المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

روضة الأنوار في سيرة النبي المختار

صفي الرحمن المباركفوري

صفحة ٦ من ١٨

وبعد قميؿ أقبؿ حمزة مف الصيد متوحشاً قوسو ، فأخبرتو الخبر ، فخرج حمزة يسعى حتى قاـ عمى أبي جيؿ ، وقاؿ : يا مصفر استو ! تشتـ ابف أخي ، وأنا عمى دينو ، ثـ ضربو بالقوس ، فشجو شجو منكرة ، وثار لحياف : بنو مخزوـ وبنو ىاشـ ، فقاؿ أبو جيؿ : دعو أبا عمارة – أي حمزة – فإني سببت ابف أخيو سباً قبيحاً . وكاف إسلبـ حمزة أنفة ، كأف المساف قد سبؽ إليو دوف قصد ، ثـ شرح الله صدره للئسلبـ ، وكاف أعز فتى في قريش ، وأقواىـ شكيمة ، حتى سمي أسد الله ، أسمـ في ذي الحجة سنة ست مف النبوة . إسلام عمر رضً الله عنه : بعد ثلبثة أياـ مف إسلبـ حمزة أسمـ عمر بف لخطاب -  - وكاف مف أشد الناس قسوة عمى المسمميف قبؿ إسلبمو ، وفي ليمة سمع سراً بعض آيات القرآف ، ورسوؿ الله -  - يصمي عند الكعبة ، فوقع في قمبو أنو حؽ ، ولكنو بقي عمى عناده ، حتى خرج يوماً متوشحاً سيفو يريد أف يقتؿ النبي -  - فمقيو رجؿ ، فقاؿ : أيف تعمد يا عمر ! قاؿ : أريد أف أقتؿ محمداً . قاؿ : كيؼ تأمف مف بني ىاشـ ومف بني زىرة ، وقد قتمت محمداً ؟ قاؿ عمر : ما أراؾ إلا قد صبوت ؟ قاؿ : أفلب أدلؾ عمى العجب يا عمر ؟ إف أختؾ وختنؾ قد صبوا ، فمشى مغضباً حتى أتاىما ، وعندىما خباب بف الأرت يقرئيما صحيفة فييا طو ، فمما سمع حس عمر توارى في البيت ، وسترت أخت عمر الصحيفة ، فمما دخؿ ، قاؿ : ما ىذه صبوتما ؟ فقاؿ لو ختنو : يا عمر ! أرأيت إف كاف الحؽ في غير دينؾ ؟ فوثب عمر عمى ختنو ، فوطئو وطأ شديداً ، فجاءت أختو فرفعتو عف زوجيا ، فنفحيا نفحة بيده فدمى وجييا ، فقالت وىي غضبى : يا عمر إف كاف الحؽ في غير دينؾ . أشيد أف لا إلو الله وأف محمداً رسوؿ الله . ويئس عمر وندـ واستحي ، قاؿ : أعطوني ىذا الكتاب الذي عندكـ فأقرؤه . فقالت أختو : إنؾ رجس ، ولا يمسو إلا المطيروف ، فقـ فاغتسؿ ، فقاـ

عدد الصفحات ٨٢

فاغتسؿ ، فقاـ فاغتسؿ ثـ أخذ الكتاب فقرأه :  بسم الله الرحمن الرح م  فقاؿ : أسماء طيبة طاىرة ، ثـ قرأ طو حتى انتيى إلى قولو تعالى :  ِ لَّ ِي أَ َا الملَّيُ لََ ِلَيَ ِلَلَّ أَ َا َا ْبُ ْ ِي وَأَقِمِ الصلَّلاَةَ لِ ِكْرِي  فقاؿ: ما أحسف ىذا الكلبـ وأكرمو ؟ دلوني عمى محمد . وخرج خباب فقاؿ : أبشر يا عمر ! فإني أرجوا أف تكوف دعوة الرسوؿ الله -  - لؾ يوـ الخميس– وكاف قد دعا النبي -  -تمؾ الميمة: الميـ أعز الإسلبـ بأحب الرجميف إليؾ ، بعمر بف الخطاب أو بأبي جيؿ بف ىشاـ – ثـ ذكر لو خباب أف رسوؿ الله -  - في دار الأرقـ التي في أصؿ الصفا . فخرج عمر حتى أتى الدار وضرب الباب ، فأطؿ رجؿ مف صرير الباب فرآه متوحشاً السيؼ ، فأخبر رسوؿ الله -  - واستجمع القوـ ، فقاؿ حمزة : مالكـ ؟ قالوا : عمر . فقاؿ : وعمر ، افتحوا لو الباب ، فإف يريد الخير بذلناه لو ، وا ف كاف جاء يريد شراً قتمناه سيفو . ورسوؿ الله -  - داخؿ يوحى إليو ، ثـ خرج فأخذ بمجامع ثوب عمر وحمائؿ سيفو – وىو في الحجرة – فجبذه بشدة ، وقاؿ : أما تنتيي يا عمر حتى ينزؿ الله بؾ مف الخزي والنكاؿ ما نزؿ بالوليد بف المغيرة ؟ ثـ قاؿ : الميـ ىذا عمر بف الخطاب ، الميـ أعز الإسلبـ بعمر بف الخطاب . فقاؿ عمر : أشيد أف لا إلو إلا الله ، وأنؾ رسوؿ الله ، فكبر أىؿ الدار تكبيرة سمعيا أىؿ المسجد ردة فعل المشركٌن على إسلام عمر : كاف عمر -  - ذا شكيمة لا يراـ ، فمما أسمـ ذىب إلى أشد قريش عداوة لرسوؿ الله -  - وا يذاء لممسمميف ، وىو أبو جيؿ ، فدؽ بابو ، فخرج ، وقاؿ: أىلبً وسيلبً ما جاء بؾ ؟ قاؿ : جئتؾ لأخبرؾ أني آمنت بالله ورسولو محمد ، فأغمؽ الباب في وجيو ، وقاؿ : قبحؾ الله ، وقبح ما جئت بو . وذىب عمر إلى خالو العاصي بف ىشاـ فأعممو فدخؿ البيت . وذىب إلى جميؿ بف معمر الجمحي – وكاف أنقؿ قريش لحديث –فأخبره أنو أسمـ ، فنادى جميؿ بأعمى صوتو أف ابف الخطاب قد صبأ ، فقاؿ عمر :

عدد الصفحات ٨٣

كذب ، ولكني قد أسممت ، فثاروا إليو ، فمما زاؿ يقاتميـ ويقاتمونو حتى قامت الشمس عمى رؤوسيـ . ولما رجع إلى بيتو اجتمعوا وزحفوا إليو ، يريدوف قتمو ، حتى ساؿ بيـ الوادي كثرة ، وجاء العاص بف وائؿ السيمي – مف بني سيـ ، وكانوا حمفاء بني عدي قوـ عمر – وعميو حمة حبرة ، وقميص مكفوؼ بحرير ، فقاؿ : مالؾ ؟ قاؿ : زعـ قومؾ أنيـ سيقتمونني أف أسممت ، قاؿ : لا سبيؿ إليؾ ، ثـ خرج فوجد الناس قد ساؿ بيـ الوادي ، فقاؿ : أيف تريدوف ؟ قالوا ىذا ابف الخطاب قد صبأ ، قاؿ : لا سبيؿ إليو فرجعوا . عزة الإسلام والمسلمٌن بإسلام عمر : أما المسمموف فقد وجدوا عزة وقوة كبيرة بإسلبـ عمر، فقد كانوا قبؿ ذلؾ يصموف سراً ، فمما أسمـ عمر قاؿ : يا رسوؿ الله ألسنا عمى الحؽ وا ف متنا وا ف حيينا ؟ قاؿ : بمى . قاؿ : فيـ الاختفاء ؟ والذي بعثؾ بالحؽ لنخرجف ، فخرجوا بو في صفيف ، حمزة في أحدىما وعمر في الآخر ، ليـ كديد ككديد الطحيف ، حتى دخموا المسجد الحراـ ، فمما نظرت إلييما قريش أصابتيـ كآبة لـ يصبيـ مثميا ، ولذلؾ سمى الفاروؽ . قاؿ بف مسعود : ما ذلنا أعزة منذ أسمـ عمر ، وقاؿ ما كنا نقدر أف نصمي عند الكعبة حتى أسمـ عمر . وقاؿ صييب : لما أسمـ عمر ظير الإسلبـ ، ودعي إليو علبنية ، وجمسنا حوؿ البيت حمقاً ، وطفنا بالبيت ، وانتصفنا ممف غمط عمينا ، ورددنا عميو بعض ما يأتي بو . عرض الرغائب والمغرٌات : ولما رأى المشركوف قوة المسمميف وشوكتيـ بعد إسلبـ حمزة وعمر رضي الله عنيما اجتمعوا لشورى بينيـ . وليفكروا في أنسب خطوة يقوموف بيا في أمر رسوؿ

عدد الصفحات ٨٤

ا-  - والمسمميف. فقاؿ ليـ عتبة بف ربيعة العبشمي – مف بني عبد شمس بف عبد مناؼ ، وكاف سيداً مطاعاً في قومو – يا معشر قريش ! ألا أقوـ لمحمد فأكممو ، وأعرض عميو أموراً لعمو يقبؿ بعضيا فنعطيو إياىا ويكؼ عنا ؟ فقالوا : بمى يا أبا الوليد ! فقـ إليو فكممو . فذىب إلى رسوؿ الله -  - وىو جالس في المسجد وحده . فقاؿ : يا ابف أخي ! إنؾ مف حيث قد عممت ، مف خيارنا حسباً ونسباً ، وا نؾ قد أتيت قومؾ بأمر عظيـ ، فرقت بو جماعتيـ ، وسفيت أحلبميـ ، وعبت آليتيـ ودينيـ ، وكفرت مف مضى مف أبائيـ ، فاسمع مني أعرض عميؾ أموراً تنظر فييا لعمؾ تقبؿ منيا بعضيا . فقاؿ عميو الصلبة والسلبـ : " قؿ يا أبا الوليد أسمع " . فقاؿ : يا ابف أخي ! إف كنت تريد بما جئت بو مف ىذا الأمر مالاً جمعنا لؾ مف أموالنا حتى تكوف أكثرنا مالاً ، وا ف كنت تريد بو شرفاً سودناؾ عمينا حتى لا نقطع أمراً دونؾ . وا ف كنت تريد بو ممكاً ممكناؾ عمينا ، وا ف كاف بؾ الباءة فاختر أي نساء قريش شئت فمنزوجؾ عشراً . وا ف كاف ىذا الذي يأتيؾ رئياً مف الجف لا تستطيع رده عف نفسؾ طمبنا لؾ الطب ، وبذلنا فيو أموالنا ، حتى نبرئؾ منو . فإنو ربما غمب التابع عمى الرجؿ حتى يداوى منو . فقاؿ عميو الصلبة السلبـ : " أو قد فرغت يا أبا الوليد " ! قاؿ : نعـ . قاؿ : " فاسمع مني " . قاؿ : أفعؿ . فقرأ رسوؿ الله - : -  بسم الله الرحمن الرح م حم{1} تَ نِ ٌ مبِّنَ الرلَّحْمَنِ الرلَّحِ مِ {2} كِتَا ٌ ُصبِّمَتْ َاتُيُ قُرْ اً َرَبِ ّاً لبِّ َوْمٍ َ ْمَمُونَ {3} بَشِ راً وَ َ ِ راً َ َ ْرَ َ أَكْ َرُهُمْ َهُمْ لََ َسْمَ ُونَ {4} وَقَالُوا قُمُوبُ َا ِي أَكِ لَّ ٍ مبِّملَّا تَ ْ ُو َا ِلَ ْيِ وَ ِي َا ِ َا وَقْرٌ وَمِن بَ ْ ِ َا وَبَ ْ ِ َ حِ َا ٌ َا ْمَ ْ ِ لَّ َا َامِمُونَ {5}  . ومضى رسوؿ ا -  - يقرؤىا عميو ، وىو يستمع منو ، وقد ألقى يديو خمؼ ظيره معتمداً عمييما ، فمما بمغ رسوؿ الله -  - إلى قولو تعالى:  َإِنْ

عدد الصفحات ٨٥

أَ ْرَضُوا َ ُ ْ أَ َرْتُكُمْ صَا ِ َ ً مبِّ ْ َ صَا ِ َ ِ َا ٍ وَ َمُو َ  . وضع عتبة يده عمى فـ رسوؿ الله -  - وناشد الله والرحـ مخافة أف يقع في ذلؾ ، وقاؿ : حسبؾ . ولما انتيى رسوؿ الله -  - إلى السجدة سجد ، ثـ قاؿ:" سمعت يا أبا الوليد " ؟ قاؿ : سمعت . قاؿ : " فأنت وذاؾ " . فقاـ عتبة إلى أصحابة ، فقاؿ بعضيـ لبعض : نحمؼ بالله لقد جاءكـ أبو الوليد بغير الوجو الذي ذىب بو . فمما جمس إلييـ قالوا : ما وراءؾ يا أبا الوليد ؟ قاؿ : ورائي أني سمعت قولاً والله ما سمعت مثمو قط . والله ماىو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكيانة . يا معشر قريش ! أطيعوني واجعموا لي . وخموا بيف ىذا الرجؿ وبيف ماىو فيو ، فاعتزلوه . فو الله ليكونف لقولو الذي سمعت منو نبأ عظيـ ، فإف تصبو العرب فقد كفيتموه بغيركـ ، وا ف يظير عمى العرب فممكو ممككـ ، وعزه عزكـ ، وكنتـ أسعد الناس بو . قالوا : سحرؾ والله يا أبا الوليد . قاؿ : ىذا رأيي فيو ، فاصنعوا ما بدا لكـ . مساومات وتنازلات : ولما فشؿ المشركوف في ىذا الإغراء والترغيب ، فكروا في المساومة في الديف ، فقالوا لو : -  - نعرض عميؾ خصمة واحدة لؾ فييا صلبح . قاؿ : " وما ىي " ؟ قالوا : تعبد آليتنا سنة . ونعبد إليؾ سنة ، فإف كنا عمى الحؽ أخذت حظاً ، وا ف كنت عمى الحؽ أخذنا منو حظاً ، فأنزؿ الله – تعالى -  قُ ْ َا أَ بُّهَا الْكَا ِرُونَ {1} لََ أَ ْبُ ُ مَا تَ ْبُ ُونَ  إلى آخر السورة ، وأنزؿ : قُ ْ أَ َ َ ْرَ الملَّيِ تَ ْمُرُو بِّي أَ ْبُ ُ أَ بُّهَا الْ َاهِمُونَ  [ 39-64] وأنزؿ أيضاً:  قُ ْ ِ بِّي ُهِ تُ أَنْ أَ ْبُ َ اللَّ ِ نَ تَ ْ ُونَ مِن ُونِ المّيِ  .

عدد الصفحات ٨٦

وكاف المشركوف حريصيف عمى حسـ الخلبؼ ، آمميف ما رجاه عتبة بف ربيعة ، فأبدوا مزيداً مف التنازؿ ، ومالوا إلى قبوؿ ما يعرضو رسوؿ الله -  - ولكف اشترطوا بعض التعديؿ والتبديؿ فيما أوحي إليو ، فقالوا :  ا ْتِ بِ ُرْ نٍ َ ْرِ هَـ َا أَوْ بَ بِّلْيُ  فأمره الله تعالى : قُ ْ مَا َكُونُ لِي أَنْ أُبَ بِّلَيُ مِن تِمْ َاي َفْسِي ِنْ أَتلَّبِ ُ ِلَلَّ مَا ُوحَى ِلَيلَّ ِ بِّي أَ َا ُ ِنْ َصَ ْتُ رَببِّي َ َا َ َوْمٍ َظِ مٍ  [10-15] ونبيو الله عمى عظـ ىذا ، فقاؿ وىو يذكر بعض ما دار في الخمد النبي -  - مف الخواطر حوؿ ذلؾ:  وَا ِن كَا ُواْ لَ َفْتِ ُو َ َ َنِ اللَّ ِي أَوْحَ ْ َا ِلَ ْ َ لِتفْتَرِيَ َمَ ْ َا َ ْرَاُ وَا ِ اً لَلَّتلَّ َ ُو َ َمِ لاً {73} وَلَوْلََ أَن َبلَّتْ َا َ لَ َ ْ كِ تلَّ تَرْكَنُ ِلَ ْهِمْ شَ ْ اً قَمِ لاً {74} ِ اً الََّ َقْ َا َ ضِ ْ َ الْحَ َاةِ وَضِ ْ َ الْمَمَاتِ ُملَّ لََ تَ ِ ُ لَ َ َمَ ْ َا َصِ راً [ 17:73:75 ] وبيذه المواقؼ الصارمة تبيف لممشركيف أف النبي - - قائـ بالدعوة إلى الديف ، وليس بتاجر حتى يقبؿ المساومة أو التنازؿ في الثمف ، فأرادوا التأكد مف ذلؾ عف طريؽ أخرى . فأرسموا إلى ييود يسألونيـ عف أمر النبي - -فقالت ليـ أحبار الييود : سموه عف ثلبث ، فإف أخبر فيو نبي مرسؿ ، وا لا فيو متقوؿ . سموه عف فتية ذىبوا في الدىر الأوؿ ، ما كاف أمرىـ ؟ فإف ليـ حدثياً عجبا ، وسموه عف رجؿ طواؼ بمغ مشارؽ الأرض ومغاربيا ، ما كاف نبؤه ؟ وسموه عف الروح ما ىي ؟ فسألت عظماء قريش رسوؿ الله - - عف ذلؾ. فنزلت سورة الكيؼ فييا قصة أولئؾ الفتية ، وىـ أصحاب الكيؼ . وقصة ذلؾ الرجؿ الطواؼ ، وىو ذو القرنيف . ونزؿ في سورة الإسراء الرد عمى سؤاليـ عف الروح ، وىو قولو تعالى : وَ َسْ َلُو َ َ َنِ الربُّوحِ قُ ِ الربُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَببِّي وَمَا أُوتِ تُم مبِّن الْ ِمْمِ ِلَلَّ قَمِ لاً  [17:85 ] وكاف ىذا الاختبار يكتفي لاقتناع قريش بأف محمداً- -رسوؿ حقاً ، لو أرادوا الحؽ ، ولكف أبي الظالموف إلا كفوراً . وكأنيـ لما اتضحت ليـ الحقائؽ ، وتبيف ليـ الحؽ ، أبدوا بعض المرونة ، فقد أبدوا استعدادىـ لاستماع ما يقولو النبي -  - عميـ يستجيبوف ويقبموف ، ولكف

عدد الصفحات ٨٧

اشترطوا أف يخصص ليـ مجمس لا يحضره ضعفاء المسمميف . وىـ العبيد والمساكيف الذيف سبقوا إلى الإسلبـ ، وذلؾ لأف ىؤلاء الكفار الذيف طالبوا بذلؾ كانوا سادات مكة وأشرافيا ، فأبوا واستنكفوا أف يجمسوا مع ىؤلاء المساكيف الذيف كانوا أصحاب الإيماف والتقوى . وكأف النبي -  - رغب في استجابة مطمبيـ ىذا بعض الرغبة رجاء أف يؤمنوا بو ، فنياه الله عف ذلؾ ، وأنزؿ قولو  وَلََ تَ ْرُ ِ اللَّ ِ نَ َ ْ ُونَ رَبلَّهُم بِالْ َ َاةِ وَالْ َشِيبِّ ُرِ ُونَ وَ ْهَيُ مَا َمَ ْ َ مِنْ حِسَابِهِم مبِّن شَيْيٍ وَمَا مِنْ حِسَابِ َ َمَ ْهِم مبِّن شَيْيٍ َتَ ْرُ َهُمْ َتَكُونَ مِنَ الظلَّالِمِ نَ  [ 6:52 ] الاستعجال بالعذاب: ربما كاف النبي - -أوعد المشركيف بعذاب الله إف استمروا عمى مخالفتو ، - كما سبؽ – فمما أبطأ العذاب طفقوا يستعجموف بو عمى سبيؿ السخرية والعناد ، وتظاىروا بأف ىذا الوعيد لـ يؤثر فييـ ، ولف يتحقؽ أبداً ، فأنزؿ الله في ذلؾ آيات ، منيا قولو تعالى :  وَ َسْتَ ْ ِمُو َ َ بِالْ َ َا ِ وَلَن ُ ْمِ َ الملَّيُ وَ ْ َاُ وَا ِنلَّ َوْماً ِ َ رَببِّ َ كَ َلْ ِ سَ َ ٍ مبِّملَّا تَ ُ بُّونَ  [22:47] ومنيا قولو تعالى َسْتَ ْ ِمُو َ َ بِالْ َ َا ِ وَا ِنلَّ َهَ لَّمَ لَمُحِ َ ٌ بِالْكَا ِرِ نَ  [29 :54] ومنيا قولو تعالى: أَ َ َمِنَ اللَّ ِ نَ مَكَرُواْ السلَّ بِّ َاتِ أَن َ ْسِ َ المّيُ بِهِمُ ااَرْ َ أَوْ َ ْتِ َهُمُ الْ َ َا ُ مِنْ حَ ْثُ لََ َشْ ُرُونَ {45} أَوْ َ ْ ُ َهُمْ ِي تَ َمبُّبِهِمْ َمَا هُم بِمُ ْ ِنِ نَ {46} أَوْ َ ْ ُ َهُمْ َمَى تَ َوبُّ ٍ َإِنلَّ رَبلَّكُمْ لَر ُو ٌ رلَّحِ مٌ  [ . 16 :45 : 47] وغير ذلؾ مف الآيات. وكاف مف جممة مجادلة المشركيف أنيـ كانوا يطالبوف بالآيات مف المعجزات خوارؽ العادات عناداً وتعجيزاً ، فأنزؿ الله في ذلؾ ما بيف بو سنتو ، وقطع بو حجتيـ . وسنمر عمى شئ مف ذلؾ في الفصوؿ القادمة إف شاء الله . تمكـ ىي المحاولات التي واجو بيا المشركوف رسالة محمد - -ودعوتو ، وقد مارسوىا كميا جنباً إلى جنب متنقميف مف طور إلى طور ، ومف دور إلى دور . فمف

عدد الصفحات ٨٨

شدة إلى ليف ، ومف ليف إلى شدة ، ومف جداؿ إلى مساومة ، ومف مساومة إلى جداؿ ، ومف ىجوـ إلى ترغيب ، ومف ترغيب إلى ىجوـ ، كانوا يثيروف ثـ يخوروف ، يجادلوف ثـ يجامموف ، ينازلوف ثـ يتنازلوف ، يوعدوف ثـ يرغبوف ، كأنيـ يتقدموف ويتأخروف ، لا يقر ليـ قرار ، ولا يعجبيـ الفرار . وكاف عرضيـ مف كؿ ذلؾ كؼ دعوة الإسلبـ ولـ شعث الكفر ، لكنيـ بعد ذلؾ بذؿ مؿ الجيود عادوا خائبيف خاسريف ، ولـ يبؽ أماميـ إلا خيار واحد ، وىو السيؼ ، والسيؼ لا يزيد الفرقة إلا شدة ، ولا يفضي إلا إلى تناحر لعمو يستأصؿ شأفتيـ ، فاحتاروا ماذا يفعموف . أما أبو طالب فانو لما واجو مطالبتيـ بتسميـ النبي - -إلييـ ليقتموه ، ثـ رأي في تحركاتيـ وتصرفاتيـ ما يؤكد أنيـ يريدوف قتمو – مثؿ ما فعمو أبو جيؿ ، وعقبة بف أبي معيط ، وعمر بف الخطاب – جمع بني ىاشـ وبني المطمب ودعاىـ إلى القياـ بحفظ النبي -  - فأجابوه إلى ذلؾ كميـ مسمميـ وكافرىـ ، وتعاقدوا وتعاىدوا عميو عند الكعبة . إلا أبو ليب ، فإنو فراقيـ ، وكاف مع قريش المقاطعة العامة وفرض الحصار : زادت حيرة المشركيف إذ نفدت بيـ الحيؿ ، ووجدوا بني ىاشـ وبني المطمب مصمميف عمى حفظ النبي -  - والقياـ دونو كائناً ما كاف ، فاجتمعوا في خيؼ بني كنانة ليدرسوا الموقؼ الراىف ، ويقضوا فيو ، فاستشاروا ثـ استشاروا حتى وصموا إلى حؿ غاشـ تحالفوا عميو . وىو أنيـ لا يناكحوف بني ىاشـ وبني المطمب ، ولا يبايعونيـ ، ولا يجالسونيـ ، ولا يخالطونيـ ، ولا يدخموف في بيوتيـ ، ولا يكممونيـ ، ولا يقبموف منيـ صمحاً أبداً ، ولا تأخذىـ بيـ رأفة حتى يسمموا إلييـ رسوؿ الله - -لمقتؿ. تحالفوا عمى ىذا القرار ، وكتبوا بذلؾ صحيفة عمقوىا في جوؼ الكعبة وكاف الذي كتبيا بغيض بف عامر بف ىاشـ ، فدعا عميو رسوؿ الله -  -فشمت يده أو بعض أصابعو . وانحاز بعد ذلؾ بنو ىاشـ وبنو المطمب في شعب أبي طالب ، سواء في ذلؾ مسمميـ وكافرىـ – إلا أبا ليب – وقطعت عنيـ الميرة والمادة . ومنع التجار مف

عدد الصفحات ٨٩

مبايعتيـ ، فجيد القوـ حتى أكموا أوراؽ الشجر ، والجمود ، وواصموا الضر والفاقة ، حتى سمعت أصوات النساء والصبياف يتضاغوف جوعاً . ولـ يكف يصؿ إلييـ شئ إلا سراً ، فكاف حكيـ بف حازـ ربما يحمؿ قمحاً إلى عمتو خديجة – رضي الله عنيا – أما ىـ فكانوا لا يخرجوف مف الشعب إلا في الأشير الحرـ ، فكانوا يشتروف مف العير التي تأتي مف الخارج ، إلا أف أىؿ مكة كانوا يزيدوف عمييـ في الثمف حتى لا يستطيعوا الشراء وكاف رسوؿ الله -  - عمى رغـ كؿ ذلؾ مستمراً في دعوتو إلى الله ولا سيما في أياـ الحج حينما كانت القبائؿ العربية تفد إلى مكة مف كؿ صوب . نقض الصحٌفة وفك الحصار : وبعد نحو ثلبث سنوات قدر الله أف ينتيي ىذا العدواف ، فألقى في قموب خمسة مف أشراؼ قريش أف يقوموا بنقض الصحيفة وفؾ الحصار ، وأرسؿ الأرضة ، فأكمت كؿ ما في الصحيفة مف القطيعة والجوار ، ولـ تترؾ إلا ذكر الله – سبحانو وتعالى – . فأما أشراؼ قريش الخمسة فأوليـ : ىشاـ بف عمرو بف الحارث مف بني عامر بف لؤي ، ذىب ىذا الرجؿ إلى زىير أبف أبي أمية المخزومي – وىو ابف عاتكة عمة النبي -  - ثـ إلى المطعـ بف عدي. ثـ إلى أبي البختري بف ىشاـ ثـ إلى زمعة بف الأسود . فذكر كؿ واحد منيـ بالقرابة والرحـ ، ولا ميـ عمى قبوؿ الجور ، وحضيـ عمى نقد الصحيفة . فاجتمعوا عند خطـ الحجوف ، واتفقوا عمى خطة يقوموف بيا لنقض الصحيفة . وصباحاً حيف قامت أندية قريش في المسجد الحراـ جاء زىير وعميو حمة ، فطاؼ بالبيت ، ثـ أقبؿ عمى الناس فقاؿ : يا أىؿ مكة ! نحف نأكؿ الطعاـ ، ونمبس الثياب ، وبنو ىاشـ وبنو المطمب ىمكي ، لا يبيعوف ولا يبتاعوف ، والله لا أقعد حتى تشؽ ىذه الصحيفة الظالمة القاطعة . فقاؿ أبو جيؿ : كذبت ، والله لا تشؽ . فقاؿ زمعة : أنت والله أكذب ، ما رضينا كتابتيا حيف كتبت .

عدد الصفحات ٩٠

فقاؿ أبو البختري : صدؽ زمعة ، لا نرضى ما كتب فييا ، ولا نقربو . وقاؿ المطعـ بف عدي : صدقتما ، وكذب مف قاؿ غير ذلؾ ، نبرأ إلى الله منيا ومما كتب فييا . وصدقو أيضاً ىشاـ بف عمرو . فقاؿ أبو جيؿ : ذا أمر قضي بميؿ . وتشوور فيو بغير ىذا المكاف . وكاف أبو طالب جالساً في ناحية المسجد ، جاء ليخبرىـ أف النبي - -أخبره أف الله سمط عمى صحيفتيـ الأرضة ، فأكمت ما فييا مف جور وقطيعة وظمـ ، ولـ تترؾ إلا ذكر الله . وقاؿ بعد ما أخبرىـ بذلؾ : فإف كاف كاذباً خمينا بينكـ وبينو ، وا ف كاف صادقاً رجعتـ عف قطيعتنا وظممنا . قالوا : أنصفت . وقاـ المطعـ عمى إثر رده عمى أبي جيؿ ليشؽ الصحيفة ، فوجدىا قد أكمتيا الأرضة ، إلا " باسمؾ الميـ " وما فييا مف اسـ الله . فكاف ما أخبر بو النبي - - آية مف آيات الله رآىا المشركوف بأعينيـ ، لكنيـ لـ يزالوا مسترسميف في الغي . آما الحصار فقد انتيى بعد ذلؾ ، وخرج رسوؿ الله – -ومف معو مف الشعب . وفد قرٌش بٌن ٌدي أبً طالب : عادت الأمور بعد فؾ الحصار إلى ما كانت عميو مف قبؿ . ولكف ما ىي إلا أشير حتى لحؽ أبا طالب المرض . وأخذ يشتد ويزداد ، وكاف قد جاور الثمانيف ، فشعرت قريش أنو لا قياـ لو مف ىذا المرض ، فاستشاروا فيما بينيـ وقالوا : انطمقوا بنا إلى أبي طالب ، فميأخذ عف ابف أخيو وليعطو منا ، فإنا نخاؼ أف يموت ىذا الشيخ فيكوف إليو شئ فتعيرنا بو العرب . يقولوف : تركوه حتى إذا مات عمو تنالوه ، فانطمقوا ودخموا عميو وطمبوا منو أف يكؼ ىو رسوؿ الله - -عف آليتكـ ، وىـ يدعونو وا ليو . فدعاه أبو طالب وعرض عميو ما قالو القوـ . فقاؿ رسوؿ الله - - :يا عـ إني أريدىـ عمى كممة واحدة يقولونيا تديف ليـ بيا العرب ، وتؤدي إلييـ العجـ الجزية ، ففزعوا وقالوا : كممة واحدة ؟ نعـ ! وأبيؾ عشراً . فما ىي ؟ قاؿ : لا إلو إلا الله ، فقاموا فزعيف ينفضوف ثيابيـ ، ويقولوف :  أَ َ َ َ ااْلِهَ َ ِلَهاً وَاحِ اً ِن هَ َا لَشَيْيٌ ُ َا ٌ  .

عدد الصفحات ٩١

عـــام الحـــزن وفاة أبً طالب : أما مرض أبي طالب فمـ يزؿ يشتد بو حتى حضرتو الوفاة . ودخؿ عميو رسوؿ الله - -وعنده أبو جيؿ وعبدالله بف أبي أمية فقاؿ رسوؿ ا - " : -أي عـ! قؿ لا إلو إلا الله ، كممة أحاج لؾ بيا عند الله " . فقالا : يا أبا طالب ! أترغب عف ممة عبد المطمب ؟ فمـ يزالا يكممانو حتى قاؿ آخر ما قاؿ : عمى ممة عبد المطمب . فقاؿ النبي - " : -لأستغفرف لؾ مالـ أنو عنؾ " فنزلت : مَا كَانَ لِم لَّبِي وَاللَّ ِ نَ مَ ُواْ أَن َسْتَ ْفِرُواْ لِمْمُشْرِكِ نَ وَلَوْ كَا ُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَ ْ ِ مَا تَبَ لَّنَ لَهُمْ أَ لَّهُمْ أَصْحَا ُ الْ َحِ مِ  [ 28:113 ] وكانت وفاتو في شير رجب أو رمضاف سنة عشر مف النبوة ، وذلؾ بعد الخروج مف الشعب بستة أشير ، وقد كاف عضداً وحرزاً لرسوؿ الله - -وحصناً احتمت بو الدعوة الإسلبمية مف ىجمات الكبراء والسفياء ، ولكنو بقي عمى ممة الأجداد فمـ يفمح كؿ الفلبح . قاؿ العباس لمنبي - : -ما أغنيت عف عمؾ ؟ فإنو كاف يحوطؾ ويغضب لؾ . قاؿ :" ىو في ضحضاح مف النار ، ولو لا أنا لكاف في الدرؾ الأسفؿ مف النار " . خدٌجة إلى رحمة الله : ولـ يندمؿ جرح رسوؿ الله - -عمى وفاة أبي طالب حتى توفيت أـ المؤمنيف خديجة – رضي الله عنيا – وذلؾ في رمضاف مف نفس السنة العاشرة بعد وفاة أبي طالب بنحو شيريف أو بثلبثة أياـ فقط . وكانت وزير صدؽ لرسوؿ الله -  -عمى الإسلبـ ، آزرتو عمى إبلبغ الرسالة ، وآستو بنفسيا وماليا ، وقاسمتو الأذى واليموـ . قاؿ - ": -آمنت بي حيف كفر بي الناس ، وصدقتني حيف كذبني الناس ، وأشركتني في ماليا حيف حرمني الناس ، ورزقني الله ولدىا وحرـ ولد غيرىا ". وورد في فضائميا أف جبريؿ – عميو السلبـ – أتى النبي - -فقاؿ: يا رسوؿ الله ! ىذه خديجة قد آتت ، معيا إناء فيو إداـ أو طعاـ أو شراب ، فإذا ىي

عدد الصفحات ٩٢

أتتؾ فاقرء عمييا السلبـ مف ربيا ، وبشرىا ببيت في الجنة مف قصب ، لا صخب فيو ولا نصب . وكاف النبي - -يذكرىا دائماً ، ويترحـ عمييا ، وتأخذ بو الرأفة والرقة ليا كمما ذكرىا ، وكاف يذبح الشاة فيبعث في أصدقائيا . ليا مناقب جمة وفضائؿ كثيرة . تراكم الأحزان : واشتد البلبء عمى رسوؿ الله - -مف قومو بعد موت عمو أبي طالب وزوجة خديجة – رضي الله عنيا – فقد تجرءوا عميو ، وكاشفوه بالأذى ، وطفؽ التي - -يتأثر بشدة بكؿ ما يحدث ، ولو كاف أصغر وأىوف مما سبؽ. حتى إف سفييا مف سفياء قريش نثر التراب عمى رأسو ، فجعمت إحدى بناتو تغسمو وتبكي ، وىو يقوؿ ليا : لا تبكي يا بنية ! فإف الله مانع أباؾ ، ويقوؿ بيف ذلؾ : ما نالت قريش مني شيئاً أكرىو حتى مات أبو طالب . زواجه -  - بسودة ثم بعائشة رضً الله عنهما: وفي شواؿ – بعد الشير الذي توفيت فيو خديجة – تزوج رسوؿ الله - - بسودة بنت زمعة – رضي الله عنيا – وكانت تحت ابف عميا : السكراف بف عمرو -  - وكانا مف السابقيف الأوليف إلى الإسلبـ. وقد ىاجرا إلى الحبشة ، ثـ رجعا إلى مكة ، فتوفي بيا السكراف بف عمرو ، فمما حمت تزوجيا النبي - -وبعد أعواـ وىبت نوبتيا لعائشة . أما زواجو بعائشة – رضي الله عنيا – فكاف أيضاً في شير شواؿ ولكف بعد سودة بسنة ، تزوجيا بمكة وىي بنت ست سنيف ، ودخؿ بيا في المدينة في شير شواؿ في سنة الأولى مف اليجرة وىي بنت تسع سنيف ، وكانت أحب أزواجو -  -إليو ، وأفقو نساء الأمة. ليا مناقب جمة وفضائؿ وافرة . الرسول -  - فً الطائف

عدد الصفحات ٩٣

وفي ىذه الظروؼ قصد رسوؿ ا -  -الطائؼ رجاء أف يستجيبوا لدعوتو ، أو وينصروه ، فخرج إلييا ماشياً عمى قدميو ، ومعو مولاه زيد بف حارثة ، وكاف كمما مر عمى قبيمة في الطريؽ دعاىـ إلى الإسلبـ حتى بمغ الطائؼ . ونزؿ عمى ثلبثة إخوة مف رؤساء ثقيؼ ، فدعاىـ إلى الإسلبـ وا لى نصرتو -  -عمى تبميغو ، فمـ يستجيبوا لو ، بؿ ردوا عميو أسوء رد ، فتركيـ وقصد الآخريف ، ودعاىـ إلى قبوؿ الإسلبـ ونصرتو ، ولـ يزؿ ينتقؿ مف رئيس إلى رئيس ، فمـ يترؾ أحداً مف أشرافيـ إلا وكممو ، وقضى في ذلؾ عشرة أياـ ، لكف لـ يجب لو أحد ، بؿ قالوا لو : اخرج مف بمدنا ، وأغروا بو صبيانيـ وسفياءىـ وعبيدىـ ، فمما تييأ وخرج وقفوا لو في صفيف ، وأخذوا يسبونو ويشتمونو ويرمونو بالحجارة حتى أدموا عقبيو وقدميو -  - وحتى اختضب نعلبه بالدـ. وكاف زيد بف الحارثة -  - يقيو بنفسو ، ويدافع عنو ، فأصابو شجاج في رأسو ، واستمرت ىذه السفاىة حتى وصؿ رسوؿ الله -  - إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة عمى بعد ثلبثة أمياؿ مف الطائؼ فدخؿ فيو ، فمما دخؿ فيو انصرفوا عنو . وجمس النبي -  - في الحائط تحت ظؿ حبمة مف عنب ، متعمداً إلى جدار ، وقد أثر في نفسو ما لاقاه ، فدعا بالدعاء المشيور : " الميـ إليؾ أشكو ضعؼ قوتي ، وقمة حيمتي ، وىواني عمى الناس . يا أرحـ الراحميف ، أنت رب المستضعفيف ، وأنت ربي ، إلى مف تكمني ؟ إلى بعيد يتجيمني . أـ إلى عدو ممكتو أمري . إف لـ يكف بؾ عمي غضب فلب أبالي ، ولكف عافيتؾ ىي أوسع لي . أعوذ بنور وجيؾ الذي أشرقت لو الظممات ، وصمح عميو أمر الدنيا والآخرة مف أف تنزؿ بي غضبؾ . أو يحؿ عمي سخطؾ ، لؾ العتبى حتى ترضى ، ولا حوؿ ولا قوة إلا بؾ " . ورآه ابنا ربيعة في ىذا الحاؿ فأخذتيما رقة . وأرسلب إليو بقطؼ مف عنب مع مولى ليـ نصراني اسمو عداس ، فمما مد النبي -  -يده ليتناولو قاؿ: بسـ الله " ثـ أكؿ . فقاؿ عداس ، ىذا الكلبـ ما يقولو أىؿ ىذه البلبد فقاؿ لو النبي -  ": - مف أي البلبد أنت ؟ وما دينؾ ؟" فقاؿ : نصراني ، مف أىؿ نينوي .

عدد الصفحات ٩٤

فقاؿ: " مف قرية الرجؿ الصالح يونس بف متى ؟ " فقاؿ : وما يدريؾ ما يونس بف متى ؟ فقاؿ النبي - ": -ذاؾ أخي كاف نبياً وأنا نبي". وقرأ عميو قصة يونس - عميو السلبـ – مف القرآف ، فأسمـ عداس عمى ما يقاؿ . ثـ خرج رسوؿ الله - -مف الحائط ، وتقدـ في طريقو إلى مكة ، وىو كئيب حزيف ميموـ ، حتى إذا بمغ قرف المنازؿ ، أظمتو سحابة فييا جبريؿ ومعو ممؾ الجباؿ ، فرفع - -رأسو ، فناداه جبريؿ ، قاؿ : أف الله بعث إليؾ ممؾ الجباؿ لتأمره بما شئت . ثـ سمـ ممؾ الجباؿ وقاؿ : يا محمد ! ذلؾ ، فما شئت ، إف شئت أطبقت عمييـ الأخشبيف – وىما جبلب مكة : أبو قبيس والذي يقابمو – فقاؿ - : - بؿ أرجو أف يخرج الله مف أصلببيـ مف يعبد الله وحده لا يشرؾ بو شيئاً. وأفاؽ رسوؿ الله - -مف ىمو بمجئ ىذا النصر ، وتقدـ في طريقو إلى مكة حتى نزؿ بنخمة ، وأقاـ بيا أياماً ، وأثناء إقامتو بيا صرؼ الله إليو نفراً مف الجف يستمعوف القرآف ، وىو يصمي بأصحابو صلبة الفجر ، فمما قضى ولوا إلى قوميـ منذريف ، وقد آمنوا بو ، ولـ يشعر بيـ رسوؿ الله - -حتى نزؿ بذلؾ القرآف : آيات مف سورة الأحقاؼ ، وآيات مف رسوؿ الجف . وبعد أياـ خرج رسوؿ الله - -مف نخمة يريد مكة ، وىو يرجو مف الله الفرج والمخرج ، ويخشى مف قريش الشر والبطش ، فأحب أف يحتاط لنفسو ، فمما دنا مف مكة مكث بحراء ، وبعث رجلبً إلى بف شريؽ ليجيره ، فأعتذر بأنو حميؼ ، والحميؼ لا يجير ، فأرسؿ إلى سييؿ بف عمرو ، فاعتذر بأنو مف بني عامر بف لؤي ، وىـ لا يجيروف عمى بني كعب بف لؤي ، فأرسؿ إلى المطعـ بف عدي ، وىو مف بني نوفؿ بف عبد مناؼ أخي ىاشـ بنـ عبد مناؼ جد النبي - -وعبد مناؼ أعز بطف في قريش ، فقاؿ المطعـ : نعـ . وتسمح ىو وبنوه ، ثـ أرسؿ إلى رسوؿ الله - - فجاء ودخؿ المسجد الحراـ ، وطاؼ بالبيت ، وصمى ركعتيف ، ثـ انصرؼ إلى بيتو ، والمطعـ بف عدي وأولاده محدقوف برسوؿ الله - -بالسلبح. وكاف المطعـ قد أعمف في قريش أنو أجار محمداً ، فقبموا ذلؾ منو .

عدد الصفحات ٩٥

جدال المشركٌن وطلبهم الآٌات وكاف مف جممة جداؿ المشركيف أنيـ كانوا يطمبوف مف رسوؿ الله - -الآيات تعجيزاً وعناداً ، وقد تكرر ذلؾ منيـ مراراً في أوقات مختمفة ، فمف ذلؾ أنيـ اجتمعوا مرة في المسجد الحراـ ، واستشاروا بينيـ ، ثـ أرسموا إلى النبي - -أف أشراؼ قومؾ قد اجتمعوا ليكمموؾ . وحيث إف النبي - -كاف حريصاً عمى رشدىـ غاية الحرص ، كما قاؿ ا- تعالى :  َمَ َملَّ َ بَا ِ ٌ لَّفْسَ َ َمَى َارِهِمْ ِن للَّمْ ُ ْمِ ُوا بِهَ َا الْحَ ِ ثِ أَسَفاً  [ 18-6] فقد جاءىـ سريعاً يرجو إسلبميـ ، فقالوا : إنؾ تخبرنا أف الرسؿ كانت ليـ آيات ، كانت لموسى عصا ، ولثمود الناقة ، وكاف عيسى يحيي الموتى ، فأتنا بآية كما أرسؿ الأولوف . وكانوا يظنوف أف مف خواص الرسؿ أنيـ يقدروف عمى إحداث مثؿ ىذه الخوارؽ والمعجزات متى شاءوا ، كما يقدر عامة الناس عمى أعماليـ الطبيعية . فاقترحوا عميو - -أف يجعؿ ليـ الصفا ذىباً ، أو يسير عنيـ الجباؿ ، ويبسط ليـ البلبد ، ويجري فييا الأنيار ، أو يبعث مف مضى مف آبائيـ حتى يشيدوا بأنو رسوؿ :  وَقَالُواْ لَن بُّ ْمِنَ لَ َ حَتلَّى تَفْ ُرَ لَ َا مِنَ ااَرْ ِ َ بُو اً {90} أَوْ تَكُونَ لَ َ َ لَّ ٌ مبِّن لَّ ِ ٍ وَ ِ َ ٍ َتُفَ بِّرَ ااَ ْهَارَ ِلالَهَا تَفْ ِ راً {91} أَوْ تُسْ ِ َ السلَّمَاي كَمَا نَ َمْتَ َمَ ْ َا كِسَفاً أَوْ تَ ْتِيَ بِالمّيِ والملا ك قَبِ لاً {92} أَوْ َكُونَ لَ َ بَ ْتٌ مبِّن نُ ْرُ ٍ أَوْ تَرْقَى ِي السلَّمَاي وَلَن بُّ ْمِنَ لِرُقِ بِّ َ حَتلَّى تُ َنبِّ َ َمَ ْ َا كِتَاباً لَّ ْرَ ُاُ  [ 17 :90-93 ] وقد أبدوا رغبتيـ في الإسلبـ إذا أتى النبي - -بما اقترحوه  وَأَقْسَمُواْ بِالمّيِ َهْ َ أَ ْمَا ِهِمْ لَ ِن َايتْهُمْ َ ٌ للَّ ُ ْمِ ُنلَّ بِهَا  [ 6:9-10] فدعا الله أف يرييـ ما طمبوه ، ورجا إسلبميـ ، فجاء جبريؿ وخيره بيف أف يرييـ الله ما طمبوه فمف كفر بعد ذلؾ منيـ عذبو عذاباً لا يعذبو أحداً مف العالميف ، وبيف أف يفتح ليـ باب التوبة

عدد الصفحات ٩٦

والرحمة ، فقاؿ : بؿ باب التوبة والرحمة ، فمما اختار النبي - -ىذا أنزؿ ا عميو جواب مقترحات المشركيف فقاؿ لو : قُ ْ سُبْحَانَ رَببِّي هَ ْ كُ تُ َلَلَّ بَشَراً رلَّسُولًَ  [ 17 :93 ] والمعنى قؿ لست أقدر عمى إحداث الخوارؽ والإتياف بالمعجزات ، لأف القدرة عمى ذلؾ أمر يختص بالله سبحانو وتعالى ، وىو منزه مف أف يكوف لو شريؾ في قدرتو ، وا نما أنا بشر ، كما أنكـ بشر ، فمست أقدر عميو كما أنكـ لا يقدروف عميو . وا نما الذي امتزت بو فيما بينكـ ىو أنني رسوؿ ، ويوحي إلي ، وأنتـ لستـ برسؿ ، وليس يوحى إليكـ ، فالذي طمبتموه مف الآيات ليس في يدي ولا تحت تصرفي ، وا نما ىو إلى الله – عز وجؿ – إف شاء أظيرىا لكـ ، ويؤيدني بيا عميكـ ، وا ف شاء أخرىا عنكـ ، وفي ذلؾ مصمحتكـ . وقد أكد الله ىذا المعنى في سورة الأنعاـ فقاؿ :  قُ ْ ِ لَّمَا اا َاتُ ِ َ المّيِ وَمَا ُشْ ِرُكُمْ أَ لَّهَا ِ َا َايتْ لََ ُ ْمِ ُونَ  [ 6:109] أي إف الأنبياء والرسؿ ليسوا بالذيف يأتوف بالخوارؽ والمعجزات ، وا نما الله – سبحانو وتعالى – ىو الذي يأتي بيا . وىو إنما يظيرىا عمى أيدي الأنبياء والمرسميف تكريماً ليـ ، وتأييداً وا ثباتاً نبوتيـ ورسالتيـ . ثـ بيف الله – سبحانو وتعالى – أنو لو أراىـ وأظير ليـ ما طمبوه مف الآيات لا يؤمنوف بو . مع كونيـ قد أقسموا بالله جيد أيمانيـ ليؤمنف بو ، فقاؿ : وَلَوْ أَ لَّ َا َنلَّلْ َا ِلَ ْهِمُ الْمَلآ ِكَ َ وَكَملَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْ َا َمَ ْهِمْ كُ لَّ شَيْيٍ قُبُلاً ملَّا كَا ُواْ لِ ُ ْمِ ُواْ ِلَلَّ أَن َشَايَ المّيُ وَلَـكِنلَّ أَكْ َرَهُمْ َ ْهَمُونَ  وقاؿ:  وَلَوْ أَنلَّ قُرْ اً سُ بِّرَتْ بِيِ الْ ِبَا ُ أَوْ قُ بِّ َتْ بِيِ ااَرْ ُ أَوْ كُمبِّمَ بِيِ الْمَوْتَى بَ لبِّمّيِ ااَمْرُ َمِ ا ًً  [ 13 :31 ] وفي ثنايا مثؿ ىذه الآيات أشار الله تعالى إلى سنة مف سننو ، وىي أف القوـ إذا طمبوا آية معينة ، ثـ لـ يؤمنوا بيا إذا جاءتيـ فإنيـ ييمكوف ولا يميموف . وسنة الله لا تتغير ولا تتبدؿ ، وقد عمـ الله أف معظـ قريش يؤمنوف فيما بعد . فمذلؾ لـ يأت ليـ بما اقترحوه مف الآيات الخاصة التي مضى ذكرىا قريباً . شق القمر :

عدد الصفحات ٩٧