الجهــر بالدعـــوة الدعوة فً الأقربٌن : وبعد أف قضى رسوؿ الله - - ثلبث سنوات في سبيؿ الدعوة الفردية ، ووجد ليا آذاناً صاغية ، ورجالاً صالحيف مف صميـ قريش وغيرىا ، وتميدت ليا السبؿ ، وتييأ لظيورىا الجو أنزؿ الله تعالى عمى رسولو - - وَأَ ِرْ َشِ رَتَ َ ااَْقْرَبِ نَ {214} وَا ْفِ ْ َ َاحَ َ لِمَنِ اتلَّبَ َ َ مِنَ الْمُ ْمِ ِ نَ {215} َإِنْ َصَوْ َ َ ُ ْ ِ بِّي بَرِييٌ مبِّملَّا تَ ْمَمُونَ فجمع النبي- - عشيرتو الأقربيف ، وىـ بنو ىاشـ ، ومعيـ نفر مف بني المطمب ، فقاؿ بعد الحمد وشيادة التوحيد : " إف الرائد لا يكذب أىمو ، والله لو كذبت الناس جميعاً ما كذبتكـ ، ولو غررت الناس جميعاً ما غررتكـ ، والله الذي لا إلا ىو أني لرسوؿ الله إليكـ خاصة وا لى الناس كافة ، والله لتموتف كما تناموف ، ولتبعثف كما تستيقظوف ، ولتحاسبف بما تعمموف ، ولتجزوف بالإحساف إحساناً وبالسوء سوءاً . وا نيا الجنة أبداً أو النار أبداً " . فتكمـ القوـ كلبماً ليناً غير عمو أبي ليب . فإنو قاؿ : خذوا عمى يديو قبؿ أف تجتمع عميو العرب ، فإف سممتموه إذف ذلمتـ . وا ف منعتموه قتمتـ . فقاؿ أبو طالب : والله لنمنعنو ما بقينا ، وقاؿ أيضاً : أمض لما أمرت بو ، فو الله لا أزاؿ أحوطؾ وأمنعؾ ، غير أف نفسي لا تطاوعني عمى فراؽ ديف عبد المطمب .
عدد الصفحات ٣٤على جبل الصفا: وفي غضوف ذلؾ نزؿ أيضاً قولو تعالى : َا صْ َعْ بِمَا تُ ْمَرُ وَأَ ْرِ ْ َنِ الْمُشْرِكِ نَ فصعد رسوؿ ا - - ذات يوـ عمى الصفا فعلب أعلبىا حجراً ، ثـ ىتؼ :" يا صباحاه " . وكانت كممة إنذار تخبر عف ىجوـ جيش أو وقع أمر عظيـ . ثـ جعؿ ينادي بطوف قريش ، ويدعوىـ قبائؿ قبائؿ : يا بني فير ! يا بني عدي ! يا بني فلبف ! يا بني فلبف ، يا بني عبد مناؼ ! يا بني عبد المطمب ! فمما سمعوا قالوا : مف ىذا الذي ييتؼ ؟ قالوا : محمد . فأسرع الناس إليو ، حتى إف الرجؿ إذا لـ يستطع أف يخرج إليو أرسؿ رسولاً لينظر ماىو ؟ فمما اجتمعوا قاؿ :" أرأيتكـ لو أخبرتكـ أف خيلبً بالوادي بسفح ىذا الجبؿ ، تريد أف تغير عميكـ أكنتـ مصدقي " ؟ قالوا : نعـ . ما جربنا عميؾ كذباً . ما جربنا عميؾ إلا صدقاً . قاؿ :" فإني نذير لكـ بيف يدي عذاب شديد . إنما مثمي ومثمكـ كمثؿ رجؿ رأى العدو فانطمؽ يربأ أىمو – أي يتطمع وينظر ليـ مف مكاف مرتفع لئلب يدىميـ العدو – فخشي أف يسبقوه ، فجعؿ ينادي : يا صباحاه " . ثـ دعاىـ إلى شيادة أف لا إلو إلا الله وأف محمداً رسوؿ الله . وبيف ليـ أف ىذه الكممة ىي ملبؾ الدنيا ونجاة الآخرة . ثـ حذرىـ وأنذرىـ عذاب الله إف بقوا عمى
عدد الصفحات ٣٥شركيـ ، ولـ يؤمنوا بما جاء بو مف عند الله ، وأنو مع كونو رسولاً لا ينقذىـ مف العذاب ولا يغنييـ مف الله شيئاً . وعـ ىذا الإنذار وخص فقاؿ : " يا معشر قريش اشتروا أنفسكـ مف الله ، أنقذوا أنفسكـ مف النار ، فإني لا أممؾ لكـ ضراً ولا نفعاً ، ولا أغني عنكـ مف الله شيئاً . يا بني كعب بف لؤي ! أنقذوا أنفسكـ مف النار ، فإني لا أممؾ لكـ ضراً ولا نفعاً . يا بني مرة بف كعب ! أنقذوا أنفسكـ مف النار . يا معشر بني قصي ! أنقذوا أنفسكـ مف النار ، فإني لا أممؾ لكـ ضراً ولا نفعاً . يا بني عبد شمس ! أنقذوا أنفسكـ مف النار . يا بني عبد مناؼ ! أنقذوا أنفسكـ مف النار ، فإني لا أممؾ لكـ ضراً ولا نفعاً . يا بني ىاشـ ! أنقذوا أنفسكـ مف النار . يا بني عبد المطمب ! أنقذوا أنفسكـ مف النار ، فإني لا أممؾ لكـ ضراً ولا نفعاً ، ولا أغني عنكـ مف الله شيئاً ، سموني مف مالي ما شئتـ ، ولا أممؾ لكـ مف الله شيئاً .
عدد الصفحات ٣٦يا عباس بف عبد المطمب! لا أغني عنؾ مف الله شيئاً . يا صفية بنت عبد المطمب : عمة رسوؿ الله ! لا أغني عنؾ مف الله شئياً . يا فاطمة بنت محمد رسوؿ الله ! سميني بما شئت ، أنقذي نفسؾ مف النار ، لا أغني عنؾ مف الله شيئاً . غير أف لكـ رحماً سأبميا ببلبليا – أي سأصميا حسب حقيا – لما أتـ ىذا الإنذار انفض الناس وتفرقوا ، ولا يذكر عنيـ أنيـ أبدوا أي معارضة أو تأييد لما سمعوه ، سوى ما ورد عف أبي ليب أنو واجو النبي - - بالسوء ، فقاؿ تباً لؾ سائر اليوـ. أليذا جمعتنا ؟ فنزلت تَبلَّتْ َ َا أَبِي لَهَ ٍ وَتَ لَّ . أما عامة قريش فكأنيـ قد أصابتيـ الدىشة والاستغراب حيف فوجئوا بيذا الإنذار، ولـ يستطيعوا أف يختاروا أي موقؼ تجاه ذلؾ ، ولكنيـ لما رجعوا إلى بيوتيـ ، واستقرت أنفسيـ ، وأفاقوا مف دىشتيـ ، واطمأنوا ، استكبروا في أنفسيـ ، وتناولوا ىذه الدعوة والإنذار بالاستخفاؼ والاستيزاء ، فكاف النبي - - إذا مر عمى ملؤ منيـ سخروا منو وقالوا: أىذا الذي بعث الله رسولاً ؟ أىذا ابف أبي كبشة . يكمـ مف السماء . أمثاؿ ذلؾ .
عدد الصفحات ٣٧وأبو كبشة اسـ لأحد أجداده- - مف جية الأـ ، كاف قد خالؼ ديف قريش ، واختار النصرانية ، فمما خالفيـ النبي - - في الديف نسبوه إليو ، وشبيوه بو ، تعييراً واحتقاراً لو وطعناً فيو . واستمر النبي - - في دعوتو وبدأ يجير في نوادييـ ومجامعيـ ، يتمو عمييـ كتاب الله ، ويدعوىـ إلى ما دعت إليو الرسؿ : َا قَوْمِ ا ْبُ ُواْ المّيَ مَا لَكُم مبِّنْ ِلَـيٍ َ ْرُاُ وبدأ يعبد الله أماـ أعينيـ ، فكاف يصمي بفناء الكعبة نياراًًَ جياراً وعمى رؤوس الأشياد . وقد نالت دعوتو بعض القبوؿ ، ودخؿ عدد مف الناس في ديف الله واحداً بعد واحد ، وحصؿ بيف ىؤلاء المسمميف وبيف مف لـ يسمـ مف أىؿ بيتيـ التباغض والتباعد . مشاورة قرٌش لكف الحجاج عن الدعوة : واشمأزت قريش مف كؿ ذلؾ ، وساءىـ ما رأوه ، وما ىي إلا أياـ حتى اقترب موعد الحج ، وأىميـ أمر الحجاج ، فاجتمع نفر منيـ إلى الوليد بف المغيرة – وكاف ذا سف وشرؼ فييـ – فقاؿ ليـ : يا معشر قريش إنو قد حضر ىذا الموسـ ، وا ف وفود العرب ستقدـ عميكـ فيو ، وقد سمعوا بأمر صاحبكـ ىذا ، فأجمعوا فيو رأياً واحداً ، ولا تختمفوا ، فيكذب بعضكـ بعضاً قالوا : أنت فقؿ ، وأقـ لنا رأياً نقوؿ بو .
عدد الصفحات ٣٨قاؿ: لا بؿ أنتـ فقولوا أسمع . قالوا : نقوؿ : كاىف . قاؿ : ما ىو بكاىف ، لقد رأينا الكياف ، فمما ىو بزمزمة الكياف ولا بسجعيـ . قالوا : فنقوؿ مجنوف . قاؿ : ماىو بمجنوف ، لقد رأينا الجنوف وعرفناه ، فما ىو بخنقو ولا تخالجو ولا وسوستو . قالوا : فنقوؿ : شاعر . قاؿ : ماىو بشاعر ، لقد عرفنا الشعر كمو ، رجزه وىجزه وقريضو ومقبوضة ومبسوطة . فما ىو بالشعر . قالوا : فنقوؿ : ساحر . قاؿ : ماىو بساحر ، لقد رأينا السحار وسحرىـ ، فما ىو بنفثو ولا بعقده . قالوا : فماذا نقوؿ ؟ قاؿ : والله إف لقولو حلبوة ، وا ف عميو لطلبوة ، وا ف أصمو لعذؽ ، وا ف فرعو لجناة . وما أنتـ بقائميف مف ىذا أنتـ شيئاً إلا عرؼ أنو باطؿ ، وا ف أقرب القوؿ أف تقولوا : ىو ساحر ، وقولو سحر ، يفرؽ بو بيف المرء وأبيو . وبيف المرء وأخيو ، وبيف المرء وزوجو ، وبيف المرء وعشيرتو .
عدد الصفحات ٣٩فتفرقوا عنو بذلؾ ، وجعموا يجمسوف بسبؿ الناس حيف قدموا لمموسـ ، يمر بيـ أحد إلا حذروه وذكروا لو أمره - - فعرؼ الناس أمره قبؿ أف يروه أو يسمعوا منو . وجاءت أياـ الحج فخرج النبي - - إلى مجامع الحجاج ورحاليـ ومنازليـ ، ودعاىـ إلى الإسلبـ ، وقاؿ ليـ :" يا أييا الناس قولوا لا إلو إلا الله تفمحوا " . وتبعو أبو ليب يكذبو ويؤذيو ، فصدرت العرب مف ذلؾ الموسـ وقد عرفوا أمر رسوؿ الله - - وانتشر ذكره في بلبد العرب كميا .
عدد الصفحات ٤٠سبل شتى لمواجهة الدعوة: ولما انتيى الحج ، وعادت قريش إلى بيوتيـ ، واطمأنوا كأنيـ رأوا أف يعالجوا ىذه المشكمة التي نشأت لأجؿ قياـ رسوؿ الله - - بالدعوة إلى الله وحده ، ففكروا واستشاروا ، ثـ اختاروا سبلبً شتى لمواجية ىذه الدعوة والقضاء عمييا ، نذكرىا فيما يمي بإيجاز . الأول : مواصلة السخرٌة والاستهزاء وإلا كثار منها : والقصد مف ذلؾ تخذيؿ رسوؿ الله - - والمسمميف ، وتوىيف قواىـ المعنوية ، فكانوا يتيموف رسوؿ الله - - بأنو رجؿ مسحور ، شاعر مجنوف ، كاىف يأتيو الشيطاف ، ساحر كذاب ، مفتر متقوؿ ، وغير ذلؾ مف التيـ والشتائـ ، وكانوا إذا رأوه يجئ ويذىب ينظروف إليو نظر الغضب والنقمة ، كما قاؿ الله – تعالى - : وَا ِن َكَا ُ اللَّ ِ نَ كَفَرُوا لَ ُنْلِ ُو َ َ بِ َبْصَارِهِمْ لَملَّا سَمِ ُوا ال بِّكْرَ وَ َ ُولُونَ ِ لَّيُ لَمَ ْ ُونٌ وكانوا إذا رأوه يتيكموف بو ، ويقولوف : أَهَ َا اللَّ ِي َ ْكُرُ لِهَتَكُمْ . وا ذا رأوا ضعفاء الصحابة قالوا: قد جاءكـ مموؾ الأرض أه لَي من ا م هم من ب ا وكما قاؿ الله تعالى-: ِنلَّ اللَّ ِ نَ أَ ْرَمُوا كَا ُواْ مِنَ اللَّ ِ نَ
عدد الصفحات ٤١مَ ُوا َضْحَكُونَ{29} وَا ِ َا مَربُّواْ بِهِمْ َتَ َامَنُونَ{30} وَا ِ َا ا َمَبُواْ ِلَى أَهْمِهِمُ ا َمَبُواْ َكِهِ نَ {31} وَا ِ َا رَأَوْهُمْ قَالُوا ِنلَّ هَ ُلََي لَضَالبُّونَ . وقد أكثروا مف السخرية والاستيزاء ، ومف الطعف والتضحيؾ حتى أثر ذلؾ في نفس النبي -- كما قاؿ الله تعالى- : وَلَ َ ْ َ ْمَمُ أَ لَّ َ َضِ ُ صَ ْرُ َ بِمَا َ ُولُونَ ثـ ثبتو ا– تعالى – وبيف لو ما يذىب بيذا الضيؽ ، فقاؿ : َسَببِّ ْ بِحَمْ ِ رَببِّ َ وَكُن مبِّنَ السلَّا ِ ِ نَ{98} وَا ْبُ ْ رَبلَّ َ حَتلَّى َ ْتِ َ َ الْ َ ِ نُ وقد بيف لو قبؿ ذلؾ ما فيو التسمية ، حيث قاؿ : ِ لَّا كَفَ ْ َا الْمُسْتَهْنِ ِ نَ{95 } اللَّ ِ نَ َ ْ َمُونَ مَ َ المّيِ ِلـهاً َرَ َسَوْ َ َ ْمَمُونَ ( الحجر95-99 ) وأخبره أف فعميـ ىذا سوؼ ينقمب وبالاً عمييـ ، فقاؿ وَلَ َ ِ اسْتُهْنِ َ بِرُسُ ٍ مبِّن قَبْمِ َ َحَا َ بِاللَّ ِ نَ سَ ِرُواْ مِ ْهُم ملَّا كَا ُواْ بِيِ َسْتَهْنِ ُونَ ( الأنعاـ10، الأنبياء41 ) الثانً: الحٌلولة بٌن الناس وبٌن الاستماع إلى النبً - : - فقد قرروا أف يثيروا لشغب ، ويرفعوا الضوضاء ، ويطردوا الناس كمما رأوا النبي - - يستعد ليقوـ بالدعوة إلى الله فيما بينيـ. وأف لا يتركوا لو فرصة ينتيزىا لبياف ما يدعوا إليو ، وقد تواصوا بذلؾ فيما بينيـ . قاؿ الله تعالى : وَقَا َ اللَّ ِ نَ كَفَرُوا لََ تَسْمَ ُوا لِهَ َا الْ ُرْ نِ وَالْ َوْا ِ يِ لَ َملَّكُمْ تَ ْمِبُونَ وقد ظموا قائميف
عدد الصفحات ٤٢بذلؾ بكؿ شدة وصلببة ، حتى إف أوؿ قرآف تمكف النبي - - مف تلبوتو في مجامعيـ ىو سورة النجـ – وذلؾ في رمضاف في السنة الخامسة مف النبوة - . وكانوا إذا سمعوا النبي - - يتمو القرآف في صلبتو – وأكثر ما كاف يتموه في صلبتو بالميؿ – سبوا القرآف ، ومف أنزلو ، ومف جاء بو ، حتى أنزؿ الله – تعالى -: وَلََ تَ ْهَرْ بِصَلاَتِ َ وَلََ تُ َا ِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَ ْنَ َلِ َ سَبِ لاً . وذىب النضر بف الحارث إلى الحيرة والشاـ ، فتعمـ منيـ قصصاً شعبية ، كانوا يحكونيا عف مموكيـ وأمرائيـ مثؿ : رستـ وا سفندريار ، فمما رجع أخذ يعقد النوادي والمجالس ، يقص ىذه القصص ويصرؼ بيا الناس عف الاستماع إلى النبي - - وا ذا سمع بمجمس جمس فيو رسوؿ ا- - لمتذكير بالله ، خمفو في ذلؾ المجمس ، ويقص عمييـ مف تمؾ القصص ، ثـ يقوؿ بماذا محمد أحسف حديثاً مني . ثـ تقدـ خطوة أخرى ، فاشترى جارية مغنية ، فكاف لا يسمع بأحد يريد الإسلبـ إلا انطمؽ بو إلى تمؾ المغنية ، ويقوؿ : أطعميو واسقيو وغنيو . ىذا خير مما يدعوؾ إليو محمد . وفي ذلؾ أنزؿ الله تعالى : وَمِنَ ال لَّاسِ مَن َشْتَرِي لَهْوَ الْحَ ِ ثِ لِ ُضِ لَّ َن سَبِ ِ الملَّيِ بِ َ ْرِ ِمْمٍ وَ َتلَّ ِ َهَا هُنُواً أُولَ ِ َ لَهُمْ َ َا ٌ مبُّهِ نٌ [ لقماف: 6 ]
عدد الصفحات ٤٣3 -الثالث: إثارة الشبهات تكثٌف الدعاٌات الكاذبة : فقد أكثروا مف ذلؾ وتفننوا فيو ، فربما كانوا يقولوف عف القرآف : إنو أَضْ َاثُ أَحْلاَمٍ أي أحلبـ كاذبة يراىا محمد - - بالميؿ ، فيتموىا بالنيار ، وأحياناً كانوا يقولوف :" افتراه مف عند نفسو " ، وأحياناً كانوا يقولوف : ِ لَّمَا ُ َمبِّمُيُ بَشَرٌ [ 16،103 ] وربما قالوا : ِنْ هَ َا ِلَلَّ ِ ْ ٌ ا ْتَرَااُ وَأَ َا َيُ َمَ ْيِ قَوْمٌ َرُونَ [ 25-4 ] أي اشتراؾ ىو وزملبؤه في اختلبقو وَقَالُوا أَسَا ِ رُ ااَْولَّلِ نَ اكْتَتَبَهَا َهِيَ تُمْمَى َمَ ْيِ بُكْرَةً وَأَصِ لاً [ 25 -5 ] وأحياناً قالوا: أف لو جناً أو شيطاناً يتنزؿ عميو بالقرآف مثؿ ما ينزؿ الجف والشياطيف عمى الكياف . قاؿ – تعالى- ردا عمييـ : هَ ْ أُ َببِّ ُكُمْ َمَى مَن تَ َنلَّ ُ الشلَّ َا ِ نُ {221} تَ َنلَّ ُ َمَى كُ بِّ أَ لَّا ٍ أَ ِ مٍ أي إنيا تنزؿ عمى الكذاب الفاجر المتمطخ بالذنوب ، وما جربتـ عمي كذباً . ولا وجدتـ في فسقاً ، فكيؼ تقولوف إف القرآف مف تنزيؿ الشيطاف ؟ وأحياناً كانوا يقولوف عف النبي - - إنو قد أصابو نوع مف الجنوف ، فيو يتخيؿ المعاني ثـ يصوغيا في كممات بديعة رائعة . كما يصوغ الشعراء ، فيو شاعر وكلبمو شعر ، قاؿ – تعالى – رداً عمييـ : وَالشبُّ َرَاي َتلَّبِ ُهُمُ الْ َاوُونَ {224} أَلَمْ تَرَ أَ لَّهُمْ ِي كُ بِّ وَا ٍ َهِ مُونَ {225} وَأَ لَّهُمْ َ ُولُونَ مَا لََ َفْ َمُونَ فيذه ثلبث خصائص يتصؼ بيا الشعراء ، ولا توجد واحدة منيا في النبي -
عدد الصفحات ٤٤-فالذيف اتبعوه ىداة ، متقوف ، صالحوف في دينيـ ، وخمقيـ ، وأفعاليـ ، وتصرفاتيـ ، ومعاملبتيـ ، ولا توجد عمييـ مسحة مف الغواية في أي شأف مف شئونيـ . وىو لا يييـ في الأودية كميا كما يييـ الشعراء ، بؿ يدعو إلى رب واحد ، وديف واحد ، وصراط واحد . وىو لا يقوؿ إلا ما يفعؿ ، ولا يفعؿ إلا ما يقوؿ ، فأيف ىو مف الشعر والشعراء ؟ وأيف الشعر والشعراء منو ؟ 4-الرابع: النقاش والجدال : وكانت ثلبث قضايا استغربيا المشركوف جداً ، وكانت ىي الأساس في الخلبؼ الذي حصؿ بينيـ وبيف المسمميف في أمر الديف ، وىي : التوحيد ، والرسالة . والبعث بعد الموت . فكانوا يناقشوف في ىذه القضايا ، ويجادلوف حوليا . فأما البعث بعد الموت فمـ يكف عندىـ في ذلؾ إلا التعجب والاستغراب ، والاستبعاد العقمي فقط ، فكانوا يقولوف : أَ ِ َا مِتْ َا وَكُ لَّا تُرَاباً وَ ِظَاماً أَ ِ لَّا لَمَبْ ُو ُونَ {16} أَوَ بَا ُ َا ااَْولَّلُونَ [ الصافات:17] وكانوا يقولوف: َلِ َ رَ ْ ٌ بَ ِ ٌ [ ؽ: 3 ] .وكانوا يقولوف: هَ ْ َ ُلبُّكُمْ َمَى رَ ُ ٍ ُ َببِّ ُكُمْ ِ َا مُنبِّقْتُمْ كُ لَّ مُمَنلَّ ٍ ِ لَّكُمْ لَفِي َمْ ٍ َ ِ ٍ {7} أَ ْتَرَى َمَى الملَّيِ كَ ِباً أَم بِيِ ِ لَّ ٌ [ سبأ: 8] وقاؿ قائميـ أموت ثم بعث ثم حشر حدٌث خرافة ٌا أم عمرو وقد رد الله عمييـ بأنواع مف الردود ، حاصميا أنيـ يشاىدوف في الدنيا أف الظالـ يموت دوف أف يمقى جزاء ظممو ، والمظموـ يموت دوف أف يأخذ حقو مف
عدد الصفحات ٤٥ظالمو ، والمحسف الصالح يموت قبؿ أف يمقى جزاء إحسانو وصلبحو ، والمسئ يموت قبؿ أف يعاقب عمى سيئاتو ، فإف لـ يكف بعد الموت يوـ يبعث فيو الناس . فيؤخذ مف الظالـ لممظموـ ، ويجزي المحسف الصالح ، ويعاقب المسئ الفاجر ، لا ستوى الفريقاف ، ولا يكوف بينيما فرؽ ، بؿ يصير الظالـ والمسئ أسعد مف المظموـ والمحسف التقي . ىذا غير معقوؿ إطلبقاً ، وليس مف العدؿ في شئ، ولا يتصور مف الله – سبحانو – أف يبني نظاـ خمقو عمى مثؿ ىذا الظمـ والفساد . قاؿ تعالى : أَ َ َ ْ َ ُ الْمُسْمِمِ نَ كَالْمُ ْرِمِ نَ{35} مَا لَكُمْ كَ ْ َ تَحْكُمُونَ [ القمـ: 35 -36 ] وقاؿ: أًمْ حَسِ َ اللَّ ِ نَ ا ْتَرَحُوا السلَّ بِّ َاتِ أّن لَّ ْ َمَهُمْ كَاللَّ ِ نَ مَ ُوا وَ َمِمُوا الصلَّالِحَاتِ سَوَاي ملَّحْ َاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاي مَا َحْكُمُونَ [ الجاثية: 21 . ] وأما الاستبعاد العقمي ، فقاؿ رداً عمييـ في ذلؾ: أَأَ تُمْ أَشَ بُّ َمْ اً أَمِ السلَّمَاي [ النازعات : 27] وقاؿ: أَوَلَمْ َرَوْا أَنلَّ الملَّيَ اللَّ ِي َمَ َ السلَّمَاوَاتِ وَااَْرْ َ وَلَمْ َ ْيَ بِ َمْ ِهِن بِ َا ِرٍ َمَى أَنْ ُحْ ِيَ الْمَوْتَى بَمَى ِ لَّيُ َمَى كُ بِّ شَيْيٍ قَ ِ رٌ [ الأحقاؼ: 33 ] وقاؿ وَلَ َ ْ َمِمْتُمُ ال لَّشْ َةَ ااُْولَى َمَوْلََ تَ كلَّرُونَ [ الواقعة: 62 ] وقاؿ: كَمَا بَ َأْ َا أَولَّ َ َمْ ٍ بُّ ِ ُاُ وَ ْ اً َمَ ْ َا ِ لَّا كُ لَّا َا ِمِ نَ [ الأنبياء: 104 ] . وذكرىـ ماىو معتاد لدييـ ، وىو أف الإعادة أ َهْوَنُ َمَ ْيِ
عدد الصفحات ٤٦ [ الروـ: 27 ] وقاؿ: أَ َ َ ِ َا بِالْ َمْ ِ ااَْولَّ ِ بَ ْ هُمْ ِي لَبْسٍ مبِّنْ َمْ ٍ َ ِ ٍ [ؽ:15 ] وأما رسالة النبي - - فكانت ليـ حوليا شبيات مع معرفتيـ واعترافيـ بصدؽ النبي - -وأمانتو وغاية صلبحو وتقواه ، وذلؾ أنيـ كانوا يعتقدوف أف منصب النبوة والرسالة أعظـ وأجؿ مف أف يعطى لبشر . فالبشر لا يكوف رسولاً ، والرسوؿ لا يكوف بشراً ، حسب عقيدتيـ ، فمما أعمف رسوؿ الله - -عف نبوتو ورسالتو ، ودعا إلى الإيماف بو تحير المشركوف، وتعجبوا ، وقالوا : مَا ِ هَ َا الرلَّسُو ِ َ ْكُ ُ ال لَّ َامَ وَ َمْشِي ِي ااَْسْوَا ِ وقاؿ تعالى-: بَ ْ َ ِبُوا أَن َايهُمْ مُ ِرٌ مبِّ ْهُمْ َ َا َ الْكَا ِرُونَ هَ َا شَيْيٌ َ ِ ٌ ؽ2 . وقالوا مَا أَ نَ َ المّيُ َمَى بَشَرٍ مبِّن شَيْيٍ . وقد أبطؿ الله عقيدتيـ ىذه ، وقاؿ رداً عمييـ: قُ ْ مَنْ أَ نَ َ الْكِتَا َ اللَّ ِي َاي بِيِ مُوسَى ُوراً وَهُ ًى لبِّم لَّاسِ [ النعاـ: 91 ] . وقص عمييـ قصص الأنبياء والرسؿ ، وما جرى بينيـ وبيف قوميـ مف الحوار ، وأف قوميـ قالوا إنكاراً لرسالتيـ : ِنْ أَ تُمْ ِلَلَّ بَشَرٌ مبِّ ْمُ َا و قَالَتْ لَهُمْ رُسُمُهُمْ ِن لَّحْنُ ِلَلَّ بَشَرٌ مبِّ ْمُكُمْ وَلَـكِنلَّ المّيَ َمُنبُّ َمَى مَن َشَايُ مِنْ ِبَا ِاِ [ إبراىيـ : 10‘11] . فالأنبياء والرسؿ كميـ كانوا بشراً. وأما أف يكوف الرسوؿ ممكاً فإف ذلؾ لا يفي بغرض الرسالة ومصمحتيا ، إذ البشر لا يستطيع أف يتأسى
عدد الصفحات ٤٧بالملبئكة ، ثـ تبقى الشبية كما ىي ، قاؿ تعالى: وَلَوْ َ َمْ َااُ مَمَكاً للَّ َ َمْ َااُ رَ ُلاً وَلَمَبَسْ َا َمَ ْهِم ملَّا َمْبِسُونَ . [ الأنعاـ: 9 ] وحيث إف المشركيف كانوا يعترفوف أف إبراىيـ وا سماعيؿ وموسى عمييـ السلبـ كانوا رسلبً وكانوا بشراً ، فإنيـ لـ يجدوا مجالاً للئصرار عمى شبيتيـ ىذه ، ولكنيـ أبدوا شبية أخرى قالوا : ألـ يجد الله لحمؿ رسالتو إلا ىذا اليتيـ المسكيف ؟ ما كاف الله ليترؾ العظماء الكبار مف أشراؼ قريش وثقيؼ ، ويرسؿ ىذا ، َوْلََ ُنبِّ َ هَ َا الْ ُرْ نُ َمَى رَ ُ ٍ مبِّنَ الْ َرْ َتَ ْنِ َظِ مٍ أي مف مكة والطائؼ ، قاؿ– تعالى – رداً عمييـ : أَهُمْ َ ْسِمُونَ رَحْمَ َ رَببِّ َ [ الزخرؼ : 31 ،32 ] يعني أف الوحي والقرآف والنبوة والرسالة رحمة مف 0 الله ، والله يعمـ كيؼ يقسـ رحمتو ، وأيف يضعيا ، فمف يعطييا ، ومف يحرميا ، قاؿ – تعالى - المّيُ أَ ْمَمُ حَ ْثُ َ ْ َ ُ رِسَالَتَيُ . [ الأنعاـ: 124 ] فانتقموا بعد ذلؾ إلى شبية أخرى قالوا : إف مف يكوف رسولاً لممؾ مف مموؾ الدنيا يوفر لو الممؾ أسباب الحشمة والجاه مف الخدـ ، والحشـ ، والضيعة ، والماؿ ، والأبية ، والجلبؿ ، وغير ذلؾ ، وىو يمشي في موكب مف الحرس والمرافقيف أصحاب العز والشرؼ ، فما باؿ محمد يدفع في الأسواؽ لمقمة عيش و يدعى إنو رسوؿ الله ؟ لَوْلََ أُ نِ َ ِلَ ْيِ مَمَ ٌ َ َكُونَ مَ َيُ َ ِ راً {7} أَوْ ُمْ َى ِلَ ْيِ كَ نٌ أَوْ تَكُونُ
عدد الصفحات ٤٨لَيُ َ لَّ ٌ َ ْكُ ُ مِ ْهَا وَقَا َ الظلَّالِمُونَ ِن تَتلَّبِ ُونَ ِلَلَّ رَ ُلاً ملَّسْحُوراً {8} [ الفرقاف : 7:8 ] ومعموـ أف النبي- - كاف قد أرسؿ إلى جميع أنواع البشر : صغارىـ وكبارىـ ، وضعافيـ وأقويائيـ ، وأذنابيـ وأشرافيـ ، وعبيدىـ وأحرارىـ ، فمو حصؿ لو ما تقدـ مف الأبية ، والجلبؿ ، ومواكبة الخدـ ، والحشـ ، والكبار ، لـ يكف يستفيد بو ضعفاء الناس وصغارىـ ، وىـ جميور البشر ، وا ذف لفاتت مصمحة الرسالة ، ولـ تعد ليا فائدة تذكر . ولذلؾ أجيب المشركوف عمى طمبيـ ىذا بأف محمداً - - رسوؿ ، يعني يكفي لدحض شبيتكـ ىذه أنو رسوؿ ، الذي طمبتموه لو مف الحشمة والجاه والموكب والماؿ ، ينافي تبميغ الرسالة في عامة الناس ، بينما ىـ مقصودوف بالرسالة . فمما ردً عمى شبيتيـ ىذه تقدموا خطوة أخرى ، وأخذوا يطالبوف بالآيات عناداً وتعجيزاً ، فدار بينيـ وبيف النبي - - نقاش وحوار ، وسنأتي عمى شئ منو إف شاء الله . أما قضية التوحيد فكانت رأس القضايا وأصؿ الخلبؼ ، وكاف المشركوف يقروف بتوحيد الله – سبحانو وتعالى – في ذاتو وصفاتو وأفعالو ، فكانوا يعترفوف بأف الله – تعالى – ىو الخالؽ الذي خمؽ السموات والأرض وما بينيما ، وىو خالؽ كؿ شئ ، وىو المالؾ الذي بيده ممكوت السموات والأرض وما بينيما ، وممكوت كؿ
عدد الصفحات ٤٩