المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

روضة الأنوار في سيرة النبي المختار

صفي الرحمن المباركفوري

صفحة ٢ من ١٨

ثماف وعشريف سنة ، وقيؿ غير ذلؾ ، وكانت أولاً متزوجة بعتيؽ بف عائذ المخزومي ، فمات عنيا ، فتزوجيا أبو ىالة التيمي ، فمات عنيا أيضاً بعد أف ترؾ لو منيا ولداً ، ثـ حرص عمى زواجيا كبار رؤساء قريش فأبت حتى رغبت في رسوؿ الله  وتزوجت بو. فسعدت بو سعادة يغبط عمييا الأولوف والآخروف . وىي أوؿ أزواجو -  - لـ يتزوج عمييا غيرىا حتى ماتت ، وكؿ أولاده -  -منيا إلا إبراىيـ فإنو مف مارية القبطية . أولاده -  - من خدٌجة: ىـ : القاسـ ، ثـ زينب ، ثـ رقية ، ثـ أـ كمثوـ ، ثـ فاطمة ، ثـ عبدالله ، وقيؿ غير ذلؾ في عددىـ وترتيبيـ ، وقد مات البنوف كميـ صغاراً . أما البنات فقد أدركف كميف زمف النبوة ، فأسممف وىاجرف ، ثـ توفاىف الموت قبؿ النبي -  - إلا فاطمة رضي الله عنيا ، فإنيا عاشت بعده -  - ستة أشير. بناء البٌت وقصة التحكٌم : ولما بمغت سنة -  - خمساً وثلبثيف سنة جاء سيؿ جارؼ صدع جدراف الكعبة . وكانت قد وىنت مف قبؿ لأجؿ حريؽ ، فاضطرت قريش إلى بنائيا مف جديد ، وقرروا أف لا يدخموا في نفقتيا إلا طيباً ، فلب يدخموا فييا مير بغى ، ولا بيع ربا ، ولا مظممة أحد ، وىابوا عقاب الله عمى ىدميا ، فقاؿ الوليد بف المغيرة : إف

عدد الصفحات ١٨

الله لا ييمؾ المصمحيف ، ثـ بدأ ييدـ ، فتبعوه في ىدميا حتى وصموا بيا إلى قواعد إبراىيـ . ثـ أخذوا في بناء وخصصوا لكؿ قبيمة جزءاً منيا ، وكاف الأشراؼ يحمموف الحجارة عمى أعناقيـ ، وكاف رسوا الله -  - وعمو العباس فيمف يحمؿ. وتولى البناء بناء رومي اسمو : باقوـ . وضاقت بيـ النفقة الطبية عف إتماميا عمى قواعد إبراىيـ ، فأخرجوا منيا نحو ستة أذرع مف جية الشماؿ ، وبنوا عمييا جداراً قصيراً علبمة أنو مف الكعبة . وىذا الجزء و المعروؼ بالحجر والحطيـ ولما وصؿ البنياف إلى موضع الحجر الأسود أراد كؿ رئيس أف يتشرؼ بوضعو في مكانو ، فوقع بينيـ التنازع والخصاـ ، واستمر أربعة أياـ أو خمسة ، وكاد يتحوؿ إلى حرب . دامية في الحرـ ، إلا أف أبا أمية بف المغيرة المخزومي تداركيا بحكمة – وكاف أسف رجؿ في قريش – فاقترح عمييـ أف يحكموا أوؿ رجؿ يدخؿ عمييـ مف باب مسجد ، فقبموا ذلؾ ، واتفقوا عميو . وكاف مف قدر الله أف أوؿ مف دخؿ بعد ىذا القرار ىو رسوؿ الله -  - فمما رأوه ىتفوا ، وقالوا : ىذا الأميف رضيناه ، ىذا محمد . فمما انتيى إلييـ ، وأخبروه الخبر ، أخذ رداءً ، ووضع فيو الحجر الأسود ، وأمرىـ أف يمسؾ كؿ واحد منيـ بطرؼ مف الرداء ويرفعو ، فمما وصؿ الحجر الأسود إلى موضعو أخذه النبي -  -بيده ووضعو في مكانو. وكاف حلبً حصيفاً رضي بو الجميع

عدد الصفحات ١٩

والحجر الأسود يرتفع عف أرض المطاؼ متراً ونصؼ متر. أما الباب فقد رفعوه نحو متريف حتى لا يدخؿ إلا مف أرادوا وأما الجدراف فرفعوىا ثمانية عشر ذراعاً ، وكانت عمى نصؼ مف ذلؾ ، ونصبوا في داخؿ الكعبة ستة أعمدة في صفيف ثـ سقفوىا عمى ارتفاع خمسة عشر ذراعاً وكانت مف قبؿ بدوف سقؼ ولا عمود .

عدد الصفحات ٢٠

سٌرته-  - قبل البعثة: نشأ -  - منذ صباه سميـ العقؿ ، وافر القوى ، نزيو الجانب ، فترعرع ، وشب ، ونضج ، وىو جامع لمصفات الحميدة والشيـ النبيمة ، فكاف طرازاً رفيعاً مف الفكر الصائب والنظر السديد ، ومثالاً نيائياً في مكارـ الأخلبؽ ومحاسف الخصاؿ ، امتاز بالصدؽ والأمانة ، والمروءة ، والشجاعة ، والعدؿ ، والحكمة ، والعفة ، والزىد ، والقناعة ، والحمـ ، والصبر والشكر ، والحياء والوفاء ، والتواضع والتناصح . وكاف عمى أعمى قمة مف البر والإحساف كما قاؿ عمو أبو طالب : وأبٌض ٌستسقى الغمام بوجهه ثمال الٌتامى عصمة للأرامل وكاف وصولاً لمرحـ ، حمولاً لما يثقؿ كواىؿ الناس ، يساعد مف أعدـ العيش حتى يصيب الكسب ، وكاف يقري الضيؼ ، وبغض إليو ما كاف في قومو مف خرافة وسوء ، فمـ يشيد أعياد الأوثاف واحتفالات الشرؾ ، ولـ يأكؿ مما ذبح عمى النصب أو أىؿ بو لغير الله .وكاف لا يصبر عمى سماع الحمؼ باللبت والعزى فضلبً عف مس الأصناـ أو التقرب إلييا . وكاف أبعد لناس مف شرب الخمر وشيود الملبىي حتى لـ يحضر مجالس الميو والسمر ونوادييا التي كانت منتزه الشباب وممتقى الأحبة في مكة .

عدد الصفحات ٢١

النـبـــوة والدعــــــوة مقدمات النبوة وتباشٌر السعادة : وبما تقدـ ذكره اتسعت الشقة الفكرية والعممية بيف النبي - - وبيف قومو ، وطفؽ يقمؽ مما يراىـ عميو مف الشقاوة والفساد ، ويرغب في الاعتزاؿ عنيـ والخموة بنفسو مع تفكيره في سبيؿ ينجييـ مف التعاسة والبوار . واشتد ىذا القمؽ ، وقويت ىذه الرغبة مع تقدـ السف حتى كأف حادياً يحدوه إلى الخموة والانقطاع . فأخذ يخمو بغار حراء (1)، يتعبد الله فيو عمى بقايا ديف إبراىيـ – عميو السلبـ – وذلؾ مف كؿ سنة شيراً . وىو شير رمضاف ، فإذا قضى جواره بتماـ ىذا الشير انصرؼ إلى مكة صباحاً ، فيطوؼ بالبيت ، ثـ يعود إلى داره ، وقد تكرر ذلؾ منو -  - ثلبث سنوات. فمما تكامؿ لو أربعوف سنة – وىي سف الكماؿ ، وليا بعثت الرسؿ غالباً – بدأت طلبئع النبوة وتباشير السعادة في الظيور ، فكاف يرى رؤيا صالحة تقع كما يرى ، وكاف يرى الضوء ويسمع الصوت وقاؿ :" إني لأعرؼ حجراً بمكة كاف يسمـ عمي قبؿ أف أبعث " . بداٌة النبوة ونزول الوحً : (1) حزاء: اسى انجبم انذي ٌؼزف انٌٍو بجبم اننٌر ، ًىٌ ػهى بؼد نحٌ يٍهٍن ين أصم يكت ، أيا انغار فٍقغ فٍو بجنب قًتو انشايخت أسفم ينيا ػهى ٌسار انصاػد إنٍيا ، ٌصم انزجم إنى انغار بؼد يا ٌنزل ين انقًت ، ًىٌ غار نطٍف طٌنو ٌنقص قهٍلاً ػن أربؼت أيتار ، ًػزضو ٌزٌد قهٍلاً ػهى يتز ًنصف يتز .

عدد الصفحات ٢٢

فمما كاف في رمضاف مف السنة الحادية والأربعيف وىو معتكؼ بغار حراء ، يذكر الله ويعبده ، فجئو جبريؿ – عميو السلبـ – بالنبوة والوحي ، ولنستمع إلى عائشة – رضي الله عنو – تروي لنا ىذه القصة بتفاصيميا ، قالت عائشة – رضي الله عنيا -: أوؿ ما بُدئ بو رسوؿ الله -  - مف الوحي الرؤيا الصالحة في النوـ ، فكاف لا يرى رؤيا إلا جاءت مثؿ فمؽ الصبح ، ثـ حبب إليو الخلبء ، وكاف يخمو بغار حراء فيتحنث – أي يتعبد – فيو الميالي ذوات العدد قبؿ أف ينزع إلى أىمو ، ويتزود لذلؾ ، ثـ يرجع إلى خديجة ، فيتزود لمثميا حتى جاءه الحؽ وىو في غار حراء ، فجاءه الممؾ ، فقاؿ : اقرأ . قاؿ : ما أنا بقارئ قاؿ : فأخذني ، فغطني حتى بمغ مني جيد ، ثـ أرسمني ، فقاؿ : اقرأ . قمت : ما أنا بقارئ . فأخذني ، فغطني الثانية حتى بمغ مني الجيد ، ثـ أرسمني فقاؿ اقرأ . فقمت : ما أنا بقارئ . فأخذني . فغطني الثالثة . ثـ أرسمني فقاؿ :  اقْرَأْ بِاسْمِ رَببِّ َ اللَّ ِي َمَ َ {1} َمَ َ ااِْ سَانَ مِنْ َمَ ٍ {2} اقْرَأْ وَرَببُّ َ ااَْكْرَمُ {3} اللَّ ِي َملَّمَ بِالْ َمَمِ {4} َملَّمَ ااِْ سَانَ مَا لَمْ َ ْمَمْ  . فرجع بيا رسوؿ ا  - يرجؼ فؤاده ، فدخؿ عمى خديجة بنت خويمد – رضى الله عنيا – فقاؿ : زمموني . فزمموه حتى ذىب عنو الروع ، فقاؿ لخديجة – وأخبرىا الخبر -: لقد خشيت عمى نفسي . فقالت خديجة : كلب ، والله ما يخزيؾ

عدد الصفحات ٢٣

الله أبداً. أنؾ لتصؿ الرحـ ، وتحمؿ الكؿ ، وتكسب المعدوـ ، وتقري الضيؼ ، وتعيف عمى نوائب الحؽ . فانطمقت بو خديجة حتى أتت بو ورقة بف نوفؿ بف أسد بف عبد العزي ، ابف عـ خديجة ، وكاف امرأًًً تنصر في الجاىمية ، وكاف يكتب الكتاب العبراني ، فيكتب مف الإنجيؿ بالعبرانية ما شاء الله أف يكتب وكاف شيخاً قد عمى . فقالت لو خديجة : يا ابف العـ اسمع مف ابف أخيؾ . فقاؿ لو ورقة : يا ابف أخي ماذا ترى ؟ فأخبره رسوؿ الله -  - خبر ما رأى . فقاؿ لو ورقة : ىذا الناموس الذي نزؿ الله عمى موسى . يا ليتني فييا جزعاً – أي قوياً جمداً – ليتني أكوف حياً إذ يخرجؾ قومؾ . فقاؿ رسوؿ الله -  : - أو مخرجي ىـ ؟ قاؿ : نعـ ، لـ يأت رجؿ قط بمثؿ ما جئت بو إلا عودي ، وا ف يدركني يومؾ أنصرؾ نصراً مؤزراً ثـ لـ يمبث ورقة أف توفى ، وفتر الوحي . تارٌخ بدء النبوة ونزول الوحً : تمؾ ىي القصة بداية النبوة ونزوؿ الوحي عمى النبي -  - لأوؿ مرة ، وقد كاف ذلؾ في رمضاف في ليمة القدر ، قاؿ الله – تعالى -: شَهْرُ رَمَضَانَ اللَّ ِيَ

عدد الصفحات ٢٤

أُ نِ َ ِ يِ الْ ُرْ نُ وقاؿ:  ِ لَّا أَ نَلْ َااُ ِي لَ ْمَ ِ الْ َ ْرِ وقد أفادت الأحاديث الصحيحة أف ذلؾ كاف ليمة يوـ الاثنيف قبؿ أف يطمع الفجر . وحيث إف ليمة القدر تقع في وتر مف ليالي العشر الأواخر مف رمضاف ، وقد ثبت عممياً أف يوـ الاثنيف في رمضاف مف تمؾ السنة إنما بدأت في الميمة الحادية والعشريف مف رمضاف سنة إحدى وأربعيف مف مولده -  - وىي توافؽ اليوـ العاشر مف شير أغسطس سنة 610ـ وكاف عمره -  - إذ ذاؾ أربعيف سنة قمرية وستة أشير واثنى عشر يوماً . وىو يساوي تسعاً وثلبثيف سنة شمسية وثلبثة أشير واثنيف وعشريف يوماً ، فكانت بعثتو عمى رأس أربعيف سنة شمسية .

عدد الصفحات ٢٥

فترة الوحً ثم عودته: وكاف الوحي قد فتر وانقطع بعد أوؿ نزولو في غار حراء – كما سبؽ – وداـ ىذا الانقطاع أياماً ، وقد أعقب ذلؾ في النبي -  - شدة الكآبة والحزف ، ولكف المصمحة كانت في ىذا الانقطاع ، فقد ذىب عنو الروع ، وتثبت مف أمره ، وتييأ لاحتماؿ مثؿ ما سبؽ حيف يعود ، وحصؿ لو التشوؼ والانتظار ، وأخذ يرتقب مجئ الوحي مرة أخرى . وكاف - -قد عاد مف عند ورقة بف نوفؿ إلى حراء ليواصؿ جواره في غاره ، ويكمؿ ما تبقى مف شير رمضاف ، فمما انتيى شير رمضاف وتـ جواره نزؿ مف حراء صبيحة غرة شواؿ ليعود إلى مكة حسب عادتو . قاؿ -  : - فمما استبطنت الوادي- أي دخمت في بطنو – نوديت ، فنظرت عف يميني فمـ أر شيئاً ، ونظرت إلى شمالي فمـ أر شيئاً ، ونظرت أمامي فمـ أر شيئاً ، ونظرت خمفي فمـ أر شيئاً ، فرفعت رأسي فرأيت شيئاً ، فإذا الممؾ جاءني بحراْ جالس عمى كرسي بيف السماء والأرض ، فجئثت منو رعباً حتى ىويت إلى الأرض ، فأتيت خديجة ، فقمت : زمموني ، زمموني ، دثروني ، وصُبوا عمى ماء بارداً ، فدثروني وصبوا عمى ماء بارداً ، فنزلت  َا أَ بُّهَا الْمُ لَّ بِّرُ{1} قُمْ َ َ ِرْ{2 } وَرَبلَّ َ َكَببِّرْ {3} وَ ِ َابَ َ َ َهبِّرْ{4} وَالربُّ ْنَ َاهْ ُرْ  . وذلؾ قبؿ أف تفرض الصلبة ثـ حمي الوحي وتتابع .

عدد الصفحات ٢٦

وىذه الآيات ىي بدء رسالتو -  - وىي متأخرة عف النبوة بمقدار فترة الوحي ، وتشتمؿ عمى نوعيف مف التكميؼ مع بياف ما يترتب عميو : أما النوع الأوؿ فيو تكميفو -  - بالبلبغ والتحذير ، وذلؾ في قولو تعالى:  قُمْ َ َ ِرْ  . فإف معناه: حذر الناس مف عذاب الله إف لـ يرجعوا عما ىما فيو مف الغي والضلبؿ ، وعبادة غير الله المتعاؿ ، والإشراؼ بو في الذات والصفات والحقوؽ والأفعاؿ . وأما النوع الثاني فتكميفو -  - بتطبيؽ أوامر ا– سبحانو وتعالى – والالتزاـ بيا في نفسو ، ليحذر بذلؾ مرضاة الله ، ويصير أسوة لمف آمف بالله . وذلؾ في بقية الآيات ، فقولو :  وَرَبلَّ َ َكَببِّرْ  .معناه: خصو بالتعظيـ ، ولا شرؾ بو في ذلؾ أحداً غيره ، وقولو :  وَ ِ َابَ َ َ َهبِّرْ  .المقصود الظاىر منو تطيير الثياب والجسد ، إذ ليس لمف يكبر الله ويقؼ بيف يديو أف يكوف نجساً مستقذراً ، وقولو :  وَالربُّ ْنَ َاهْ ُرْ  .معناه. ابتعد عف أسباب سخط الله وعذابو ، وذلؾ بطاعتو وترؾ معصيتو ، وقولو :  وَلََ تَمْ ُن تَسْتَكْ ِرُ  . أي لا تحسف إحساناً تريد أفضؿ منو في ىذه الدنيا . أما الآية الأخيرة فأشار فييا إلى ما يمحقو مف أذى قومو ، حيف يفارقيـ في الديف ، ويقوـ بدعوتيـ إلى الله وحده ، فقاؿ :  وَلِرَببِّ َ َاصْبِرْ . القٌام بالدعوة:

عدد الصفحات ٢٧

وقاـ رسوؿ ا -  - عمى أثر نزوؿ ىذه الآيات بالدعوة إلى ا– سبحانو وتعالى – وحيث إف قومو كانوا جفاة لا ديف ليـ إلا عبادة الأصناـ والأوثاف ، ولا حجة ليـ إلا أنيـ ألفوا إباءىـ عمى ذلؾ ، ولا أخلبؽ ليـ إلا الأخذ بالعزة والأنفة ، ولا سبيؿ ليـ في حؿ المشاكؿ إلا سيؼ ، فقد اختار الله أف يقوـ بالدعوة سراً ، ولا يواجو بيا إلا مف يعرفو بالخير وحب الحؽ ، ويثؽ بو ويطمئف إليو ، واف يقدـ أىمو وعشيرتو وأصدقاءه وندماءه عمى غيرىـ . الرعٌل الأول : فمما بدأ النبي -  - دعوتو بادر إلى الإيماف بو عدد ممف كتب الله لو السبؽ إلى السعادة والخير . 1- وكانت أوليـ عمى الإطلبؽ أـ المؤمنيف خديجة بنت خويمد– رضي الله تعالى عنيا - ، وكانت قد عممت البشارات ، وسمعت عف الإرىاصات ، وأبصرت ملبمح النبوة ، وشاىدت تباشير الرسالة ، وتوقعت أف يكوف رسوؿ الله -  - ىو نبي ىذه الأمة ، ثـ تأكد ليا مف حديث ورقة اف الذي نزؿ في حراء ىو جبريؿ – عميو السلبـ – وأف الذي جاء بو ىو وحي النبوة ، ثـ شاىدت بنفسيا ما مر بو النبي -  - عند نزوؿ أوؿ المدثر ، فكاف مف الطبيعي أف تكوف ىي أوؿ المؤمنيف . 2- وبادر النبي-  - إلى صديقو الحميـ أبي بكر الصديؽ-  - ليخبره بما أكرمو الله بو مف النبوة والرسالة ، ويدعوه إلى الإيماف بو ،

عدد الصفحات ٢٨

فآمف أوؿ مف أمف بو عمى الإطلبؽ أومف مف الرجاؿ ، وكاف أصغر منو -  - بسنتيف ، وصديقاً لو منذ عيد قديـ ، عارفاً بسره وعلبنيتو ، فكاف إيمانو أعدؿ شاىد عمى صدقو -  . - 3- ومف أوؿ مف آمف بو عمى بف أبي طالب-  - كاف تحت كفالتو-  - مقيماً عنده ، يطعمو ويسقيو ، ويقوـ بأمره ، لأف قريشاً أصابتيـ مجاعة ، وكاف أبو طالب مقلبً كثير الأولاد ، فكفؿ العباس ابنو جعفراً ، وكفؿ النبي -  - عميا ، فكاف كأحد أولاده إلى أف جاءت النبوة وقد ناىز البموغ ، -يقاؿ :كاف عمره عشر سنيف – وكاف يتبعو في كؿ أعمالو ، فمما دعاه إلى الإسلبـ أجاب إليو ، وىو أوؿ مف آمف بو مف الصبياف . ومف أوؿ مف آمف بو مولاه زيد بف حارثة بف شراحيؿ الكمبي ، كاف قد أسر أياـ الجاىمية وبيع ، فاشتراه حكيـ بف حزاـ . ووىبو لعمتو خديجة ، فوىبتو خديجة لرسوؿ -  - وعمـ بو أبوه وعمو فجاءا إلى رسوؿ ا - - وكمماه ليحسف إلييما في فدائو ، فدعا رسوؿ ا - -زيداً ، وخيره بيف أف يذىب مع أبيو وعمو وبيف أف يبقى عنده ، فاختاره عمييما ، وعندئذ ذىب رسوؿ الله إلى الملؤ مف قريش ، وقاؿ : اشيدوا أف ىذا ابني وارثاً وموروثاً،

عدد الصفحات ٢٩

وذلؾ قبؿ النبوة ، فكاف يدعى زيد بف محمد حتى جاء الإسلبـ وأبطؿ التبني ، فدعي زيد بف الحارثة . ىؤلاء الأربعة كميـ أسمموا في يوـ واحد ، يوـ أمر رسوؿ الله -  - بالإنذار ، وقاـ بالدعوة إلى الله ، وقد عف كؿ واحد منيـ إنو أوؿ مف أسمـ . ثـ نشط لمدعوة إلى الله أبو بكر -  -وصار الساعد الأيمف لمنبي- -في ميمة رسالتو ، وكاف رجلبً عفيفاً ، مألفاً محبباً ، سيلبً كريماً ، جواداً ، معظماً ، أعمـ الناس بأنساب العرب وأخبارىا ، يقصده رجاؿ قومو لخمقو ومعروفو ، وعممو وفضمو ، وتجارتو وجوده ، وحسف معاممتو ومجالستو . فدعا إلى الإسلبـ مف توسـ فيو الخير ووثؽ بو مف قومو ، فأجابو جمع مف فضلبء الناس ، في مقدمتيـ عثماف بف عفاف الأموي ، والزبير بف العواـ الأسدي ، وعبد الرحمف بف عوؼ الزىري ، وسعد بف أبي وقاص الزىري ، وطمحة بف عبيد الله التيمى ، بيف ليـ أبو بكر -  - الإسلبـ ، وأتى بيـ إلى النبي-  - فأسمموا جميعاً . ثـ تلب ىؤلاء أميف ىذه الأمة أبو عبيدة عامر بف الجراح ، وأبو سممة بف عبد الأسد ، وامرأتو أـ سممة ، والأرقـ بف أبي الأرقـ ، وعثماف بف مظعوف ، وأخواه قدامة وعبدالله ابنا مظعوف ، وعبيدة بف الحارث بف المطمب بف عبد مناؼ ، وسعيد ابف زيد بف عمرو بف نفيؿ ، وامرأتو فاطمة بنت الخطاب أخت عمر بف

عدد الصفحات ٣٠

الخطاب ، وخباب بف الأرت ، وجعفر بف أبي طالب ، وامرأتو بنت عميس ، وخالد بف سعيد بف العاص ، وحاطب بف حارث ، وامرأتو فاطمة بنت المجمؿ ، وأخوه حطاب بف حارث ، وامرأتو فكيية بنت أبي عوؼ ، ونعيـ بف عبد الله بف أسيد النحاـ ، وىؤلاء كميـ قرشيوف مف بطوف وأفخاذ شتى مف قريش . ومف السابقيف الأوليف إلى الإسلبـ مف غير قريش : عبدالله بف مسعود اليذلي ، ومسعود بف ربيعة القاري ، وعبدالله بف جحش ، وأخوه أبو أحمد بف جحش ، وصييب بف سناف الرومي ، وعمار بف ياسر العنسي ، وأبوه ياسر ، وأمو سمية ، وعامر ابف فييرة . وممف سبؽ إلى الإسلبـ مف نساء مف غير مف تقدـ ذكرىف : أـ أيمف بركة الحبشية ، مولاة رسوؿ الله -  - وحاضنتو ، أـ الفضؿ لبابة الكبرى بنت الحارث اليلبلية ، زوج العباس بف عبد المطمب ، وأسماء بنت أبي بكر الصديؽ -  . - وقد عرؼ ىؤلاء الأقدموف ومف أسمـ معيـ بمقب السابقيف الأوليف ، ويظير بعد التتبع والاستقراء أف عدد مف قيؿ فيو : أنو قديـ الإسلبـ ، أو قيؿ فيو : إنو مف السابقيف الأوليف ، يصؿ إلى مائة وثلبثيف صحابياً تقريباً . ولكف لا يعرؼ بالضبط أنيـ أسمموا قبؿ الجير بالدعوة . أو تأخر إسلبـ بعضيـ إلى الجير بيا .

عدد الصفحات ٣١

عبادة المؤمنٌن وتربٌتهم: أما الوحي فقد تتابع نزولو بعد أوائؿ المدثر . ويقاؿ : إف أوؿ ما نزؿ بعدىا ىي سورة الفاتحة ، وىي سورة تجمع بيف الحمد والدعاء ، وتشتمؿ عمى جميع المقاصد الميمة مف القرآف والإسلبـ ، كما أف أوؿ ما أمر بو النبي - -مف العبادات الصلبة : ركعتاف بالغداة وركعتاف بالعشي ، نزؿ بذلؾ جبريؿ فعممو الوضوء والصلبة . فكانت الطيارة الكاممة ىي سمة المؤمنيف ، والوضوء شرط الصلبة ، والفاتحة أصؿ الصلبة ، والحمد والتسبيح مف أوراد الصلبة ، وكانت الصلبة ىي عبادة المؤمنيف ، يقيمونيا ، ويقوموف بيا في أماكف بعيدة عف الأنظار ، وربما كانوا يقصدوف بيا الأودية والشعاب . ولا تعرؼ ليـ عبادات وأوامر ونواه أخرى في أوائؿ أياـ الإسلبـ ، وا نما كاف الوحي يبيف ليـ جوانب شتى مف التوحيد ، ويرغبيـ في تزكية النفوس ، ويحثيـ عمى مكارـ الأخلبؽ ، ويصؼ ليـ الجنة والنار ، ويعظيـ مواعظ بميغة تشرح الصدور وتغذي الأرواح . وكاف النبي -  - يزكييـ ويعمميـ الكتاب والحكمة ، ويحدو بيـ إلى منازؿ نقاء القموب ، ونظافة الأخلبؽ ، وعفة النفوس ، وصدؽ المعاملبت ، وبالجممة كاف يخرجيـ مف الظممات إلى النور . وييدييـ إلى صراط مستقيـ ، ويربييـ عمى التمسؾ بديف الله والاعتصاـ بحبؿ الله ، والثبات في أمر الله ، والاستقامة عميو .

عدد الصفحات ٣٢

وىكذا مرت ثلبثة أعواـ ، والدعوة لـ تزؿ مقصورة عمى الأفراد ، لـ يجير بيا النبي -  - في المجامع والنوادي ، إلا أنيا صارت معروفة لدى قريش ، وقد تنكر ليـ بعضيـ أحياناً ، واعتدوا عمى بعض المؤمنيف ، ولكنيـ لـ يبالوا بيا بصفة عامة ، حيث لـ يتعرض رسوؿ الله -  - لدينيـ ولـ يتكمـ في آليتيـ.

عدد الصفحات ٣٣