بٌن تدبٌر قرٌش وتدبٌر الله سبحانه وتعالى ومف طبيعة مثؿ ىذا الاجتماع السرية لمغاية، وأف لا يبدو عمى السطح الظاىر أي حركة تخالؼ اليوميات، وتغاير العادات المستمرة، حتى لا يشـ احد رائحة التآمر والخطر، ولا يدور في خمد أحد أف ىناؾ غموضاً ينبئ عف الشر. وكاف ىذا مكراً مف قريش، ولكنيـ ما كروا بذلؾ الله سبحانو وتعالى ، فخيبيـ مف حيث لا يشعروف، فقد نزؿ جبريؿ وأخبر النبي، صمى الله عميو وسمـ بمؤامرة قريش فقاؿ : لو في اليجرة، وحدد لو وقت الخروج، وبيف لو خطة الرد عمى مكر قريش فقاؿ "لا تبت ىذه الميمة عمى فراشؾ الذي كنت تبيت عميو " . وخرج رسوؿ الله صمى الله عميو وسمـ، في نحر الظييرة ، حيف يستريح الناس في بيوتيـ، وا لى بيت أبي بكر الصديؽ رضي الله عنو وأبرـ معو أمور اليجرة، فجيزا الراحمتيف إلى بيت أبي بكر الصديؽ رضي الله عنو وابرـ معو أمور اليجرة ، فجيزا الراحمتيف أحث الجياز واستأجرا عبدالله بف أريقط الميثي – وكاف عمى ديف قريش – ليكوف دليلبً ليما في الطريؽ ، وكاف ىادياً ماىراً بالطرؽ . وواعداه جبؿ ثور بعد ثلبث لياؿ . ثـ استمر رسوؿ الله - -في أعمالو اليومية حسب المعتاد ، حتى لـ يشعر أحد بأنو يستعد لميجرة أو لأي أمر آخر اتقاء مما قررتو قريش . وكاف مف عادة الرسوؿ الله - -أف يناـ في أوائؿ الميؿ بعد صلبة العشاء ، ويخرج في النصؼ الأخير مف الميؿ إلى المسجد الحراـ ، ويصمي فيو صلبة التيجد – قياـ الميؿ – فأضجع عمياً - -عمى فراشو تمؾ الميمة ، وأخبره بأنو لا يصيبو مكروه ، فمما ناـ عامة الناس وىدأ الميؿ جاء المتآمروف سراً إلى بيت رسوؿ الله - -وطوقوه ، ورأوا عمى بف أبي طالب - -نائماً عمى فراشو- -متسجياً ببرده الحضرمي الأخضر ، فظنوه محمداً - -فأخذوا يختالوف زىواً ، ويرصدونو حتى إذا قاـ وخرج يثبوا عميو . وكاف ىذا جواب مكرىـ مف الله سبحانو وتعالى يقوؿ تعالى : وَا ِ ْ َمْكُرُ بِ َ اللَّ ِ نَ كَفَرُواْ لِ ُ ْبِتُو َ أَوْ َ ْتُمُو َ أَوْ ُ ْرِ ُو َ وَ َمْكُرُونَ وَ َمْكُرُ المّيُ وَالمّيُ َ ْرُ الْمَاكِرِ نَ [ . 8:30 ]
عدد الصفحات ١١٤هجــــرة النبً- - خروجه- -من البٌت: وخرج رسوؿ الله - -مف بيتو وىـ مطوقوف بو ، فذر تراب البطحاء عمى رؤوسيـ ، وىو يتمو قولو سبحانو وتعالى : وَ َ َمْ َا مِن بَ ْنِ أَ ْ ِ هِمْ سَ ّاً وَمِنْ َمْفِهِمْ سَ ّاً َ َ ْشَ ْ َاهُمْ َهُمْ لََ ُبْصِرُونَ [ 36:9] . فأخذ الله بأبصارىـ فمـ يشعروا بو - -ومضى رسوؿ ا - -إلى بيت أبي بكر ، ومف خوخة في داره خرجا حتى لحقا بغار ثور قبؿ بزوغ الفجر ، عمى بعد نحو خمسة أمياؿ في اتجاه اليمف . ثلاث لٌال فً الغار : ولما انتييا إلى الغار دخمو أبو بكر أولاً حتى إذا كاف فيو شئ يصيبو ىو دونو رسوؿ الله - -فكسحو ووجد فيو ثقوباً فسدىا بشؽ إزاره ، وبقى جحر أو جحراف ألقميما رجميو ، ثـ دخؿ رسوؿ الله - -فناـ في حجره ، ولدغ أبو بكر في رجمو ، ولكنو لـ يتحرؾ لمكاف رسوؿ الله - -فذىب الألـ. وكمنا في الغار ثلبث لياؿ ، وكاف عبدالله بف أبي بكر يبيت عندىما ، وكاف شاباً فطناً ذكياً ، فيخرج مف عندىما حتى يصبح في قريش كأنو بات بمكة ، وكاف يسمع مكائد قريش وأخبارىـ فكاف يأتييما بيا حيف يختمط الظلبـ . وكاف عامر بف فييرة مولى أبي بكر يرعى الغنـ ، فكاف يأتييما بيا حيف تذىب ساعة مف الميؿ . فيبيتاف في لبنيا ، ثـ ينعؽ بيا في غمس ، ويتبع بيا أثر عبدالله بف أبي بكر ليعفي عميو . أما قريش فبقيت فتيانيا منتظريف قياـ رسوؿ الله - -وخروجو حتى أصبحوا ، فمما أصبحوا قاـ عمي مف فراش رسوؿ الله - -فسقط في أيدييـ وسألوه عف رسوؿ الله - -فقاؿ: لا عمـ لي بو ، فضربوه وسحبوه إلى الكعبة ، وحبسوه ساعة ، ولكف بدوف جدوى . ثـ جاءوا إلى البيت أبي بكر وسألوا ابنتو أسماء عنو فقالت : لا أدري ، فمطميا الخبيث أبو جيؿ لطمة طرح منيا قرطيا . ثـ أرسموا الطمب في كؿ جية ، وجعموا مائة ناقة عف كؿ واحد منيما لمف يأتي بيما حييف أو ميتيف .
عدد الصفحات ١١٥وقد وصموا في الطمب إلى باب الغار بحيث لو طأطأ أحدىـ رأسو ونظر إلى قدميو لرأىما . حتى اشتد حزف أبي بكر - -عمى رسوؿ ا - - فقاؿ: ما ظنؾ يا أبو بكر باثنيف الله ثالثيما . لا تحزف إف الله معنا .
عدد الصفحات ١١٦فً الطرٌق إلى المدٌنة: في ليمة الاثنيف غرة ربيع الأوؿ سنة 1ىػ جاء الدليؿ عبدالله بف أريقط الميثي بالراحمتيف إلى جبؿ ثور حسب الموعد ، فارتحؿ رسوؿ الله - -وأبو بكر ، وصحبيما عامر بف فييرة ، وسمؾ بيما الدليؿ في اتجاه الجنوب نحو اليمف حتى أبعد ، ثـ اتجو إلى الغرب نحو ساحؿ البحر الأحمر ، ثـ اتجو إلى الشماؿ عمى مقربة مف الساحؿ ، وسمؾ طريقاً لا يسمكو الناس إلا نادراً . وواصموا السير تمؾ الميمة ، ثـ النيار إلى نصفو ، حتى خلب الطريؽ ، فاستراح النبي - -تحت ظؿ صخرة ، واستكشؼ أبو بكر ما حولو ، وجاء راع فاستحمب منو أبو بكر ، فمما استيقظ النبي - -سقاه حتى رضي ، ثـ ارتحموا . وفي اليوـ الثاني مرا بخيمتي أـ معبد وكانت بالمشمؿ في ناحية قديد عمى بعد نحو 130كيمو متراً مف مكة ، فسألاىا ىؿ عندىا شئ ؟ فاعتذرت عف القرى وأخبرت أف الشاء عازب – أي بعيدة المرعى والكلؤ – وكانت في جانب الخيمة شاة خمفيا الجيد عف قطيع الغنـ ، ولـ تكف فييا قطرة مف لبف ، فاستأذف رسوؿ الله - -ليحمبيا ، فمما حمبيا درت بالمبف حتى امتلؤ منو إناء كبير يحممو الرىط بمشقة ، فسقاه أـ معبد حتى رويت ، ثـ سقى أصحابو حتى رووا ، ثـ شرب ، ثـ حمب فيو ثانياً ، حتى ملؤ الإناء ، وتركو عندىا وارتحموا . وجاء زوجيا فتعجب حيف رأى المبف ، وسأليا عنو ، فأخبرتو الخبر ، ووصفت النبي - -مف مفرقو إلى قدمو ومف كلبمو إلى أطواره وصفاً دقيقاً جداً ، فقاؿ أبو معبد : ىذا والله صاحب قريش ، ولقد ىممت أف أصحبو ، ولأفعمف إف وجدت إلى ذلؾ سبيلب. وفي اليوـ الثالث سمع أىؿ مكة صوتاً بدأ مف أسفميا ومر حتى خرج مف أعلبىا ، وتبعوه فمـ يروا شخصو يقوؿ : جزى الله رب الناس خٌر جزائه رفٌقٌن حلا خٌـمتً أم معبد هما نـــزلا بالبر وارتحـــــلا به وأفلح مع أمسـى رفٌق محمد فٌا لقــصً ما زوى الله عنكم به من فعال لا تجارى وسودد لٌهن بنً كعب مــكان فـتاتهم ومقـعدها للمؤمنـٌن بمرصد
عدد الصفحات ١١٧ثـ لما جاوزا قديداً تبعيما سراقة بف مالؾ بف جعشـ المد لجي ، عمى فرس لو ، طمعا في جائزة قريش ، فمما دنا منيـ عثرت بو فرسو حتى خر عنيا ، ثـ قاـ واستقسـ بالأزلاـ : يضرىـ أـ لا ؟ فخرج الذي يكره ، ولكنو عصى الأزلاـ وركب حتى إذا دنا منيـ بحيث يسمع قراءة رسوؿ الله - -ىو لا يمتفت ، أبوبكر يكثر الالتفاؼ – ساخت يدا فرسو في الأرض حتى بمغتا الركبتيف وخر عنيا ، ثـ زجرىا فنيضت فمـ تكد تخرج يدييا ، فمما استوت قائمة صار لأثر يدييا غبار ساطع في السماء مثؿ الدخاف ، فا ستقسـ بالأزلاـ فخرج الذي يكره ، وداخمو رعب عظيـ ، وعمـ أف أمر رسوؿ الله - -سيظير ، فناداىـ بالأماف ، فوقفوا حتى جاءىـ ، فأخبر النبي - - بما قررتو قريش ، وما يريد بيما الناس ، وعرض عميو الزاد والمتاع فمـ يأخذ منو شيئاً ، وطمب منو أف يخفي أمره عف الناس . واستكتبو سراقة كتاب أمف ، فأمر عامر بف فييرة فكتبو في أديـ . ورجع سراقة فقاؿ لمف وجده في الطمب : قد استبرأت لكـ الخبر ، قد كفيتـ ما ىينا حتى أرجعيـ . وفي الطريؽ لقيو بريدة بف الحصيب الأسممي رضي الله عنو في سبعيف راكبا فأسمـ ىو ومف معو ، وصموا خمفو صلبة العشاء الآخرة . ولقييما في بطف ريـ – اسـ واد الزبير بف العواـ في ركب مف المسمميف كانوا قافميف مف الشاـ ، فكساىما الزبير ثياباً بياضاً . النزول بقباء : وفي يوـ الاثنيف – الثامف مف شير ربيع الأوؿ سنة 14 مف النبوة– وىي السنة الأولى مف اليجرة – نزؿ رسوؿ الله - -بقباء. وكاف أىؿ المدينة حينما سمعوا بخروج رسوؿ الله - -يخرجوف كؿ غداة إلى الحرة ، حتى يردىـ حر الظييرة . فانقمبوا يوماً بعد طوؿ الانتظار ، فمما أووا إلى بيوتيـ أوفى رجؿ مف الييود عمى أطـ مف آطاميـ لأمر ينظر إليو فبصر برسوؿ الله - -وأصحابو مبيضيف يزوؿ بيـ السراب ، فمـ يممؾ الييودي أف قاؿ بأعمى صوتو : يا معشر العرب ! ىذا جدكـ – أي حظكـ – الذي تنتظروف ، فثار المسمموف إلى السلبح ، وسمعت فييـ الوجبة والتكبير فرحاً بقدوـ رسوؿ الله - -
عدد الصفحات ١١٨وخرجوا لمقائو بظير الحرة ، فعدؿ بيـ ذات اليميف حتى نزؿ بيـ في بني عمرو بف عوؼ بقباء . ولما نزؿ بقباء جمس صامتاً ، فطفؽ مف جاء مف الأنصار ممف لـ ير رسوؿ الله - -يحيى أبا بكر- -ظنا منو أنو ىو الرسوؿ - -لظيور الشيب في شعره – حتى أصابت رسوؿ الله - -الشمس ، فظمؿ عميو أبو بكر بردائو ، فعرؼ الناس رسوؿ الله - . - ونزؿ رسوؿ ا - -بقباء عمى كمثوـ بف اليدـ ، وقيؿ: عمى سعد بف خيثمة ، ومكث بيا أربعة أياـ ، أسس أثناءىا مسجد قباء ، وصمى فيو ، فمما كاف اليوـ الخامس – يوـ الجمعة – ركب بأمر الله ، أبو بكر ردفو ، وأرسؿ إلى أخوالو بني النجار ، فجاءوا متقمديف السيوؼ ، فسار نحو المدينة ، وىـ حولو وأدركتو الجمعة في بني سالـ بف عوؼ فجمع بيـ في بطف الوادي ، وىـ مائة رجؿ . الدخول فً المدٌنة : ثـ اتجو نحو المدينة ، وقد زحؼ الناس للبستقباؿ ، وارتجت البيوت والسكؾ بالتحميد والتقديس ، وخرج النساء والصبياف والولائد يقمف : طلـــع البدر علٌنا مـن ثنٌات الـوداع وجـب الشكـر علٌنا مــــــا دعــــــــــــــــــا لله داـــــــع أٌهـا المبعـوث فٌنا جئت بالمر المطــــــــــــــــــــــاع وكاف رسوؿ الله - -لا يمر بدار مف دور الأنصار إلا أخذوا خطاـ ناقتو يقولوف : ىمـ إلى العدد والعدة والسلبح والمنعة ، فكاف يقوؿ ليـ : خموا سبيميا فإنيا مأمورة . فمما وصمت الناقة إلى موضوع المسجد النبوي بركت ، فمـ ينزؿ عنيا حتى نيضت وسارت قميلبً ، ثـ التفتت ورجعت فبركت في موضعيا الأوؿ فنزؿ عنيا . فجعؿ الناس يكممونو في النزوؿ عمييـ ، وبادر أبو أيوب الأنصاري - -فأدخؿ رحمو في بيتو . فجعؿ رسوؿ الله - -يقوؿ: المرء مع رحمو ، وأخذ أسعد بف زرارة بزماـ راحمتو فكانت عنده . وسابؽ سراة الأنصار في استضافة رسوؿ الله - - فكانت الجفاف تأتيو منيـ كؿ ليمة ، فما مف ليمة إلا وعمى بابو الثلبث أو الأربع منيا .
عدد الصفحات ١١٩هجرة علً ولحوقه برسول- : - ومكث عمى بف أبي طالب- -بمكة بعد النبي- -ثلبثاً ، وأدى ودائع كانت عند رسوؿ الله - -لأىؿ مكة ، ثـ خرج ماشياً عمى قدميو حتى لحؽ رسوؿ الله - -بقباء ، ونزؿ عمى كمثوـ بف اليدـ . هجرة أهل البٌت : ولما استقر رسوؿ الله - -بالمدينة أرسؿ زيد بف حارثة وأبا رافع إلى مكة ، فقدما بفاطمة وأـ كمثوـ بنتي النبي - -وبأـ المؤمنيف سودة ، وأـ أيمف ، وأسامة بف زيد . وخرج معيـ عبدالله بف أبي بكر بعياؿ أبي بكر : أـ روماف ، وأسماء ، وعائشة ،- رضي الله عنيـ وعنيف أجمعيف – وذلؾ بعد ستة أشير مف ىجرة رسوؿ الله - . - هجرة صهٌب: وىاجر صييب بعد رسوؿ الله - -ولما أراد اليجرة حجزه المشركوف ، فتخمى عف أموالو ليـ – وكانت كثيرة – فخموا سبيمو ، فمما وصؿ المدينة ، وقص عمى النبي - -قصتو قاؿ: ربح البيع أبا يحيى ! وأبو يحيى كنية صييب - - المستضعفون: وحبس المشركوف بعض المسمميف عف اليجرة ، وعذبوىـ وفتنوىـ عف دينيـ . منيـ الوليد بف الوليد ، وعياش بف أبي ربيعة ، وىشاـ بف العاص ، فكاف رسوؿ الله - -يدعو عمى مف حبسيـ مف لكفار قريش ، وىذا أصؿ القنوت ، وبعد حيف قاـ بعض المسمميف بعمؿ بطولي جرئ ، أخرجيـ بذلؾ مف قيد الكفار ، فياجروا إلى المدينة . مناخ المدٌنة : ولما نزؿ المياجروف بالمدينة أصابيـ ىـ حزف ، لفراقيـ أرضيـ وديارىـ التي نشأوا بيا وترعرعوا فييا فأخذوا يذكروف تمؾ الأرض ويحنوف إلييا ، وزاد ذلؾ شدة أف المدينة كانت مف أوبأ أرض الله ، فمما نزلوا بيا أصابتيـ حمى وأنواع مف
عدد الصفحات ١٢٠المرض ، فدعا النبي - - ربو عز وجؿ وقاؿ : " الميـ حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد وصححيا ، وبارؾ في صاعيا ومدىا ، وانقؿ حماىا فاجعميا بالجحفة " . وأجاب الله دعاه - - فاستراح المسمموف مف الأمراض ، وأحبوا المدينة . أعمال رسول الله - -فً المدٌنة المنورة ولما استقر النبي - -بالمدينة المنورة بدأ ينسؽ الأمور دينياً ودنيوياً بجانب استمراره في الدعوة إلى الله . المسجد النبوي : وأوؿ خطوة اتخذىا في ىذا السبيؿ ىو بناء المسجد النبوي . واشترى لذلؾ الأرض التي بركت بيا ناقتو ، وكانت لغلبميف يتيميف ، وكانت مائة ذراع في مائة ذراع تقريباً ، وفييا قبور المشركيف ، وخرب ونخؿ وشجرة مف غرقد فنبشت القبور ، وسويت الخرب ، وقطعت الشجرة والنخؿ ، وصفت في قبمة المسجد ، وجعؿ الأساس قريباً مف ثلبثة أذرع ، وأقيمت الحيطاف مف المبف والطيف ، وجعمت عضادتا الباب مف الحجارة . والسقؼ مف الجريد ، والعمد مف الجذوع ، وفرشت الأرض بالرماؿ والحصباء ، وجعمت لو ثلبثة أبواب ، وكانت القبمة في الشماؿ إلى بيت المقدس . وكاف الرسوؿ - -ينقؿ الحجارة والمبف مع المياجريف والأنصار ، ويرتجز ويرتجزوف ، فيزيدىـ ذلؾ نشاطاً . وبنى بجانب المسجد حجرتيف بالحجارة والمبف ، وسقفيما بالجريد والجذوع ، إحداىما لسودة بنت زمعة ، والثانية لعائشة – رضي الله عنيا – بعد قدوميا قريباً في شواؿ سنة 1ىػ. الأذان : وبدأ المسمموف يحضروف لمصموات الخمس في جماعة ، ويتحينوف أوقاتيا . فيتعجؿ بعضيـ ويتأخر البعض ، فاستشار النبي - -والمسمموف في علبمة يعرفوف بيا حضور الصلبة ، فأشار بعضيـ برفع النار ، وبعضيـ بالنفخ في البوؽ
عدد الصفحات ١٢١.وبعضيـ بضرب الناقوس ، فقاؿ عمر - : -أولا تبعثوف رجلبً ينادي ب" الصلبة جامعة " فقبؿ رسوؿ الله - -ىذا الرأي وعمؿ بو ، ثـ أف عبدالله بف زيد بف عبد ربو الأنصاري - -رأى الأذاف في المناـ فجاء وأخبر النبي - -فقاؿ: إنيا لرؤيا حؽ ، وأمره أف يمقي عمى بلبؿ حتى ينادي بيا ، لأنو أندى صوتاً منو ، فأذف بلبؿ ، وسمع صوتو عمر بف الخطاب - -فجاء يجرر رداءه وقاؿ : وقاؿ : والله لقد رأيت مثمو . فتأكد بذلؾ الرؤيا ، وصار الأذاف أحد شعار الإسلبـ منذ ذلؾ اليوـ . المؤاخاة بٌن المهاجرٌن والأنصار : كاف مف سجايا الأنصار وكرميـ أنيـ كانوا يتنافسوف في إنزاؿ المياجريف واستضافتيـ في بيوتيـ ، وكانوا كما قاؿ الله تعالى عنيـ : وَاللَّ ِ نَ تَبَولَّ ُوا ال لَّارَ وَااِْ مَانَ مِن قَبْمِهِمْ ُحِببُّونَ مَنْ هَا َرَ ِلَ ْهِمْ وَلََ َ ِ ُونَ ِي صُ ُورِهِمْ حَا َ ً مبِّملَّا أُوتُوا وَ ُ ْ ِرُونَ َمَى أَ فُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ َصَاصَ ٌ [ 59:9 ] ثـ زاد النبي - -ىذا الحب والإيثار قوة بعقد المؤاخاة بينيـ وبيف المياجريف ، فجعؿ كؿ أنصاري ونزيمو أخويف ، وكانوا تسعيف رجلبً ، نصفيـ مف المياجريف ونصفيـ مف الأنصار ، فآخى بينيـ عمى المؤاساة ، وأنيـ يتوارثوف فيما بينيـ بعد الموت ، دوف ذوي الأرحاـ ، ثـ نسخ التوارث وبقيت المؤاخاة ، وكانت قد عقدت في دار أنس بف مالؾ - -وعنيـ أجمعيف-. وكاف مف حب الأنصار لإخوانيـ المياجريف أنيـ عرضوا نخيميـ - -ليقسـ بينيـ وبيف إخوانيـ المياجريف ، فأبى فقالوا : إذف تكفونا المؤنة ونشرككـ في الثمرة فقبؿ ذلؾ . وكاف سعد بف الربيع أكثر الناس مالاً ، فقاؿ لأخيو المياجر عبد الرحمف بف عوؼ : اقسـ مالي نصفيف ، ولي امرأتاف ، فانظر أعجبيما إليؾ ، فسميا لي ، أطمقيا . فإذا انقضت عدتيا فتزوجيا . قاؿ عبدالرحمف : بارؾ الله في أىمؾ ومالؾ . أيف سوقكـ ؟ فدلوه عمى سوؽ بني قينقاع ، فما انقمب إلا ومعو فضؿ مف أقط وسمف ، وما ىي إلا أياـ حتى اكتسب مالاً ، وتزوج امرأة مف الأنصار .
عدد الصفحات ١٢٢تأسٌس المجتمع الإسلامً والأمة الإسلامٌة: كانت ىذه المؤاخاة ربطاً بيف قرد مف المياجريف وبيف فرد مف الأنصار ، وحيث إف المسمميف صاروا – بعد اجتماعيـ بالمدينة – أمة مستقمة فقد كانوا في حاجة إلى تنظيـ اجتماعي ، وا لى تعريؼ بالواجبات والحقوؽ الاجتماعية ، وا لى إبراز النقاط التي تجعميـ أمة واحدة مستقمة عف الآخريف . وكانت في المدينة طائفتاف أخرياف سوى المسمميف ، تختمفاف عنيـ في العقيدة والديف ، والمصالح والحاجات ، والعواطؼ والميوؿ . وىـ المشركوف والييود ، فعقد النبي - -فيما بيف المسمميف ميثاقاً ، وفيما بينيـ وبيف المشركوف وفيما بينيـ وبيف الييود ميثاقاً آخر ، وكتب بذلؾ كتاباً قرر فيو : 1- أف المؤمنيف والمسمميف مف قريش ويثرب ، ومف تبعيـ فمحؽ بيـ وجاىد معيـ أنيـ أمة واحدة مف دوف الناس . 2- وأف أداء ديتيـ وفداء أسيرىـ بيف المؤمنيف يكوف حسب العرؼ السابؽ . وأنيـ ينصروف المؤمنيف في الفداء والدية . 3- وأنيـ يقوموف ضد المفسد والباغي والظالـ كيد واحدة ، ولو كاف ولد أحدىـ . 4- وأنو لا يقتؿ مؤمف مؤمناً بكافر ، ولا ينصر كافرا عمى مؤمف. 5- وأف ذمة الله واحدة ، فيجير عمييـ أدناىـ. 6- وأف مف تبع المسمميف مف الييود فمو النصر والأسوة. 7- وأف سمـ المسمميف واحدة. 8- وأف مف قتؿ مؤمناً قصداً يقتص منو ، إلا أف يرضى ولي المقتوؿ ، ويجب عمى المؤمنيف أف يقوموا ضد القاتؿ . 9- وأنو لا يحؿ لمؤمف أف ينصر محدثاً أو يؤويو. 10- وأنيـ إذا اختمفوا في شئ فإف مرده إلى الله ورسولو . زيادة عمى ىذا الميثاؽ بيف النبي - -لممسمميف حؽ الأخوة الإسلبمية في أوقات ومناسبات شتى ، وحضيـ عمى التعاوف والتناصر ، والتعاضد والتكاتؼ ، والمؤاساة وا سداء الخير . حتى سمت ىذه الأخوة إلى أعمى قمة عرفيا التاريخ .
عدد الصفحات ١٢٣وأما المشركوف فكانوا عمى وشؾ الانييار ، حيث أسممت أغمبيتيـ مع ساداتيـ وكبرائيـ ، فمـ يكف في استطاعتيـ الوقوؼ في وجو المسمميف ، فأخذ النبي - - عمييـ:" أنو لا يجير مشرؾ مالاً لقريش ولا نفساً ، ولا يحوؿ دونو عمى مؤمف " وبذلؾ انتيى ما كاف يخشى منيـ . وأما الييود فقد تـ الاتفاؽ بينيـ وبيف النبي - -عمى الأمور الآتية: 1- أنيـ أمة مع المؤمنيف ، وليـ دينيـ ولممسمميف دينيـ ، وعمييـ نفقتيـ ، وعمى المسمميف نفقتيـ. 2- وأف بينيـ النصر عمى مف حارب أىؿ ىذه الصحيفة ، وعمى مف دىـ يثرب ، كؿ يدافع عف جيتو 3- وأف بينيـ النصح والنصيحة والبر دوف الإثـ. 4- وأف المرء لا يؤخذ بإثـ حميفو . 5- وأف النصر لممظموـ. 6- وأف الييود ينفقوف مع المؤمنيف ماداموا محاربيف . 7- وأف يثرب حراـ لأىؿ ىذه الصحيفة . 8- وأف ما يكوف بينيـ مف حدث أو اشتجار فإف مرده إلى الله ورسولو . 9- وأنو لا تجار قريش ولا مف نصرىا . 10- وأنو لا يحوؿ ىذا الكتاب دوف ظالـ أو آثـ. وبيذا الميثاؽ انتظـ المسمموف والمشركوف والييود مف سكاف يثرب في كياف واحد ، وأصبحت المدينة وضواحييا دولة ذات استقلبؿ وسيادة ، والكممة النافذة فييا لممسمميف . ورئيسيا رسوؿ الله - . - ونشط رسوؿ ا - -وتبعو المسمموف في الدعوة إلى الله ، فكاف يحضر مجالس المسمميف وغير المسمميف ، يتمو عمييـ آيات الله ، ويدعوىـ إلى الله ، ويزكي مف آمف منيـ بالله ، ويعمميـ الكتاب والحكمة .
عدد الصفحات ١٢٤استفزازات قرٌش مكائد قرٌش : وبينما كاف النبي - -يرتب أمور المدينة وينظـ جوانب الحياة فييا ، ويرجو أف يجد فييا ىو والمسمموف مكاناً آمناً يعمموف فيو بدينيـ بغير معارضة أو استفزاز إذ فوجئوا بمكائد قريش تريد القضاء عمييـ . فمنيا أنيـ كتبوا إلى مشركي يثرب يحرضونيـ عمى قتاؿ المسمميف وا خراجيـ عف المدينة ، ويددونيـ بقتؿ مقاتمتيـ واستباحة نسائيـ إف لـ يفعموا ذلؾ . فعلبً قاـ مشركوا يثرب لينفذوا ذلؾ . ولكف أتاىـ رسوؿ الله - -فوعظيـ ونصحيـ فكفوا عما أرادوا مف القتاؿ وتفرقوا . ومنيا أف سعد بف معاذ - -رئيس الأوس ، ذىب إلى مكة معتمراً ، فطاؼ بالبيت ، ومعو أبو صفواف أمية بف خمؼ ، فمقييما أبو جيؿ ، فمما عرؼ سعداً ىدده وتوعده وقاؿ : نطوؼ بمكة آمنا وقد آويتـ الصباة ، وأما والله لولا أنؾ مع أبي صفواف ما رجعت إلى أىمؾ سالماً ، وكاف ىذا إعلبناً عف صد المسمميف عف المسجد الحراـ . وعف قتميـ إذا وجدوا في حدود قريش . وكانت لقريش صمة بييود يثرب ، وكانت الييود – كما أثر في الإنجيؿ عف المسيح عميو السلبـ – حيات ، أولاد الأفاعي ، فكانوا يقوموف بنبش الأحقاد والضغائف القديمة بيف الأوس والخزرج ويحرشونيـ ويحاولوف إثارة القمؽ والاضطراب فيما بينيـ . وىكذا أحاط الخطر بالمسمميف في المدينة مف الداخؿ والخارج ، ووصؿ الأمر إلى أف الصحابة – رضي الله عنيـ – لـ يكونوا يبيتوف إلا ومعيـ السلبح ، ولـ يكونوا يصبحوف إلا فيو ، وكانوا يحرسوف رسوؿ الله - -حتى نزؿ قولو تعالى : وَالمّيُ َ ْصِمُ َ مِنَ ال لَّاسِ فقاؿ- : -يا أييا الناس انصرفوا عني فقد عصمني الله عز وجؿ .
عدد الصفحات ١٢٥مشروعٌة القتال: وفي ىذه الظروؼ الخطيرة أنزؿ الله تعالى الإذف بقتاؿ قريش ، ثـ تطور ىذا الإذف مع تغير الظروؼ حتى وصؿ إلى مرحمة الوجوب ، وجاوز قريشاً إلى غيرىـ . ولا بأس أف نبيف تمؾ المراحؿ بإيجاز قبؿ أف ندخؿ في ذكر الأحداث . 1- المرحم ااولى : اعتبار مشركي قريش محاربيف ، لأنيـ بدأوا بالعدواف ، فحؽ لممسمميف أف يقاتموىـ ، ويصادروا أمواليـ ، دوف غيرىـ مف بقية مشركي العرب . 2- قتاؿ كؿ مف تمالأ مف مشركي العرب مع قريش ، واتحد معيـ . وكذلؾ كؿ مف تفرد بالاعتداء عمى المسمميف مف غير قريش . 3- قتاؿ مف خاف أو تحيز لممشركيف مف الييود الذيف كاف ليـ عقد وميثاؽ مع رسوؿ الله - -، ونبذ ميثاقيـ إلييـ عمى سواء. 4- قتاؿ مف بادأ بعداوة المسمميف مف أىؿ الكتاب ، كالنصارى ، حتى يعطوا الجزية عف يد وىـ صاغروف . 5- الكؼ عمف دخؿ في الإسلبـ مشركاً كاف أو ييودياً أو نصرانياً أو غير ذلؾ ، فلب يتعرض لنفسو ومالو إلا بحؽ الإسلبـ وحسابو عمى الله . السراٌا والغزوات : تقدـ أف رسوؿ الله - -والمسمميف كانوا آخذيف بالحيطة والحذر مف البداية أمرىـ ، وذلؾ بالحراسة والبيات مع السلبح ، فمما نزؿ الإذف بالقتاؿ أخذ رسوؿ الله - -يرتب البعوث والدوريات لعسكرية . ويؤمر عمييا أحداً مف أصحابو . وىي المسماة بالسرية ، وربما خرج فييا بنفسو ، وىي المسماة بالغزوة ، وكاف المقصود منيا : 1- استكشاؼ حركات العدو ، وتأميف أطراؼ المدينة ، حتى لا يؤخذ المسمموف عمى غرة . 2- الضغط عمى قريش بالتعرض لقوافميـ حتى يشعروا بالخطر عمى تجارتيـ وأمواليـ وأنفسيـ ، فإما أف يفيقوا عف غييـ ، ويسالموا المسمميف
عدد الصفحات ١٢٦ويتركوىـ عمى حريتيـ في نشر الإسلبـ والعمؿ بو ، - وىذا غاية ما كاف يتمناه المسمموف – أو يختاروا طريؽ الحرب والقتاؿ فيخسروا أولاً طريؽ تجارتيـ ، لأنيا كانت تمر بأطراؼ المدينة ، ويمقوا ثانياً جزاء شرىـ وعدوانيـ بإذف الله ونصره لعباده المؤمنيف ، وىذا الذي وقعت الإشارة إلية في كلبـ الله سبحانو وتعالى مراراً . 3- عقد مواثيؽ التحالؼ ، أو عدـ الاعتداء ، مع قبائؿ أخرى . 4- إبلبغ رسالة الله ، ونشر دعوة الإسلبـ قولاً وعملبً. وأوؿ سرية بعثيا رسوؿ الله - -سرية تسمى بسيؼ البحر [2] بعثيا في رمضاف في السنة الأولى مف اليجرة ، وأمر عمييا عمو حمزة بف عبد المطمب ، وكاف قواميا ثلبثيف رجلبً مف المياجريف ، وقد واصموا سيرىـ حتى بمغوا إلى سيؼ البحر – أي ساحؿ البحر الأحمر – مف ناحية العيص ، واعترضوا عيراً لقريش ، قادمة مف الشاـ ، عمييا أبو جيؿ ، في ثلبثمائة رجؿ ، فاصطؼ الفريقاف ، وكاد يقع القتاؿ ، لكف توسط مجدي بف عمرو الجيني ، فانصرؼ الفريقاف . كانت ىذه السرية أوؿ عمؿ عسكري في تاريخ الإسلبـ ، وكاف لواؤىا أبيض ، وىو أوؿ لواء عقد في تاريخ الإسلبـ : وحمؿ المواء أبو مرثد كناز بف حصيف الغنوي . ثـ تتابعت البعوث والسرايا فأرسؿ في شواؿ عبيدة بف الحارث في ستيف رجلبً مف المياجريف إلى بطف رابغ ، فمقي أبا سفياف وىو في مائتي رجؿ ، فوقع الترامي دوف القتاؿ . ثـ أرسؿ في ذي القعدة سعد بف أبي وقاص في عشريف رجلبً مف المياجريف إلى الخرار قريباً مف رابغ فمـ يمؽ كيداً . ثـ خرج رسوؿ الله - -بنفسو إلى الأبواء أو وداف في صفر سنة2ىػ في سبعيف رجلبً مف المياجريف . فمـ يمؽ أحداً وعقد ميثاؽ الأماف والتناصر مع عمرو بف مخشى الضمري . وكانت أوؿ غزوة خرج ليا رسوؿ الله - . - [2] انسٍف ، بكسز انسٍن يؼناه: انساحم .
عدد الصفحات ١٢٧ثـ خرج إلى بواط مف ناحية رضوى ، في ربيع الأوؿ سنة 2ىػ في مائتيف مف المياجريف ، فمـ يمؽ أحداً . وفي نفس الشير أغار كرز بف جابر الفيري عمى مراعي المدينة وساؽ بعض المواشي ، فخرج - -في طمبو إلى سفواف مف ناحية بدر ، في سبعيف رجلبً مف المياجريف ، ولكف كرزا أفمت ونجح في الفرار ، وىذه الغزوة تسمى بغزوة بدر الأولى . ثـ خرج في جمادى الأولى أو الآخرة سنة 2ىػ إلى ذي العشيرة في مائة وخمسيف ، أو في مائتيف مف المياجريف ، يعرض عيراً لقريش ذاىبة إلى الشاـ ، ولكنيا فاتتو قبؿ أياـ . وعقد ميثاؽ عدـ العدواف مع بني مدلج . ثـ بعث في شير رجب سنة 2ىػ عبدالله بف جحش الأسدي إلى نخمة ، بيف مكة والطائؼ ، في اثني عشر رجلبً ، وأسروا اثنيف ، وساقوا العير ، وغضب رسوؿ الله - -عمى ذلؾ ، ولـ يرض بو ، فأطمؽ الأسيريف وأدى دية المقتوؿ . وكاف الحادث في آخر يوـ مف رجب ، فأثار المشركوف ضجة بأف المسمميف انتيكوا حرمة الشير الحراـ . فأنزؿ الله : َسْ َلُو َ َ َنِ الشلَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَا ٍ ِ يِ قُ ْ قِتَا ٌ ِ يِ كَبِ رٌ وَصَ ٌّ َن سَبِ ِ المّيِ وَكُفْرٌ بِيِ وَالْمَسْ ِ ِ الْحَرَامِ وَا ِ ْرَاجُ أَهْمِيِ مِ ْيُ أَكْبَرُ ِ َ المّيِ وَالْفِتْ َ ُ أَكْبَرُ مِنَ الْ َتْ ِ [ 2 :217 ] وفي شعباف سنة2ىػ حوؿ الله القبمة مف بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة ، وكاف ذلؾ مما يحبو رسوؿ الله - -وينتظره ، وقد انكشؼ بذلؾ بعض المخادعيف مف المنافقيف والييود الذيف في الإسلبـ زوراً . فارتدوا وتطيرت صفوؼ المسمميف منيـ . تمؾ ىي التحركات العسكرية التي قاـ بيا رسوؿ الله - -والمسمموف لحفظ أمف المدينة وأطرافيا . ولإشعار قريش بسوء عاقبتيا إف لـ تكؼ عف شرىا ، ولكنيا ازدادت في العمو والاستكبار ، فلبقت جزاء أمرىا في بدر ، وكاف عاقبة أمرىا خسراً . غزوة بدر الكبرى
عدد الصفحات ١٢٨وىي أوؿ معركة فاصمة بيف قريش والمسمميف ، وسببيا أف رسوؿ ا - - كاف بالمرصاد لمعير التي فاتتو إلى الشاـ حينما خرج إلى ذي العشيرة . وأرسؿ ليا رجميف إلى الحوراء مف أرض الشاـ ليأتيا بخبرىا ، فمما مرت بيما العير أسرعا إلى المدينة ، فندب ليا رسوؿ الله - -المسمميف ، ولـ يعزـ عمييا الخروج ، فانتدب 313 رجلبً– وقيؿ 317 رجلبً– 82أو83 أو86 مف المياجريف و 61مف الأوس ، و170 مف الخزرج . ولـ يتخذ ىؤلاء أىبتـ الكاممة . فمـ يكف معيـ إلا فرساف وسبعوف بعيراً فقط . وعقد رسوؿ الله - -لواء أبيض دفعو لمصعب بف عمير ، وكاف لممياجريف عمـ يحممو عمى بف أبي طالب ، وللؤنصار عمـ يحممو سعد بف معاذ ، واستخمؼ عمى المدينة ابف أـ مكتوـ ، ثـ أرسؿ مكانو مف الروحاء أبا لبابة بف عبد المنذر . وخرج رسوؿ الله - -مف المدينة يريد بدراً ف وىو موضع عمى بعد155 كيمومتراً جنوب غربي المدينة تحيط بو جباؿ شواىؽ مف كؿ جانب ، وليس فيو إ ثلبثة منافذ ، منفذ في الجنوب ، وىو العدوة القصوى ، ومنفذ في الشماؿ وىو العدوة الدنيا ، ومنفذ في الشرؽ قريباً مف منفذ الشماؿ يدخؿ منو أىؿ المدينة ، وكاف فيو المساكف والآبار والنخيؿ فكانت تنزؿ القوافؿ ، وتقيـ فيو ساعات وأياماً . فكاف مف السيؿ جداً أف يسد المسمموف ىذه المنافذ بعد ما تنزؿ العير في ىذا المحيط ، فتضطر إلى الاستسلبـ ، ولكف مف لوازـ ىذا التدبير أف لا يشعر أىؿ العير بخروج المسمميف إطلبقاً ، حتى ينزلوا ببدر عمى غزة ، ولذلؾ سمؾ رسوؿ الله - -أوؿ ما سمؾ طريقاً آخر غير طريؽ بدر ثـ تأني في التقدـ إلى جية بدر . أما العير فكاف قواميا ألؼ بعير موقرة بأمواؿ لا تقؿ عف خمسيف ألؼ دينار ، وكاف رئيسيا أبا سفياف ، ومعو نحو أربعيف رجلبً فقط ، وكاف أبو سفياف في غاية التيقظ والحذر ، يسأؿ كاف غاد ورائح عف تحركات المسمميف ، حتى عمـ بخروج المسمميف مف المدينة ، وىو عمى بعد غير قميؿ مف بدر ، فحوؿ اتجاه العير إلى الغرب ليسمؾ طريؽ الساحؿ ، ويترؾ طريؽ بدر إطلبقاً ، واستأجر رجلبً يخبر أىؿ مكة بخروج المسمميف بأسرع ما يمكف ، فمما بمغيـ النذير استعدوا سراعاً وأوعبوا في
عدد الصفحات ١٢٩