المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

بيان فضل القرآن

عبد العزيز بن داخل المطيري

صفحة ٩ من ١٣

- 135 - خطأ وكذلك كره مالك أن تعاد سورة أو تردد دون غيرها احتجوا بأن )ا.هـ.الأفضل يشعر بنقص المفضول وكلام الله حقيقة واحدة لا نقص فيه واحتجاج القرطبي والزركشي لهذا القول بأنّ القرآن كلام الله تعالى، وكلام الله تعالى صفة من صفاته، وصفات الله لا تتفاضل، كما أنّ أسماءه لا تتفاضل؛ احتجاج غير صحيح؛ بل هو خطأ مخالف لدلالة الأدلّة الصحيحة، وللمأثور عن السلف الصالح من القول بمقتضى أدلّة التفاضل في القرآن وفي أسماء الله تعالى وصفاته. وأن بعض السور أفضل من بعض، وبعض - فأمّا التفاضل في القرآن الآيات أفضل من بعض؛ فقد مضت أدلّته الصحيحة الصريحة. فإنّ الله تعالى قد اختصّ بعض أسمائه - وأما التفاضل في أسماء الله تعالى بمزيد فضل، وفي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد وغيره من طريق مالك بن مغول، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: سَمِعَ النبيُّر صلى الله عليه وسلم رجلاً يقول: (اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت، الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له «كفوا أحد؛ فقال ).وإذا دعي به أجاب وفي صحيح مسلم من حديث الأعرج عن أبي هريرة، عن عائشة رضي الله عنهما، قالت: فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلةً من الفراش؛ فالتمستُه فوقَعت يدي على بطن قدميه، وهو في المسجد، وهما منصوبتان، «وهو يقول .وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك

عدد الصفحات ١٣٦

- 136 - وفي صحيح البخاري من حديث أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة «رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال .كتب عنده فوق عرشه: إن رحمتي سبقت غضبي فأسماء الله تعالى كلّها حسنى وبعضها أحبّ إليه من بعض، وصفاته كلّها عليا، وبعضها أحبّ إليه من بعض، وكذلك كلامه جلّ وعلا كلّه حسن لا نقص فيه ولا اختلاف، وبعضه أفضل من بعض؛ وقد فضّل الله القرآن على سائر كتبه المنزّلة، وجعل له فضلاً بتلاوته وحفظه على سائر ما أوحى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم من كلامه الذي ليس في القرآن، فتفاضل سور القرآن وآياته كذلك. (السلف والجمهور على أن بعض كلامه قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أفضل من بعض، وبعض صفاته أفضل من بعض، مع كونها كلها كاملة ا.هـ.لا نقص فيها، كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة) ﭑ ﭒ ﭓ ﴿ثبت عنه في الصحيحين من غيره وجه أن: وقال أيضاً: ( . تعدل ثلث القرآن﴾ﭔ ﭕ وذلك أن القرآن: إما خبر، وإما إنشاء، والخبر: إما خبر عن الخالق، وإما عن المخلوق؛ فثلثه قصص، وثلثه أمر، وثلثه توحيد، فهي تعدل ثلث القرآن بذا الاعتبار. وأيضاً فالكلام وإن اشترك من جهة المتكلِّم به في أنه تكلَّم بالجميع؛ فقد تفاضل من جهة المتكلَّم فيه، فإن كلامه الذي وصف به نفسه، وأمر فيه بالتوحيد، أعظم من كلامه الذي ذكر فيه بعض خلقه، وأمر فيه بما هو دون التوحيد.

عدد الصفحات ١٣٧

- 137 - وأيضاً فإذا كان بعض الكلام خيراً للعباد وأنفع، لزم أن يكون في نفسه أفضل من هذه الجهة، فإن تفاضل ثوابه ونفعه إنما هو لتفاضله في نفسه، وإلا فالشيئان المتساويان من كل وجه، لا يكون ثواب أحدهما أكثر، ولا )ا.هـ.نفعه أعظم وأمّا أبو الحسن الأشعري ومن قال بقوله القديم في القرآن وأنه عبارة عن كلام الله تعالى، وليس هو من كلامه حقيقة، وأنه لا يتبعّض، ولا يتجزّأ، وليس بحرف ولا صوت؛ فهذا مما لا ينبغي أن يُعتدّ به؛ لأنه مبنيّ على اعتقاد باطل في كلام الله تعالى مخالف لنصوص الكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح؛ فلا يُتلفت إليه؛ على أنّ أبا الحسن الأشعري قد رجع عن قوله هذا في آخر حياته، وألّف كتاب إلى مذهب أهل السنة وتأسّيه بالإمام أحمد بن حنبل ، وقد كان رجوعه رجوعاً مجملاً لم يلُ من أخطاء في تفصيل الاعتقاد. وأما أبو بكر ابن الطيّب الباقلاني ففي كتابيه للقرآن بعض آيات القرآن في أوجه الإعجاز على بعض. وقد أشكل على بعض الأشاعرة الجمع بين مذهبهم في صفة الكلام وصراحة أدلّة التفاضل بين الآيات والسور، ولهم في جواب هذا الإشكال أوجه متعدّدة لا تلو من التكلّف والبعد، وقد ذكر الحليمي والزركشي والسيوطي طائفة منها. والمقصود أن القول بتفاضل سور القرآن وآياته هو القول الصحيح الذي دلّت عليه النصوص الكثيرة، وهو القول المأثور عن السلف.

عدد الصفحات ١٣٨

- 138 - وأما ما روي عن الإمام مالك في النهي عن التفضيل بين سور القرآن؛ على النهي عن التفضيل المُشْعِر بتنقّص – إن صحّ عنه –فهو محمول المفضول أو التزهيد فيه والترغيب عنه.

عدد الصفحات ١٣٩

- 139 - المرويات في فضائل القرآن كثيرة جداً، وهي على أقسام ودرجات متفاوتة، ولها تقسيمات باعتبارات متعددة. ويحسن بطالب العلم أن يكون على إلمام حسن بالأصول والقواعد الضابطة لأحكام المرويات في فضائل القرآن، مع إلمامه بقدرٍ حَسَن من المعرفة بما صَحَّ من فضائل القرآن عامة، وفضائل السور والآيات، ومعرفة بما شاع من المرويات الضعيفة في هذا الباب. ولكثرة المرويات الضعيفة في هذا الباب فإنّه يصعب تقصّيها ويتعذّر حصرها، وقد حاول استيعابها جماعة من العلماء فأعياهم ذلك لسببي: أن المرويات في تلك الفضائل منها الصريح وغير الصريح. أحدهما: وغير الصريح بحرٌ لا ساحل له، فما يمكن أن يستنبط منه بيان فضل السورة يصعب حصره وتقصّيه لتفاوت الأفهام في الاستنباط، ولكثرة المعاني التي يمكن أن يستخرج المتأمّل بينها وبين بعض السور أوجها من المناسبات التي تدلّ على فضلها. أن المرويات في هذا الباب متفرّقة في كتب كثيرة جداً، والسبب الآخر: ومنها أجزاء حديثية صغيرة لا يكاد يعرفها كثير من طلاب العلم، ومنها كتب كثيرة مفقودة ينقل عنها بعض المفسّين وشرّاح الأحاديث مرويات الباب الثامن: اأنواع المرويات في ف

عدد الصفحات ١٤٠

- 140 - في فضائل القرآن وغيرها، وكثير منها لا يمكن الوقوف على إسناده؛ فمحاولة تقصّيها ودراستها تستأثر بشطر من عمر الإنسان. ومن أراد أن يستجلي هذه الحقيقة فلينظر إلى مصادر كتاب (فضائل هـ) الذي سماّه (لمحات الأنوار 619القرآن) لعبد الواحد الغافقي (ت ونفحات الأزهار)، وهو من أكثر الكتب جمعاً لمرويات فضائل القرآن، وبعض مصادره مفقود، على أنه حذف الأسانيد، وأكثر من ذِكر المرويات الضعيفة من غير تنبيه على ضعفها. اأ• وقد اعتنى العلماء بجمع الضعيف من المرويات لثلاث فوائد: التنبيه على ضعفها، وبيان سببه، لئلا يُغترّ با، وهذه من شأن الأولى: الحذّاق من أهل الحديث، وقد أبقى الله من كتبهم ما حقق لأهل العلم فائدة كبيرة في معرفة أسباب ضعف بعض المرويات. رأى أحمد بن حنبل يحيى بن معين بصنعاء في وقد قال أبو بكر الأثرم: ( زاوية وهو يكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس، فإذا اطلع عليه إنسان كتمه. فقال له أحمد: تكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس وتعلم أنها موضوعة؟ فلو قال لك قائل: أنت تتكلم في أبان ثم تكتب حديثه على الوجه؟ فقال: رحمك الله يا أبا عبد الله! أكتب هذه الصحيفة عن عبد الرزاق عن معمر على الوجه فأحفظها كلها، وأعلم أنها موضوعة حتى لا يجئ إنسان بعده فيجعل أبان ثابتا ويرويها عن معمر، عن ثابت، عن أنس،

عدد الصفحات ١٤١

- 141 - .)فأقول له: كذبت إنما هو عن معمر، عن أبان لا عن ثابت كتبنا عن الكذابين وروى ابن الأبّار عن يحيى بن معين أنه قال: ( ).وسجرنا به التنور، وأخرجنا به خبزا نَضِجا! جمع الطرق للاستعانة با على دراسة الأحاديث التي تقبل والثاني: التقوية بتعدد الطرق والشواهد؛ فقد يقف المرء على حديث في إسناده رجل يضعّف في الحديث لضعف ضبطه أو فيه انقطاع يسير؛ فإذا تعددت طرق هذا الحديث أو كانت له شواهد صحيحة فإنه يحكم بصحّته. رصد ما روي في هذا الباب، وحفظه من الضياع، وجمعه في والثالث: موضع واحد مع عزوه إلى مصادره، أو تصنيفه على الأبواب أو المسانيد ليسهل وصول أهل الحديث إليه، وليستفيد منه أهل العلم بعده؛ بالدراسة والتمحيص. وهذه الأسباب الثلاثة هي أكثر ما يدعو أهل العلم لتدوين المرويات الضعيفة، والأصل هو السبب الأول، والآخران معينان عليه. � • ومن واجبات أهل العلم نَفْيُ الكذب عن كتاب الله، وعن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فيحترزون من نشر الضعيف الواهي، ما شاع من ذلك، وما – عند الحاجة –والمكذوب، ويبيّنون للناس يُسألون عنه.

عدد الصفحات ١٤٢

- 142 - ومن إحسان طالب العلم في طلبه أن يحُسن العدّة في كلّ علمٍ يتعلّمه، ومن ذلك أن يعدّ العدّة الحسنة له في علم فضائل القرآن. ومما أوصي به طلاب العلم ليختصروا على أنفسهم كثيراً من الجهد والوقت ، وليستعينوا به في الدعوة والتعليم أن يعتنوا ببناء أصل علمي في كلّ علم يتعلمونه، ليكون مرجعاً لهم. ومن ذلك أن يبني الطالب لنفسه أصلاً علمياً في فضائل القرآن يحقّق له خمسة أمور: جمع الصحيح الصريح من فضائل القرآن وفضائل سوره وآياته، الأول: ليتفقّه فيها، وينتفع با، ويدعو غيره ويعلّمهم. جمع ما اشتهر من المرويات الضعيفة في فضائل القرآن في والثاني: دواوين السنّة الكبار، وفي كتب التفسير وشروح الأحاديث مما يشيع عند العامّة، أو يكثر السؤال عنه؛ ليكون على علم بحال تلك المرويات، ويحذّر منها ويبينّ حالها عند الحاجة إلى ذلك. جمع الأصول والقواعد الضابطة لبحث هذه المرويات وتعرّف والثالث: أنواعها ودرجاتها وأحكامها، فيستعين بذه المعرفة التأصيلية على معرفة أحكام كثير من المرويات التي تبلغه في هذا الباب. التدرّب على بحث هذه المرويات وتعرّف أحكامها، ليكون والرابع: حاضر الأداة حين يحُتاج إلى بحثه، أو يُسأل عن شيء من تلك المرويات، أو يرى انتشار مرويات لم تبلغه في هذا الباب؛ فيتعرّف حالها ويبيّنه.

عدد الصفحات ١٤٣

- 143 - المعرفة بالكتب والمراجع التي يرجع إليها في هذا الباب، والخامس: واكتساب حسن المعرفة بمراتب كتب التفسير في تناول تلك المرويات، فلا يغترّ بشهرة بعض التفاسير ولا يقبل ما فيها علاّته؛ لعلمه بأنّ من المفسّين من يكون محسناً في جوانب من التفسير ومقصرّاً في معرفة أحكام الأحاديث والآثار؛ فيوردها من غير تمييز، وربما أوردها من غير نسبة. وكثير من العامة وبعض المبتدئين من طلاب العلم ربما اعتقد صحّة بعض المرويّات الواهية لمجرّد ذكر بعض المفسّين لها في كتبهم. وهذا يقع لكثير من الخطباء والوعّاظ الذي ليس لهم معرفة بالحديث، ولا يتثبّتون من أهل العلم فيما يذكرون منها، فوقوعه ممن هو دونهم ورواجه لديهم من باب أولى. وقد ذُكر أن خطيبا قرأ حديثاً من الأحاديث التي رواها ابن الجوزي في كتاب وخطب به على المنبر متأثّراً به ، وقال ومن الأمانة التي يتحمّلها صاحب كلّ علم: أن يعلّمه لمن يطلبه، وأن يحميه بنفي الكذب عنه وادّعاء المنتحلين المبطلين له، وبذلك يظهر العلم وينتشر.

عدد الصفحات ١٤٤

- 144 - � • ومما ينبغي أن يعلم أنَّ الحديث لا يحُكم بصحته إلا إذا صَحَّ إسنادُه ومتنُه وصحة الإسناد لا تتحقّق إلا بثلاثة أمور: والذين لا تُقبل أن يكون رجاله ممن تُقبل روايتهم؛ الأمر الأول: روايتهم على درجتي: الذين يكون سبب جرحهم ضعف ضبطهم وهم أهل الدرجة الأولى: صدق في الجملة فهؤلاء لا يُطّرح حديثهم جمُلة، ولا يقبلون مطلقاً، بل يُعتبر حديثهم فإذا ورد من طريق أخرى أو كان له شواهد فيُحكم بصحّته لانتفاء علّة ضعف الضبط. الذين لا تُقبل مرويّاتهم مطلقاً، ولا يعتبر با، وهم والدرجة الثانية: متروكو الحديث، من الكذّابين، والمتّهمين بالكذب، والذين بلغوا من كثرة الخطأ والتساهل في الرواية عن الواهين من غير تبيين مبلغاً استحقّوا به ترك حديثهم؛ فهؤلاء لا يجُبر ضعف حديثهم بمتابعة غيرهم. أن يكون الإسناد متّصلاً غير منقطع؛ فانقطاع الإسناد والأمر الثاني: موجب لضعف الحديث. انتفاء العلّة القادحة في صحّة الإسناد؛ كالمخالفة، والأمر الثالث: والتدليس، والاضطراب. فالمخالفة أن يالف الرواي من هو أوثق منه فيَصِل إسناداً منقطعاً، أو يُغفل ذِكْرَ راوٍ ضعيف.

عدد الصفحات ١٤٥

- 145 - والتدليس أن يسقط راوياً ضعيفاً من الإسناد ويروي عن شيخه بصيغة بالسماّع. والاضطراب أن يتلف الرواة في الإسناد اختلافاً شديداً فلا يُوقف على صحّته، والاضطراب موجب للضعف. وصحة المتن لا تتحقّق إلا بأمرين: صحّة الإسناد إليه. الأمر الأول: انتفاء العلّة القادحة في المتن؛ كالمخالفة، والنكارة، والأمر الثاني: والاضطراب، والرواية بالمعنى المخلّ، والتصحيف والتحريف، وغيرها. تنبيه: وليُعلم أنّ ضعف الإسناد المعينّ لا يقتضي ضعف المتن مطلقاً ؛ فقد يروى بإسناد آخر صحيح، ولذلك أمثلة منها: حديث مسلمة بن علي الخشني عن حريز بن عثمان عن سليم بن عامر عن أبي أمامة مرفوعاً: . رواه تمّام في فوائده « وابن عساكر في تاريه، وأورده الألباني في السلسلة الضعيفة، وقال ضعيف جدا. (وهذا إسناد واهٍ جدا، مسلمة بن علي - وهو ثم قال بعد ذكر إسناده: .الخشني - متروك؛ ك وقد صدق رحمه الله وأعلى منزلته في حكمه على هذا الإسناد؛ فقد انفرد مسلمة برفعه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم.

عدد الصفحات ١٤٦

- 146 - «والصحيح فيه أنّه موقوف على أبي أمامة رضي الله عنه بلفظ القرآن ولا تغرَّنكم هذه المصاحف المعلَّقة، فإنَّ الله لن يعذّب قلباً وَعَى .القرآن وهذا الأثر رواه عن أبي أمامة: شرحبيل بن مسلم الخولاني، وسليم بن عامر الخبائري، والقاسم بن عبد الرحمن الشامي. فأمّا شرحبيل بن مسلم فروى عنه هذا الأثر حَريزُ بن عثمان الرَّحبي أ: وهو ثقة ثبت، ورواه عن حريز ثلاثة هم: يزيد بن هارون عند ابن أبي شيبة، والحكم بن نافع عند الدارمي، وحجّاج بن محمد عند ابن بطة العكبري. وأما سليم بن عامر الخبائري فروى هذا الأثر عنه معاوية بن ب: صالح، ورواه عن معاوية عبد الله بن صالح كاتب الليث، ورواه عن عبد الله بن صالح: البخاري وأما القاسم بن عبد الرحمن فرواه عنه حريز، ورواه عن حريز شبابة ج: بن سوّار عند ابن أبي شيبة. وهؤلاء كلهم رووه موقوفاً على أبي أمامة باللفظ المتقدّم، وتفرّد مسلمة بن عليّ بروايته عن حريز عن سليم عن أبي أمامة مرفوعاً وأسقط قوله: .« ومسلمة بن عليّ متروك الحديث كما تقدّم فلا تعتبر مخالفته وبمجموع الطرق المعتبرة المتقدّمة فالأثر ثابت عن أبي أمامة رضي الله عنه، وهو وإن كان موقوفا على أبي أمامة فإنّه مما لا يقال بالرأي؛ فيأخذ حكم الرفع من جهة المعنى لا من جهة الرواية.

عدد الصفحات ١٤٧

- 147 - والمقصود بذا المثال بيان أن ضعف الإسناد المعينّ لا يقتضي ضعف الحديث مطلقاً لأنه قد يصحّ من طريق آخر، وأنّ الموقوف قد يأخذ حكم المرفوع إذا صحّ عن الصحابي وكان مما لا مدخل للاجتهاد فيه، ولم تعرف له علّة أخرى توجب منع القول بالرفع. درجات المرويات • المرويّات تعمّ ما يُروى بالأسانيد من الأحاديث المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمرسلة عنه، والآثار التي تُروى عن الصحابة والتابعين. وهي على خمس درجات: المرويّات الصحيحة لذاتها، وهي التي ثبتت بإسناد الدرجة الأولى: صحيح من غير شذوذ ولا علّة قادحة في الإسناد ولا في المتن. المرويات الصحيحة لغيرها، وهي التي يكون في والدرجة الثانية: أسانيدها بعض الضعف الذي يجُبر بالشواهد وتعدّد الطرق، ويكون المتن سالماً من العلّة القادحة. المرويات الضعيفة ضعفاً محتملاً، وهي التي يكون والدرجة الثالثة: متنُها غيرَ منكر من جهة المعنى، وفي الإسناد ضعف قابلٌ للتقوية لو وُجدت. المرويات الواهية، وهي التي يكون في إسنادها والدرجة الرابعة: ضعف شديد، أو يكون متنها منكراً مخالفاً للنصوص الصحيحة والقواعد الشرعية.

عدد الصفحات ١٤٨

- 148 - المرويّات الموضوعة، وهي التي يتبينّ أنهّا مكذوبة والدرجة الخامسة: مختلقة. فمرويات الدرجتين الأولى والثانية يحتجّ بما. ومرويات الدرجة الثالثة من أهل العلم من يحتجّ با في الفضائل والرقاق والأخبار، ومنهم من يستأنس با ولا يحتجّ با، ومنهم من يذكرها لفائدة كأن يكون المتن حسناً جامعاً، أو لينبّه على ضعفه مع شهرته. ومرويات الدرجة الرابعة لا يجوز أن تذكر إلا لبيان ضعفها، والتنبيه على عللها، وقد يرويها بعض المحدّثين لفوائد عارضة أو لغرض جمع الطرق ويعدّون ذكر الإسناد تبيينا لحالها، ثم يتساهل في نقلها بعض المفسّين والفقهاء وشرّاح الأحاديث من غير معرفة بحال رواتها، وقد يحذفون الأسانيد اختصاراً. وأما مرويات الدرجة الخامسة فلا تحلّ روايتها إلا على التبيين، وقد ورد الوعيد الشديد في التحديث بما هو مكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم. اأنواع المرويات ال • الضعفُ له أنواع وأسباب عائدة إلى الإسناد أو إلى المتن أو إليهما معاً، ومن تلك الأنواع: الإرسال، والمرسل هو ما أسنده التابعي إلى النبي صلى الله النوع الأول: عليه وسلم، والإرسال انقطاع في الإسناد، فلا يقبل إلا أن يرد من طريق

عدد الصفحات ١٤٩

- 149 - آخر موصولا بإسناد صحيح أو يكون المرسل معتبراً يتقوّى بالشواهد والمتابعات. والمراسيل على أنواع ودرجات فمن أهل العلم من يضعّفها مطلقاً، ومنهم من يقبلها بشروط منها أن يكون المرسِل من كبار التابعين، وأن يُعرف عنه أنه لا يروي إلا عن ثقة، وأن لا يعرف عنه شذوذ في الرواية، وأن يكون الحديث الذي أرسله غير منكر المتن. والمراسيل المروية في فضائل القرآن كثيرة منها: - مرسل الحسن البصري الذي أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن من طريق أبي نصيرة مسلم بن عبيد، عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله «عليه وسلم .والفرقان - ومرسل عبد الملك بن عمير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه رواه الدارمي والبيهقي في «وسلم شعب الإيمان وابن مروان الدينوري في المجالسة من طريق سفيان الثوري عن عبد الملك بن عمير مرسلاً. الانقطاع في السند، وهو أعمّ مما قبله، ويعرف الانقطاع والنوع الثاني: بأمور: معرفة تواريخ وفاة الشيخ وولادة الراوي عنه. - منها: تصريح الراوي بأنّه لم يسمع ممن روى عنه، كما صرّح الضحّاك - ومنها: بن مزاحم أنّه لم يسمع من ابن عباس.

عدد الصفحات ١٥٠

- 150 - أن يحصر الراوي ما سمعه من شيخه، فيكون ما رُوي عنه مما - ومنها: سواه منقطعاً، كما ذكر الشعبي أنّه لم يسمع من ابن عمر سوى حديثين، وقد صحبه ثمانية أشهر. نصّ الأئمّة النقّاد على أنّ ذلك الراوي لم يسمع من شيخه أو - ومنها: حصروا ما سمعه منه. ومن أمثلة الضعيف لانقطاع إسناده ما رواه عبد الرزاق والدارمي من طريق أيوب، عن أبي قلابة الجرمي أن رجلاً قال لأبي الدرداء: إن إخوانك من أهل الكوفة، من أهل الذكر، يقرئونك السلام. فقال: « .القصد والسهولة، ويجنّبهم الجور والحزونة وهذا إسناد رجاله ثقات غير أنّ أبا قلابة لم يدرك أبا الدرداء. المخالفة بالرواية بالمعنى المغيرّ للفظ. النوع الثالث: «ومن أمثلته: حديث عبادة بن الصامت مرفوعاً رواه الدارقطني والحاكم من طريق: غيرها، وليس غيرها منها بعوض محمد بن خلاد الإسكندراني، ثنا أشهب بن عبد العزيز، ثنا سفيان بن عيينة، عن ابن شهاب، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت. .«قال الدارقطني ومحمد بن خلاد مختلف فيه؛ وقد احترقت كتبه فصار يحدّث من حفظه ويروي بالمعنى فيقع في بعض حديثه ما يُنكر عليه.

عدد الصفحات ١٥١