المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

روضة الأنوار في سيرة النبي المختار

صفي الرحمن المباركفوري

صفحة ١ من ١٨

بسم الله الرحمن الرحٌم الحمد لله رب العالميف ، والصلبة والسلبـ عمى أفضؿ رسمو ، وخاتـ أنبيائو : محمد الصادؽ الأميف ، المبعوث إلى الأحمر والأسود أجمعيف ، وعمى آلو وصحبو حممة لواء الديف ، وعمى مف تبعيـ بإحساف مف الأئمة واليداة والدعاة والأتقياء والصالحيف ، وعمى كؿ مف سمؾ سبيميـ إلى يوـ الديف . أما بعــد : فإف السيرة النبوية مف أشرؼ العموـ وأعزىا وأسناىا ىدفاً ومطمباً ، بيا يعرؼ الرجؿ المسمـ أحواؿ دينو ونبيو ، وما شرفو الله – تعالى – بو مف أرومة الأصؿ وكرـ المحتد ، ثـ ما أكرمو بو مف اختياره لموحي والرسالة ، وحمؿ عبء الدعوة إلية وا لى دينو ، ثـ ما قاـ بو -  - مف بذؿ الجيود المتواصمة ، وما عاناه مف البلبء والمحف في ىذا السبيؿ ، وما حظي بو – بجنب ذلؾ – مف نصرة الله وتأييده بجنود غيبو المكنوف ، وملبئكتو البررة الكراـ ، وا نزاؿ البركات ، وخوارؽ العادات ، وغير ذلؾ . وقد كثر الاىتماـ بيذا الموضوع في قديـ الزماف وحديثو دراسة وكتابة وتأليفاً ، لأنو عمؿ ينبثؽ مف صميـ الإيماف وغريزة الحب والتفاني ، إلا أف عامة القائميف بذلؾ لـ يوفوا حقو مف التحقيؽ ، بؿ أدخموا فيو ما وافؽ أفكارىـ وميوليـ وعواطفيـ ، ولو لـ يكف لو حظ مف الصحة والثبوت ، بؿ جاءوا ببعض ماىو مصطدـ بأصوؿ الديف وخارج عف حيز نطاؽ المعقوؿ .

عدد الصفحات ٢

ونظراً إلى ذلؾ اقترح عمى بعض الإخواف بتأليؼ كتاب جديد في حجـ متوسط أجمع فيو ما ىو ثابت ومعترؼ بو عند أئمة ىذا الفف ، مع مراعاة مستوى الناشئيف وعامة الدارسيف ، متجنباً الإجحاؼ والانحراؼ ، فطمبت مف الله التوفيؽ والسداد ، وبدأت بالعمؿ المطموب ، مستمداً في ذلؾ مف القرآف الكريـ تفاسيره المعتمدة ، ثـ مف كتب السنة والسيرة ، ومستفيداً بما يوجد فييا مف القرائف والشيادات الداخمية ، وما يحيط بيا مف الشيادات الخارجية ، وآثرت أف تكوف العبارة مأخوذة مف الروايات وكلبـ الأوائؿ بقدر الإمكاف . مع الاختصار والاختيار ، وأرجوا أني قد أديت المطموب إلى حد قريب ، وأدعو الله – سبحانو – أف ينفع بو المسمميف ، ويجعمو خالصاً لوجية الكريـ . وصمى الله عمى خير خمقو محمد وبارؾ وسمـ . صفي الرحمن المباركفوري 1/1/1414هـ

عدد الصفحات ٣

محمد ـ - أصله ، ونشأته ، وأحواله قبل النبوة النسب الشرٌف : ىو أكرـ خمؽ الله ، وأفضؿ رسمو ، وخاتـ أنبيائو محمد بف عبد الله بف عبد المطمب بف ىاشـ بف ىاشـ بف عبد مناؼ بف قصي بف كلبب بف مرة بف كعب بف لؤي بف غالب بف فير بف مالؾ بف النضر بف كنانة بف خزيمة بف مدركة بف إلياس بف مضر بف نزار بف معد بف عدناف . وعدناف مف ذرية إسماعيؿ بف إبراىيـ – عمييما السلبـ – بالاتفاؽ ، ولكف لـ يعرؼ بالضبط عدد ولا أسماء مف بينو وبيف إسماعيؿ عميو السلبـ . أما أمو -  - فيي آمنة بنت وىب بف عبد مناؼ بف زىرة بف كلبب . وكلبب ىو الجد الخامس لمنبي -  - مف جية أبيو ، فأبوه وأمو مف أصؿ واحد ، يجتمعاف في كلبب ، واسمو حكيـ . وقيؿ : عروة لكنو كاف كثير الصيد بالكلبب فعرؼ بيا . قبٌلته -  : -

عدد الصفحات ٤

وقبيمتو-  - ىي قبيمة قريش المشيود ليا بالشرؼ ، ورفعة الشأف ، والمجد الأصيؿ ، وقداسة المكاف بيف سائر العرب ، وىو لقب فير بف مالؾ أو النضر بف كنانة . وكؿ مف رجالات ىذه القبيمة كانوا سادات وأشرافاً في زمانيـ ، وقد امتاز منيـ قصي – واسمو زيد – بعدة ميزات ، فيو أوؿ مف تولى الكعبة مف قريش ، فكانت إليو حجابتيا وسدانتيا ، أي كاف بيده مفتاح الكعبة يفتحيا لمف شاء ومتى شاء ، وىو الذي أنزؿ قريشاً ببطف مكة ، وأسكنيـ في داخميا ، وكانوا قبؿ ذلؾ في ضواحييا وأطرافيا ، متفرقيف بيف قبائؿ أخرى ، وىو الذي أنشأ السقاية والرفادة . والسقاية . ماء عذب مف نبيذ التمر أو العسؿ أو الزبيب ونحوه ، كاف يعده في حياض مف الأديـ يشربو الحجاج . والرفادة : طعاـ كاف يصنع ليـ في الموسـ . وقد بنى قصي بيتاً بشمالي الكعبة ، عرؼ بدار الندوة . وىي دار شورى قريش ، ومركز تحركاتيـ الاجتماعية ، فكاف لا يعقد نكاح ، ولا يتـ أمر إلا في ىذه الدار ، وكاف بيده المواء والقيادة ، فلب تعقد راية حرب إلا بيده ، وكاف كريماً وافر العقؿ ، صاحب كممة نافذة في قومو . أسرته -  : - أما أسرتو -  - فتعرؼ بالأسرة الياشمية ، نسبة إلى جدة الثاني ىاشـ ، وقد ورث ىاشـ مف مناصب قصي : السقاية والرفادة ، ثـ ورثيما أخوه المطمب ، ثـ

عدد الصفحات ٥

أولاد ىاشـ إلى أف جاء الإسلبـ وىـ عمى ذلؾ ، وكاف ىاشـ أعظـ أىؿ زمانو ، كاف ييشـ الخبز ، أي يفتتو في المحـ ، فيجعمو ثريداً ، ثـ يتركو يأكؿ الناس ، فمقب بياشـ ، واسمو عمرو . وىو الذي سف الرحمتيف : رحمة الشتاء إلى اليمف ، ورحمة الصيؼ إلى الشاـ ، وكاف يعرؼ بسيد البطحاء . ومف حديثو : أنو مر بيثرب ، وىو في طريؽ تجارتو إلى الشاـ ، فتزوج سممى بنت عمرو مف بني عدي بف النجار ، وأقاـ عندىا فترة ، ثـ مضى إلى الشاـ وىي حامؿ ، فمات بغزة مف أرض فمسطيف ، وولدت سممى ابناً بالمدينة سمتو : شيبة ، لشيب في رأسو ، ونشأ ىذا الطفؿ بيف أخوالو في المدينة ، ولـ يعمـ بو أعمامو بمكة حتى يبمغ نحو سبع سنيف أو ثماني سنيف ، ثـ عمـ بو عمو المطمب ، فذىب بو إلى مكة ، فمما رآه الناس ظنوه عبده فقالوا : عبد المطمب ، فاشتير بذلؾ . وكاف عبد المطمب أوسـ الناس ، وأجمميـ ، وأعظميـ قدراً . وقد شرؼ في زمانو شرفاً لـ يبمغو أحد ، كاف سيد قريش وصاحب عير مكة ، شريفاً مطاعاً جواداً يسمى بالفياض لسخائو ، كاف يرفع مف مائدتو لممساكيف والوحوش والطيور ، فكاف يمقب بمطعـ الناس في السيؿ ، والوحوش والطيور في رؤوس الجباؿ . قد تشرؼ بحفر بئر زمزـ بعد أف كاف قد درسيا جرىـ عند جلبئيـ عف مكة ، وكاف قد أمر بحفرىا في المناـ ، ووصؼ لو موضعيا فيو .

عدد الصفحات ٦

وفي عيده وقعت حادثة الفيؿ ، جاء أبرىة الأشرـ مف اليمف بستيف ألؼ جندي مف الأحباش ، ومعو بعض الفيمة ، لييدـ الكعبة ، فمما وصؿ إلى وادي محسر بيف المزدلفة ومنى ، وتييأ لميجوـ عمى مكة أرسؿ الله عمييـ طيراً أبابيؿ ترمييـ بحجارة مف سجيؿ ، فجعميـ كعصؼ مأكوؿ ، وكاف ذلؾ قبؿ مولد النبي -  - بأقؿ مف شيريف فقط . أما والده -  - عبدالله فكاف أحسف أولاد عبد المطمب ، وأعفيـ ، وأحبيـ إليو ، وىو الذبيح ، وذلؾ أف عبد المطمب لما حفر بئر زمزـ ، وبدت آثارىا نازعتو قريش ، فنذر لئف آتاه الله عشرة أبناء ، وبمغوا أف يمنعوه ، ليذبحف أحدىـ . فمما تـ لو ذلؾ أقرع بيف أولاده ، فوقعت القرعة عمى عبدالله ، فذىب إلى الكعبة ليذبحو ، فمنعتو قريش ، ولا سيما إخوانو وأخوالو ، ففداه بمائة مف الإبؿ ، فالنبي - -ابف الذبيحيف : إسماعيؿ – عميو السلبـ –وعبد الله ، وابف المفدييف ، فدي إسماعيؿ – عميو السلبـ – بكبش ، وفدي عبد الله بمائة مف الإبؿ . واختار عبد المطمب لابنو عبد الله آمنو بنت وىب ، وكانت أفضؿ نساء قريش شرفاً وموضعاً ، وكاف أبوىا وىب سيد بني زىرة نسباً وشرفاً ، فتمت الخطبة والزواج ، وبنى بيا عبد الله بمكة فحممت برسوؿ الله - . -

عدد الصفحات ٧

وبعد فترة أرسمو عبد لمطمب إلى المدينة – أو الشاـ في تجارة – فتوفي بالمدينة – راجعاً مف الشاـ – ودفف في الدار النابغة الذبياني ، وذلؾ قبؿ ولادتو -  -عمى الأصح. المولد : ولد رسوؿ الله -  - بشعب بني ىاشـ في مكة ، صبيحة يوـ الاثنيف ، التاسع – ويقاؿ : الثاني عشر – مف شير ربيع الأوؿ عاـ الفيؿ – والتاريخ الأوؿ أصح والثاني أشير – وىو يوافؽ اليوـ الثاني والعشروف مف شير أبريؿ سنة 571ـ . وكانت قابمتو أي دايتو : الشفاء بنت عمرو أـ عبد الرحمف بف عوؼ -  -ولما ولدتو أمو خرج منيا نور أضاءت لو قصور الشاـ . وأرسمت إلى جده عبد المطمب تبشره بولادتو -  -فجاء عبد المطمب مستبشراً مسروراً ، وحممو ، فأدخمو الكعبة ، وشكر الله ، ودعاه ، وسماه محمداً ، رجاء أف يحمد ، وعؽ عنو ، وختنو يوـ سابعو ، وأطعـ الناس كما كاف العرب يفعموف . وكانت حاضنتو أـ أيمف : بركة الحبشية ، مولاة والده عبد الله ، وقد بقيت حتى أسممت ، وىاجرت ، وتوفيت بعد النبي -  - بخمسة أشير ، أو بستة أشير. الرضــاع :

عدد الصفحات ٨

وأوؿ مف أرضعتو -  - بعد أمو ثويبة: مولاة أبي ليب بمبف ابف ليا ، يقاؿ لو مسروح ، وكانت قد أرضعت قبمو -  - حمزة بف عبد المطمب وبعده -  - أبا سممة بف عبد الأسد المخزومي ، فيـ إخوتو-  - مف الرضاعة . وقد أعتؽ أبو ليب أمتو ىذه فرحاً بولادة رسوؿ الله -  - ولكنو صار مف ألد أعدائو حينما قاـ بالدعوة إلى الإسلبـ . فً بنً سعد : كاف مف عادة العرب أف يمتمسوا المراضع لمواليدىـ في البوادي ، إبعاداً ليـ عف أمراض الحواضر حتى تشتد أعصابيـ ، وليتقنوا المساف العربي في ميدىـ . وقدر الله أف جاءت نسوة مف بني سعد بف بكر بف ىوزاف يطمبف الرضعاء فعرض النبي -  - عمييف كميف ، فأبيف أف يرضعنو لأجؿ يتمو . ولـ تجد إحدى النسوة – وىي حميمة بنت أبي ذويب – رضيعاً فأخذتو -  - وحظيت بو حظوة اغتبط ليا الآخروف . واسـ أبي ذويب والد حميمة : عبد الله بف الحارث ، واسـ زوجيا : الحارث ابف عبد العزى ، وكلبىما ف سعد بف بكر بف ىوازف . وأولاد الحارث بف عبد العزى ، إخوتو -  - مف الرضاعة ىـ : عبد الله وأنيسة وجدامة ، وىي الشيماء ، لقب غمب عمى اسميا ، وكانت تحضف رسوؿ الله -  -

عدد الصفحات ٩

بركات فً بٌت الرضاعة: وقد درت البركات عمى أىؿ ىذا البيت مدة وجوده -  - بينيـ. ومما روي مف ىذه البركات : أف حميمة لما جاءت إلى مكة كانت الأياـ أياـ جدب وقحط ، وكانت معيا أتاف كانت أبطأ دابة في الركب مشياً لأجؿ الضعؼ واليزاؿ ، وكانت معيا ناقة لا تدر بقطرة مف لبف ، وكاف ليا ولد صغير يبكي ويصرخ طوؿ الميؿ لأجؿ الجوع ، ولا يناـ ، ولا يترؾ أبويو يناماف . فمما جاءت حميمة بالنبي -  - إلى رحميا ، ووضعتو في حجرىا أقبؿ عميو ثدياىا بما شاء مف لبف ، فشرب حتى روي ، وشرب معو ابنيا الصغير حتى روى ، ثـ ناما . وقاـ زوجيا إلى الناقة فوجدىا حافلبً بالمبف ، فحمب منيا ما انتييا بشربو رياً وشبعاً ، ثـ باتا بخير ليمة . ولما خرجا راجعيف إلى بادية بني سعد ركبت حميمة تمؾ الأتاف ، وحممت معيا النبي -  - فأسرعت الأتاف حتى قطعت بالركب ، ولـ يستطع لحوقيا شئ مف الحمر . ولما قدما في ديارىما : ديار بني سعد – وكاف أجدب أرض الله – كانت غنميما تروح عمييما شباعاً ممتمئة الخواصر بالعمؼ ، ممتمئة الضروع بالمبف . فكانا يحمباف ويشرباف ، وما يحمب إنساف قطرة لبف .

عدد الصفحات ١٠

فمـ يزالا يعرفاف مف الله الزيادة والخير حتى اكتممت مدة الرضاعة ومضت سنتاف ففطمتو حميمة ، وقد اشتد وقوي في ىذه الفترة . بقاء النبً –  - فً بنً سعد بعد الرضاعة: وكانت حميمة تأتي بالنبي -  - إلى آمو وأسرتو كؿ ستة أشير ، ثـ ترجع بو إلى باديتيا في بني سعد ، فمما اكتممت مدة الرضاعة وفطمتو ، وجاءت بو إلى أمو حرصت عمى بقائو -  - عندىا ، لما رأت مف البركة والخير . فطمبت مف أـ النبي -  - أف تتركو عندىا حتى يغمظ ، فإنيا تخاؼ عميو وباء مكة ، فرضيت أمو -  - بذلؾ ، ورجعت بو حميمة إلى بيتا مستبشرة مسرورة ، وبقي النبي -  -عندىا بعد ذلؾ نحو سنتيف ، ثـ وقعت حادثة غريبة أحدثت خوفاً في حميمة وزوجيا حتى ردا النبي -  - إلى أمو. وتمؾ الحادثة ىي شؽ صدره -  - وا ليكـ بياف ذلؾ. شق الصدر : قاؿ أنس بف مالؾ -  : - إف رسوؿ ا -  - أتاه جبريؿ وىو يمعب مع لغمماف فأخذه فصرعو ، فشؽ عف قمبو . فاستخرج القمب ، فاستخرج منو عمقة ، فقاؿ : ىذا حظ الشيطاف منؾ . ثـ غسمو في طست مف ذىب بماء زمزـ ، ثـ لأمو – أي ضمو وجمعو – ثـ أعاده في مكانو .

عدد الصفحات ١١

وجاء الغمماف يسعوف إلى أمو– يعني ظئره ( وىي المرضعة ) – فقالوا إف محمداً قد قتؿ . فاستقبموه وىو منتقع الموف . أي متغير الموف . قاؿ أنس : وقد كنت أرى أثر ذلؾ المخيط في صدره . إلى أمه الحنون : ورجع النبي -  - بعد ىذا الحادث إلى مكة ، فبقي عند أمو وفي أسرتو نحو سنتيف ، ثـ سافرت معو أمو إلى المدينة ، حيث قبر والده وأخواؿ جده بنو عدي بف النجار ، وكاف معيا قيميا عبد المطمب ، وخادمتيا أـ أيمف ، فمكثت شيراً ثـ رجعت ، وبينما ىي في الطريؽ لحقيا المرض ، واشتد حتى توفيت بالأبواء بيف مكة والمدينة ، ودفنت ىناؾ .

عدد الصفحات ١٢

إلى جده العطوف: وعاد بو -  - جده عبد المطمب إلى مكة ، وىو يشعر بأعماؽ قمبو شدة ألـ المصاب الجديد . فرؽ عميو رقة لـ يرقيا لى أحد مف أولاده ، فكاف يعظـ قدره ، ويقدمو عمى أولاده ، ويكرمو غاية الإكراـ ، ويجمسو عمى فراشو الخاص الذي لـ يكف يجمس عميو غيره . ويمسح ظيره ، ويسر بما يراه يصنع . ويعتقد أف لو شأناً عظيماً في المستقبؿ ، ولكنو توفي بعد سنتيف حيف كاف عمره -  - ثماني سنوات وشيريف وعشرة أياـ . إلى عمه الشفٌق : وقاـ بكفالتو -  -عمو أبو طالب شقيؽ أبيو ، واختصو بفضؿ الرحمة والمودة ، وكاف مقلب مف الماؿ . فبارؾ الله في قميمو ، حتى كاف طعاـ الواحد يشبع جميع أسرتو ، وكاف الرسوؿ -  - مثاؿ القناعة والصبر ، يكتفي بما قدر الله لو. سفره إلى الشام وبحٌرا الراهب : وأراد أبو طالب أف يخرج بتجارة إلى الشاـ في عير قريش ، وكاف عمره -  -اثنتي عشرة سنة – وقيؿ : وشيريف وعشرة أياـ – فاستعظـ رسؿ الله -  - فراقو ، فرؽ عميو وأخذه معو ، فمما نزؿ الركب قريباً مف مدينة بصرى عمى مشارؼ

عدد الصفحات ١٣

الشاـ خرج إلييـ أحد كبار رىباف النصارى – وىو بحيرا الراىب – فتخمؿ في الركب حتى وصؿ إلى النبي -  - فأخذ بيده ، وقاؿ " ىذا سيد العالميف ، ىذا رسوؿ رب العالميف ، ىذا يبعثو الله رحمة لمعالميف " . قالوا : وما عممؾ بذلؾ ؟ قاؿ : "إنكـ حيف أشرفتـ مف العقبة لـ يبؽ حجر ولا شجر إلا خر ساجداً ، ولا يسجداف إلا لنبي ، وا ني أعرفو بخاتـ النبوة أسفؿ مف غضروؼ كتفو مثؿ التفاحة ، وا نا نجده في كتبنا " . ثـ أكرميـ بالضيافة ، وسأؿ أبا طالب ، أف يرده ولا يقدـ بو إلى الشاـ خوفاً مف الييود والروماف ، فرده أبو طالب إلى مكة . حرب الفجار : وحيف كاف عمره -  - عشريف سنة – وقعت في السوؽ عكاظ حرب بيف قبائؿ قريش وكنانة مف جية ، وبيف قبائؿ قيس عيلبف مف جية أخرى . اشتد فييا البأس ، وقتؿ عدد مف الفريقيف ، ثـ اصطمحوا عمى أف يحصوا قتمى الفريقيف ، فمف وجد قتلبه أكثر أخذ دية الزائد ، ووضعوا الحرب ، وىدموا ما وقع بينيـ مف العداوة والشر .

عدد الصفحات ١٤

وقد حضر ىذه الحرب رسوؿ -  - وكاف ينبؿ عمى أعمامو ، أي يجيز ليـ النبؿ لمرمي . وسميت ىذه الحرب بحرب الفجار لأنيـ انتيكوا فييا حرمة حرـ مكة والشير الحراـ ، والفجار أربعة : كؿ في سنة ، وىذه آخرىا ، وانتيت الثلبثة الأولى بعد خصاـ وأشتجار طفيؼ ، ولـ يقع القتاؿ إلا في الرابع فقط . حلف الفضول : وفي شير ذي القعدة عمى إثر ىذه الحرب تـ حمؼ الفضوؿ بيف خمسة بطوف مف قبيمة قريش وىـ : بنو ىاشـ ، وبنو المطمب ، وبنو أسد ، وبنو زىرة ، وبنو تيـ . وسببو أف رجلبً مف زبيد جاء بسمعة إلى مكة ، فاشتراىا منو العاص بف وائؿ السيمي ، وحبس عنو حقو ، فاستعدي عميو ببني عبد الدار ، وبني مخزوـ ، وبني جمح ، وبني سيـ ، وبني عدي ، فمـ يكترثوا لو ، فعلب جبؿ أبي قبيس ، وذكر ظلبمتو في أبيات ، ونادى مف يعينو عمى حقو ، فمشى في ذلؾ الزبير بف عبد المطمب حتى اجتمع الذيف مضى ذكرىـ في دار عبد الله بف جدعاف رئيس بني تيـ ، وتحالفوا وتعاقدوا عمى أف لا يجدوا بمكة مظموماً مف أىميا أو مف غيرىـ إلا قاموا معو حتى ترد عميو مظممتو ، ثـ قاموا إلى العاص بف وائؿ السيمي ، فانتزعوا منو حؽ الزبيدي ، ودفعوه إليو .

عدد الصفحات ١٥

وقد حضر رسوؿ ا -  - ىذا الحمؼ مع أعمامو ، وقاؿ بعد أف شرفو ا بالرسالة : " لقد شيدت في دار عبدالله بف جدعاف حمفاً ما أحب أف لي بو حمر النعـ ، ولو أدعى بو في الإسلبـ لأجبت " . حٌاة العمل : معموـ أف النبي -  - ولد يتيماً ونشأ في كفالة جده ثـ عمو ، ولـ يرث عف أبيو شيئاً يغنيو ، فمما بمغ سنا يمكف العمؿ فيو عادة رعى الغنـ مع إخوتو مف الرضاعة في بني سعد ، ولما رجع ؟إلى مكة رعاىا لأىميا عمى قراريط ، والقيراط جزء يسير مف الدينار : نصؼ العشر أو ثمث الثمف منو . قيمتو في ىذا الزماف عشرة ريالات تقريباً . ورعى الغنـ مف سنف الأنبياء في أوائؿ حياتيـ . فقد قاؿ -  - مرة بعد أف أكرمو الله بالنبوة : " ما مف نبي إلا ورعاىا " . ولما شب النبي -  - وبمغ الفتوة فكأنو كاف يتجر ، فقد ورد أنو كاف يتجر مع السائب بف أبي السائب ، فكاف خير شريؾ لو ، لا يجاري ولا يماري . وعرؼ -  - في معاملبتو بغاية الأمانة والصدؽ والعفاؼ. وكاف ىذا ىديو -  - في جميع مجالات الحياة حتى لقب بالأميف. سفره إلى الشام وتجارته فً مال خدٌجة :

عدد الصفحات ١٦

وكانت خديجة بنت خويمد-  - مف أفضؿ نساء قريش شرفاً ومالاً ، وكانت تعطي ماليا لمتجار يتجروف فيو عمى أجرة ، فمما سمعت عف النبي -  - عرضت عمييا ماليا ليخرج فيو إلى الشاـ تاجراً ، وتعطيو أفضؿ ما أعطتو غيره . وخرج رسوؿ الله -  - مع غلبميا ميسرة إلى الشاـ ، فباع وابتاع وربح ربحاً عظيماً ، وحصؿ في ماليا مف البركة ما لـ يحصؿ مف قبؿ ، ثـ رجع إلى مكة ، وأدى الأمانة زواجه بخدٌجة : ورأت خديجة مف الأمانة والبركة ما يبير القموب ، وقص عمييا ميسرة ما رأى في النبي -  - مف كرـ الشمائؿ وعذوبة الخلبؿ – يقاؿ : وبعض الخوارؽ ، مثؿ تظميؿ الممكيف لو في الحر – فشعرت خديجة بنيؿ بغيتيا فيو . فأرسمت إليو إحدى صديقاتيا تبدى رغبتيا في الزواج بو ، ورضي النبي -  - بذلؾ ، وكمـ أعمامو ، فخطبوىا لو إلى عميا عمرو بف أسد ، فزوجيا عميا بالنبي - - في محضر مف بني ىاشـ ورؤساء قريش عمى صداؽ قدره عشروف بكرة ، وقيؿ ست بكرات ، وكاف الذي ألقى خطبة النكاح ىو عمو أبو طالب : فحمد الله ، وأثنى عميو ، ثـ ذكر شرؼ النسب وفضؿ النبي -  - ، ثـ ذكر كممة العقد وبيف الصداؽ. تـ ىذا الزواج بعد رجوعو -  - مف الشاـ بشيريف وأياـ ، وكاف عمره إذ ذاؾ خمساً وعشريف سنة ، أما خديجة فالأشير أف سنيا كانت أربعيف سنة . وقيؿ :

عدد الصفحات ١٧