- 87 - والتلاوة المعتبرة هي التلاوة التي يحبّها الله ويقبلها، وهي التلاوة التي تكون بإيمان واتّباع؛ أما القراءة من غير اتّباع فإنها لا تنفع صاحبها، بل هي حجّة عليه. مراتب تلاوة القراآن• وتلاوة القرآن على مراتب: - فأعلاها مرتبة أهل الإحسان في تلاوة القرآن، وهم الذين جمعوا بين المهارة في قراءة القرآن، وحسن اتّباع هداه؛ فهؤلاء بأفضل المنازل، ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﴿قال الله تعالى: ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﴾ﯽ ﯾ ﯿﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ فوعدهم الله التجارةَ الرابحة التي ضمن لهم أنها لن تبور؛ فهي تجارة يجدون من ثوابا وبركاتها والرفعة با ما تقرّ به أعينهم، وتطيب به حياتهم، وتحسن به عاقبتهم. ووعدهم مع توفيتهم أجورهم أن يزيدهم من فضله زيادة كريمة من عنده جلّ وعلا؛ وأضاف الفضل إليه إضافة تشريف وتنبيه على أنّه فضل عظيم. وفي هذا تنبيه على وعد بمغفرة ذنوبم، ﴾ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ﴿ وعلى أنّ الله تعالى يحبّ هذه الأعمال، ويشكر من يتقرّب با إليه؛ فيثيبهم ثواباً وافياً، ويزيدهم عليه زيادة كريمة. ﯪ ﯫ ﯬ ﴿(كان مطرّف بن عبد الله إذا مرّ بهذه الآية: قال قتادة: . رواه ابن جرير.يقول: هذه آية القرّاء) ﴾ﯭ ﯮ
عدد الصفحات ٨٨- 88 - وذلك لما فيها من الشرف والفضل العظيم لهم - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « . رواه مسلموهو عليه شاقّ، له أجران الماهر: الحاذق الذي يقرأ بإتقان من غير تردد. فلما جمعوا مهارة القراءة وبرّ العمل به نالوا إكرام الله تعالى لهم. (والمراد بالمهارة بالقرآن جودة الحفظ وجودة التلاوة من قال ابن حجر: غير تردد فيه، لكونه يسَّه الله تعالى عليه كما يسَّه على الملائكة؛ فكان مثلها .في الحفظ والدرجة) ويشهد لما قاله ابن حجر رواية البخاري رحمه الله لهذا الحديث في « صحيحه بلفظ .البررة، ومثل الذي يقرأ، وهو يتعاهده، وهو عليه شديد فله أجران وحفظ القرآن هنا يشمل حفظ تلاوته وحفظ رعايته بالعمل به وما يوجبه الإيمان به. التلاوة؛ والمقصود أنّ ثواب تلاوة القرآن يتفاضل بتفاضل القراء في معنيي وهما القراءة والاتباع؛ فمن بلغ فيهما مرتبة الإحسان فهو بأفضل المنازل. ومن قصرّ فيهما حصل له من النقص بحسب تقصيره وتفريطه. وأما من كان يحسن القراءة ويالف هدى الله تعالى فإنّ قراءته لا تنفعه عند الله، بل هي حجّة عليه.
عدد الصفحات ٨٩- 89 - معنى قوله• الكرام البررة ﮃ ﮄ ﴿ إشارة إلى قول الله تعالى: «وقوله .﴾ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ وفي المراد بالسفرة أربعة أقوال: هم الملائكة، واحدهم سافر، والجمع سَفَرة، وهذا القول القول الأول: رُوي عن ابن عباس بإسناد ضعيف، وقال به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم والفراء والبخاري في صحيحه، ورجّحه ابن جرير وابن عطية وابن كثير. فَجُعِلَت الملائكة إذا نزلت بوحي الله تبارك وتعالى وتأديبه قال الفراء: ( كالسفير الذي يصلح بين القوم، قال الشاعر: وم وم ا.هـ. هم الكَتَبة؛ وهو قول ابن عبّاس، ورواية معمر عن والقول الثاني: قتادة، وقال به من علماء اللغة أبو عبيدة معمر بن المثنّى. هم القرّاء، وهو رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة والقول الثالث: أخرجها ابن جرير الطبري. هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا قول والقول الرابع: وهب بن منبّه؛ رواه عنه عبد بن حميد وابن المنذر كما في الدر المنثور. وجمع الخليل بن أحمد وابن قتيبة والزجاج بين القولين الأولين؛ فذهبوا إلى أن معنى
عدد الصفحات ٩٠- 90 - «والمقصود أن قول النبي صلى الله عليه وسلم في الماهر بقراءة القرآن وقد اختلف في كونه تشريف عظيم للماهر بالقرآن، السفرة الكرام البررة معهم على أقوال: المعيّة في المكانة والمنزلة. القول الأول: هي معيّةُ مصاحَبة في الدنيا؛ فلكثرة تلاوته وتنزّل الملائكة والقول الثاني: لاستماع الذكر والتلاوة كان مصاحباً لهم. هي معيّة مشاكلة ومشابة؛ فهو بطاعته وكثرة ذكره قد والقول الثالث: شابه الملائكة وسلك مسلكهم. وعلى كلّ هذه الأقوال فوصفه بأنه مع السفرة دون ذكر عين الجزاء دليل على إبامه لتعظيمه، وأنّه أجر عظيم يكفي في وصفه أن يعدّ صاحبه «مع السفرة الكرام البررة، ونظيره ما في الحديث الصحيح ؛ فتذهب الآمال كل هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله مذهب في رجاء عِظَمِ هذا الثواب، فيثابون بما لم يطر على قلوبم، ولم يبلغه علمهم، ولم تدركه أمانيهم من عظيم الفضل وجزيل الثواب. ولذلك ذهب بعض أهل العلم إلى أن مضاعفة الثواب للماهر بالقرآن لا تحُصرَ، وأنّ الله تعالى يضاعف له الأجر أضعافاً كثيرة؛ فكما يضاعف الحسنات لبعض عباده إلى سبعمائة ضعف وإلى أضعاف كثيرة؛ فكذلك جلّ وعلا - وهو تلاوة كلامه واتّباع – يكون في خير ما يُتقرَّب به إليه هداه.
عدد الصفحات ٩١- 91 - تلاوة القراآن طماأنينة للقلب و• أنواع ثواب تلاوة القرآن:• ومن أحسن تلاوة القرآن فإنّه يُثاب بأنواع من الثواب العظيم في الدنيا والآخرة فضلاً من الله تعالى، وإكراماً منه لصاحب القرآن: أ: فمما يثاب به في الدنيا: أن تلاوته للقرآن طمأنينة للقلب وسكينة للنفس ونور للصدر، :1 ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ﴿ وجلاء للحزن وذهاب للهَمّ؛ كما قال الله تعالى: ، وقد فسّ الذكر هنا بالقرآن، ولا شكّ أن القرآن من الذكر، ﴾ﰓ ﰔ وهو يدخل في معنى هذه الآية دخولاً أوّلياً؛ وتلاوته والاستماع له بقلب منيب حصل بما من الطمأنينة والسكينة ما يدفع عن المؤمن انزعاجه من المقلقات والأحداث العارضة والإيذاءات الشيطانية؛ ويثبّته في مواضع الفتن؛ وهذا الثواب النفسي الذي يجد قارئ القرآن بركته على روحه وجسده حتى كأنّ كلَّ عضو من أعضائه تناله بركة تلاوته، من أعظم الثواب المعجّل لقارئ القرآن. وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله «عليه وسلم ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه، .وأبدله مكان حزنه فرحا
عدد الصفحات ٩٢- 92 - قال: فقيل: يا رسول الله، ألا نتعلمها؟ رواه أحمد وابن أبي شيبة وأبو «فقال يعلى وابن حبان والحاكم وغيرهم. محبّة الله تعالى لمن يتلو كتابه موؤمناً به • محبة الله تعالى لمن يتلو كتابه مؤمنا به؛ معظّما . ومن ثواب تلاوة القرآن:2 لهداه؛ فرحاً بفضله ورحمته؛ وهذه المحبة العظيمة لها آثار مباركة على حياة المؤمن، وكلما كان أحسن تلاوة للقرآن كان نصيبه من هذه المحبة وآثارها أعظم. ومن دلائل محبّة الله تعالى لمن يتلو كتابه مؤمنا به ثناؤه عليهم في مواضع من كتابه الكريم، ثناء يشرّفهم به ويرغّب به عباده في تلاوة كتابه، والتقرّب به إليه. وتزداد محبّة الله تعالى بازدياد صدق العبد في التقرّب إلى الله تعالى بتلاوة كتابه وتقديمه إيّاه على ما تشتهيه نفسه كما دلّ عليه الحديث الذي رواه منصور بن المعتمر عن ربعي بن حراش، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله «عليه وسلم أنه قال - يبغض الشيخ الزاني، والفقير المختال، والمكثر البخيل. - ويحب ثلاثة: رجل كان في كتيبة؛ فكَرَّ يحميهم حتى قُتِل أو فتح الله عليه، ورجل كان في قوم فأدلجوا فنزلوا من آخر الليل، وكان النومُ أحبَّ إليهم مما يُعدل به، فناموا وقام يتلو آياتي ويتملَّقني، ورجل كان في قوم فأتاهم رجل يسألهم بقرابة بينهم وبينه فبخلوا عنه، وخلف بأعقابهم
عدد الصفحات ٩٣- 93 - . رواه الإمام أحمد والنسائي فأعطاه حيث لا يراه إلا الله ومن أعطاه والترمذي بإسناد صحيح. وقال فروة بن نوفل الأشجعي: كنت جاراً لخباب بن الأرتّ؛ فخرجنا (يا هناه، تقرب إلى الله بما استطعت، مرة من المسجد، فأخذ بيدي فقال: رواه الحاكم والبيهقي فإنك لن تَقَرَّب إليه بيء أحبَّ إليه من كلامه) واللالكائي، واحتجّ به الإمام أحمد. وقد فقه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فَضْلَ هذا العمل الجليل فكانوا أحسن الأمّة عناية به. (لو أن قلوبنا طهرت ما شبعنا من - قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: . رواه البيهقي كلام ربنا، وإني لأكره أن يأتي عليَّ يوم لا أنظر في المصحف) في كتاب الاعتقاد. (لو أن رجلا بات يحمل على الجياد في سبيل - وقال عبد الله بن مسعود: رواه ابن أبي شيبة. الله، وبات رجل يتلو كتاب الله لكان ذاكرُ الله أفضلَهما) (لو بات رجل ينفق دينارا دينارا، ودرهما - وقال عبد الله بن عمر: درهما، ويحمل على الجياد في سبيل الله، وبات رجل يتلو كتاب الله حتى يصبح متقبَّلا منه، وبتُّ أتلو كتاب الله حتى أصبح متقبلا مني، لم أحبَّ أن رواه ابن أبي شيبة. لي عملَه بعملي) - وروى سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي أنه (لو بات رجل يعطي البِيضَ القِيَان، وبات آخر يتلو كتاب الله عز قال: (كأنه يرى أن الذي يذكر الله قال سليمان التيمي: وجل ويذكر الله تعالى) . رواه أبو نعيم الأصبهاني.أفضل)
عدد الصفحات ٩٤- 94 - البيض القيان: الجواري ذوات الحسن في الصوت والصورة، وذكرها لأنهّا من أَنفَسِ ما يهُدى؛ لمظنّة الشحّ با. تلاوة القراآن تفتح عين الب• أن القارئ يتبصرّ به ويعتبر فيهديه إلى معرفة الله : ومن ثواب تلاوته:3 تعالى بأسمائه وصفاته، ويذكّره بآلائه ونعمائه، ويبصرّه بالصراط المستقيم والهدي القويم في جميع شؤونه، ويفقّهه في أحكام دينه وسلوكه وتعامله، ويعلّمه الاعتبار والتفكّر، والتبصرّ والتذكر، والحكمة والسداد؛ فيستفيد من القرآن علماً كثيراً مباركاً بما تضمّنه من الآيات البيّنات، والأمثال التي صرّفها الله عزّ وجل عن علم وحكمة وحسن تقدير، وما فيه من القصص الكثيرة المباركة بما حوته من الدروس والمواعظ والعبر، إلى غير ذلك من أنواع البصائر والبيّنات التي تحصل لمن أحسن تلاوة القرآن؛ كما قال الله . ﴾ﮀ ﮁ ﮂ ﮃﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ﴿تعالى: ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﴿- وقال تعالى: ﴾ﯞ ﯟﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ .﴾ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ﴿ - وقال تعالى: ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﴿- وقال تعالى: ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﴾ﯺ ﯻﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ
عدد الصفحات ٩٥- 95 - ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ﴿ - وقال تعالى: ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﴾ﯟ ﯠ ﯡ وفي القرآن من أنواع البصائر والبيّنات ما يفتح للعبد أبواب الإيمان واليقين والحكمة؛ فإنّه يرى الأمور بعين البصيرة، ويَنظر إلى الأحداث كما يحبُّر اللهُ أن يُنظر إليها، ولا تغرّه الظواهر التي تغرّ الجاهلين وتدعهم، بل ينفذ بصره إلى حقيقة ما أراده الله، ويفقه سنن الابتلاء وعواقبه؛ ويعرف هدى الله فيما يعرض له؛ فيتّبع رضوان الله، ويفوز بمحبّته ومعيّته الخاصة، حتى ينال ما وعده الله من الكفاية وحسن العاقبة، وذلك أنّ عالم الغيب يتلف عن عالمَ الشهادة، وأكثر الناس إنما ينظرون إلى ظواهر عالم الشهادة ويتخرّصون في عالم الغيب؛ فيغترون بما يرون في الحياة الدنيا، ويضلون عما تحصل لهم به العاقبة الحسنة في أمورهم، وصاحب القرآن يتّبع هدى الله الذي هو عالمُِ الغيب والشهادة، ومن بيده ملكوت كلّ شيء، وإليه عاقبة الأمور؛ فهو الذي يقدّر الأقدار ، ويدبّر الأمر، ويتولىّ الجزاء، فتصديق وعده جلّ وعلا واتّباع ما بينّ من الهدى في كتابه الكريم يفضي بصاحبه إلى العاقبة الحسنة. ولتفاصيل ذلك أمثلة كثيرة تبينّ تفاوت الناس في انتفاعهم من القرآن، فأوفرهم حظا وأحسنهم نصيباً من يحسن تلاوة القرآن بقلب منيب؛ لأنّ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﴿ الله تعالى قد وعد أهل الإنابة بالهداية؛ كما قال تعالى: ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﴿ وقال تعالى: ﴾ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ .﴾ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ
عدد الصفحات ٩٦- 96 - ومن هدى الله قلبه، ونوّره بنور وحيه، وأحياه بروح أمره : آتاه فرقانا يميّز به بين الحقّ والباطل، ويثبت به في مواضع الفتن التي تزلّ فيها الأقدام، ويبصرّه بالحقائق على ما هي عليه، وينظر إلى العواقب كأنه يراها رأي عين، لا يرتاب فيها، ولا يتردد في اتّباع هدى الله، وهذا علم يقيني خاصّ خالص لأهل الخشية والإنابة الذين ينتفعون بما أنزل الله تعالى في كتابه، ويعتبرون بما فيه من الآيات والعبر، ويعقلون أمثاله، ويصدّقون أخباره، ويؤمنون به ويعظّمونه؛ فلا يستوي هؤلاء الموفّقون المهديّون ومن كانوا في غفلة عن هدى القرآن متبعين لما تهواه أنفسهم، كما قال الله ، وقال ﴾ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ﴿ تعالى: .﴾ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ﴿ تعالى: والمقصود أن من أعظم ما يثاب به قارئ القرآن بقلب منيب ما يحصل له من العلم اليقيني الخاصّ المبارك القائم على بصائر القرآن وبيّناته، وهذا العلم الجليل أصلٌ لهدايات عظيمة، وبركات كثيرة. لطال بنا المقام، وتشعّب ولو ذهبنا نشرح كل نوع من أنواع ثواب القرآن الحديث شُعَباً كثيرة؛ ورأينا في كل شعبة ما يدعونا للوقوف عليها، والتفكّر فيها، وتأمّل آثارها المباركة، وتعرّف خلاصة ما ذكره أهل العلم فيها من الفوائد والتنبيهات؛ ولطائف الاستدلالات؛ فيفضي بنا ذلك إلى التطويل والإكثار من حيث أردنا التلخيص والاختصار، وحسبنا فيما بقي أن نوجز العبارة بما يكفي للدلالة والتنبيه على ما نَقْصرُ عن تَقَصِّيه.
عدد الصفحات ٩٧- 97 - زيادة الاإيمان بتلاوة القراآن• زيادة الإيمان بتلاوته وبالاستماع : ومن أنواع ثواب تلاوة القرآن؛ 4 ، وقال تعا﴾ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ﴿ إليه؛ كما قال الله تعالى: ، وأوجه زيادة الإيمان بتلاوة القرآن ﴾ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﴿ وبالاستماع إليه متعددة؛ فإنّ الإيمان يزيد بالطاعات؛ وتلاوة القرآن عبادة قولية يثاب عليها العبد ويزداد با إيمانه، ودعاء العبد لربّه إذا مرّ بآية رحمة أو آية عذاب؛ عبادة قولية قلبية يثاب عليها. وما يقوم بقلب قارئ القرآن من أنواع العبادات القلبية من التصديق وزيادة اليقين والخشية والإنابة والرغبة والرهبة والصدق والإخلاص والتوكل والاستعانة وتعظيم حرمات الله وشعائره وغير ذلك من العبادات القلبية العظيمة؛ كل ذلك مما يزداد به إيمان العبد إذا أحسن تلاوة القرآن؛ فإنَّ القرآن ياطبُ القلبَ وينمِّي فيه هذه العبادات العظيمة ؛ التي إذا صحّت في القلب صلح القلب وصلح سائر الجسد. ثمّ ما يقوم به قارئ القرآن من أنواع العبادات العملية التي أرشد الله إليها في كتابه الكريم كإقامة الصلاة وإحسان الإنفاق في سبيله، والاجتهاد في فعل الخيرات، والكفّ عن المحرمات، مما يزداد به العبد إيمانا وصلاحاً؛ فإنّ القارئ الصادق إذا وقف على أمر لله تعالى حرص على أن يكون من أهل ذلك الأمر، وإذا وقف على نهي عن أمر من الأمور حرص على اجتنابه، ولا يزال كذلك حتى يحقق التقوى التي مبناها على فعل ما أمر الله به، واجتناب ما نهى الله عنه.
عدد الصفحات ٩٨- 98 - والخلاصة أن زيادة الإيمان بتلاوة القرآن تكون بقراءته وبما يترتّب عليها من أنواع العبادات القولية والقلبية والعملية، وأنّ زيادة الإيمان من عاجل ثواب قارئ القرآن. اأجر تلاوة القراآن • ما جعل الله تعالى لقارئه من الحسنات : ومن أنواع ثواب قراءة القرآن5 الكثيرة المضاعفة، وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة - منها حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله « صلى الله عليه وسلم بعشر أمثالها، لا أقول . رواه الترمذي وصححه والبيهقيّ في شعب الإيمان وغيرهما، حرف وقد رُوي عن ابن مسعود مرفوعاً وموقوفاً من طرق يشدّ بعضها بعضاً، وصححه الألباني وجماعة من أهل العلم. - ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله « عليه وسلم «قلنا: نعم، قال عظام سمان؟ رواه مسلم في صحيحه. خير له من ثلاث خلفات عظام سمان «ورواه البخاري في جزء القراءة خلف الإمام، ولفظه قلنا: نعم أحدكم إذا أتى أهله أن يجد عندهم ثلاث خلفات عظاما سمانا .«يا رسول الله؛ قال الخَلِفة: الناقة التي في بطنها ولدها.
عدد الصفحات ٩٩- 99 - - ومنها حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: خرج رسول ا «صلى الله عليه وسلم ونحن في الصفة، فقال يوم إلى بطحان، أو إلى العقيق، فيأتي منه بناقتي كوماوين في غير إثم، ولا «، فقلنا: يا رسول الله نحب ذلك، قالقطع رحم؟ إلى المسجد فيَعْلَمُ أو يقرأُ آيتي من كتاب الله عز وجل، خير له من ناقتي، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من « رواه مسلم، وأحمد وأبو داوود ، وفي روايته الإبل . كتاب ا - الكوماء: الناقة العظيمة السنام. اأوجه تفا• ومما ينبغي أن يعلم أن ثواب التلاوة يتفاضل من وجوه: أن التلاوة بحضور قلب وتدبّر وخشوع أعظم أجراً من فمن ذلك: التلاوة التي يضعف فيها حضور القلب وعقل المعاني وتدبّر الآيات. فإنّ العبد يثاب على ما يقوم في قلبه من العبادات القلبية عند تلاوته، ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﴿وما يظهر من آثارها على جوارحه؛ كما قال الله تعالى: ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﴾ﮁ ﮂ ﮃﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ فهؤلاء بلغوا مرتبة الإحسان في استماع تلاوة القرآن؛ وأثنى الله عليهم بما يدل على محبّة عملهم؛ من معرفة الحقّ وظهور أثره عليهم وقولهم ما
عدد الصفحات ١٠٠- 100 - أحبّه الله تعالى؛ حتى نوّه بذكرهم في كتابه الكريم، وأعلى شأنهم وأحسن جزاءهم وأغرى بالاتّساء بم. - ومن أوجه التفاضل أن الإقبال على تلاوة القرآن في حال الفتن والعوارض والصوارف أعظم أجراً لصاحبها مع سلامته من تلك الفتن المثبّطة. - ومن أوجه التفاضل في ثواب التلاوة: أن سور القرآن تتفاضل؛ وآياته تتفاضل كذلك، فتلاوة السور والآيات الفاضلة أعظم أجراً من تلاوة غيرها. حروف القرآن تتفاضل لتفاضل المعاني قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( وغير ذلك؛ فحروف الفاتحة له بكل حرف منها حسنة أعظم من حسنات ).﴾ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ﴿ حروف من وهذا مبني على أصل تفاضل آيات القرآن وسوره؛ فإنّ تفاضل ثواب التلاوة من آثار تفاضل الآيات نفسها؛ فقراءة الآية الأعظم فضلاً ثوابا أعظم، لعظمة معانيها ودلائلها وما تقتضيه من عبادات تقوم في قلب التالي. ومن أوجه التفاضل أيضاً: أنَّ التلاوة الحسنة التي يرتّل القارئ فيها ما يقرأ، ويحبرّ قراءته ويزيّن صوته با، أعظم أجراً من التلاوة التي لا تكون كذلك. وقد اختلف العلماء في المفاضلة بين إكثار التلاوة مع الإسراع وبين ترتيلها وتحبيرها، ولكل أصحاب قول أدلّتهم.
عدد الصفحات ١٠١- 101 - والصوابوخلص ابن القيّم رحمه الله من بحث هذه المسألة إلى قوله: ( في المسألة أن يقال: إن ثواب قراءة الترتيل والتدبر أجل وأرفع قدرا، وثواب كثرة القراءة أكثر عددا كمن تصدق بجوهرة عظيمة، أو أعتق عبدا قيمته نفيسة جدا. - فالأول: كمن تصدق بعدد كثير من الدراهم، أو أعتق عددا من العبيد - والثاني: )ا.هـ.قيمتهم رخيصة وقد يحتاج القارئ إلى التنويع في قراءته؛ فيقرأ أحيانا بتحبير وتجويد، وأحيانا يحدر في قراءته لتحقيق مقاصد أخرى كالتيسير على النفس بالتنويع، ومراجعة الحفظ، والاستكثار من الختمات في الأوقات الفاضلة والأماكن الفاضلة. وهذه المسألة من مباحث آداب تلاوة القرآن، وإنما المراد هنا التنبيه على أسباب التفاضل في ثواب التلاوة. وهذه الحسنات العظيمة التي جعلها الله للمؤمن الذي يقرأ القرآن؛ ﭪ﴿داخلة في جملة الفضل الكبير الذي بشرّ الله به المؤمنين في قوله تعالى: . ﴾ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ فإن الحسنات تذهب السيئات، وترتفع با الدرجات، وتقود إلى حسنات أخرى؛ فلا يزال المؤمن يستكثر من الحسنات بتلاوته حتى يكون القرآن ربيع قلبه ونور صدره، وجلاء حزنه، وذهاب غمّه، فإنّ الغم والحزن من جملة عقوبات السيئات؛ فإذا كفّرت السيئات بالحسنات؛ ذهب أثرها، واستقبل القلب أثر الحسنات وبركاتها وهو في عافية من آثار السيئات.
عدد الصفحات ١٠٢- 102 - ثواب تلاوة القراآن في الاآخرة• وإذا انتقل صاحب القرآن من هذه الحياة الدنيا إلى الدار الآخرة تبينّ له من ثواب تلاوته للقرآن ما يحمد به عاقبة إقباله على تلاوته في الدنيا وتمسّكه به، واتّباعه لهداه؛ فإنّه يظلّه في الموقف، ويشفع له، ويحاجّ عنه، ويقوده إلى الجنة، ويجد بسببه من الكرامة والرفعة ما لا يطر له على بال. وقد رُوي في الثواب الأخروي لتلاوة القرآن أحاديث جليلة القدر عظيمة النفع: حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول - منها: « الله صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه، اقرءوا الزهراوين البقرة، وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف، تحاجان عن أصحابهما، اقرءوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها . حسة، ولا تستطيعها البطلة قال معاوية بن سلام: بلغني أن البطلة: السحرة. رواه مسلم في صحيحه. حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه عن النبي صلى الله - ومنها: «عليه وسلم أنه قال . رواه مسلم.في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبه حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله - ومنها: « عليه وسلم قال . رواه ابن حبان في قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار
عدد الصفحات ١٠٣