شئ ، وىو الرازؽ الذي يرزؽ الناس والدواب والأنعاـ ، ويرزؽ كؿ حي ، وىو المدبر الذي يدبر الأمر مف السماء إلى الأرض ، ويدبر أمر كؿ صغير وكبير حتى الذرة والنممة ، وىو رب السماوات والأرض وما بينيما ورب العرش العظيـ ، ورب كؿ شئ ، سخر الشمس والقمر والنجوـ والجباؿ والشجر والدواب والجف والإنس والملبئكة ، كؿ لو خاضعوف ، يجبر مف يشاء عمى مف يشاء ولا يجار عميو أبداً ، يحيي ويميت ، ويفعؿ ما يشاء ويحكـ ما يريد ، ولا معقب لحكمو ، ولا راد لقضائو . وىـ بعد ىذا الإقرار الصريح لتوحيد الله – سبحانو وتعالى – في ذاتو وصفاتو وأفعالو كانوا يقولوف : إف الله تعالى أعطى بعض عبادة المقربيف – كالأنبياء والمرسميف والأولياء والصالحيف – شيئاً مف التصرؼ في بعض أمور الكوف ، فيـ يتصرفوف فيو بإذنو مثؿ : ىبة الأولاد ، ودفع الكربات ، وقضاء الحوائج ، وشفاء المرضى ، وأمثاؿ ذلؾ . وأف الله إنما أعطاىـ ذلؾ لقربيـ مف الله ، ولجاىيـ عند الله . فيـ لأجؿ أف الله منحيـ ىذا التصرؼ وىذا الخيار يقضوف بعض حاجات العباد عف طريؽ الغيب ، فيكشفوف عنيـ بعض الكربات ، ويدفعوف بعض البميات ، ويقربوف إلى الله مف يرضوف بو ، ويشفعوف لو عنده . والمشركوف عمى أساس زعميـ ىذا جعموا ىؤلاء الأنبياء والأولياء والصالحيف وسيمة فيما بينيـ وبيف الله ، واخترعوا أعمالاً يتقربوف بيا إلييـ ، ويبتغوف بيا رضاىـ
عدد الصفحات ٥٠، فكانوا يأتوف بتمؾ الأعماؿ ثـ يتضرعوف إلييـ ، ويدعونيـ لقضاء حوائجيـ ، ويستغيثوف بيـ في شدائدىـ ، ويستعيذوف بيـ في مخاوفيـ . أما ألأعماؿ التي اخترعوىا لمتقرب إلييـ فيي أنيـ خصصوا ليؤلاء الأنبياء أو الأولياء والصالحيف أماكف ، وبنوا ليـ فييا البيوت ، ووضعوا فييا تماثيميـ التي نحتوىا طبؽ صورىـ الحقيقية أو الخيالية ، وربما وجدوا قبور بعض الأولياء والصالحيف حسب زعميـ ، فبنوا عمييا البيوت دوف أف ينحتوا ليـ التماثيؿ ، ثـ كانوا يقصدوف ىذه التماثيؿ وتمؾ القبور ، فكانوا يمسحونيا ويتبركوف بيا ، ويطوفوف حوليا ، ويقوموف ليا بالإجلبؿ والتعظيـ ، ويقدموف إلييا النذور والقرابيف ، ليتقربوا بيا إلييـ ، ويبتغوا بيا مف فضميـ ، وكانوا ينذروف ليـ مما كاف يرزقيـ الله مف الحرث والزرع والطعاـ والشراب والدواب والأنعاـ والذىب والفضة والمتعة والأمواؿ . فأما الحرث والزرع والطعاـ والشراب والذىب والفضة والأمتعة والأمواؿ فكانوا يقدمونيا إلى أماكف وقبور ىؤلاء الصالحيف ، أو إلى تماثيميـ ، بواسطة سدنة وحجاب كانوا يجاوروف تمؾ القبور والبيوت ، ولـ يكف يقدـ إلييا شئ إلا بواسطتيـ في معظـ الأحواؿ . وأما الدواب والأنعاـ فكاف ليـ فييا طرؽ . فربما كانوا يسيبونيا باسـ ىؤلاء الأولياء والصالحيف ، مف أصحاب القبور أو التماثيؿ ، تقرباً إلييـ وا رضاءً ليـ ، فكانوا يقدسوف ىذه الدواب ، ولا يتعرضوف ليا بسوء أبداً ، ترتع ما شاءت ، وتتجوؿ
عدد الصفحات ٥١أيف شاءت. وربما كانوا يذبحونيا عمى أنصاب ىؤلاء الأولياء – أي عمى قبورىـ وأماكنيـ المخصصة ليـ – وربما كانوا يذبحونيا في أي مكاف آخر ، ولكف كانوا يذكروف أسماءىـ بدؿ اسـ الله – سبحانو وتعالى – . وكاف مف جممة أعماليـ أنيـ كانوا يحتفموف بيؤلاء الأولياء والصالحيف مرة أو مرتيف في السنة ، فكانوا يقصدوف قبورىـ وأماكنيـ مف كؿ جانب ، فيجتمعوف عندىا في أياـ خاصة ، ويقيموف ليا أعياداً ، يفعموف فييا كؿ ما تقدـ مف التبرؾ والمسح والطواؼ وتقديـ النذور والقرابيف وغير ذلؾ ، وكاف كالموسـ يحضره الداني والقاصي ، والشريؼ والوضيع ، حتى يقدـ كؿ أحد نذره ، ويناؿ بغيتو . كاف المشركوف يفعموف كؿ ذلؾ بيؤلاء الأولياء والصالحيف تقرباً إلييـ وا رضاءً ليـ ، ليجعموىـ وسطاء بينيـ وبيف الله ، وليتوسموا بيـ إلى الله ، معتقديف إنيـ يقربونيـ إلى الله زلفى ، ويشفعوف ليـ عند الله ، ثـ كانوا يدعونيـ لقضاء حوائجيـ ودفع كرباتيـ ، معتقديف أنيـ يسمعوف لما قالوا ، ويستجيبوف لما دعوا وطمب منيـ ، فيقضوف حوائجيـ ، ويكشفوف كرباتيـ ، إما بأنفسيـ ، وا ما بشفاعتيـ لذلؾ عند الله . فكاف ىذا ىو شركيـ بالله ، وعبادتيـ لغير الله ، واتخاذىـ آلية مف دوف الله ، وجعميـ شركاء لله ، وكاف ىؤلاء الأولياء والصالحوف وأمثاليـ ىـ آلية المشركيف . فمما قاـ النبي - - بالدعوة إلى التوحيد الله ، وخمع كؿ ما اتخذوه إلياً مف دوف الله ، شؽ ذلؾ عمى المشركيف ، وأعظموه ، وأنكروه ، وقالوا : إنيا مؤامرة أريد
عدد الصفحات ٥٢بيا غير ما يقاؿ ، وقالوا: أَ َ َ َ ااْلِهَ َ ِلَهاً وَاحِ اً ِنلَّ هَ َا لَشَيْيٌ ُ َا ٌ {5} وَا َمَ َ الْمَلََُ مِ ْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا َمَى لِهَتِكُمْ ِنلَّ هَ َا لَشَيْيٌ ُرَا ُ {6} مَا سَمِ ْ َا بِهَ َا ِي الْمِملَّ ِ ااْ ِرَةِ ِنْ هَ َا ِلَلَّ ا ْتِلاَ ٌ . ثـ لما تقدمت الدعوة وقرر المشركوف الدفاع عف شركيـ ، والدخوؿ في النقاش والجداؿ ومناظرة المسمميف ليكفوا بذلؾ الدعوة إلى الله ، ويبطموا أثرىا في المسمميف ، أقيمت عمييـ الحجة مف عدة جوانب ، فقيؿ ليـ : مف أيف عممتـ أف الله تعالى أعطى عباده المقربيف التصرؼ في الكوف ، وأنيـ يقدروف عمى ما تزعموف مف قضاء الحوائج وكشؼ الكربات ؟ ىؿ اطمعتـ عمى الغيب ؟ أو وجدتـ ذلؾ في الكتاب ورثتموه مف الأنبياء أو أىؿ العمـ ؟ قاؿ – تعالى – : أَمْ ِ َهُمُ الْ َ ْ ُ َهُمْ َكْتُبُونَ [ الطور: 41 القمـ: 47 ] وقاؿ: اِ ْتُو ِي بِكِتَا ٍ مبِّن قَبْ ِ هَ َا أَوْ أَ َارَةٍ مبِّنْ ِمْمٍ ِن كُ تُمْ صَا ِقِ نَ [ الأحقاؼ4 ] وقاؿ: قُ ْ هَ ْ ِ َكُم مبِّنْ ِمْمٍ َتُ ْرِ ُواُ لَ َا ِن تَتلَّبِ ُونَ ِلَلَّ الظلَّنلَّ وَا ِنْ أَ تُمْ َ تَ ْرُصُونَ [ الأنعاـ:148 ] وكاف مف الطبيعي أف يعترؼ المشركوف بأنيـ لـ يطمعوا عمى الغيب ، و وجدوا ذلؾ في كتاب مف كتب الأنبياء ، ولا أخذوه مف أىؿ العمـ ، فقالوا : بَ ْ
عدد الصفحات ٥٣َتلَّبِ ُ مَا وَ َ ْ َا َمَ ْيِ بَاي َا [ لقماف: 21] و ِ لَّا وَ َ ْ َا بَاي َا َمَى أُملَّ ٍ وَا ِ لَّا َمَى َارِهِم مبُّهْتَ ُونَ [ الزخرؼ :22 ] وبيذا الجواب تبيف عجزىـ وجيميـ معا ، فقيؿ ليـ : إف الله يعمـ وأنتـ لا تعمموف ، فاسمعوا منو – سبحانو وتعالى – ما يقولو ويخبر بو عف حقيقة شركائكـ ىؤلاء يقوؿ – تعالى - : ِنلَّ اللَّ ِ نَ تَ ْ ُونَ مِن ُونِ المّيِ ِبَا ٌ أَمْ َالُكُمْ [ الأعراؼ : 194] أي إنيـ لا يقدروف عمى شئ مما يختص با– سبحانو وتعالى – كما أنكـ لا تقدروف عميو ، فأنتـ وىـ سواء في العجز وعدـ القدرة ، ولذلؾ تحداىـ بقولو : َا ْ ُوهُمْ َمْ َسْتَ ِ بُواْ لَكُمْ ِن كُ تُمْ صَا ِقِ نَ [ الأعراؼ : 194 ] وقاؿ– تعالى - : وَاللَّ ِ نَ تَ ْ ُونَ مِن ُو ِيِ مَا َمْمِكُونَ مِن قِ ْمِ رٍ أي بقدر ما يكوف مف القشرة الرقيقة فوؽ النواة ِن تَ ْ ُوهُمْ لََ َسْمَ ُوا ُ َايكُمْ وَلَوْ سَمِ ُوا مَا اسْتَ َابُوا لَكُمْ وَ َوْمَ الْ ِ َامَ ِ َكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلََ ُ َببِّ ُ َ مِ ْ ُ َبِ رٍ [ فاطر: 14] وقاؿ- تعالى : وَاللَّ ِ نَ َ ْ ُونَ مِن ُونِ المّيِ لََ َ ْمُ ُونَ شَ ْ اً وَهُمْ ُ ْمَ ُونَ {20} أَمْواتٌ َ ْرُ أَحْ َاي وَمَا َشْ ُرُونَ أَ لَّانَ ُبْ َ ُونَ [ النحؿ21] وقاؿ– تعالى - أَ ُشْرِكُونَ مَا لََ َ ْمُ ُ شَ ْ اً وَهُمْ ُ ْمَ ُونَ {191} وَلََ َسْتَ ِ ُونَ لَهُمْ َصْراً وَلََ أَ فُسَهُمْ َ صُرُونَ [ الأعراؼ
عدد الصفحات ٥٤192] وقاؿ: وَاتلَّ َ ُوا مِن ُو ِيِ لِهَ ً لَلَّ َ ْمُ ُونَ شَ ْ اً وَهُمْ ُ ْمَ ُونَ وَلََ َمْمِكُونَ اَِ فُسِهِمْ ضَرّاً وَلََ َفْ اً وَلََ َمْمِكُونَ مَوْتاً وَلََ حَ َاةً وَلََ ُشُوراً [ الفرقاف :3 ] ثـ رتب عمى عجز ىؤلاء الآلية ، وعدـ قدرتيـ عمى ما كانوا يزعموف ، وأف دعاءىـ والرجاء منيـ لغو وباطؿ لا فائدة فيو إطلبقاً ، وذكر لذلؾ بعض الأمثمة الرائعة ، وذلؾ مثلبً قاؿ – تعالى - : وَاللَّ ِ نَ َ ْ ُونَ مِن ُو ِيِ لََ َسْتَ ِ بُونَ لَهُم بِشَيْيٍ ِلَلَّ كَبَاسِ ِ كَفلَّ ْيِ ِلَى الْمَاي لِ َبْمُغَ َااُ وَمَا هُوَ بِبَالِ ِيِ وَمَا ُ َاي الْكَا ِرِ نَ ِلَلَّ ِي ضَلاَ ٍ [ الرعد : 14 ] ثـ دعى المشركيف إلى قميؿ مف التفكير ، وحيث إنيـ كانوا يعترفوف بأف ا – تعالى – ىو خالؽ كؿ شئ ، وأف آليتيـ لـ يخمقوا شيئاً ، ولا يستطيعوف أف يخمقوا شيئاً ، بؿ ىـ أنفسيـ مخموقوف لله ، فقيؿ ليـ : فكيؼ سويتـ بيف الله الخالؽ القادر وبيف ىؤلاء المخموقيف العجزة ؟ كيؼ سويتـ بينيما في العبادة والدعاء ؟ فإنكـ تعبدوف الله وتعبدوف ىؤلاء ، وتدعوف الله وتدعوف ىؤلاء أَ َمَن َ ْمُ ُ كَمَن لَلَّ َ ْمُ ُ أَ َلا تَ َكلَّرُونَ . فمما وجو إلييـ ىذا السؤاؿ بيتوا ، وذىبت عنيـ حجتيـ ، فسكتوا وندموا ، ثـ تشبثوا بأمر باطؿ ، قالوا : إف آباءنا كانوا مف أعقؿ البشر ، معروفيف بذلؾ فيما بيف الناس ، قد اعترؼ بفضؿ عقوليـ الداني والقاصي ، وىـ كميـ كانوا عمى ىذا الديف
عدد الصفحات ٥٥، فكيؼ يمكف أف يكوف ىذا الديف ضلبلاً وباطلبً ؟ ولا سيما وآباء النبي- - وآباء المسمميف أيضاً كانوا عمى ىذا الديف. فرد عمييـ بأنيـ كانوا ميتديف ، ولـ يعرفوا سبيؿ الحؽ ، ولا سمكوه ويستمزـ ىذا أنيـ كانوا ضاليف ، لا يعقموف شيئاً ولا ييتدوف ، وقد قيؿ ليـ بذلؾ أحياناً بالإشارة والكناية ، وأحيانا بالصراحة الكاممة ، مثؿ قولو – تعالى - ِ لَّهُمْ أَلْفَوْا بَايهُمْ ضَالبِّ نَ {69} َهُمْ َمَى َارِهِمْ ُهْرَ ُونَ [ الصافات: 69،70 ] ىذه مف جية ، ومف جية أخرى أخذ المشركوف يخوفوف النبي - - والمسمميف مف آليتيـ ، يقولوف: إنكـ أسأتـ الأدب إلى آليتنا ببياف عجزىـ ، فيـ سوؼ يغضبوف عميكـ ، فتيمككـ أبو تخبطكـ لأجؿ ذلؾ ، وىذا كما كاف الأولوف يقولوف لرسميـ : ِن لَّ ُو ُ ِلَلَّ ا ْتَرَا َ بَ ْ ُ لِهَتِ َا بِسُوَيٍ . ورد عمى ذلؾ بتذكير المشركيف وا لزاميـ بما كانوا يشاىدونو ليلبً ونياراً ، وىي أف ىذه الآلية لا تستطيع أف تتحرؾ مف أماكنيا ، وتتقدـ أو تتأخر شيئاً ، أو تدفع عف نفسيا شراً ، فكيؼ تستطيع أف تضر المسمميف وتيمكيـ ؟ أَلَهُمْ أَرْ ُ ٌ َمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَ ْ ٍ َبْ ِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَ ْ ُنٌ ُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ َانٌ َسْمَ ُونَ بِهَا قُ ِ ا ْ ُواْ شُرَكَايكُمْ ُملَّ كِ ُونِ َلاَ تُ ظِرُونِ [ الأعراؼ : 195 . ]
عدد الصفحات ٥٦وضرب ليـ بمثؿ ىذه المناسبة بعض الأمثاؿ الصريحة ، مثؿ قولو – تعالى - َا أَ بُّهَا ال لَّاسُ ضُرِ َ مَ َ ٌ َاسْتَمِ ُوا لَيُ ِنلَّ اللَّ ِ نَ تَ ْ ُونَ مِن ُونِ الملَّيِ لَن َ ْمُ ُوا ُبَاباً وَلَوِ ا ْتَمَ ُوا لَيُ وَا ِن َسْمُبْهُمُ ال بُّبَا ُ شَ ْ اً لَلَّ َسْتَ ِ ُواُ مِ ْيُ ضَ ُ َ ال لَّالِ ُ وَالْمَ ْمُو ُ [ الحج:73] ومثؿ قولو– تعالى - مَ َ ُ اللَّ ِ نَ اتلَّ َ ُوا مِن ُونِ الملَّيِ أَوْلِ َاي كَمَ َ ِ الْ َ كَبُوتِ اتلَّ َ َتْ بَ ْتاً وَا ِنلَّ أَوْهَنَ الْبُ ُوتِ لَبَ ْتُ الْ َ كَبُوتِ لَوْ كَا ُوا َ ْمَمُونَ [ العنكبوت: 41] وقد بيف بعض المسمميف عجزىـ ىذا بقولو : أرب ٌبول الثعبان ٌرأسه لقد ذل من بالت الثعالب فمما وصمت النوبة إلى مثؿ ىذه المصارحة ىاج المشركوف وما جوا ، وسبوا المسمميف حتى سبوا ربيـ الله – سبحانو وتعالى – فأما المسمموف فقد نياىـ الله – سبحانو وتعالى – عف معاودة ما يسبب ذلؾ ، وقاؿ : وَلََ تَسُببُّواْ اللَّ ِ نَ َ ْ ُونَ مِن ُونِ المّيِ َ َسُببُّواْ المّيَ َ ْواً بِ َ ْرِ ِمْمٍ . وأما المشركوف فقد قرروا إحباط الدعوة ، والصد عف سبيؿ الله بالضغط والقوة والعنؼ ، فقاـ كؿ كبير ورئيس بتعذيب مف آمف مف قبيمتو ، وذىب جمع منيـ إلى أبي طالب ليكؼ ىو رسوؿ الله - - عف الدعوة إلى ا.
عدد الصفحات ٥٧تعذٌب المسلمٌن: فأما تعذيبيـ المسمميف فقد أتوا فيو بأنواع تقشعر ليا الجمود ، وتتفطر منيا القموب . كاف بلبؿ بف رباح - -ممموكاً لأمية بف خمؼ الجمحي ، فكاف أمية يجعؿ في عنقو حبلبً ، ويدفعو إلى الصبياف ، يمعبوف بو ، وىو يقوؿ : أحد أحد . وكاف يخرج بو في وقت الظييرة ، فيطرحو عمى ظيره في الرمضاء ، وىي الرمؿ أو الحجر الشديد الحرارة ، ثـ يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع عمى صدره ، ثـ يقوؿ : لا يزاؿ ىكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللبت والعزى ، فيقوؿ أحد ، أحد . ومر بو أبو بكر - - يوماً وىو يعذب فاشتراه وأعتقو. وكاف عامر بف فييرة يعذب حتى يفقد وعيو ، ولا يدري ما يقوؿ . وعذب أبو فكيية– واسمو أفمح ، قيؿ : كاف مف الأزر ، وكاف مولى لبني عبد الدار ، فكانوا يخرجونو في نصؼ النيار في حر شديد ، وفي رجميو قيد مف حديد ، فيجردونو مف الثياب ، ويبطحونو في الرمضاء ، ثـ يضعوف عمى ظيره صخرة حتى لا يتحرؾ ، فكاف يبقى كذلؾ حتى لا يعقؿ ، فمـ يزؿ يعذب كذلؾ حتى ىاجر إلى الحبشة اليجرة الثانية ، وكانوا مرة
عدد الصفحات ٥٨قد ربطوا رجميو بحبؿ ، ثـ جروه ، وألقوه في الرمضاء ، وخنقوه حتى ظنوا أنو قد مات ، فمر بو أبو بكر فاشتراه وأعتقو لله . وكاف خباب بف الأرت ممف سبي في الجاىمية ، فاشترتو أـ أنمار بنت سباع الخزاعية ، وكاف حداداً ، فمما أسمـ عذبتو مولاتو بالنار ، كانت تأتي بالحديدة المحماة فتجعميا عمى ظيره ليكفر بمحمد - - فمـ يكف يزيده ذلؾ إلا إيماناً وتسميماً ، وكاف المشركوف أيضاً يعذبونو ، فيمووف عنقو ، ويجذبوف شعره ، وقد ألقوه مراراً عمى فحـ النار . ثـ وضعوا عمى صدره حجراً ثقيلبً حتى لا يقوـ . وكانت زنيرة أمة رومية ، أسممت ، فعذبت في الله ، وأصيب في بصرىا حتى عميت ، فقيؿ ليا : أصابتؾ اللبت والعزى ، فقالت : لا والله ما أصابتني ، وىذا مف الله ، وا ف شاء كشفو ، فأصبحت مف الغد ، وقد رد الله بصرىا ، فقالت قريش : ىذا بعض سحر محمد . وأسممت أـ عبيس: جارية لبني زىرة ، فكاف يعذبيا مولاىا الأسود بف عبد يغوث ، وكاف مف أشد أعداء رسوؿ الله - - ومف المستيزئيف بو . وأسممت جارية عمرو بنف مؤمؿ مف بني عدي ، فكاف عمر بف الخطاب يعذبيا ، ىو يومئذ عمى الشرؾ ، فكاف يضربيا حتى يفتر ، ثـ يدعيا ، ويقوؿ : الله ما أدعؾ إلا سآمة ، فتقوؿ : كذلؾ يفعؿ بؾ ربؾ .
عدد الصفحات ٥٩ وتذكر فيمف أسممف وعذبف مف الجواري : النيدية ، وابنتيا وكانتا لا مرأة مف بني عبد الدار . واشترى أبوبكر - - ىؤلاء الجواري ، وأعتقيف كما أعتؽ بلبلاً وعامر بف فييرة ، وأبا فكيية . وقد عاتبو أبوه أبو قحافة ، وقاؿ : أراؾ تعتؽ رقاباً ضعافاً ، فمو أعتقت رجالاً جمداً لمنعوؾ . فقاؿ : َ َ َرْتُكُمْ َاراً تَمَظلَّى{14} لََ َصْلاَهَا ِلَلَّ ااَْشْ َى {15} اللَّ ِي كَ لَّ َ وَتَوَللَّى وىو أمية بف خمؼ ، ومف كاف عمى شاكمتو وَسَ ُ َ لَّبُهَا ااَْتْ َى{17} اللَّ ِي ُ ْتِي مَالَيُ َتَنَكلَّى{18} وَمَا اَِحَ ٍ ِ َاُ مِن بِّ ْمَ ٍ تُ ْنَى{19} ِلَلَّ ابْتِ َاي وَ ْيِ رَببِّيِ ااَْ ْمَى{20} وَلَسَوْ َ َرْضَى {21 } وىو أبوبكر الصديؽ– رضي الله تعالى عنو وعمف أعتقيـ ، وعف الصحابة أجمعيف - . وعذب عمار بف ياسر وأمو وأبوه– رضي الله عنيـ – وكانوا حمفاء بني مخزوـ ، فكاف بنو مخزوـ – وعمى رأسيـ أبو جيؿ – يخرجونيـ إلى الأبطح ، إذا حميت الرمضاء ، فيعذبونيـ بحرىا ، ويمر بيـ رسوؿ الله - - فيقوؿ:" صبراً آؿ ياسر موعدكـ الجنة ، الميـ اغفر لآؿ ياسر " أما ياسر والد عمار – وىو ياسر بف عامر بف مالؾ العنسي المذحجي – فقد مات تحت العذاب . وأما أـ عمار – وىي سمية بنت خياط مولاة أبي
عدد الصفحات ٦٠حذيفة المخزومي ، وكانت عجوزاً كبيرة ضعيفة ،- فطعنيا أبو جيؿ في قبميا بحربة ، فماتت ، وىي أوؿ شييدة في الإسلبـ . وأما عمار فثقؿ عميو لعذاب ، فإف المشركيف تارة كانوا يمبسونو درعاً مف حديد في يوـ صائؼ ، وتارة كانوا يضعوف عمى صدره صخراً أحمر ثقيلبً ، وتارة كانوا يغطونو في الماء ، حتى قاؿ بمسانو بعض ما يوافقيـ ، وقبمو ممئ بالإيماف ، فأنزؿ الله مَن كَفَرَ بِالمّيِ مِن بَ ْ ِ مَا ِيِ ِلَلَّ مَنْ أُكْرِاَ وَقَمْبُيُ مُ ْمَ ِنٌّ بِااِ مَانِ وَلَـكِن ملَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَ ْراً َ َمَ ْهِمْ َضَ ٌ مبِّنَ المّيِ وَلَهُمْ َ َا ٌ َظِ مٌ . وعذب في الله مصعب بف عمير ، كاف مف أنعـ الناس عيشاً ، فمما دخؿ في الإسلبـ منعتو أمو الطعاـ والشراب ، وأخرجتو مف البيت ، فتخشؼ جمده تخشؼ الحية . وعذب صييب بف سناف الرومي ، حتى فقد وعيو ، ولا يدري ما يقوؿ . وعذب عثماف بف عفاف ، كاف عمو يمفو في حصير مف ورؽ النخيؿ ، ثـ يدخنو مف تحتو . وأوذي أبو بكر الصديؽ ، وطمحة بف عبيد الله ، أخذىما نوفؿ بف خويمد العدوي وقيؿ : عثماف بف عبيد الله ، أخو طمحة بف عبيد الله ،
عدد الصفحات ٦١فشدىما في حبؿ واحد ، ليمنعيا عف الصلبة وعف الديف ، فمـ يجيباه ، فمـ يروعاه إلا وىما مطمقاف يصمياف ، وسميا بالقرينيف لكونيما قد شدا في حبؿ واحد . وكاف أبو جيؿ إذا سمع برجؿ قد أسمـ ولو شرؼ ومنعة ، أنبو ، وأخزاه ، وأوعده بإلحاؽ الخسارة الفادحة في الماؿ والجاه ، وا ذا كاف الرجؿ ضعيفاً ضربو وأغرى بو . والحاصؿ أنيـ لـ يعمموا بأحد دخؿ في الإسلبـ إلا وتصدوا لو بالأذى والنكاؿ . كانت ىذه الاعتداءات ضد الضعفاء المسمميف وعامتيـ . أما مف أسمـ مف الكبار والأشراؼ فإنيـ كانوا يحسبوف لو حساباً ، ولـ يكف يجترئ عمييـ إلا أمثاليـ مف رؤساء القبائؿ وأشرافيا ، وذلؾ مع قدر كبير مف الحيطة والحذر . وقف المشركٌن من رسول الله - : - أما رسوؿ ا - - فكاف لو مف الشيامة والشرؼ والوقار ما وقاه الله بو كثيراً مف اعتداءات الناس . وقد كاف يحوطو ويمنعو أبو طالب ، وكاف سيداً مطاعاً معظماً في قريش ، ولا يستياف بذمتو ولا تخفر ، كاف مف ذروة بني عبد مناؼ ، ولـ تعرؼ ليا قريش بؿ العرب إلا الإجلبؿ والتكريـ ، فاضطر
عدد الصفحات ٦٢المشركوف بالنسبة لمنبي - - إلى اتخاذ خطوات سميمة ، واختاروا سبيؿ المفاوضات مع عمو أبي طالب ، ولكف مع نوع مف أسموب القسوة والتحدي .
عدد الصفحات ٦٣بٌن قرٌش وأبً طالب: فقد مشى رجاؿ مف أشراؼ قريش إلى أبي طالب ، وقالوا لو :إف ابف أخيؾ قد سب آليتنا ، وعاب ديننا ، وسفو أحلبمنا ، وضمؿ آباءنا ، فإما أف تكفو عنا وا ما أف تخمي بيننا وبينو ، فإنؾ عمى مثؿ ما نحف عميو مف خلبفو ، فنكفيكو . فقاؿ ليـ أبو طالب قولاً رفيقاً ، وردىـ رداً جميلبً ، فانصرفوا عنو ، ومضى رسوؿ الله - -عمى ما ىو عميو ، يظير ديف الله ويدعو إليو. إنذار قرٌش وتحدٌهم لأبً طالب : ولـ تصبر قريش طويلبً حيف رأوا النبي - - ماضياً في عممو ودعوتو إلى الله ، فقد أكثروا ذكره وتذامروا فيو ، ثـ مشوا إلى أبي طالب ، وقالوا : يا أبا طالب إف لؾ سنا ، وشرفاً ، ومنزلة فينا ، وا نا قد استنييناؾ مف ابف أخيؾ فمـ تنيو عنا ، وا نا والله لا نصبر عمى ىذا مف شتـ آبائنا ، وتسفيو أحلبمنا ، وعيب آليتنا حتى تكفو عنا أو ننازلو وا ياؾ في ذلؾ ، حتى ييمؾ أحد الفريقيف ، ثـ انصرفوا . وعظـ عمى أبي طالب ىذا التحدي والإنذار ، فدعا رسوؿ الله - - وذكر لو ما قالوه ، وقاؿ لو: أبؽ عمي وعمى نفسؾ ، ولا تحممني مف الأمر مالا أطيؽ ، فمما رأى رسوؿ الله - - ضعفو قاؿ: يا عـ ! والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري عمى أف أترؾ ىذا الأمر ، حتى يظيره الله
عدد الصفحات ٦٤أو أىمؾ فيو ، ما تركتو . ثـ استعبر وبكى . وعادت إلى أبي طالب الرقة والثقة ، فقاؿ : اذىب يا ابف أخي ! فقؿ ما أحببت ، فو الله لا أسممؾ لشئ أبداً .
عدد الصفحات ٦٥