- 21 - من دلائل فضل القرآن الكريم تعدّد أسمائه وصفاته، وتلك الأسماء والصفات دالة على معانٍ جليلة وآثار عظيمة مباركة يتبينّ للمتأمّل فيها دلائل فضل القرآن العظيم، وعظم شأنه. اأ• فأمّا أسماؤه فهي أسماء متضمّنة لصفات لها آثارها التي لا تتخلف عنها، فليست أعلاماً محضة موضوعة للتعريف المجرّد، وإنما هي أعلام ذات أوصاف مقصودة، ودلائل بيّنة. القرآن والفرقان والكتاب والذكر.وهي أربعة أسماء: إن الله عز وجل سمى تنزيله الذي أنزله على - قال ابن جرير الطبري: ( ).نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أسماء أربعة ثم ذكر الأسماء المتقدمة بأدلتها. (يُسمَّى كلام الله الذي أنزله على نبيه صلى - وقال أبو إسحاق الزجاج: .الله عليه وسلم كتابا، وقرآنا، وفرقانا، وذكراً) (باب في تفسير أسماء القرآن وذكر - وقال ابن عطية في مقدمة تفسيره: .السورة والآية، هو القرآن وهو الكتاب وهو الفرقان وهو الذكر) الباب الثا
عدد الصفحات ٢٢- 22 - وأما صفات القرآن فكثيرة جليلة جامعة لمعان عظيمة؛ فوصفه ا بأنه عليٌّ حكيم، ومجيد وكريم، وعزيز وعظيم، ومبارك وقيم، وأنه ذِكْرٌ وذكرى، وهدى وبشرى، وتذكرة وموعظة، وبصائر ورحمة، ونور وبيان، وشفاء وفرقان إلى غير ذلك من صفاته الجليلة العظيمة. الفرق بين ا• والفرق بين الاسم والصفة: أن الاسم يصح أن يطلق مفرداً معرّفاً كما ﯔ ﯕ ﴿، وقال: ﴾ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ﴿ قال الله تعالى: وقال: ﴾ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ﴿، وقال: ﴾ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ .﴾ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ﴿ وأما الصفات فهي لازمة للموصوف الظاهر أو المقدّر؛ فلا تدلّ الصفة بمجرّدها على الموصوف إلا أن يكون مذكوراً ظاهراً أو معروفاً مقدّراً: ؛ ﴾ﭓ ﭔﭕ﴿ ،﴾ﭑ ﭒ ﭓﭔ﴿- فالظاهر كقوله تعالى: فإذا أفردت الصفة عن الموصوف؛ فقلت المعنى إلى ما هو أقرب إلى الذهن. ﴾ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ﴿ - والمقدّر نحو قوله تعالى: على القول بأن مرجع اسم الإشارة إلى القرآن وهو أحد القولين في هذه الآية. ومن الفروق بين الاسم والصفة أن الصفة غير المختصة تحتاج إلى تعريف لتتضح دلالتها على الموصوف بخلاف الأسماء التي جعلت أعلاماً على المراد.
عدد الصفحات ٢٣- 23 - وصف النور بما يدلّ ﴾ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ﴿ فقوله تعالى: على أنّ المراد به القرآن، ولو أفرد لفظ سياق آخر لانصرف المعنى إلى ما هو أقرب إلى الذهن. وقد توسّع بعض العلماء في تعداد أسماء القرآن؛ فعدّوا صفاته من أسمائه، واشتقّوا له أسماء من بعض ما أخبر الله به عنه، وهو خطأ بينّ. وقد صنف في ذلك الحرالي جزءا وأنهى أساميه إلى نيف ( قال الزركشي: وتسعين وقال القاضي أبو المعالي عزيزي بن عبد الملك رحمه الله اعلم أن .)الله تعالى سمى القرآن بخمسة وخمسين اسماً وزعم الفيروزآبادي أن للقرآن مائة اسم وعدّ نيّفا وتسعين اسما منها، وفي كثير منها تكلّف لا يصحّ؛ حتى عدّ في أسمائه: النجوم والنعمة والثقيل والمثبّت والمرتَّل والتفسير. وأكابر العلماء يفرّقون بين الأسماء والصفات والأخبار. والأسماء المتضمّنة للصفات يصحّ اعتبارها أسماء ويصح اعتبارها أوصافاً؛ فتقول: إن الفرقان من أسماء القرآن، وتقول: إن من صفات القرآن أنه فرقان. والتفكر في معاني أسماء القرآن وصفاته، وتأمّل دلائلها العظيمة، وآثارها المباركة يفتح للمؤمن أبواباً من اليقين النافع الذي يجد أثره في قلبه ونفسه، ويعرّفه بفضله وعُلُوِّ قَدْرِهِ وَعِظَمِ شأنه، ويرغّبه في تلاوته وتدبّره واتّباع هداه.
عدد الصفحات ٢٤- 24 - ف معنى ا• فمن أسمائه القرآن، وهو أصل أسمائه وأشهرها، وسمّي قرآناً لأنّه الكتاب الذي اتّذ للقراءة الكثيرة التي لا يبلغها كتاب غيره. وقد اختلف العلماء في اشتقاق لفظ أنه علم جامد غير مشتق، وهو قول الشافعي وجماعة من القول الأول: العلماء، وكان الشافعي ينطق اسم القرآن بغير همز ابن كثير المكّي. (القُرَان اسم وقد روى ابن عبد الحكم عن الشافعي أنه كان يقول: وليس بمهموز، ولم يؤخذ من قرأت، ولكنه اسم لكتاب الله، مثل التوراة .والإنجيل) على ثلاثة أقوال:أنه مشتق، واختلف في أصل اشتقاقه والقول الثاني: أنه مشتق من القراءة التي هي بمعنى التلاوة، تقول: قرأت - أحدها: .﴾ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ﴿ قراءة وقرآنا، قال الله تعالى: وقال حسان بن ثابت في رثاء عثمان بن عفان: ضحّوا بأش يقطّ أي قراءة، وهذا القول قال به ابن جرير الطبري، وأسند معناه إلى ابن عباس، ورجّحه ابن عطية. وعلى هذا القول يكون القرآن بمعنى المقروء، تسمية للمفعول بمصدره.
عدد الصفحات ٢٥- 25 - أنه مشتقّ من الجمْعِ، وهو مروي عن قتادة، وقال به - والقول الثاني: أبو عبيدة والزجاج وجماعة من العلماء، واحتجوا بقول عمرو بن كلثوم: ذراع هج قالوا: أي: لم تضمّ في رحمها ولداً. .(وإنما سمّى قرآنا لأنه يجمع السور فيضمها) قال أبو عبيدة: أنه مشتق من الإظهار والبيان، وأن القراءة إنما - والقول الثالث: سمّيت قراءة لما فيها من إظهار الحروف، وبيان ما في الكتاب، وقد قال بذا القول قطرب، وفسّ قول عمرو بن كلثوم: (لم تقرأ جنينا) بالولادة؛ أي لم تُلْقِ من رحمها ولداً، وأرجع المعنى إلى أصل الإظهار والبيان. (إنما سُمي قال قطرب فيما ذكره عنه أبو منصور الأزهري في الزاهر: .القرآن قرآناً، لأن القارئ يُظهره ويبيّنه، ويلقيه من فيه) وأرجح الأقوال أنه مشتق من القراءة، وأنه سمّي قرآنا لأنّه كتابٌ اتُّرذَ للقراءة الكثيرة التي لا يبلغها كتاب غيره، ويدلّ على ذلك بناء الاسم على صيغة ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﴿ وشُكران، مع ما دلّ عليه قول الله تعالى: .﴾ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﴿وقال تعالى: . ﴾ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡﭢ والقُرآن والقُرَان بمعنى واحد، وإنما هما لغتان إحداهما بالهمز، والأخرى بالنقل والتسهيل.
عدد الصفحات ٢٦- 26 - (اتفق أكثر القراء على قراءة لفظ قال ابن عاشور: وقع في التنزيل، ولم يالفهم إلا ابن كثير قرأه بفتح الراء بعدها ألف على لغة تفيف المهموز، وهي لغة حجازية، والأصل توافق القراءات في .مدلول اللفظ المختلف في قراءته) وذهب علم الدين السخاوي إلى أنّ الجمع، وذهب بعضهم إلى أنّه اسم جمع، والصواب ما تقدّم. معنى ا• فلأنّه مكتوب، أي مجموع في صحف، قال الله وأما تسميته بالكتاب؛ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﴿ ، وقال تعالى:﴾ ﭙﭓ ﭔ ﭕ ﭖﭗ ﭘ ﴿تعالى: .﴾ﮀ ﮁ ﮂﮃﮄ ﴿، وقال: ﴾ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ واللام في هذه المواضع للعهد الذهني الذي يجعل القرآن أولى به مما سواه عند الإطلاق. ويطلق لفظ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﴿ التعريف فيه للجنس المخصوص؛ كما قال الله تعالى: ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﴾.ﮐ ﮑﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ...﴾ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﴿ وقال تعالى: ﭫ ﴿ويطلق أحيانا على التوراة والإنجيل خاصّة؛ كما في قول الله تعالى: ﮄ ﮅ ﮆ ﴿ وقوله: ﴾ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ .﴾ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ
عدد الصفحات ٢٧- 27 - وله إطلاقات أخرى بحسب السياق والكتاب والضم على قول كثير من العلماء. قال بعضهم: إن الكتاب سمّي كتاباً لجمعه الأحرف وضمّها؛ كما سمّيت الكتيبة كتيبة لضمّها الجنود المقاتلين. وهذا في تسمية جنس الكتب بذلك. وأمّا تسمية القرآن بالكتاب؛ فالأظهر أنه سمّي بذلك للدلالة على جمعه ما يحُتاج فيه إلى بيان الهدى في جميع شؤون العباد؛ فجمع الأحكام والحكمة والآداب والبصائر والمواعظ والهدى وما تقوم به مصالح دينهم ودنياهم. ومما يدلّ على هذا المعنى أنّ الله تعالى وصفه بالكتاب المبين، وحذف متعلّق البيان لإفادة العموم. معنى ا• فلأنّه فرقان بين الحقّ والباطل؛ وبين سبيل ؛وأما تسميته بالفرقان المؤمنين وسبل الفاسقين من الكفار والمنافقين. والفُرْقَان مصدر مفخّم للدلالة على بلوغ الغاية في التفريق وبيان الفَرْق، وأوجه التفريق القرآني كثيرة متنوّعة. (وأصلقال ابن جرير الطبري: والفصل بينهما. وقد يكون ذلك بقضاء، واستنقاذ، وإظهار حجة، ونصر وغير ذلك من المعاني المفرّقة بين المحق والمبطل؛ فقد تبين بذلك أن القرآن
عدد الصفحات ٢٨- 28 - سمي حكمه- بين المحق والمبطل. وفرقانه بينهما: بنصره المحق، وتذيله المبطل، ا.هـ.حكما وقضاء) وفرقان القرآن عامّ في الدنيا والآخرة: فهو في الدنيا فرقان بين الحق والباطل؛ يعرّف بالحقّ ويبينّ أدلته، وصفات أهله، وآدابم وأحكامهم وجزاءهم، ويعرّف بالباطل ويبينّ سبله ويبينّ بطلانه، ويعرّف بصفات أهله وعلاماتهم وجزاءهم في الدنيا والآخرة. وهو فرقان للمؤمن المتّقي يكشف له ما يلتبس عليه في أمور دينه ودنياه، فقد يشتبه على المرء أمران ويعتلجان في صدره لاشتباههما والتباس بعضهما ببعض؛ فلا يطمئنّ حتى يتبصرّ بالتفريق بينهما؛ ويكون على بيّنة من أمره؛ كما قال مسكين بن عامر الدارمي: ي من بعد ما اشتبها في الصدر واعتلجا أُدي وأم والمقصود أنّ القرآن فيه فرقان للمؤمن في تلك الأمور التي تعتلج في الصدر وتشتبه في ظاهر الأمر. وهو فرقان لأنّه يفرق صاحبه بما يرشده به إلى صراط الله المستقيم عن مشابة المغضوب عليهم والضالين في أعمالهم وأقوالهم وأحوالهم وعاقبتهم؛ فيهدي صاحبه إلى الهدى الأقوم الذي يصلح به شانه، وينال به الكفاية من ربّه، وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة.
عدد الصفحات ٢٩- 29 - وهو في الآخرة فرقان مبين يفرّق بين أتباعه ومخالفيه؛ فيشفع لمن آمن به واتّبع هداه ويحاجّ عنه ويظلّه في الموقف العظيم، ويمحل بمن كفر به وخالف هداه واشترى به ثمناً قليلاً. معنى ا• فقد وردت في مواضع من القرآن ؛وأما تسميته بالذكر وذي الذكر ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﴿ منها قول الله تعالى: . ﴾ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ﴿، وقوله: ﴾ﭮ ﭯ .﴾ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ﴿ ونسبه إليه نسبة تشريف وتعظيم فقال: . ﴾ﭑﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ﴿وسماّه بذي الذكر في قوله تعالى: وللذكر هنا معنيان: بمعنى التذكير. أحدهما: بمعنى المذكور. والآخر: فالدلالة عليه ظاهرة في مواضع كثيرة من القرآن فأما المعنى الأول: ﭵ ﭶ ﭷ ﴿ الكريم؛ بل هو من أعظم مقاصد إنزاله كما قال الله تعالى: ﭵ ﴿ وقال: ﴾ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﴾.ﭶ ﭷ ﭸ فسمّي بالذكر على هذا المعنى لكثرة تذكيره وحسنه؛ فهو يذكّر العبد بربّه جلّ وعلا، ويذكّره بسبيل سعادته وفوزه برضوان ربّه تعالى وعظيم فضله وثوابه، ويذكّره بما يجب عليه أن يتجنّبه ليتّقي سخطه وعقابه؛
عدد الصفحات ٣٠- 30 - ويذكّره بما ينفعه في دينه دنياه وآخرته من أنواع الذكرى الكثيرة والمتنوّعة والمحكمة. وقد وصف الله تذكيره بالإحكام والدلالة على الحكمة؛ كما قال الله ؛ فهو ذِكْرٌ حكيمٌ ﴾ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ﴿ تعالى: ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﴿مَن اتّبعه هداه إلى الصراط المستقيم؛ كما قال الله تعالى: .﴾ﯔ ﯕ ﯖ ﯗﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ومن أعرض عنه فقد خس وغُبن، إذ فاته الفضل العظيم والثواب الكريم، وباء بالخسان والحرمان، والذلّ والهوان، والعذاب الأليم ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﴿ والخزي العظيم؛ كما بينّ الله ذلك بقوله: ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ .﴾ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﴿وقال تعالى: ﭑ ﭒ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ .﴾ﭓ ﭔ ﭕﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ الذكر بمعنى المذكور أي الذي له الذكر الحسن، والشرف والمعنى الثاني: الرفيع، والمكانة العالية. ﴾ﭓ ﭔ ﭕﭖ﴿ ، وقال تعالى:﴾ﯖ ﯗ ﯘ ﯙﯚ﴿ قال الله تعالى: قال ابن عباس وسعيد بن جبير وغيرهما: ذي الشرََّف. ومن آثار هذا المعنى أن القرآن يرفع أصحابه ويجعل لهم ذكراً؛ فإنّ . تشرّفهم به ورفعتهم به أثر من آثار شرفه هو ورفعته
عدد الصفحات ٣١- 31 - ف وأما صفات القرآن التي وصفه الله با في كتابه العظيم فهي صفات جليلة بديعة جامعة لمعانٍ عظيمة من تأمّلها حقّ التأمّل أيقن بعظمة هذا القرآن، وعظمة صفاته وآثاره في الدنيا والآخرة. وسأوجز الحديث في بيان معانيها وسعة دلائلها وجلالة آثارها ليستدلّ الموفّق اللبيب بما ذُكِرَ على عظمة ما لم يُذكر، ويعذرَ المتحدّثَ في تقصيره وقصوره عن بلوغ ما يستحقّه هذا القرآن العظيم من حسن التعريف بصفاته وبيان عظم شأنها وعلوّ قدرها ولطائف إشاراتها. وَ• ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﴿فقد ورد في قول الله تعالى: أما وصفه بأنه عليٌّ وهذا الوصف يشمل علوَّ قدره ومنزلته، وعلو ﴾ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ صفاته، وتنزهه عن الباطل والاختلاف والتناقض والضعف وسائر ما لا يليق بكلام الله تعالى من أوصاف النقص، وهذا الوصف له ما يقتضيه كما ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﴿ قال ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى: بَـينََّ شرفَه في الملأ الأعلى، ليشرِّفَه ويعظِّمَه ، قال: ( ﴾ﮑ ﮒ ﮓ ).ويطيعَه أهلُ الأرض
عدد الصفحات ٣٢- 32 - وَ• ثلاثة معانٍ: ؛ فيتضمنوأما وصفه بأنه حكيم ﭻ ﴿ أنه محُكم لا اختلاف فيه ولا تناقض كما قال تعالى: أحدها: وقال:﴾ﭼ ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﴿ . ﴾ﮠ ﮡ أنه حكيم بمعنى حاكم على الناس في جميع شؤونهم شاؤوا أم الثاني:و أبوا، أما المنقادون لحكمه الشرعي فيجدون فيه بيان الحق فيما اختلفوا فيه، وأما المعرضون ففيه بيان ما يصيبهم من الجزاء النافذ فيهم في الدنيا والآخرة. وهو -كذلك - حاكم على ما قبله من الكتب ومهيمن عليها وناسخ لها ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﴿ وشاهد بصدق ما أنزل الله فيها كما قال تعالى: . ﴾ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮋ ﰅ ﰆ ﴿ وهو حاكم فيما اختلف فيه أهل الكتاب قبلنا كما قال تعالى: ﯚ ﴿ ، وقال:﴾ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ .﴾ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﭑ ﭒ ﭓ ﴿ أنه ذو الحكمة البالغة، كما قال تعالى: المعنى الثالث:و وقد جمع الله فيه من جوامع الكلم المبينة لأصول ،﴾ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﭘ الدين وفروضه وآدابه ومحاسن الأخلاق والمواعظ والحقوق والواجبات والأمثال والقصص الحكيمة ما لا يوجد في كتاب غيره فمن أخذها وعمل با فقد أخذ الحكمة من أعظم مصادرها وأقربا وأيسها، وفي تفسير قول . ﴾ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ﴿الله تعالى:
عدد الصفحات ٣٣- 33 - رواه ابن (قراءة القرآن والفكرة فيه) قال أبو الدرداء في تفسير الحكمة: أبي حاتم. (يعني المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه ومحكمه وقال ابن عباس: رواه ابن جرير .ومتشابهه ، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله) وابن أبي حاتم. . رواه ابن جرير.(الحكمة: الفقه في القرآن)وقال قتادة: وروي نحوه عن مجاهد وأبي العالية الرياحي ومقاتل بن حيان. وروي عن غيرهم أوجهاً أخرى في تفسير الحكمة لا تعارض ما سبق لأن أصل الحكمة ومجامعها في القرآن الحكيم. وَ• ؛ فيتضمن معنيين:وأما وصفه بأنه مجيد أنه المُمَجَّد أي الذي له صفات المجد والعظمة والجلال التي - أحدهما: لا يدانيها أي كلام ، المتنزه عما يقوله الجاهلون مما لا يليق به كدعوى بعض الكفار أنه سحر أو شعر أو من كلام البشر. وذلك أن وصف المجد في اللغة يستلزم عدداً من صفات الكمال والجلال والعظمة التي يكون با الموصوف مجيداً. فكل صفة عظيمة يوصف با القرآن هي من دلائل مجده. نه الممجِّد لمن آمن به وعمل بديه؛ فيكون لأصحاب أ - والمعنى الآخر: القرآن من المجد والعظمة والعزة والرفعة في الدنيا والآخرة ما لا ينالونه
عدد الصفحات ٣٤- 34 - بغيره أبداً كما في صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال . به آخرين . (من قرأ القرآن عظمت قيمته) - قال الشافعي رحمه الله : - ولا تجد كتاباً يعظِّمُ تاليه كما يعظِّم القرآن أصحابَه ويشرفهم ويكرمهم ويعلي منزلتهم. روى الإمام أحمد والنسائي وجماعة من أهل الحديث بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن بديل بن ميسة ، عن أبيه ، عن أنس بن مالك رضي « الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . من الناس قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ .«قال فأضافهم الله إلى كتابه وأضافه إلى نفسه جل وعلا، وسماهم أهله وهل شرف يداني هذا الشرف؟!، وهل مجد فوق هذا المجد؟! وما ظنك بإكرام الله لأهله؟!. وَ• فيتضمن عِزَّةَ القَدْرِ وَعِزَّة الغَلَبة وعزَّة الامتناع: وأما وصفه بأنه عزيز؛ فلأنه أفضلُ الكلام وأحسنُه، يعلو ولا يعلى عليه، - فأما عزة القَدْرِ ويحَْكُم ولا يحُْكَم عليه، يغيرِّ الدُّروَلَ والأحوال ولا يتغير.
عدد الصفحات ٣٥- 35 - ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﴿ قال الله تعالى: ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻﭼ ﭽ ﭾ وفي مسند ﴾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ الإمام أحمد من حديث جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه .« قال وهو عزيز القدر عند الله، وعند الملائكة، وعند المؤمنين. ي: كريم على أ ﴾ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﴿قال أبو المظفر السمعاني: ( الله). وروي ذلك عن ابن عباس. - وأما عزة قدره عند المؤمنين فبينة ظاهرة ، ولا توجد أمة من الأمم تعتني بكتابا وتجله كما يجلّ المسلمون القرآن حتى إنهم من إجلالهم للقرآن لَيُجِلُّرون حامل القرآن كما في سنن أبي داوود من حديث أبي موسى «الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلال الله إجلال ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي . عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط ذا كله من عزَّةِ قَدْرِه. وه فلأن حججه غالبة دامغة لكل باطل كما قال تعالى: - وأما عزة غلبته وحجج القرآن أحسن الحجج ﴾ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﴿ وأبينها وأبعدها عن التكلف والتعقيد وأقربا إلى الفطرة الصحيحة والعقل الصريح وأعظمها ثمرة وفائدة، مَنْ عقلها تبين له الهدى، واستبانت له سبل الضالين، ومَنْ حاجَّ با غَلَب ، ومن غَالبها غُلِب.
عدد الصفحات ٣٦- 36 - ومن عزة غلبته أنه غلب فصحاء العرب وأساطين البلاغة فلم يقدروا على أن يأتوا بمثله، ولا بمثل سورة واحدة منه، وقد تحدى الله المشركين الذين يزعمون أنه من أساطير الأولين وأنه قول البشر أن يأتوا بسورة من مثله فلم يستطيعوا ولن يستطيعوا حتى أقروا بذلك وهم صاغرون كما والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، قال الوليد بن المغيرة على كفره : ( ) رواه البيهقي في وإن أسفله لمغدِق، وإن أعلاه لمثمر، وما يقول هذا بشر دلائل النبوة. فلأنَّ الله تعالى أعزَّه وحفظه حفظاً تاماً من وقت - وأما عزة الامتناع ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﴿نزوله إلى حين يقبضه في آخر الزمان كما قال تعالى: فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا ﴾ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ تستطيعه الشياطين، ولا يمكن لكائد مهما بلغ كيده أن يبدله أو يحرفه أو يزيد فيه أو ينقص منه شيئاً. فهو محفوظ من الشياطين، محفوظ من كيد الكائدين، لا يصيبه تبديل ولا تغيير، يُقرَأ على مرّ السنين والقرون كما أُنزل لا يُْرَم منه حرف، ولا يبدل منه شيء. وَ• ؛ فوصف له دلائله الباهرة ومعانيه الخفية وأما وصفه بأنه كريم والظاهرة فهو كريم على الله ، كريم على المؤمنين، كريم في لفظه، كريم في معانيه، مُكَرَّم عن كل سوء، مكرِّمٌ لأصحابه، كثير الخير والبركة، كريم لما يجري بسببه من الخير العظيم الذي لا يَقْدُرُ قَدْرَه إلا الله.
عدد الصفحات ٣٧