- 53 - ﴾ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ﴿ وقال تعالى: .﴾ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ﴿وقال: ﴾.ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ﴿ وقال: وَ• ففي آيات كثيرة من كتاب الله وأما وصفه بأنه ذِكْرٌ وذكرى وتذكرة؛ تعالى؛ بل جعل الله من أعظم مقاصد إنزال القرآن التذكير به؛ كما قال الله ﴾ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀﮁ﴿ تعالى: ﴾ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ﴿ وقال: . ﴾ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ﴿ وقال: في ثلاثة مواضع. ﴾ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ﴿ وقال: . ﴾ﮓ ﮔ ﮕ ﮖﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ﴿ وقال: ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﴿ وقال: . ﴾ﭟ ﭠ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝﯞ ﯟ ﯠ ﴿ وقال: . ﴾ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ والآيات في هذا المعنى كثيرة، وتذكير القرآن على درجتي: ﭨ ﴿ تذكير عامّ تقوم به الحجّة؛ كما قال الله تعالى: الدرجة الأولى: ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﴾.ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ
عدد الصفحات ٥٤- 54 - ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ﴿ وقال تعالى: .﴾ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ وهذا التذكير من استجاب له هداه الله به إلى صراطه المستقيم؛ ومن أعرض عنه وزهد فيه انتقم الله منه، وعاقبه بالحرمان من فقهه والانتفاع ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﴿ به؛ وتلك أعظم العقوبات في الدنيا؛ كما قال الله تعالى: .﴾ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕﮖ ﴿ وقال تعالى: ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﴾ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﴿وقال تعالى: . ﴾ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ . ﴾ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ﴿ وقال تعالى: والمقصود أن هذا التذكير العام تقوم به الحجّة، ولا ينفع إلا من استجاب لله عزّ وجلّ واتّبع هداه. التذكير النافع؛ وهو تذكير خاصّ بالمؤمنين؛ كما قال الله والدرجة الثانية: ﮬ ﮭ ﴿، وقال: ﴾ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ﴿ تعالى: ﴾.ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ﴿ وقال: ﴾ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ والخشية والإنابة من أعمال الإيمان، وكلما كان العبد أكمل إيمانا كان نصيبه من التذكّر أعظم وأنفع. ولذلك كان نصيب أهل الخشية والإنابة من ذلك أحسن النصيب.
عدد الصفحات ٥٥- 55 - وتذكير القرآن له أنواع كثيرة تذكير العبد بربّه جلّ وعلا، وتعريفه بأسمائه وصفاته الموجبة فمنها: لمحبّته؛ فيحبّه ويعظّمه ويتقرّب إليه. تذكيره بفضله ورحمته وعظيم ثوابه في الدنيا والآخرة؛ فيرجوه ومنها: ويتقرّب إليه. تذكيره بشدّة عقوبته وبطشه؛ فيخافه ويشاه، ويتقرّب إليه ومنها: خوفا من عقابه. المحبة والخوف والرجاء عليها مدار عبودية القلب. وهذه الأركان الثلاثة: تذكير العبد بنعم الله وآلائه؛ فيذكره ويشكره ويحبّه. ومنها: تذكيره بحقيقة الدنيا والنفس وكيد الشيطان وأعداء الدين؛ ومنها: فيعرف حقائق ذلك، وينجو من فتن عظيمة مضلّة. تذكيره بالموت وسكرته وبالقيامة وأهوالها وبالحساب والجزاء ومنها: والجنّة والنار؛ فيستعدّ للقاء الله تعالى، ويتيقّن قصر مدّة بقائه في هذه الدنيا مهما عُمّر فيها. إلى غير ذلك من الأنواع التي عليها مدار تذكير القرآن. وَ• فقد ورد في آيات من القرآن الكريم، منها قول وأما وصفه بأنّه موعظة، ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﴿ الله تعالى: ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﴾ﮚ ﮛ
عدد الصفحات ٥٦- 56 - ﴾ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ﴿ وقوله: ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﴿ وقوله: .﴾ﮥ ﮦ ﮧ والموعظة هي التذكير بما يلينّ القلب ليزدجر عن السوء فيسلم من عقوبته ومغبّته، ويحذر فوات الخير ويتبينّ خطر التفريط فيه فيبادر إليه ليغنم. (الموعظة: تذكرتك الإنسان بما يلين قلبه من ثواب قال ابن سيده: .وعقاب) ومواعظ القرآن أحسن المواعظ وأنفعها، وأعظمها أثراً؛ فهي مواعظ مبناها على العلم التامّ والرحمة والحكمة، وغاياتها إرشاد الناس لما فيه ؛ ومن ﴾ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ﴿خيرهم وعزّهم ونجاتهم، وقد قال الله تعالى: تأمّل مواعظ القرآن وجدها دالّة على الخير والرحمة والإصلاح والنهي عن السوء والفساد والمنكرات. ومهما بلغ حال العبد من السوء وارتكاب الموبقات إذا فعل ما وعظه الله به في كتابه، وصدق في ذلك؛ ظهر أثر مواعظ القرآن على قلبه ولسانه وجوارحه، حتى يهتدي إلى صراط الله المستقيم وينال فضله العظيم ويرج مما كان فيه من الظلمات والضلالات والموبقات، وقد قال الله تعالى في المنافقين الذين هم شرّ الناس منزلةً لجمعهم بين الكفر والنفاق وارتكابم ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﴿ كثيراً من أعمال السوء القبيحة ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ .﴾ﭷ ﭸ
عدد الصفحات ٥٧- 57 - وهذا يدلّ على أنّ مواعظ القرآن ما حلّت في قلب إلا أثمرت فيه هداية وصلاحاً وخيراً عظيماً، وأنّ الشأن كلّ الشأن هو في اتّعاظ العبد بمواعظه، وأن الخسان المبين هو في الإعراض عنها. وَ• فقد ورد في مواضع من القرآن؛ منها قول الله وأمّا وصفه بأنّه شفاء؛ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﴿ تعالى: ﴾ﮱ ﯓ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﴿ وقوله: ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﴾.ﮚ ﮛ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﴿وقوله: .﴾ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ فوصفه الله بأنّه شفاء؛ وجعل هذا الشفاء منحة خاصّة للمؤمنين؛ ففيه شفاء لنفوسهم من عللها وأدوائها التي مرجعها إلى أمرين: - ظلمها بتعدّيها حدود الله؛ فيصيبها من مغبّة مخالفتها لهداه ما تشقى به. - وجهلها بما ينفعها ويزكّيها ويكمّلها. ﯫ ﴿ والأصل في وصف الإنسان أنّه ظلوم جهول؛ كما قال الله تعالى: .﴾ﯬﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱﯲ
عدد الصفحات ٥٨- 58 - أي أن هذا من طبعه وعادته؛ فيتعدّى حدود الله اتّباعاً لهواه؛ فيظلم نفسه بما يجرّ عليها من البلاء والعلل والأدواء والعناء والشقاء. ويجهل فينصرف إلى تناول ما يضّه ولا ينفعه؛ ويشقيه ولا يشفيه. وتتنوّع مظاهر الشقاء في النفس البشرية وتتفاوت بحسب بعدها عن هدى الله؛ وينشأ فيها من علل الجهل والظلم، والعُجْبِ والكبرْ، والشكّ والحيرة، والشحّ والبخل، والحرص والحسد، والعشق والتعلقّ، وغيرها من العلل تجرّ على من اتّصف با أو ببعضها ألواناً من الشقاء العظيم والعذاب الوبيل. وتلك العلل تفسد التصوّر والإرادة؛ فيحصل بفساد التصوّر افتتان بفتن الشبهات؛ فيرى الباطل حقّاً، والحقّ باطلاً، والمعروف منكراً، والمنكر معروفاً؛ ويزداد بذلك عذاب حيرته وشكّه وظلمة قلبه. ويحصل بفساد الإرادة افتتان بأنواع من الشهوات، وتعلّق القلب با حتى يجد من أليم عذابا وعظيم مصابا ما تشقى به حياته، ويظلم به فؤاده. واللبيب الموفّق إذا أبصر ما أصاب الناس من علل نفوسهم وأدوائها وما أنتجته لهم تلك العلل من عذاب وشقاء أدرك أنّه لا مخرج منها إلا بشفاء يأتي من الله؛ شفاء يصحّ به التصوّر فيعرف الحقّ وحسنه ويبصره بدلائله الظاهرة، ويتبينّ فضله وثمرته وحسن عاقبته، ويعرف الباطل وقبحه ويبصره بدلائله الظاهرة وإن هويته النفس وطمعت فيه للذة هاجمة أو خاطرة عابرة، ويتبينّ خطره وشؤمه وسوء عاقبته.
عدد الصفحات ٥٩- 59 - ويحتاج الإنسان مع هذا العلاج المعرفيّ النافع الذي أصله البصيرة وصحّة المعرفة إلى علاج سلوكي؛ ليتناول ما يصلح به قلبه، وتزكو به نفسه، وينشرح به صدره، وتستنير به بصيرته، ويستقيم به على ما ينفعه في جميع شؤونه، ويسلم به مما يضّه ويفسد عليه ثمرات صلاحه ويضعفها. وقد أنزل الله عزّ وجلّ هذا القرآن العظيم شفاءً للمؤمنين الذين آمنوا به واتّبعوا ما أنزل الله فيه من الهدى؛ فتحقّق لهم من الشفاء بقدر ما حقّقوا من الإيمان واتّباع الهدى. ومن أبصر ما تقدّم أدرك عظيم منّة الله تعالى بذا الشفاء العظيم؛ الذي حرم منه من حرم؛ فشقي في الدنيا والآخرة، وسعد به من عرف قدره وعظّمه فاغتبط به في الدنيا مع ما يرجو من فضل الله العظيم في الآخرة. وقد جعل الله مع هذا الشفاء العظيم الذي هو المقصود الأعظم من الشفاء شفاءً من نوع آخر؛ فهو رقية نافعة من العلل والأدواء التي تصيب الروح والجسد، فكم شُفي به من عليل عجز الأطبّاء عن علاجه؛ ليتبينّ الناس آية من آيات الله فيه؛ وأنّ الله إذا شاء أن يشفي عبده فلا يعجزه شيء، ولا يردّ فضله عنه أحد. وكم أُبطل به من سحرٍ قد أضرّ وأنكى. وكم تعافى به من معيون ومحسود وممسوس وموسوس. وكم اجتمع به شمل أسرة بعد تفرّق، وصلح به حال قوم بعد فساد أمرهم وتفرّقه، وكم سكنت به من نفوس، واطمأنّت به من قلوب، وانشرحت به من صدور، وصلحت به من أحوال. وكلّ ذلك من الدلائل البيّنة على ما جعل الله فيه من الشفاء المبارك.
عدد الصفحات ٦٠- 60 - وَ• فقد ورد في آيات كثيرة؛ منها قول الله تعالى: وأما وصفه بأنه رحمة؛ ﴾ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ﴿ .﴾ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ﴿ وقوله: ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﴿ وقوله: .﴾ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﴿ وقوله: ﴾ﭸ ﭹ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﴿وقوله: ﴾.ﮰ ﮱﯓ والآيات في هذا المعنى كثيرة. فهو رحمة من الله تعالى؛ لما يدلّ به عباده على النجاة من سخطه وعقابه وأليم عذابه، ورحمة لهم لما يفتح لهم به من أبواب الخير الكثير، والفضل العظيم، والفوز المبين؛ برضوانه وثوابه وبركاته. ورحمة لهم لما يحجزهم به عماّ فيه ضررهم مما تقبل عليه نفوسهم متبعة أهواءها لجهلها وضعفها. ورحمة لهم لما يعصمهم به من الضلالة، ويرجهم به من الظلمات إلى النور، ومن الشقاء إلى السعادة. ورحمة لهم لما يبينّ لهم من الحقائق، ويعلّمهم من الحكمة، ويصرّف لهم فيه من الآيات المبصرّة، والأمثال المذكِّرة.
عدد الصفحات ٦١- 61 - ورحمة لهم لما يعرّفهم به من أسمائه الحسنى وصفاته العليا؛ فتف إليه القلوب بمحبّتها وتعبّدها له جل وعلا بأنواع العبودية؛ التي حاجة القلب إليها أعظم من حاجة البدن إلى الغذاء؛ فإنّ في القلب تعطّشاً لا يرويه إلا التعبّد لله والتقرّب إليه والتزلّف لديه حتى يفيض عليه من فضله ورحمته وبركاته؛ فيطمئنّ بعد قلقه وانزعاجه، ويروى بعد تعطّشه وإنهاكه، ويتّسع بعد ضيقه وتحسّه، ويرشد بعد حيرته وضلاله، ويسعد بعد شقائه وعذابه. ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﴿ وهذه أجلّ رحمات القرآن وقوله: ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﴾ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ وَ• ففي مواضع من كتاب الله تعالى؛ منها قول وأمّا وصفه بأنه بشرى، ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﴿ الله تعالى: ﴾ﭸ ﭹ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﴿ وقوله تعالى: ﴾ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﭑﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﴿ وقوله تعالى: ﴾ﭛ ﭜ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﴿ وقوله تعالى: ﴾ﰂ ﰃ
عدد الصفحات ٦٢- 62 - ووصفه بأنّه بشرى مع التنبيه على أن التبشير من مقاصد إنزاله دليل على عظيم أثر بشاراته، وعظيم حاجة النفس البشرية للتبشير بما تنال به سعادتها وفلاحها. وتنويع وصف المبشرَّين به دليل على تفاضل بشاراته؛ فهو بشرى للمسلمين، وبشرى للمؤمنين، وبشرى للمحسنين؛ وبين تلك المراتب ﯙ ﯚ ﯛ ﴿ من التفاضل العظيم في البشارات ما لا يعلمه إلا الله ﴾ﯜﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ فترتّب البشارات على العمل وعلى بصر الله تعالى به تنبيه على معيار التفاضل، وحضّ على اغتنام أيام المهلة في الازدياد من بشاراته العظيمة. وكلما قوي أثر التبشير على القلب ازداد إقبالاً على ما بُشرّ به؛ وحرصا على تحقيق ما ينال به تلك البشرى، واحترازاً مما يحول بينه وبينها؛ فيثمر له ذلك من أنواع العبودية في القلب ما يثمر: فتزداد محبّة الله في قلبه لشهود منّته بتلك البشارات. .1 ويزداد الرجاء لعظيم الاشتياق لها وتيسّ سبلها مع الوعد الكريم .2 من الرحمن الرحيم ويزداد الخوف من فواتها بعد أن تبوّأت مكانتها في القلب، وعرف .3 قدرها وفضلها فيجتمع لقلب المؤمن بتلك البشارات من المحبة والخوف والرجاء ما يكون به صلاح عبوديته لله تعالى، وإذا صلح القلب صلح الجسد كله.
عدد الصفحات ٦٣- 63 - تمهيد من أظهر الدلائل البيّنة على فضل القرآن ما دلّت عليه النصوص الصحيحة الصريحة من معاني عظمته التي من تأمّلها وتفكّر في مظاهرها ولوازمها وآثارها في الدنيا والآخرة ازداد يقيناً بعظمة هذا القرآن العظيم وفضله، وأدرك به عظيم منّة الله تعالى على هذه الأمة بما اختصّهم به من إنزاله، وأكرمهم بتيسيره لهم ليهتدوا به، وأيقن أنّ الشرف كلّ الشرف، والرفعة والعزّة إنما تكون بالإيمان به واتّباع هداه، وأنّ لتلك العظمة مقتضيات من العبودية لله تعالى. وقد ذكرت فيما مضى شيئاً من تلخيص معاني عظمة القرآن، فيما شرح من معاني صفاته على وجه الإيجاز والتنبيه، ولسعة معاني عظمة القرآن أفردتها هنا بحديث مستقلّ؛ لنتوقّف فيه عند تلك المعاني، ونستجلي تلك الحقائق، ونتفكر في دلائلها وآثارها، ونتذكَّر نعمة الله علينا بذا الكتاب العظيم. عظمة قَدْرِ القراآن في الدنيا • معاني عظمة القرآن تتبينّ بمعرفة عظمة قدْره وعظمة صفاته. و أنه كلام الله تعالى؛ الذي لا أعظم من كلامه ولا فمن عظمة قَدْرِه: أصدق ولا أحسن، وشرف الحديث بشرف المتحدّث به، وقد سبق التنبيه الباب الثالث: بيان عظمة القراآن
عدد الصفحات ٦٤- 64 - إلى آثار أسماء الله تعالى وصفاته في كلامه، وتلك الآثار كما تدلّ على فضل القرآن وعظمته فإنّ لها مقتضيات من أنواع العبودية لله تعالى. (القرآن كلام الله، وقد تجلى الله فيه لعباده قال ابن القيّم رحمه الله: بأسمائه وصفاته؛ فتارة يتجلى في جلباب الهيبة والعظمة والجلال؛ فتخضع الأعناق وتنكس النفوس وتشع الأصوات ويذوب الكبر كما يذوب الملح في الماء. - وتارة يتجلى في صفات الجمال والكمال وهو كمال الأسماء وجمال الصفات وجمال الأفعال الدال على كمال الذات؛ فيستنفد حبُّره من قلبِ العبد قوةَ الحب كلها بحب ما عرفه من صفات جماله ونعوت كماله فيصبح فؤاد عبده فارغا إلا من محبته؛ فإذا أراد منه الغير أنْ يعلق تلكَ المحبة به أبى قلبه وأحشاؤه ذلك كلَّ الإباء كما قيل: ي وتأب فتبقى المحبة له طبعا لا تكلفاً. - وإذا تجلى بصفات الرحمة والبر واللطف والإحسان؛ انبعثت قوة الرجاء من العبد وانبسط أمله وقوي طمعه وسار إلى ربه وحادي الرجاءِ يحدو ركاب سيره، وكلما قوي الرجاء جدَّ في العمل كما أن الباذر كلما قوي طمعه في المغلّ غلَّق أرضه بالبذر، وإذا ضعف رجاؤه قصرَّ في البذر. - وإذا تجلى بصفات العدل والانتقام والغضب والسخط والعقوبة؛ انقمعت النفس الأمارة وبطلت أو ضعفت قواها من الشهوة والغضب واللهو واللعب والحرص على المحرمات، وانقبضت أعنَّة رعوناتها؛ فأحضت المطية حظَّها من الخوف والخشية والحذر.
عدد الصفحات ٦٥- 65 - - وإذا تجلى بصفات الأمر والنهي والعهد والوصية وإرسال الرسل وإنزال الكتب وشرْع الشرائع؛ انبعثت منها قوة الامتثال والتنفيذ لأوامره، والتبليغ لها، والتواصي با، وذكرها وتذكرها، والتصديق بالخبر، والامتثال للطلب، والاجتناب للنهي. - وإذا تجلى بصفة السمع والبصر والعلم؛ انبعث من العبد قوَّةُ الحياء؛ فيستحيي ربَّه أن يراه على ما يكره، أو يسمع منه ما يكره، أو يفي في سريرته ما يمقته عليه؛ فتبقى حركاته وأقواله وخواطره موزونة بميزان الشرع، غير مُهْمَلة ولا مرسلة تحت حكم الطبيعة والهوى. - وإذا تجلى بصفات الكفاية والحسب والقيام بمصالح العباد وسوق أرزاقهم إليهم ودفع المصائب عنهم ونصره لأوليائه وحمايته لهم ومعيته الخاصة لهم؛ انبعثت من العبد قوة التوكل عليه والتفويض إليه والرضا به وبما في كل ما يجريه على عبده ويقيمه مما يرضى به هو سبحانه، والتوكل معنى يلتئم من علم العبد بكفاية الله وحسن اختياره لعبده وثقته به ورضاه بما يفعله به ويتاره له. - وإذا تجلى بصفات العزّ والكبرياء أعطت نفسه المطمئنة ما وصلت إليه من الذل لعظمته، والانكسار لعزته، والخضوع لكبريائه، وخشوع القلب والجوارح له؛ فتعلوه السكينة والوقار في قلبه ولسانه وجوارحه ا.هوسمته، ويذهبُ طَيْشه وقوته وحدَّته) كثرة أسمائه وأوصافه المتضمنة لمعان جليلة عظيمة ومن عظمة قدره: تدل على عظمة المسمى با والمتصف با، وقد سبق بيان بعضها.
عدد الصفحات ٦٦- 66 - إقسام الله تعالى به في آيات كثيرة؛ فإن القسم به دليل ومن عظمة قدره: على شرفه وعظمته، وما أخبر الله به عنه من الأخبار العظيمة ما يكفي المؤمن دليلاً على بيان عظمته. أن تبليغه هو المقصد الأعظم من إرسال الرسول ومن عظمة قدره: ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﴿ صلى الله عليه وسلم، كما قال الله تعالى: ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﴿، وقال: ﴾ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭗ ﭘﭙ ﭚ ﭛ ﴿ ، وقال:﴾ﭾ ﭿ ﮀ ﮁﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈﮉ .﴾ﭜﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥﭦ أنه أفضل الكتب المنزلة، وأحبّها إلى الله، قد اختار ومن عظمة قدره: الله له أفضل رسله، وخير الأمم، وأفضل البقاع، وخير الليالي لنزوله، وفي ذلك من التنبيه عن عظمة قدْرِه ما يكفي اللبيب. ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﴿ أنّه محفوظ بحفظ الله ومن عظمة قدره: ، فهو منزَّه عن الباطل والاختلاف والتناقض والضعف في ﴾ﮚ ﮛﮜ الألفاظ والمعاني. أنه قول فصل ليس بالهزل، يحكم بين العباد، ويهدي ومن عظمة قدره: إلى الرشاد، وينهى عن الفساد، معانيه أسمى المعاني، ومقاصده أشرف .﴾ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ﴿ المقاصد، ومواعظه أحسن المواعظ أنَّ الله جعله فرقاناً بين الهدى والضلال، والحق ومن عظمة قَدْرِه: والباطل؛ مَن قال به صدق، ومن حَكَم به عدل، ومن جاهد به نُصر، ومن حاجَّ به غَلب، ومن غَالبَه غُلِب، ومن اتبعه هدي إلى صراط مستقيم، ومن ابتغى الهدى في غيره ضل عن سواء السبيل.
عدد الصفحات ٦٧- 67 - أنه يهدي للتي هي أقوم في كل ما يحُتاج إلى الهداية ومن عظمة قدره: فيه، فهو شامل لجميع ما يحتاجه الفرد وتحتاجه الأمة من الهداية في كل شأن من الشؤون، فشريعته أحكم الشرائع، وهداه أحسن الهدى، وبيانه أحسن البيان. أن من اعتصم به عُصِمَ من الضلالة، وخرج من ومن عظمة قدره: الظلمات إلى النور بإذن ربه، وهدي إلى سبل السلام من كل شر يشى منه، فهو في أمن وإيمان، وسلامة وإسلام، لا يضل ولا يشقى، ولا ياف ولا يحزن، ثابت الجنان ، سائرٌ على بيّنة من ربه، حظيٌّ بما أولى من فضله، ذو سكينة وطمأنينة، له نوره الذي يمشي به في الناس سوياً على ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﴿ صراط مستقيم، .﴾ﭡﭢ أن خصه الله بأحكام ترعى حرمته وتبين جلالة ومن عظمة قدره: شأنه؛ فنُدِب إلى التطهر من الحدث عند تلاوته، وحرمت تلاوته في الأماكن النجسة ، وحرمت تلاوته في حال السجود والركوع، ومن حلف به انعقدت يمينه؛ ومن استهزأ به أو بشيء منه ولو بكلمة فقد كفر وخرج من الملة فإن مات ولم يتب حرمت عليه الجنة أبداً، وكان من الخالدين في عذاب النار. بل جعل للمصحف الذي يكتب فيه القرآن أحكام تصه؛ فالورق والمداد بعد أن يتضمنَّا كتابة آياته يكون لهما شأن في شريعة الإسلام؛ فحرم على الحائض والجنب مس المصحف، ونهي عن السفر به إلى أرض العدو، ومن تعمد إهانته فقد كفر كفراً عظيماً.
عدد الصفحات ٦٨- 68 - أن جعل الله له في قلوب المؤمنين مكانة عظيمة ومن عظمة قدره: يساميها كتاب؛ فهو عزيز عليهم، عظيم القدر عندهم، يجلُّرونه إجلالاً عظيماً ويؤمنون به، وينصتون عند تلاوته، ويتدبرون آياته، ويقفون عند مواعظه، بل إنهم من إجلالهم للقرآن يجلُّرون قارئ القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه. أن تحدَّى الله تعالى المشركين أن يأتوا بسورة من مثله ومن عظمة قدره: فلم يستطيعوا، ولو اجتمعت فصاحة الخلق كلهم على أفصح رجل منهم ثم طلب منهم أن يجتمعوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن العظيم لا يأتون بمثله، وكيف يضاهي كلام المخلوقين الضعفاء كلام خالقهم العظيم؟!! كما أنه لا يضاهي علمهم علمه، ولا قدرتهم قدرته، ولا عظمتهم عظمته ولو اجتمعوا وكان بعضهم لبعض ظهيراً. فكلام الله صفة من صفاته اللائقة بعظمته ومجده، وهذا القرآن العظيم هو من كلامه جل وعلا، وكلام المخلوقين إنما يليق بمقدار علمهم وقدرتهم التي لا نسبة لها إلى علم الله وقدرته وعظمته. فهذه إلماحةٌ يسيرة تعرِّفك ببعض أنواع عظمة القرآن في الدني. عظمة قَدْرِ القراآنِ في الاآخرة • وأما عظمته في الآخرة فأمر يجل عن الوصف، حين تنكشف الحجب وتتبين الحقائق وينتقل الناس من دار الامتحان والعمل إلى دار الجزاء والبقاء، يتبينّ لهم جلالة قَدْرِ هذا الكتاب العظيم، وأن أسعد الناس حظاً أوفرهم نصيباً من اتباعه وصحبته والاهتداء بداه، ويكفي العبدَ أن يطلع
عدد الصفحات ٦٩