المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

روضة الأنوار في سيرة النبي المختار

صفي الرحمن المباركفوري

صفحة ٥ من ١٨

اقتراح غرٌب من قرٌش ، ورد طرٌف من أبً طالب: ورأت قريش أف إنذارىـ لـ يجد نفعاً ، فالرسوؿ -  - ماض في عممو ، وأبو طالب قائـ بنصرتو . وىذا يعني أنو مستعد لفراقيـ وعداوتيـ ومنازلتيـ في نصرة ابف أخيو محمد -  فمبثوا ممياً يفكروف ويتشاوروف ، حتى وصموا إلى اقتراح غريب ، فقد جاءوا إلى أبي طالب ، ومعيـ عمارة بف الوليد سيد شبابيـ وأنيد فتى في قريش وأجممو ، فقالوا : يا أبا طالب خذ ىذا الفتى ، فمؾ عقمو ونصره ، واتخذه ولداً ، فيو لؾ ، وأسمـ إلينا أبف أخيؾ ىذا الذي خالؼ دينؾ وديف آبائؾ ، وفرؽ جماعة قومؾ ، وسفو أحلبميـ ، فنقتمو ، فإنما ىو رجؿ برجؿ . قاؿ أبو طالب : والله لبئس ما تسومونني ، أتعطوني ابنكـ أغذوه لكـ ، وأعطيكـ ابني تقتمونو ؟ ىذا والله مالا يكوف أبداً . اعتداءات على رسول الله -  -: ولما فشمت قريش ويئسوا ، ورأوا أف الإنذار والتحدي والمساومة لـ تجد نفعاً ، بدأوا بالاعتداءات عمى ذات الرسوؿ -  - وزادوا في تعذيب المسمميف والتنكيؿ بيـ . وحيث إف الرسوؿ -  - كاف معززاً محتشماً محترماً ، فقد تولى إيذاءه كبراء قريش ورؤساؤىـ ، ولـ يجترئ عمى ذلؾ أذنابيـ وعامتيـ .

عدد الصفحات ٦٦

وكاف النفر الذيف يؤذونو في بيتو أبا ليب ، والحكـ بف أبي العاص بف أمية ، وعقبة بف أبي معيط ، وعدي بف حمراء الثقفي ، وابف الأصداء اليذلي – وكانوا جيرانو -  - فكاف أحدىـ يطرح عميو رحـ الشاة وىو يصمي ، وكاف يطرحيا في برمتو إذا نصبت ، وكانوا إذا طرحوا عميو ذلؾ يخرج بو عمى العود فيقؼ بو عمى بابو ويقوؿ : يا بني عبد مناؼ ! أي جوار ىذا ؟! ثـ يمقيو في الطريؽ . وكاف أمية بف خمؼ إذا رآه ىمزه ولمزه . واليمز : الطعف والشتـ علبنية ، أو كسر العينيف والغمز بيما . والممز : العيب والإغراء . وكاف أخوه أبي بف خمؼ يتوعد النبي -  - يقوؿ: يا محمد إف عندي العود ، فرساً أعمفو كؿ يوـ فرقاً مف ذرة أقتمؾ عميو . حتى قاؿ لو رسوؿ الله -  : - بؿ أنا أقتمؾ إف شاء ا– وقد قتمو يوـ أحد – وجاء أبي بف خمؼ ىذا يوماً بعظـ باؿ رميـ ، ونفخو في وجو رسوؿ الله -  . - وجمس عقبة بف أبي معيط إلى النبي-  - وسمع منو ، فبمغ أبيا– وكاف صديقو – فعاتبو ، وطمب منو أف يتفؿ في وجو رسوؿ الله -  - ففعؿ. أما أبو ليب فقد عاداه وآذاه مف أوؿ يوـ ظيرت فيو الدعوة إلى الله . وكانت في عقد ابنيو عتبة وعتبية ابنتا رسوؿ الله -  - رقية وأـ كمثوـ ،

عدد الصفحات ٦٧

فقاؿ ليما: رأسي مف رأسكما حراـ إف لـ تطمقا بنتي محمد ، وقالت زوجتو أيضاً : طمقاىما فإنيما قد صبأتا ، فطمقاىما . وكانت زوجتو ىذه – وىي أـ جميؿ أروى بنت حرب – أيضاً عدوة لدودة لرسوؿ الله -  - ودعوتو ، فكانت تأتي بالأغصاف وفييا الشوؾ ، فتطرحيا في سبيؿ رسوؿ الله -  - بالميؿ ، حتى يعقر ىو وأصحابو. وسمعت بنزوؿ  تَبلَّتْ َ َا أَبِي لَهَ ٍ  - فجاءت وفي يدىا فير– أي مؿ الكؼ مف الحجارة – وىي تبحث عف رسوؿ الله -  - وىو جالس مع أبي بكر عند الكعبة فأخذ الله ببصرىا ، فمـ تكف ترى إلا أبا بكر ، فقالت : أيف صاحبؾ ؟ قد بمغني أنو ييجوني ، والله لو وجدتو لضربت بيذا الفير فاه ، أما الله أني لشاعرة ثـ قالت : مذمماً عصٌنا وأمره أبٌنا ودٌنه قلٌنا ثـ انصرفت ، فقاؿ أبو بكر : يا رسوؿ الله أما تراىا رأتؾ ، فقاؿ : ما رأتني لقد أخذ الله ببصرىا . وكاف مما تؤذي بو قريش أنيـ كانوا يسموف رسوؿ الله -  - مذمما بدؿ محمد ، يشتموف بذلؾ ويسبوف ، ولكف صرؼ الله ذلؾ عنو ، حيث إنيـ كانوا يشتموف مذمما وىو محمد وكاف الأخنس بف شريؽ الثقفي أيضاً يناؿ مف رسوؿ الله -  -

عدد الصفحات ٦٨

وأما أبو جيؿ فكأنو كاف قد تحمؿ عبء الصد عف سبيؿ ا. وقد كاف يؤذي النبي -  - بقولو ، وينياه عف الصلبة ، ويفخر ويختاؿ بما فعؿ ، حتى شدد عمى رسوؿ الله -  - وتوعده في يوـ رآه يصمي ، فانتيره رسوؿ الله -  - وأخذه بخناقو ، وىزه قاؿ : أَوْلَى لَ َ َ َوْلَى* ُملَّ أَوْلَى لَ َ َ َوْلَى  فقاؿ: أتوعدني يا محمد ! والله لا تستطيع أنت ولا ربؾ شيئاً . وا ني لأعز مف مشى بيف جبمييا . وقاؿ لرفقتو يوماً : يعفر محمد وجو بيف أيديكـ ، قالوا : نعـ . فقاؿ : واللبت والعزى لئف رأيتو لأطأف عمى رقبتو ، ولأعفرف وجيو . فأتى رسوؿ الله -  - وىو يصمي زعـ ليطأ رقبتو فما فجأىـ إلا وىو ينكص عمى عقبيو ، ويتقى بيديو ، فقالوا : مالؾ يا أبا الحكـ ؟ قاؿ : إف بيني وبينو خندقاً مف نار وىولاً وأجنحة ، فقاؿ رسوؿ الله -  : - لو دنا مني لا ختطفتو الملبئكة عضواًًَ عضوا . وحاز مثؿ ىذه الشقاوة عقبة بف أبي معيط ، فقد كاف رسوؿ الله -  - يصمي يوماً عند البيت ، وأبو جيؿ وأصحاب لو جموس ، إذ قاؿ بعضيـ لبعض : أيكـ يجئ بسلب جزور بني فلبف . فيضعو عمى ظير محمد إذا سجد . فانبعث أشقى القوـ عقبة بف أبي معيط ، فجاء بو وانتظر ، فمما سجد وضعو بيف كتفيو ، فجعموا يضحكوف ، ويحيؿ ( أي يميؿ ) بعضيـ عمى بعض ، وىو

عدد الصفحات ٦٩

ساجد لا يرفع رأسو ، حتى جاءتو فاطمة وطرحتو عف ظيره ، فرفع رأسو ، ثـ قاؿ :" الميـ عميؾ بقريش ". فشؽ ذلؾ عمييـ إذ دعا عمييـ ، وكانوا يروف أف الدعوة في ذلؾ البمد مستجابة ، ثـ سماىـ رجلبً رجلبً :" الميـ عميؾ بفلبف وفلبف ". وقد قتموا كميـ يوـ بدر . وكاف عظماء المستيزئيف برسوؿ الله -  - خمسة: الوليد بف المغيرة المخزومي ، والأسود بف عبد يغوث الزىري ، وأبو زمعة الأسود بف عبد المطمب الأسدي ، والحارث بف قيس الخزاعي ، والعاص بف وائؿ السيمي ، وقد أخبر الله رسولو -  - أنو سيكفي شرىـ فقاؿ : إ ِ لَّا كَفَ ْ َا َ الْمُسْتَهْنِ ِ نَ  ثـ أنزؿ عمى كؿ منيـ ما فيو عبرة وعظة . فأما الوليد فكاف قد أصابو قبؿ سنيف خدش مف سيـ ، ولـ يكف شيئاً ، فأشار جبريؿ إلى أثر ذلؾ الخدش فانتفض ، فمـ يزؿ يؤلمو ويؤذيو حتى مات بعد سنيف . وأما الأسود بف عبد يغوث فأشار جبريؿ إلى رأسو ، فخرج فيو قروح ، فمات منيا ، وقيؿ : أصابو سموـ ، قيؿ : أشار جبريؿ إلى بطنو ، فاستسقى بطنو ، وانتفخ ، حتى مات .

عدد الصفحات ٧٠

وأما الأسود بف عبد المطمب فمما تضايؽ رسوؿ ا -  - مف أذاه دعا عميو ، وقاؿ :" الميـ أعـ بصره ، وأثكمو ولده " فرماه جبريؿ بشوؾ في وجيو حتى ذىب بصره . رومي ولده زمعة حتى مات . وأما العاص بف وائؿ ، فجمس عمى شبرقة ، فدخمت شوكة ليا مف أخمص قدمو ، وجرى سميا إلى رأسو حتى مات . ىذه صورة مصغرة لما كاف يعانيو رسوؿ الله -  - والمسمموف مف قريش بعد إعلبف الدعوة والجير بيا . وقد اتخذ رسوؿ الله خطوتيف إزاء ىذا الموقؼ المتأزـ . دار الأرقم : ااولى : أنو جعؿ دار الأرقـ بف أبي الأرقـ المخزومي مركز الدعوة والعبادة ومقر التربية ، لأنيا كانت في أصؿ الصفا ، بعيدة عف أعيف الطغاة ، فكاف يجتمع فييا مع صاحبتو سراً ، فيتمو عمييـ آيات الله ، ويزكييـ ، ويعمميـ الكتاب والحكمة : وبيذا التدبير وقى أصحابة كثيراً مف الإحداث التي كاف يخشى وقوعيا لو اجتمع بيـ جيراً وعلبنية ، أما ىو -  - فكاف يدعو ا ويدعو إليو جيراً بيف ظيراني المشركيف ، لا يصرفو عف ذلؾ ظمـ ، ولا عدواف ، ولا سخرية ، ولا استيزاء ، وكاف ذلؾ مف حكمة الله حتى تبمغ ، ولئلب يقوؿ قائؿ يوـ القيامة : ما جاءنا مف بشير ولا نذير .

عدد الصفحات ٧١

الهجرة إلى الحبشة: الخطوة الثانية : أنو -  - أشار عمى المسمميف أف يياجروا إلى الحبشة ، بعد أف تأكد أف النجاشي ممؾ عادؿ لا يظمـ عنده أحد . وفي رجب سنة 5 مف النبوة ىاجر أوؿ دفعة مف المسمميف ، وكانوا اثني عشر رجلبً وأربع نسوة ، رئيسيـ عثماف بف عفاف الأموي -  - ومعو زوجو رقية بنت رسوؿ الله -  - وىما أوؿ بيت ىاجر في سبيؿ الله بعد إبراىيـ ولوط عمييما السلبـ . خرج ىؤلاء الصحابة سراً في ظلبـ الميؿ قاصديف ميناء شعيبة جنوب جدة ، وكاف مف قدر الله أنيـ وجدوا سفينتيف تجاريتيف فركبوىما حتى وصموا إلى الحبشة . أما قريش فمما عمموا بخروجيـ ىاجوا وغضبوا ، وأسرعوا في آثارىـ حتى يمقوا عمييـ القبض ، ويردوىـ إلى مكة ، ليواصموا التنكيؿ والتعذيب ، ويصرفوىـ عف ديف الله ، ولكف المسمميف فاتوىـ إلى البحر ، فرجعوا خائبيف بعدما وصموا إلى الساحؿ . موافقة المشركٌن للمسلمٌن وسجودهم فً سورة النجم : وفي رمضاف سنة خمس مف النبوة أي بعد اليجرة المسمميف بحوالي شيريف خرج رسوؿ الله -  - إلى المسجد الحراـ ، وحوؿ الكعبة جمع كبير مف

عدد الصفحات ٧٢

قريش ، فييـ ساداتيـ وكبراؤىـ ، وكانت قد نزلت عميو سورة النجـ ، فقاـ فييـ ، وأخذ يتموىا فجاءة ، وكاف أروع كلبـ سمعوه قط ، فاندىشوا لروعة ىذا الكلبـ ، وأخذ منيـ كؿ مأخذ ، فبقوا يستمعوف إليو مبيوتيف ساكتيف ، حتى إذا تلب في خواتـ السورة زواجر وقوارع طارت ليا القموب ، وتلب في الأخير  َاسْ ُ ُوا لِملَّيِ وَا ْبُ ُوا  . وخر ساجداً سجد الجميع ، ولـ يممكوا أنفسيـ. روى البخاري عف ابف مسعود -  - أف النبي-  - قرأ سورة النجـ ، فسجد بيا ، فما بقي أحد مف القوـ إلا سجد ، فأخذ رجؿ مف القوـ كفا مف حصى أو تراب ، فرفعو إلى وجيو ، قاؿ : يكفيني ىذا . فمقد رأيتو بعد قتؿ كافراً – وىو أمية بف خمؼ قتؿ يوـ بدر - . عودة المهاجرٌن إلى مكة : وصؿ ىذا الخبر إلى الحبشة ، ولكف في صورة تختمؼ عف الواقع ، فقد بمغيـ أف قريشاً أسمموا ، فرجعوا فرحيف مستبشريف إلى مكة ، فمما كانوا دوف مكة ساعة مف نيار عرفوا جمية الأمر ، فمنيـ مف رجع إلى الحبشة ، ومنيـ مف دخؿ مكة سراً أو في جوار أحد مف قريش . الهجرة الثانٌة إلى الحبشة : واشتد البلبء والعذاب عمى المسمميف مف قريش ندماً عمى ما فرط منيـ مف السجود مع المسمميف ، وانتقاماً لما بمغيـ عف النجاشي مف حسف جواره

عدد الصفحات ٧٣

لممياجريف ، ونظراً إلى ىذه الظروؼ القاسية أشار رسوؿ ا-  - عمى أصحابو باليجرة إلى الحبشة مرة أخرى . فياجر اثناف أو ثلبثة وثمانوف رجلبً وثماف عشرة امرأة ، وكانت ىذه اليجرة الثانية أشؽ مف الأولى ، لأف قريشاً كانوا متيقظيف يتابعوف حركات المسمميف ، إلا أف المسمميف كانوا أكثر منيـ تيقظاً ، وأحسف منيـ حكمة ، وأحكـ منيـ خطوة ، فقد فاتوىـ إلى الحبشة رغـ كؿ الجيود . مكٌدة قرٌش بمهاجري الحبشة : شؽ عمى المشركوف أف أفمت منيـ المسمموف ، ووصموا إلى مأمف يأمنوف فيو عمى أنفسيـ وا يمانيـ ، فأرسموا رجميف مف دىاتيـ ليسترداىـ إلى مكة ، وىما : عمرو بف العاص ، وعبد الله بف ربيعة ، وكانا إذ ذاؾ عمى الشرؾ . ونزؿ الرجلبف بالحبشة تحت خطة مدبرة ، فاتصلب أولاً بالبطارقة ، وساقا إلييـ اليدايا ، وذكرا ليـ اليدؼ ، ولقناىـ الحجة ، حتى وافقوىما ، ثـ حضرا إلى النجاشي ، فقدما إليو اليدايا ، ثـ كمماه ، فقالا : أييا الممؾ :إنو قد ضوى إلى بمدؾ غمماف سفياء فارقوا دينيـ ، ولـ يدخموا في دينؾ ، وجاءوا بديف ابتدعوه ، لا نعرفو نحف ولا أنت ، وقد بعثنا إليؾ فييـ أشراؼ قوميـ مف آبائيـ وأعماميـ وعشائرىـ لتردىـ إلييـ ، فيـ أعمى بيـ عيناً ، وأعمـ بما عابوا عمييـ ، وعاتبوىـ فيو

عدد الصفحات ٧٤

وأيدىما البطارقة فيما قالاه حسب الخطة . ولكف النجاشي احتاط في الأمر . ورأى أف يسمع القضية مف الطرفيف حتى يتضح لو الحؽ . فدعا المسمميف ، وسأليـ : ما ىذا الديف الذي فارقتـ فيو قومكـ ، ولـ تدخموا بو في ديني ولا ديف أحد مف ىذه الممؿ ؟ فتكمـ جعفر بف أبي طالب عف المسمميف ، وقاؿ : أييا الممؾ : كنا قوماً أىؿ جاىمية ، نعبد الأصناـ ، ونأكؿ الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحاـ ، ونسئ الجوار ، ويأكؿ منا قوي الضعيؼ ، فكنا عمى ذلؾ حتى بعث الله إلينا رسولاً منا ، نعرؼ نسبو ، وصدقو ، وأمانتو ، وعفافو . فدعانا إلى الله لنوحده ، ونعبده ، ونخمع ما كنا نعبد وآباؤنا مف دونو مف الحجارة والأوثاف : وأمرنا بصدؽ لحديث ، وأداء الأمانة ، وصمة الرحـ ، وحسف الجوار ، والكؼ عف المحارـ والدماء ، ونيانا عف الفواحش ، وقوؿ الزور ، وأكؿ ماؿ اليتيـ ، وقذؼ المحصنات ، وأمرنا أف نعبد الله وحده ، لا نشرؾ بو شيئاً ، وأمرنا بالصلبة والزكاة والصياـ – فعدد عميو أمور الإسلبـ – فصدقناه وآمنا بو ، واتبعناه عمى ما جاء بو ديف الله ، فعبدنا الله وحده ، فمـ نشرؾ بو شيئاً ، وحرمنا ما حرـ الله عمينا ، وأحممنا ما أحؿ لنا . فعدا عمينا قومنا ، فعذبونا ، وفتنونا عف ديننا ، ليردونا إلى عبادة الأوثاف عف عبادة الله تعالى ، وأف نستحؿ ما كنا نستحؿ مف الخبائث ، فمما قيرونا ، وظممونا ، وضيقوا عمينا ، وحالوا بيننا وبيف ديننا ،

عدد الصفحات ٧٥

خرجنا إلى بلبدؾ ، واخترناؾ عمى مف سواؾ ، ورغبنا في جوارؾ ، ورجونا أف لا نظمـ عندؾ ، أييا الممؾ ! فمما سمع النجاشي ىذا ، الطمب مف جعفر قراءة شئ مف القرآف ، فقرأ عميو صدراً مف كيعيص – سورة مريـ – فبكى النجاشي حتى اخضمت – أي ابتمت – لحيتو ، وبكى الأساقفة حتى أخضموا – أي بموا – مصاحفيـ ، ثـ قاؿ النجاشي : إف ىذا والذي جاء بو عيسى ليخرج مف مشكاة واحدة . ثـ خاطب مندوبي قريش وقاؿ : انطمقا فلب والله لا أسمميـ إليكما ، ولا يُكادوف ، فخرجا . وفي اليوـ الثاني احتاؿ عمرو بف العاص حمية أخرى ، فقاؿ لمنجاشي : إنيـ – أي المسمميف – يقولوف في عيسى ابف مريـ قولاً عظيماً . فدعاىـ النجاشي وسأليـ عف ذلؾ ، فقاؿ جعفر : نقوؿ فيو الذي جاءنا بو النبي -  : - ىو عبدالله ورسولو ، وروحو ، وكممتو ، ألقاىا إلى مريـ العذراء البتوؿ . فأخذ النجاشي عوداً مف الأرض ، ثـ قاؿ : والله ماعدا – أي ما جاوز – عيسى ابف مريـ ما قمت ىذا العود . اذىبوا فأنتـ شيوـ – أي آمنوف – بأرضي ، مف سبكـ غرـ ، مف سبكـ غرـ ، مف سبكـ غرـ . ما أحب أف لي دبراً – أي جبلبً – مف ذىب ، وأني آذيت رجلبً منكـ .

عدد الصفحات ٧٦

ثـ أمر برد اليدايا عمى مندوبي قريش فخرجا مقبوحيف ، وأقاـ المسمموف بخير دار مع خير جار . حٌرة المشركٌن : لما منى المشركوف بالخيبة والفشؿ في استرداد المسمميف مف الحبشة استشاطوا غضباً ، وكادوا يتميزوف غيظاً ، وينقضوف عمى بقية المسمميف بطشاً ، ولا سيما وقد كانوا يروف أف النبي -  -ماض في دعوتو ، ولكنيـ رأوا أف أبا طالب قائـ بنصرتو رغـ التيديد والوعيد الشديد ، فاحتاروا في أمرىـ ، ولـ يدروا ماذا يفعموف ؟ فربما غمبت عمييـ الضراوة ، فعادوا إلى التعذيب والتنكيؿ بالنبي -  - وبمف بقي معو مف المسمميف ، وربما فتحوا باب النقاش والجداؿ ، وربما عرضوا الرغائب والمغريات ، وربما حاولوا المساومة والمقاء في منتصؼ الطريؽ ، وربما فكروا في قتؿ النبي -  - والقضاء عمى دعوة الإسلبـ . إلا أف شيئاً مف ذلؾ لـ يجد ليـ نفعاً ، ولـ يوصميـ إلى المراد ، بؿ كانت نتيجة جيودىـ الخيبة والخسراف ، وفيما يمي نقدـ صورة مصغرة لكؿ مف ذلؾ . التعذٌب ومحاولة القتل :

عدد الصفحات ٧٧

كاف مف الطبيعي أف يعود المشركوف إلى ضراوتيـ بعد الفشؿ ، وفعلبً عادوا إلى الشدة والبطش بالبقية الباقية مف المسمميف ، بؿ مدوا أيدييـ إلى رسوؿ الله -  - فمف ذلؾ أف عتيبة بف أبي ليب أتى النبي-  - وقاؿ: ىو يكفر بالذي  ُملَّ َ َا َتَ َللَّى{8} َكَانَ قَا َ قَوْسَ ْنِ أَوْ أَ ْ َى  ثـ تسمط عميو بالأذى ، وشؽ قميصو ، وتفؿ في وجيو -  - إلا أف البزاؽ رجع عمى عتيبة فقاؿ رسوؿ الله -  : - الميـ أرسؿ كمباً مف كلببؾ ، فخرج عتيبة في ركب إلى الشاـ ، فمما نزلوا في الطريؽ طاؼ بيـ الأسد ، فقاؿ : ىو آكمي الله ، كـ دعى محمد عمي ، قتمني وىو بمكة وأنا بالشاـ ، فمما ناموا جعموه في وسطيـ ، ولكف جاء الأسد وأخذه برأسو مف بيف الإبؿ والناس ، وقتمو . ومف ذلؾ أف عقبة بف أبي معيط وطئ برجمو عمى رقبة النبي -  - وىو ساجد حتى كادت عيناه تبرزاف . ويؤخذ في سياؽ الحوادث أف المشركيف بعد فشميـ في شتى محاولاتيـ لكؼ الدعوة أخذوا يفكروف بجد في قتؿ النبي -  - ولو أدى ذلؾ إلى سفؾ الدماء. ومما يدؿ عمى ذلؾ أف أبا جيؿ قاؿ يوما لقريش : أف محمداً قد أبى إلا ما تروف مف عيب ديننا ، وشتـ آبائنا ، وتسفيو أحلبمنا ، وشتـ آليتنا ، وا ني أعاىد الله لأجمسف لو بحجر ما أطيؽ حممو ، فإذا سجد في صلبتو فضخت بو رأسو ،

عدد الصفحات ٧٨

فأسمموني عند ذلؾ أو امنعوني ، فميصنع بعد ذلؾ بنو عبد مناؼ ما بدا ليـ ، قالوا : والله لا نسممؾ لشي أبداً ، فامض لما تريد . فمما أصبح أبو جيؿ أخذ حجراً كما وصؼ ، وجاء رسوؿ الله -  - فقاـ يصمي ، وغدت قريش في أنديتيـ ينتظروف ما يفعمو أبو جيؿ ، وأقبؿ أبو جيؿ حتى دنا ، ثـ رجع منيزماً ، منتقعاً لونو ، مرعوباً ، قد يبست يداه عمى حجره ، حتى قذفو مف يده . فقالت لو قريش : مالؾ يا أبا الحكـ ؟ قاؿ : قمت لأفعؿ ما قمت البارحة ، فعرض لي فحؿ مف الإبؿ ما رأيت مثؿ ىامتو وقصرتو وأنيابو لفحؿ قط ، فيـ بي أف يأكمني . قاؿ رسوؿ الله -  ": - ذاؾ جبريؿ لو دنا لأخذه " . ثـ حدث ما ىو أشد مف ذلؾ وأنكى ، وذلؾ أف قريشاً اجتمعوا يوماً في الحطيـ ، وتكمموا في رسوؿ الله -  - فبينا ىـ كذلؾ إذ طمع عمييـ رسوؿ ا -  - وبدأ يطوؼ بالبيت ، فمما مر بيـ غمزوه ، فعرؼ ذلؾ وجيو ، ثـ مر بيـ الثانية ، فغمزوه بمثميا ، فعرؼ ذلؾ في وجيو ، ثـ مر بيـ الثالثة ، فغمزوه بمثميا ، فوقؼ ، ثـ قاؿ : أتسمعوف يا معشر قريش : أما والذي نفسي بيده لقد جئتكـ بالذبح ، فأخذت القوـ كممتو ، كأف عمى رؤوسيـ طائراً وقع ، حتى إف أشدىـ فيو ليرفؤه بأحسف ما يجد .

عدد الصفحات ٧٩

فمما كاف الغد اجتمعوا كذلؾ يذكروف أمره ، إذ طمع عمييـ ، فوثبوا إليو وثبة رجؿ واحد ، فأخذوا بمجامع ردائو ، وقالوا : أنت الذي تنيانا عما كاف يعبد آباءنا ؟ قاؿ : أنا ذاؾ ، فانقضوا عميو ، ىذا يحثو ، وىذا يبمبمو ، وأقبؿ عقبة بف أبي معيط فموي ثوبو في عنقو ، فخنقو خنقاً شديداً ، وأتى الصريخ إلى أبي بكر : أدرؾ صاحبؾ ، فجاء وأخذ بمكنبي عقبة ودفعة عف النبي -  - وأخذ يضرب ىذا ، ويجاىد ىذا ، وىو يقوؿ : ويمكـ أتقتموف رجلبً أف يقوؿ ربي الله ، فانصرفوا عف رسوؿ الله -  - إلى أبي بكر ، وضربوه ضرباً لا يعرؼ وجيو مف أنفو ، وكانت لو أربع غدائر فما يمسوف منيا شيئاً إلا رجع ، فحممتو بنو تيـ في ثوب وأدخموه منزلو ، ولا يشكوف في موتو ، فتكمـ آخر النيار ، فسأؿ عف رسوؿ الله -  - فلبموه ، وخرجوا مف عنده ، وعرض عميو الطعاـ والشراب فأبى أف يأكؿ أو يشرب حتى يرى رسوؿ الله -  - فمما ىدأ الميؿ وسكف الناس أوصموه إلى رسوؿ الله -  -وىو في دار الأرقـ ، فمما وجده بخير ساغ لو الطعاـ والشراب . وقد خرج أبوبكر -  - يريد اليجرة إلى الحبشة بعدما اشتد عميو الأذى تضايقت عميو سبؿ الحياة ، ولما بمغ برؾ الغماد لكيو مالؾ بف الدغنة سيد القارة والأحابيش [1] فسألو عف قصده ، فأخبره ، فقاؿ : مثمؾ يا أبا بكر لا يخرج ، إنؾ تكسب المعدوـ ، وتصؿ الرحـ ، وتحمؿ الكؿ ، وتقري [1] انقارة: اسى قبٍهت ػظًٍت ، ًالأحابٍش يجًٌػت قبائم تحانفٌا ػند جبم حبشً فسًٌا بذنك .

عدد الصفحات ٨٠

الضيؼ ، وتعيف عمى نوائب الحؽ ، فأنا لؾ جار ، فارجع واعبد ربؾ ببمدؾ ، ثـ رجعا إلى مكة ، وأعمف ابف الدغنة في قريش عف جواره لأبي بكر ، فمـ ينكروا عميو ، ولكف قالوا لو : مر أبا بكر فميعبد ربو في داره ولا يستعمف ، فإنا نخشى أف يفتف نساءنا وأبناءنا وضعفتنا ، فمبث أبو بكر بذلؾ فترة ، ثـ بنى مسجداً بفناء داره ، واستعمف بصلبتو وقراءتو ، فذكره ابف الدغنة بجواره . فرد عميو أبو بكر جواره ، وقاؿ : أرضى بجوار الله . وكاف رجلبً بكاء لا يممؾ عينيو إذا قرأ القرآف ، فينقذؼ عميو نساء المشركيف وأبناؤىـ ، وىـ يعجبوف منو ، وينظروف إليو ، فكاف المشركوف يؤذونو لأجؿ ذلؾ . وأثناء ىذه الظروؼ القاسية التي كاف يمر بيا رسوؿ الله -  - والمسمموف حدث ما أفضى إلى إسلبـ بطميف جميميف مف أبطاؿ قريش طالما استراح المسمموف تحت ظؿ قوتيما ، وىما : حمزة بف عبد المطمب عـ الرسوؿ الله -  - وعمر بف الخطاب رضي الله عنيما إسلام حمزة رضً الله عنه : أما إسلبـ حمزة فسببو أف أبا جيؿ مر يوماً برسوؿ الله -  - وىو عند الصفا ، فناؿ منو وآذاه ، ويقاؿ إنو ضرب بحجر في رأسو -  - فشجو ، ونزؼ منو الدـ ، ثـ انصرؼ إلى نادي قريش عند الكعبة ، وجمس معيـ ، وكانت مولاة لعبد الله بف جدعاف تنظر ما حدث مف مسكف ليا عمى الصفا ،

عدد الصفحات ٨١