ْزَلْنَا الت َّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يحَْكُمُ بهَِا النَّبِيُّ ونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَْحْبَارُ بمَِا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَ انُوا عَلَيْهِ شُهَدَ اءَ فَلاَ تخَْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْت َرُوا بِآيَاتيِ ثمََنًا قَلِيلاً وَمَنْ لمَْ يحَْ كُمْ بمَِا أَن ْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ. وَكَتَب ْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ الن َّفْسَ بِالن َّفْسِ وَالْعَينَْ بِا لْعَينِْ وَالأَْنْفَ بِالأَْنْفِ وَالأُْذُ نَ بِالأُْذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالجُْرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ ف َ هُوَ كَفَّ ارَةٌ لَهُ وَمَنْ لمَْ يحَْكُمْ بمَِا أَن ْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وَق َفَّي ْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَ ى ابْنِ مَرْيمََ مُصَ دِّقًا لِمَا ب َينَْ يَدَيْهِ مِنَ الت َّوْرَاةِ وَآت َي ْنَاهُ الإِْنجِْيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّ قًا لِمَا ب َينَْ يَدَيْهِ مِنَ الت َّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ. وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِْنجِْيلِ بمَِا أَن ْزَلَ اللَّ هُ فِيهِ وَمَنْ لمَْ يحَْكُمْ بمَِا أَن ْ زَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. وَأَن ْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِ الحَْقِّ مُ صَدِّقًا لِمَا ب َينَْ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ ب َي ْن َهُمْ بمَِا أَن ْزَلَ اللَّهُ وَلاَ ت َ تَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَْقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِن ْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لجََ عَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَب ْلُوَكُمْ فيِ مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الخَْي ْرَاتِ إِلىَ اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جمَِيعًا ف َي ُنَبِّئُكُمْ بمَِا كُنْتُمْ فِيهِ تخَْتَ لِفُونَ. وَأَنِ احْكُمْ ب َي ْن َهُمْ بمَِا أَن ْزَلَ اللَّهُ وَلاَ ت َتَّبِعْ أَهْوَ اءَهُمْ وَ احْذَرْهُمْ أَنْ ي َفْتِنُوكَ عَنْ ب َعْضِ مَا أَن ْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ ت َوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنمََّا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيب َهُمْ بِب َ عْضِ ذُنُوبهِِمْ وَإِ نَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ. أَفَحُكْمَ الجَْاهِلِيَّةِ ي َب ْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَ نُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ41 - 50]

عدد الصفحات ١٧٠

171 الآيات على قولين، وسوف أنقل ما ورد في ذلك من (عمدة ال تفسير مختصر تفسير ابن كثير) للشيخ أحمد شاكر، قال رحمه الله مختصراً كلام ابن كثير: (نزلت هذه الآيات الك ريُات في المسارعين في الكفر، الخارجين عن طاعة الله ورسوله، المقدمين آراءهم وأهواءهم على شرائع الله عزّ وجلّ قالوا آمنا بأفو اههم ولم تؤمن قلوبهم أي: أظهروا الإيُان بألسنتهم، وقلوبهم خراب خاوية منه، وهؤلاء هم المنافقون لام وأهله، وهؤلاء كلهم { مجلسك يا محمد، وقيل: المراد أنهم يتسمعون الكلا م وي ُنْهونه إلى قوم آخرين ممن لا يحضر عندك من أعدائك} يتأوّلونه على غير تأويله، ويبدّلونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون إن أوتيتم هذا فخذوه، وإن لم تؤتوه فاحذرواأقوام من اليهود قتلوا قتيلاً وقالوا: تعالو ا نتحاكم إلى محمد، فإن حكم بالدية فاقبلوه، وإن حكم بالقصاص فلا تسمعوا منه، والصحيح: أنها نز لت في اليهوديين اللذين زنيا، وكانوا قد بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم من الأمر برجم من أحصن منهم، فحرّفوه واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة والتحميم والإركاب على حمارين مقلوبين! فلما وقعت تلك الكائنة بعد الهجرة قالوا فيما بينهم: تعالوا حتى نت حاكم إليه، فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوا عنه، واجعلوه حجة بينكم وبين الله، ويكون نبي من أنبياء الله قد حكم بينكم بذلك، وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه في ذلك. و قد

عدد الصفحات ١٧١

172 وردت الأحاديث بذلك . فروى مالك عن نافع عن ابن عمر، أنه قال: "إن اليهود جاؤ و ا إلى رسول الله صلى الله ع ليه وسلم، فذكروا له أن رجلاً منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحه م ويجلدون، قال عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده فإذا آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما ، فرأيت الرجل يحَْنيِ على المرأة يقيها الحجارة". أخرجاه، وهذا لفظ البخاري. وفي لفظ له: "قال لليهود: ما تصنعون بهما؟ قالوا: نسخِّم وجوههما ونخزيهما، قال: (فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين)، فجاؤ و ا، فقالوا لرجل منهم ممن يرضون أعور: اقر أ، فقرأ، حتى انتهى إلى موضع منها فوضع يده عليه، فقال: ارفع يدك، فرفع، فإذا آية الرجم تلوح، قال: يا محمد، إن فيها آية الرجم، ولكنا نتكاتمه بيننا، فأمر بهما فرجما". وعند مسلم: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بيهودي ويهودية قد زنيا، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء يهود، فقال: ما تجدون في التوراة على من زنى؟ قالوا: نسوِّد وجوههما ونحملهما ونخالف بين وجوههما ويطاف بهما، قال (فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين)، قال: فجاؤ و ا بها فقرؤها، حتى إذا مر بآية الرجم وضع الفتى الذي يقرأ يده على

عدد الصفحات ١٧٢

173 آية الرجم ، وقرأ ما بين يدي ها وما وراءها، فق ال له عبد الله بن سلام - وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم -: مُرْهُ فليرفعْ يده، فرفع يده، فإذا تحتها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما، قال عبد الله بن عمر: كنت فيمن رجمهما، فلقد رأيته يقيها من الح جارة بنفسه". ورو ى الإمام أحمد عن البراء بن عازب، قال "مُرَّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بيهودي محَُمَّمٍ مجلود، فدعاهم فقال: هكذا تجدون حدَّ الزاني في كتابكم؟ فقالوا: نعم، فدعا رجلاً من علمائهم فقال: أنْشُدَك بالذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حدَّ الزاني في كتابكم؟ فقال: لا والله، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا حتى نجعل شيئاً نقيمه على الشريف والوضيع، فاجتمعنا على التحميم والجلد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أوّل من أحيا أمرك إذ أماتوه، قال: فأمر به فرجم، قال: فأنزل الله عزّ وجلّ {ا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر أوتيتم هذا فخذوهلتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، إلى قوله فأولئك هم الكافرون قوله لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون هم الفاسقونها" انفرد بإخراجه مسلم - دون البخاري - وأبو داود والنسائي وابن ماجه).

عدد الصفحات ١٧٣

174 إلى أن قال أحمد شاكر مختصراً كلام ابن كثير (سبب آخر نزول هذه الآيات الكريُات: (روي الإمام أحمد عن ابن عباس، قال: "إن الله أنزل {هم الظالمونولئك هم الفاسقون من اليهود، كانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلي ة، حتى ارت ضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزةُ من الذليلة فَدِي َتُه خمسون وسقاً، وكل قتيل قتلته الذليلةُ من العزيزة فديته مائة وسق، فكانوا على ذلك حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم، فقتلت الذليلةُ من العزيزة قتيلاً، فأرسلت العزيزة إلى الذليلة: أن ابعث وا لنا بمائة وسق، فقالت الذليلة: وهل كان في حيين دينهما واحد ونسبهما واحد وبلدهما واحد، ديةُ بعضهم نصف دية بعض؟ إنما أعطيناكم هذا ضيماً منكم لنا، وفرقاً منكم، فأما إذْ قدم محمد فلا نعطيكم، فكادت الحرب تهيج بينهما، ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، ثم ذَكَرتِ العزيزةُ فقالت: والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعفَ ما يعطيهم منكم، ولقد صدقوا، ما أعطونا هذا إلا ضيماً منّا وقهراً لهم، فدُسُّ وا إلى محمد من يخَْب ُرُ لكم رأيَه، إن أعطاكم ما تريدون حكَّمتموه، وإن لم يعطكم حَذِرْتمُ فلم تحكِّموه، ف دَسُّوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ناساً من المنافقين ليِخْب ُرُوا لهم رأيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما جاؤ و ا رسول الله صل ى الله عليه وسلم أخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأمرهم كله وما أرادوا، فأنزل الله تعايا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر

عدد الصفحات ١٧٤

175 - وا- أنزل، وإياهم عنى الله عزّ وجلّ" ورواه أبو داود بنحوه. وروي ابن جرير عن ابن عباس: "أن الآيات في المائدة، قولهفاحكم بينهم أو أعرض عنهم- إنما أنزلت في الدية في بني النَّضير وبني قُريظة، وذلك: أن قتلى بني النضير كان لهم شرف، وتُودَي الدية كاملةً، وأن قريظة كانوا يُودَوْن نصف الدية، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله ذلك فيه م، فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق في ذلك، فجعل الدية في ذلك سواء" والله أعلم أيُّ ذلك كان، ورواه أحمد وأبو داود والنسائي بنحوه). إلى أن قال (وقد رُوي عن ابن عباس: أن هذه الآيات نزلت في اليهوديين اللذين زنيا، كم ا تقدمت الأحاديث بذلك، وقد يكون اجتمع هذان السببان في وقت واحد فنزلت هذه الآية في ذلك كله، والله أعلم) انتهى كلام ابن كثير من (عمدة ال تفسير) 4/ 148 - 155. وحديث ابن عباس رضي الله عنهما في الدية قال أحمد شاكر: رواه أحمد بإسناد صحيح في المسند (2212.) فهذان السببان رويا في نزول هذه الآيات، ولكن الصحيح منهما هو الأول كما قال ابن كثير (والصحيح أنها نزلت في اليهوديين اللذين زنيا) أ ه . والذي ير جّح أن سبب النزول هو الأول ثلاثة أمور، هي: * أن رواة حديث الرجم أربعة من الصحابة - فيما ذكره ابن كثير في تفسيره - وهم: ابن عمر، وأبو هريرة وجابر بن عبد الله والبراء بن عازب، بّلاف حديث الدية فقد رواه ابن عباس فقط، رضي الله عنهم.

عدد الصفحات ١٧٥

176 * أن رواة حديثالرجم كانوا بالمدينة وقت وجود اليهود بها - باستثناء أبي هريرة - فعاصروا الواقعة، بّلاف ابن عباس فقد ظل بمكة حتى فتحها عام 8 ه ، ووقتها لم يكن يهود بالمدينة، فروايته حكاية عن بعض الصحابة - مرسل صحابي - لا مشاهدة. * أن قول ابن عمر في حديث الرجم (فكنت فيمن رجم هما) نص في محل النزاع، كما قال السيوطي - في الترجيح بين أسباب النزول المتعددة للنص الواحد - أن يستوي الإسنادان في الصحة فيرجح أحدهما بكون راويه حاضر القصة) (الاتقان) 1/ 32. وعلى القول بتعدد سبب النزول، فإن السببين المذكورين في هذه الآيات اتفقا في أن اليهو د بدّلوا حكم الله الذي شرعه لهم، سواء بدّلوا حكم الزاني المحصن أو بدّلوا وجوب المساواة في الدية، ولهذا فإن الخلاف في سبب النزول لا يضر ولا يؤثر في الح كم، إذ أن مناط الحكم في السببين هو تعطيل حكم الله واختراع حكم بديل والحكم به، ولكن الصحيح هو نزولها في تبديل حكم الزاني المحصن، هذا ما يتعلق بسبب نزول الآيات، ثم نعرّج على الخلاف الوارد في تفسيرها. الكلام في تفسير قوله تعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأو لئك هم الكافرون. قال ابن كثير رحمه الله: (وقوله تعاومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ،

عدد الصفحات ١٧٦