المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

روضة الأنوار في سيرة النبي المختار

صفي الرحمن المباركفوري

صفحة ١٥ من ١٨

والإمياؿ ، والإتماـ ، وبعث أبو بكر-  -رجالاً ينادوف: ألا لا يحج بعد ىذا العاـ مشرؾ ، ولا يطوؼ بالبيت عرياف . الوفــود والدعـاة والعمال كاف العرب ينتظروف نتيجة الصراع القائـ بيف قريش والنبي - -، وكانوا يعتقدوف أف الباطؿ لا يمكف أف يسيطر عمى المسجد الحراـ بالقوة والفتح ، ولـ تكف قصة أصحاب الفيؿ عنيـ ببعيدة ، فمما أكرـ الله رسولو - -بإدخالو في المسجد الحراـ ، وبتسميطو عمى كفار مكة ، ولـ يبؽ عندىـ أدنى شؾ في كونو رسولاً حقاً ، فبدأت القبائؿ العربية تتوافد إليو تترى . تؤمف برسالتو وتقر بطاعتو ، وأخذ الناس يدخموف في ديف الله أفواجاً . وخلبؿ فترة قصيرة اتسعت رقعة الدولة الإسلبمية مف ساحؿ البحر الأحمر إلى ساحؿ الخميج العربي ، ومف مناطؽ جنوب الأردف ومشارؼ الشاـ إلى سواحؿ اليمف وعماف ، وأخذ النبي - -ينظـ أمور ىذه البلبد الشاسعة ، فيرسؿ الدعاة وينصب الولاة ، ويبعث جباة الصدقات ، ويوفر ما يحتاج إليو نظاـ العباد والبلبد مف القضاة والعماؿ ، وسنمر بشئ مف كؿ ذلؾ حسب المقاـ قريباً إف شاء الله . والوفود التي توافدت إلى رسوؿ الله - -يزيد عددىا عمى سبعيف وفداً ، حسب ما ذكره عامة أىؿ السير ، وقد حاوؿ بعض أىؿ العمـ استقصاء ىذه الوفود – سواء ثبتت الرواية بيا أو لـ تثبت – فأبمغيا قريباً مف مائة وفد . وكانت الوفادة إليو - -قد بدأت قبؿ الفتح ، وقد توافد إليو البعض في أوائؿ سنوات اليجرة ، بؿ قد جاءه بعض الوفود قبؿ اليجرة ، إلا أف الوفادة العامة ، وفي صورة متوالية مستمرة إنما وقعت بعد الفتح في السنة التاسعة ، وقد امتدت إلى السنة العاشرة ، بؿ وا لى ما بعدىا أيضاً ، ولذلؾ سميت السنة التاسعة بسنة الوفود . ومعظـ ىذه الوفود كاف أعضاؤىا سادات القبائؿ ، ورؤساءىا ، ورجالا مف أىؿ الحؿ والعقد منيا ، وربما توافد الرجؿ وحده ، أو توافد ومعو رىط صغير . أما الغرض المطموب مف الوفادة فكاف يختمؼ مف وفد عمى وفد ، فمنيـ مف جاء يريد رد السبايا والمأخوذيف ، كما تقدـ في وفد ىوازف ، ووفد تميـ ، ومنيـ مف

عدد الصفحات ٢٢٧

جاء يريد الأماف لنفسو فقط ، أو لنفسو وقومو كمييما ، ومنيـ مف جاء يفاخر ويباىي ، أو يناظر ويجادؿ ، ومنيـ مف جاء يطمب رد الجيش الإسلبمي كيلب ييجـ عمى قومو ، ومنيـ مف جاء يقر بالطاعة والجزية ، ومنيـ مف جاء يبدي رغبتو في الإسلبـ ، ويبدى رجاء ذلؾ مف قومو ، ومنيـ مف جاء مسمماً طائعاً ممثلبُ لقومو ، يرغب في معرفة تعاليـ الإسلبـ وأحكامو . وكاف رسوؿ الله - -يقابؿ ىذه الوفود بما جبمو الله عميو مف البشاشة وكرـ الأخلبؽ ، فيجيزىـ بما يرضييـ ، ويرغبيـ في الإسلبـ ، ويعمميـ الإيماف والشرائع ليعمموا مف وراءىـ ، وكانت ىذه الوفود أعظـ وصمة لإظيار الديف بيف الأعراب في البوادي ، فقد كانت نتائج ىذه الوفادات ، مع تنوعيا واختلبؼ أغراضيا ، إسلبـ المتوافديف ، ثـ إسلبـ قوميـ عاجلبً أو بعد فترة قصيرة ، ولـ يشذ عف ذلؾ إلا البعض فقط ، مثؿ بني حنيفة ومسيممة الكذاب ، وفيما يمي تذكر بعض الوفود الميمة . وفد عبد القٌس : كانوا مف سكاف شرؽ الجزيرة العربية ، ومف أوؿ مف أسمـ خارج المدينة ، فإف أوؿ مسجد أقيمت فيو الجمعة بعد مسجد رسوؿ الله - -ىو مسجدىـ بقرية جواثي بالبحريف ، وقد توافد بنو عبد القيس مرتيف ، مرة في السنة الخامسة مف اليجرة ، ومرة في سنة الوفود ، والوافدوف في المرة الأولى كانوا ثلبثة عشر أو أربعة عشر رجلبً ، فمما وصموا المدينة ورأوا النبي - -رموا بأنفسيـ عف الركائب بباب المسجد ، وتبادروا إليو يسمموف عميو ، وكاف فييـ عبدالله بف عوؼ الأشج ، وكاف أصغرىـ سناً ، فتخمؼ عند الركائب حتى أناخيا ، وجمع المتاع ، وأخرج ثوبيف أبيضيف فمبسيما ، ثـ جاء ىونا حتى سمـ عمى رسوؿ الله - -، فقاؿ لو رسوؿ ا - - ":إف فيؾ خصمتيف يحبيما الله ورسولو : الحمـ والأناة " . وكاف النبي- -قد قاؿ قبؿ وصوليـ إلى المدينة: سيطمع عميكـ ركب ىـ خير أىؿ المشرؽ ، لـ يكرىوا عمى الإسلبـ ، وقد أنضوا الركائب ، وأفنوا الزاد ، الميـ اغفر لعبد القيس . فمما جاؤوه قاؿ ": مرحبا بكـ غير خزايا ولا ندامى ".

عدد الصفحات ٢٢٨

سألوه عف أمر فصؿ يعمموف بو ، ويخبروف بو مف وراءىـ ، فأمرىـ بأربع : 1. شيادة أف لا إلو إلا الله ، وأف محمداً رسوؿ ا. 2. وا قاـ الصلبة. 3. وا يتاء الزكاة. 4. وصوـ رمضاف . ولـ يكف قد فرض الحج إذ ذاؾ فمـ يأمر بو ، وطمب منيـ أف يعطوا مف المغنـ الخمس ، ونياىـ عما يسكر مف الأشربة ، وكانوا يكثروف منيا ، ونياىـ أيضاً عف الأواني التي كانوا ينتبذوف فييا . أما الوفادة الثانية فكاف فييا أربعوف رجلبً ، فييـ الجارود بف العلبء العبدي ، كاف نصرانياُ فأسمـ ، وحسف إسلبمو . وفود ضمام بن ثعلبة من بنً سعد بن بكر : كاف رجلبً جافياً مف أىؿ البادية ، ذا غديرتيف ، وقدـ المدينة فأناخ بعيره في المسجد ، وعقمو ، ثـ قاؿ : أيكـ ابف عبدالمطمب ؟ فدلوه عميو - -، فدنا منو وقاؿ : يا محمد ! إني سائمؾ ، فمشدد عميؾ في المسألة ، فلب تجد عمي في نفسؾ ، فقاؿ :" سؿ ما بدا لؾ ". فقاؿ : أتانا رسولؾ فزعـ لنا أنؾ تزعـ أف الله أرسمؾ . قاؿ : " صدؽ " قاؿ : فمف خمؽ السماء ؟ قاؿ :" الله " . قاؿ : فمف خمؽ الأرض ؟ قاؿ : "الله" . "قاؿ" : فمف نصب ىذه الجباؿ ، وجعؿ فييا ما جعؿ ؟ قاؿ :"الله " قاؿ : فبالذي خمؽ السماء ، وخمؽ الأرض ، ونصب ىذه الجباؿ ، الله أرسمؾ ؟ قاؿ :" نعـ " . قاؿ : وزعـ رسولؾ أف عمينا خمس صموات في يومنا وليمتنا ، قاؿ : " صدؽ " . قاؿ : فبالذي أرسمؾ . آلله أمرؾ بيذا ؟ قاؿ :" نعـ " .

عدد الصفحات ٢٢٩

قاؿ: وزعـ رسولؾ أف عمينا زكاة في أموالنا ، قاؿ :" صدؽ " . قاؿ : فبالذي أرسمؾ . آلله أمرؾ بيذا ؟ قاؿ :" نعـ " . قاؿ : فبالذي أرسمؾ آلله أمرؾ بيذا ؟ قاؿ : " نعـ " قاؿ : وزعـ رسولؾ أف عمينا صوـ رمضاف في سنتنا ، قاؿ : " صدؽ " قاؿ : فبالذي أرسمؾ الله أمرؾ بيذا ؟ قاؿ : " نعـ " قاؿ : وزعـ رسولؾ أف عمينا حج البيت مف استطاع إليو سبيلبً . قاؿ : " صدؽ " [ قاؿ: فبالذي أرسمؾ ، آلله أمرؾ بيذا ؟ قاؿ : " نعـ " ] . ثـ ولى. فقاؿ : والذي بعثؾ بالحؽ ، ولا أزيد عمييف ، ولا أنقض منيف . فقاؿ النبي - : - " لئف صدؽ ليدخمف الجنة" . ولما رجع إلى قومو وقد خمع الأنداد ، وأخبرىـ بما أمرىـ بو ونياىـ عنو رسوؿ الله - -، ما أمسى مف قومو رجؿ ولا امرأة إلا مسمماً ، وبنوا المساجد ، وأذنوا بالصلبة ، فمـ يكف وافد أفضؿ مف ضماـ بف ثعمبة . وفد عذرة وبلى : وفي شير صفر سنة 9ىػ قدـ اثنا عشر رجلبً بني عذرة ، وذكروا قرابتيـ مف قصي ، ونصرتيـ لو في إخراج بني بكر وخزاعة مف مكة ، فرحب بيـ النبي - - ، وبشرىـ بفتح الشاـ ، ونياىـ عف السؤاؿ الكاىنة ، وذبائح النصب ، وقد أسمموا وأقاموا أياماً ثـ رجعوا . وعمى إثرىـ جاء وفد بمى – وفي ربيع الأوؿ سنة 9ىػ فأسمموا وأقاموا ثلبثاً ثـ رجعوا . وفد بنً أسد بن خزٌمة : قدـ عشرة منيـ في أوؿ سنة تسع ، ورسوؿ الله - -في المسجد مع أصحابو ، فسمموا ، وقاؿ متكمميـ : يا رسوؿ الله ! إنا شيدنا أف الله وحده لا شريؾ لو ، وأنؾ عبده ورسولو ، وجئناؾ يا رسوؿ الله ولـ تبعث إلينا بعثاً ، فأسممنا ولـ

عدد الصفحات ٢٣٠

نقاتمؾ ، كما قاتمؾ بنو فلبف ، ونحف لمف وراءنا سمـ ، فأنزؿ ا : { َمُ بُّونَ َمَ ْ َ أَنْ أَسْمَمُوا قُ لَلَّ تَمُ بُّوا َمَيلَّ ِسْلاَمَكُم بَ ِ الملَّيُ َمُنبُّ َمَ ْكُمْ أَنْ هَ َاكُمْ لِلِْْ مَانِ ِن كُ تُمْ صَا ِقِ نَ } . وسألوه عما كانوا يفعمونو في الجاىمية مف العيافة ، وىي زجر الطير – والكيانة ، وضرب الحصباء ، فنياىـ عف ذلؾ ، وسألوه عف الرمؿ ، فقاؿ : عممو نبي ، فمف صادؼ مثؿ عممو فذاؾ وا لا فلب . ومعموـ أف المصادفة مستحيمة المعرفة ، وكؿ ىذه الأعماؿ مف التخرص عمى الغيب ، ومكث أىؿ الوفد أياماً يتعمموف الفرائض ، ثـ انصرفوا وقد أجيزوا . وفـد تجٌب : تجيب فرع مف قبيمة كندة . وقد جاء ىؤلاء بصدقات قوميـ مما فضؿ عف فقرائيـ ، فسر بيـ رسوؿ الله - -، وأكرـ مثواىـ ، وقاؿ أبوبكر - :- -ما قدـ عمينا وفد مف العرب مثؿ ىذا ، فقاؿ - ": -إف اليدى بيد الله فمف أراد بو خيراً شرح صدره للئيماف " . وكانوا يسألوف عف القرآف والسنف يتعممونيا ، ثـ أرادوا الرجوع فأجازىـ رسوؿ الله - -بأفضؿ ما كاف يجيز بو الوفود ، وسأليـ ىؿ بقى منيـ أحد ، قالوا: غلبـ خمفناه في رحمنا ، ىو أحدثنا سنا ، قاؿ : أرسموه فأقبؿ وقاؿ : يا رسوؿ الله ! أنا مف الرىط الذيف أتوؾ آنفا ، فقضيت حاجتيـ فاقض حاجتي . قاؿ : وما حاجتؾ ؟ قاؿ : تسأؿ الله أف يغفر لي ويرحمني ويجعؿ غناي في قمبي . فدعا لو بذلؾ ، وأمر لو بمثؿ جائزة أصحابو ، فكاف أقنع الناس ، وثبت في الردة عمى الإسلبـ ، ووعظ قومو فثبتوا عميو . وفد بنً فزارة : جاء ىذا الوفد بعد مرجعو - -مف تبوؾ ، في بضعة عشر رجلبً ، مقريف بالإسلبـ ، وىـ مسنتوف ، فسأليـ النبي - -عف بلبدىـ فشكوا جدبيا ، وقالوا: فادع الله لنا ربؾ يغيثنا ، واشفع لنا إلى ربؾ ، وليشفع لنا ربؾ إليؾ ، فقاؿ : سبحاف الله ، ويمؾ ىذا ، أنا أشفع إلى ربي ، فمف ذا الذي يشفع ربنا إليو ؟ لا إلو إلا ىو

عدد الصفحات ٢٣١

العمي العظيـ ، وسع كرسيو السماوات والأرض ، فيي تئط مف عظمتو وجلبلو كما يئط الرحؿ الحديث . ثـ صعد المنبر ، ودعا الله ، حتى أغاثيـ بالمطر الغزير والرحمة التامة . وفــد نجــران : نجراف منطقة كبيرة عمى حدود اليمف ، طوليا مسيرة يوـ لمراكب السريع ، كانت تشمؿ عمى ثلبث وسبعيف قرية ، فييا عشروف ومائة ألؼ مقاتؿ ، كميـ عمى ديف النصارى ، فكتب رسوؿ الله - -إلى أسقفيـ يدعوىـ إلى الإسلبـ ، فمما قرأ الكتاب فزع ، واستشار خاصتيـ ثـ عامتيـ ، فاستقر رأييـ عمى إرساؿ وفد يعالج القضية ، فأرسموا وفداً يتكوف مف ستيف رجلبً ، فجاؤوا النبي - -وقد لبسوا حملبً مف حبرة يجرونيا ، وأردية مف حرير ، وخواتيـ مف ذىب ، فمـ يكمميـ رسوؿ الله -  -، فأشار عمييـ بعض كبار الصحابة أف يغيروا حمميـ ، ويضعوا خواتيميـ ، ففعموا ، فكمميـ رسوؿ الله --،ودعاىـ إلى الإسلبـ ، فأبوا ، وقالوا : كنا مسمميف قبمكـ . فقاؿ ليـ رسوؿ الله - : -يمنعكـ عف الإسلبـ ثلبث: عبادتكـ الصميب . وأكمكـ لحـ الخنزير . وزعمكـ أف لله ولداً . قالوا : فمف مثؿ عيسى ؟ خمؽ مف غير أب . فأنزؿ الله في ذلؾ : ِنلَّ مَ َ َ ِ سَى ِ َ المّيِ كَمَ َ ِ َمَ َمَ َيُ مِن تُرَا ٍ ِملَّ قَا َ لَيُ كُن َ َكُونُ {59} الْحَ بُّ مِن رلَّببِّ َ َلاَ تَكُن مبِّن الْمُمْتَرِ نَ {60} َمَنْ حَآ لَّ َ ِ يِ مِن بَ ْ ِ مَا َاي َ مِنَ الْ ِمْمِ َ ُ ْ تَ َالَوْاْ َ ْعُ أَبْ َاي َا وَأَبْ َايكُمْ وَ ِسَاي َا وَ ِسَايكُمْ وَأَ فُسَ َا وأَ فُسَكُمْ ُملَّ َبْتَهِ ْ َ َ ْ َ للَّ ْ َ َ المّيِ َمَى الْكَا ِبِ نَ {61} . فتلبىا عمييـ رسوؿ ا - -ودعاىـ إلى المباىمة ، فطمبوا منو فرصة ، واستشاروا فيما بينيـ ، فقالوا : إف كاف نبياً ولا عناه لا يبقى منا شعر ولا ظفر إلا ىمؾ ، فرضوا بإعطاء الجزية . وىي ألؼ حمة في صفر ، وألؼ حمة في رجب ، مع كؿ حمة أوقية ، وجعؿ ليـ الذمة والأماف ، والحرية في الديف ، ثـ قالوا : أرسؿ معنا رجلبً أميناً ، فأرسؿ معيـ أبا عبيدة عامر بف الجراح ، فسمى بأميف ىذه الأمة ،

عدد الصفحات ٢٣٢

وفي عودتيـ إلى نجراف أسمـ اثناف منيـ ، ثـ بدأ الإسلبـ يفشو فييـ حتى أسمـ جمع منيـ . وفد أهل الطائف : سبؽ أف النبي - -حاصر أىؿ الطائؼ بعد غزوة حنيف ، ثـ تركيـ في أماكنيـ ، ورجع ، فمما رجع تبع أثره عروة بف مسعود الثقفي حتى أدركو قبؿ أف يصؿ إلى المدينة ، فأسمـ ، ثـ رجع ودعا قومو إلى الإسلبـ – وكاف أحب إلييـ مف أبكارىـ ، فظف أنيـ يطيعونو – فرموه بالنبؿ مف كؿ جانب حتى قتموه ، ثـ ائتمروا بينيـ ، ورأوا أنيـ لا طاقة ليـ بحرب مف حوليـ مف العرب ، فبعثوا عبد ياليؿ بف عمرو ، ومعو خمسة آخروف مف أشرافيـ ، وذلؾ في رمضاف سنة 9ىػ فمما قدموا المدينة ضرب عمييـ رسوؿ الله - -قبة في ناحية المسجد ليسعوا القرآف ، ويروا الناس إذا صموا . ومكثوا يختمفوف إلى رسوؿ الله - -، يدعوىـ إلى الإسلبـ ، وىـ لا يسمموف ، حتى طمبوا منو أف يسمح ليـ بالزنا وشرب الخمر وأكؿ الربا ، وأف لا ييدـ اللبت ، ويعفييـ عف الصلبة ، وأف لا يكسروا أصناميـ بأيدييـ ، فأبى ، وأخيراً رضخوا لو ، وأسمموا واشترطوا أف يتولى ىو بيدـ اللبت ، وأف ثقيفاً لا ييدمونيا بأيدييـ أبداً . فقبؿ ذلؾ . وكاف عثماف بف أبي العاص الثقفي أصغرىـ سناً ، فكانوا يختمفونو في رحاليـ ، فكاف إذا رجعوا يذىب إلى النبي - -يستقرؤه القرآف ، وا ذا رأه نائماً استقرأ أبا بكر ، حتى حفظ شيئاً كثيراً مف القرآف ، وىو يكتـ ذلؾ عف أصحابو ، فمما أسمموا أمره عمييـ رسوؿ الله - -لحرصو عمى الإسلبـ وقراءة القرآف وتعمـ الديف . ورجع الوفد إلى قومو عنيـ إيمانو ، وخوفيـ الحرب والقتاؿ ، وقالوا : جئنا رجلبً فظاً غميظاً قد ظير بالسيؼ ، وداف لو الناس ، فعرض عمينا أموراً شديدة ، وذكروا ما تقدـ مف ترؾ الزنا والخمر والربا وغيرىا ، وا لا يقاتميـ ، فأخذتيـ النخوة ، واستعدوا لمقتاؿ يوميف أو ثلبثة أياـ ، ثـ ألقى الله في قموبيـ الرعب فقالوا لموفد : ارجعوا فأعطوه ما سأؿ . فقاؿ الوفد : قد قاضيناه وأسممنا فأسمـ ثقيؼ .

عدد الصفحات ٢٣٣

وبعث رسوؿ ا - -خالد بف الوليد والمغيرة بف شعبة الثقفي في رجاؿ إلى الطائؼ لييدموا اللبت ، فكسروىا وىدموا بنيانيا .

عدد الصفحات ٢٣٤

وفد بنً عامر بن صعصعة: كاف في ىذا الوفد عدو الله عامر بف الطفيؿ الذي غدر بأصحاب بئر معونة ، وأربد بف قيس وجابر بف أسمـ ، وكانوا رؤساء القوـ وشياطينيـ ، وقد تأمر عامر وأربد بف قيس عمى اغتياؿ النبي --، فمما قدموا المدينة دعاىـ رسوؿ ا - - إلى الإسلبـ ، فقاؿ عامر- وىو المتكمـ عف الوفد -: أخيرؾ بيف خصاؿ ثلبث : يكوف لـ أىؿ السيؿ ولي أىؿ المدر . أو أكوف خميفتؾ مف بعدؾ ، أو أغزوؾ بغطفاف بألؼ أشقر ، وألؼ شقراء . فرفض رسوؿ الله - -كؿ ذلؾ ، وقاؿ: الميـ اكفني عامراً واىد قومو . ودار أربد ، وحينما كاف عامر يتكمـ ، خمؼ النبي - -، واخترط سيفو شبراُ ، ثـ حبس الله يده فمـ يقدر عمى سمو . فمما رجعوا وكانوا ببعض الطريؽ نزؿ عامر عند امرأة مف قومو مف بني سموؿ ، وناـ في بيتيا ، فبعث الله عميو الطاعوف ، وأخذتو غدة في حمقو ، فقاؿ : أغدة كغدة البعير ، وموت في بيت سمولية ؟ ائتوني بفرسي ، فركب فمات عمى فرسو . وأما أربد فأرسؿ الله عميو وعمى جممو صاعقة فأحرقتيا ، وفي ذلؾ أنزؿ الله تعالى :  وَ ُرْسِ ُ الصلَّوَا ِ َ َ ُصِ ُ بِهَا مَن َشَايُ وَهُمْ ُ َا ِلُونَ ِي المّيِ وَهُوَ شَ ِ ُ الْمِحَا ِ  . وقد روى قصتيما موئمة بف جميؿ الصحابي – أحد رجاؿ قبيمتيما بني عامر – وكاف ىو أيضاً قد أتى النبي- -فأسمـ وىو ابف عشريف سنة ، وبايعو ، ومسح يمينو ، وساؽ إبمو إلى رسوؿ الله - -فصدقيا بنت لبوف ، ثـ صحب بعده أبا ىريرة ، وعاش في الإسلبـ مائة سنة ، وكاف يسمى ذا المسانيف لأجؿ فصاحتو . وفد بنً حنٌفة : كانت وفادتيـ سنة 9ىػ وكانوا سبعة عشر رجلبً ، فييـ مسيممة الكذاب ، ونزلوا في بيت رجؿ مف الأنصار ، ثـ جاءوا النبي --فأسمموا ، أما مسيممة فيقاؿ: إنو أيضاً أسمـ معيـ ، ويقاؿ : إنو تخمؼ ولـ يحضر ، وقاؿ : إف جعؿ لي محمد الأمر مف بعده تبعتو .

عدد الصفحات ٢٣٥

وكاف النبي- -قد أري قبؿ ذلؾ في المناـ أنو أتي بخزائف الأرض ، فوقع في يديو سواراف مف ذىب ، فكبروا عميو وأىماه ، فأوحى إليو أف انفخيما ، فنفخيما فذىبا ، فأوليما كذابيف يخرجاف مف بعده . فجاء رسوؿ الله -  -مسيممة ، وفي يده-  -قطعة مف جريد ، ومعو ثابت بف قيس ، فوقؼ عميو في أصحابو ، فكممو ، فقاؿ لو مسيممة : إف شئت خمينا بينؾ وبيف الأمر ، ثـ جعمتو لنا بعدؾ ، فقاؿ : لو سألتني ىذه القطعة ما أعطيتكما ، ولف تعدو أمر الله فيؾ ، ولئف أدبرت ليعقرنؾ الله . والله إني لأراؾ الذي أريت فيو ما أريت . وىذا ثابت بف قيس يجيبؾ عني ، ثـ انصرؼ . ورجع الوفد فمبث مسيممة يسيراً ثـ ادعى أنو أشرؾ في الأمر مع النبي - - وادعى النبوة ، ولفؽ السجعات ، وأحؿ لقومو الخمر والزنا ، وافتتف بو قومو ، وتفاقـ أمره ، حتى توفي رسوؿ الله - -وىو عمى ذلؾ ، فازداد قومو افتتاناً بو ، فأرسؿ إليو أبو بكر - -الجيوش بقيادة خالد بف الوليد ، فجرت بينو وبيف المسمميف حروب شديدة ، قتؿ فييا مسيممة ومعظـ جنوده ، وقضي عمى فتنتو ، وكاف الذي قتمو وحشي بف حرب قاتؿ حمزة – رضي الله تعالى عنو -. أما الكذاب الثاني الذي أريو النبي - -فيو الأسود العنسي ، وسنأتي عمى ذكره . وفود رسول ملوك حمٌر ، وبعث معاذ بن جبل ، وأبً موسى الأشعري : وبعد مرجعو - -مف تبوؾ قدـ مالؾ بف مرة الرىاوي ، يحمؿ معو كتاب مموؾ حمير ، وىـ : الحارث بف عبد كلبؿ ، ونعيـ بف عبد الكلبؿ ، والنعماف قيؿ ذي رعيف ومعافر وىمداف . وكانوا قد أسمموا وأرسموه بذلؾ ، فكتب إلييـ رسوؿ الله - -كتاباً بيف ليـ فيو ما ليـ وما عمييـ ، وأعطى الذمة لممعاىديف. ثـ أرسؿ إلييـ معاذ بف جبؿ في رجاؿ مف أصحابو ، عمى الكورة العمياء مف جية عدف بيف السكوف والسكاسؾ ، وكاف قاضياً وحاكماً في الحروب ، وعاملبً عمى أخذ الصدقة والجزية ، ويصمي بيـ الصموات الخمس ، وبعث أبا موسى الأشعري -

عدد الصفحات ٢٣٦

 -عمى الكورة السفمى ، زبيد ومأرب وزمع والساحؿ ، وقاؿ : يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا ، وتطاوعا ولا تختمفا . وقد مكث معاذ باليمف حتى توفي رسوؿ الله --، أما أبو موسى الأشعري -  -فقدـ عميو- -في حجة الوداع. وفد همدان وبعث خالد وعلً : ىمداف قبيمة مشيورة باليمف ، وقد وفدىا سنة 9ىػ بعد مرجعو - -مف تبوؾ ، وفييـ مالؾ بف النمط ، وكاف شاعراً مجيداً ، فقاؿ : حلفت برب الراقصات إلى منى صوادر بالركبان من هضب قردد بأن رسول الله فٌنا مصدق رسول أتى من عند ذي العرش مهتد فما حملت من ناقة فوق رحلها أشـد علـى أعدائـه مـن محمـد فكتب ليـ رسوؿ الله --كتاباً وأقطعيـ فيو ما سألوه ، واستعمؿ مالؾ ابف النمط عمى مف أسمـ مف قومو ، ثـ بعث خالد بف الوليد يدعو بقيتيـ إلى الإسلبـ ، فمكث فييـ ستة أشير ولـ يسمموا ، ثـ بعث إلييـ عمي بف أبي طالب ، وأمره أف يقفؿ خالداً ففعؿ ، وقرأ عمييـ كتاباً لرسوؿ الله - -، ودعاىـ إلى الإسلبـ فأسمموا ، فكتب البشارة إلى رسوؿ الله - -فخر ساجداً. ثـ رفع رأسو فقاؿ :" السلبـ عمى ىمداف ، والسلبـ عمى ىمداف ". وفد بنً عبد المدان : ثـ بعث رسوؿ الله - -خالد بف الوليد في ربيع الآخر سنة 10ىػ إلى بني عبد المداف بنجراف مف أرض اليمف ليدعوىـ إلى الإسلبـ ثلبثة أياـ ، فإف أبوا قاتميـ ، فمما قدـ إلييـ بعث الركباف في كؿ وجو ، يدعوف إلى الإسلبـ ، وكتب بذلؾ إلى رسوؿ الله - -، فأرسؿ إليو أف يقدـ بوفدىـ ففعؿ ، ولما اجتمعوا بو - -قاؿ ليـ : بـ كنتـ تغمبوف مف قاتمكـ في الجاىمية ؟ قالوا : كنا نجتمع ولا نتفرؽ ، ولا نبدأ أحداً بظمـ ، قاؿ : صدقتـ ، وأمر عمييـ قيس بف الحصيف . ورجعوا إلى قوميـ في

عدد الصفحات ٢٣٧

بقية شواؿ أو صدر ذي القعدة. ثـ أرسؿ إلييـ عمرو بف حزـ ليفقييـ في الديف ، ويعمميـ السنة ومعالـ الإسلبـ ، ويأخذ منيـ صدقاتيـ وكتب لو كتاباً . وىو كتاب مشيور جداً . إسلام بنً مذحج : وىي أيضاً قبيمة يمانية ، أرسؿ إلييـ رسوؿ الله - -عمي بف أبي طالب في رمضاف سنة 10ىػ ليدعوىـ إلى الإسلبـ ، وأمره أف لا يقاتميـ حتى يقاتموه ، فمما انتيى إلييـ ، ولقي جموعيـ دعاىـ إلى الإسلبـ ، فأبوا ورموا المسمميف بالنبؿ ، فصؼ عمى مع أصحابو ، وقاتميـ حتى ىزميـ ، فكؼ عف طمبيـ قميلبً ، ثـ لحقيـ ودعاىـ إلى الإسلبـ فأسمموا ، وبايعو رؤساؤىـ ، وقالوا : نحف عمى مف وراءنا مف قومنا ، وىذه صدقاتنا ، فخذ منيا حؽ الله ، ففعؿ ، ثـ رجع إلى رسوؿ الله - - فوافاه بمكة في حجة الوداع. وفد أزد شنوءة : ىي أيضاً قبيمة مشيورة في جية اليمف ، توافدوا برئاسة صرد بف عبدالله الأزدي ، فأسمموا ، فأمره عمييـ ، وأمره أف يجاىد بمف أسمـ مف يميو مف أىؿ الشرؾ . وفود جرٌر بن عبدالله البجلً وهدم ذي الخلصة : وقدـ عمى رسوؿ الله - -جرير بف عبدالله البجمي ، وىو مف مشاىير الصحابة ، وكاف لقبيمتو بجيمة وخثعـ صنـ ومعبد كبير يسمونو ذا الخمصة ، يضاىوف بو الكعبة ، فكانوا يقولوف لمكعبة الكعبة الشامية ، ولمعبدىـ الكعبة اليمانية ، فقاؿ رسوؿ الله - -يوماً لجرير: ألا تريحني مف ذي الخمصة ؟ فشكا إليو أنو لا يثبت عمى الخيؿ ، فضرب بيده الكريمة في صدره وقاؿ : الميـ ثبتو واجعمو ىادياً ميدياً ، فمما يسقط بعد ذلؾ عف فرس . ونفر جرير إلى ذي الخمصة في خمسيف ومائة راكب مف قومو أحمس – فزع مف بجمية – فخرب ذلؾ البيت ، وأحرقو ، وتركو مثؿ الجمؿ الأجرب ، وبعث أبا

عدد الصفحات ٢٣٨

أرطاة إلى رسوؿ ا - -يبشره بذلؾ ، فدعا رسوؿ ا - -بالبركة لخيؿ أحمس ورجاليا ، خمس مرات . ظهور الأسود العنسً وقتله : وبينما استتب الأمف والإسلبـ في اليمف ، وعماؿ رسوؿ الله - -متوافروف في جميع جياتو إذ ظير الأسود العنسي مف بمدة كيؼ حناف في سبعمائة مقاتؿ ، يدعي لنفسو النبوة والأمر ، وتقدـ إلى صنعاء واحتميا ، ثـ تفاقـ أمره ، واشتدت فتنتو ، وقوي ممكو ، حتى انحاز عماؿ رسوؿ الله --إلى أرض الأشعرييف ، وعاممو المسمموف بالتقية ، واستمر ذلؾ ثلبثة أشير ، أو أربعة أشير ، ثـ احتاؿ عميو فيروز الديممي وزملبؤه مف الفرس ، وكانوا قد أسمموا ، فقتمو فيروز ، واحتز رأسو ، ورماه خارج الحصف فانيزـ أصحابو ، وظير الإسلبـ وأىمو ، وتراجع نواب رسوؿ الله -  -إلى أعماليـ ، وكتبوا بذلؾ إليو- . - وكاف قتمو قبؿ وفاة النبي- -بيوـ وليمة ، فأتاه الوحي ، فأخبر بو أصحابو ، ثـ وصؿ الكتاب في زمف أبي بكر الصديؽ -  . -

عدد الصفحات ٢٣٩

حجة الـوداع ولما تـ إبلبغ الدعوة في أنحاء الجزيرة العربية ، وأوجد الله طائفة مف المؤمنيف تكفؿ بحفظيا وبإبلبغيا إلى أقصى أرض الله ، قدر الله أف يري رسوؿ الله - - ثمار جيده المتواصؿ قبؿ أف ينتقؿ إلى الله ، فأكرمو الله بحج بيتو المكرـ في ذي الحجة سنة 10ىػ. ولما أراد - -الحج أذف بو في الناس ، فاجتمع بالمدينة بشر كثير ، فمما كاف يوـ السبت لخمس بقيف مف ذي القعدة وىو اليوـ السادس والعشروف منو ، ترجؿ وادىف ، ولبس إزاره ورداءه ، وانطمؽ مف المدينة بعد صلبة الظير ، حتى بمغ ذا الحميفة قبؿ أف يصمي العصر ، فصلبىا بيا ركعتيف ، ثـ بات بيا ، فمما أصبح قاؿ : أتاني الميمة آت مف ربي ، فقاؿ : صؿ في ىذا الوادي المبارؾ ، وقؿ عمرة في حجة ، وكاف ىذا إباحة لمعمرة في أياـ الحج ، وكاف أىؿ الجاىمية يرونيا مف أفجر الفجور . ثـ اغتسؿ رسوؿ الله - -قبؿ الظير ، وتطيب في رأسو وبدنو بطيب فيو مسؾ . ثـ لبس إزاره ورداءه ، ثـ صمى الظير ركعتيف ، وأىؿ بالحج والعمرة في مصلبه ، وقرف بينيما ، فقاؿ : " الميـ لبيؾ عمرة وحجاً ، ثـ لبى : لبيؾ الميـ لبيؾ ، لبيؾ لا شريؾ لؾ لبيؾ . إف الحمد والنعمة لؾ والممؾ لا شريؾ لؾ ". وكاف أحياناً يقوؿ :" لبيؾ إلو الحؽ " . ثـ خرج مف المصمى فركب القصواء ، وأىؿ مرة أخرى ، فمما استوت بو بالبيداء أىؿ أيضاً ، وأشعر ىديو بعد الصلبة وقمدىا بذي الحميفة . ثـ واصؿ سيره حتى دنا مف مكة ، فبات بذي طوى ، وصمى بو الفجر ، ثـ اغتسؿ ومضى حتى دخؿ المسجد الحراـ ، وذلؾ صباح يوـ الأحد لأربع مضيف مف ذي الحجة ، فطاؼ بالبيت وسعى بيف الصفا والمروة ، ثـ أقاـ بأعمى مكة عند الحجوف ، ولـ يعد إلى الطواؼ ، وبقى في إحرامو ، لأنو كاف قارناً جمع بيف إحرامي الحج والعمرة ، لكونو قد ساؽ اليدي ، وأمر كؿ مف ساؽ معو اليدي أف يبقى في إحرامو ، وأما مف لـ يسؽ معو اليدي فأمره أف يقصر رأسو بعد الطواؼ والسعي ، ويحؿ حلبلاً تاماً ، ويجعؿ عممو ىذا عمرة ، سواء كاف قد أحرـ بنية الحج

عدد الصفحات ٢٤٠

أو العمرة أو كمييما . وقاؿ : لو استقبمت مف أمري ما استدبرت لما سقت اليدي ، ولجعمتيا عمرة ، ولأحممت ، فحؿ مف لـ يكف معو ىدي . ثـ توجو - -يوـ التروية– وىو اليوـ الثامف مف ذي الحجة – إلى منى ، وأحرـ لمحج كؿ مف كاف قد حؿ ، فصمى بمنى خمس صموات : الظير والعصر والمغرب والعشاء والفجر ، وصمى الرباعية منيا ركعتيف قصراً ، ثـ أجاز مف منى بعدما طمعت الشمس حتى أتى عرفة ، فوجد القبة قد ضربت لو بنمرة ، فنزؿ بيا ، فمما زالت الشمس ركب القصواء وأتى وادي عرنة وقد اجتمع الناس حولو فقاـ فييـ خطيباً ، فحمد الله وأثنى عميو ، وتشيد ، وأوصى بتقوى الله ، ثـ قاؿ فيما قاؿ : " أييا الناس ! اسمعوا قولي . فإني لا أدري لعمي لا ألقاكـ بعد عامي ىذا بيذا الموقؼ أبداً ، وأف دماءكـ وأموالكـ وأعراضكـ حراـ عميكـ كحرمة يومكـ ىذا ، في شيركـ ىذا ، في بمدكـ ىذا ، ألا كؿ شئ مف أمور الجاىمية موضوع تحت قدمي ، ودماء الجاىمية موضوعة ، وا ف أوؿ دـ أضع مف دمائنا دـ ابف ربيعة بف الحارث [ وكاف مسترضعاً في بني سعد فقتمو ىذيؿ] وربا الجاىمية موضوع ، وأوؿ ربا أضع مف ربنا ربا العباس بف عبد المطمب ، فإنو موضوع كمو ، واتقوا الله في النساء ، فإنكـ أخذتموىف بأمانة الله ، واستحممتـ فروجيف بكممة الله ، ولكـ عمييف أف لا يوطئف فرشكـ أحداً تكرىونو ، فإف فعمف ذلؾ فاضربوىف ضرباً غير مبرح ، وليف عميكـ رزقيف وكسوتيف بالمعروؼ ، وقد تركت فيكـ ما لف تضموا بعده إف اعتصمتـ بو : كتاب الله . وأنتـ تسألوف عني فما أنتـ قائموف ؟ قالوا : نشيد أنؾ بمغت وأديت ونصحت . فقاؿ بإصبعو السبابة يرفعيا إلى السماء وينكتيا إلى الناس :" الميـ اشيد ، الميـ اشيد ، الميـ اشيد "! وقد بيف في ىذه الخطبة عدة أمور أخرى ، فمما فرغ منيا نزؿ عميو قولو تعالى "  الْ َوْمَ أَكْمَمْتُ لَكُمْ ِ َكُمْ وَأَتْمَمْتُ َمَ ْكُمْ ِ ْمَتِي وَرَضِ تُ لَكُمُ ااِسْلاَمَ ِ اً  .فكاف يوـ نعمة وسعادة وشكر. وأذف بلبؿ بعد الخطبة ثـ أقاـ فصمى رسوؿ الله - -بالناس الظير ركعتيف ، ثـ أقاـ فصمى العصر ركعتيف ، جمعيما في وقت الظير جمعاً مقدماً . ولـ يصؿ بينيما شيئاً . ثـ أتى الموقؼ فجعؿ بطف ناقتو إلى الصخرات ، واستقبؿ القبمة ، فمـ

عدد الصفحات ٢٤١

يزؿ واقفاًًَ حتى غربت الشمس ، وذىبت الصفرة قميلبً ، ثـ دفع حتى أتى المزدلفة ، فصمى بيا المغرب والعشاء بأذاف واحد وا قامتيف ، ولـ يسبح بينيما شيئاً . ثـ اضطجع حتى طمع الفجر ، فصمى الفجر مبكراً ، ثـ أتى المشعر الحراـ ، فاستقبؿ القبمة ودعا وكبر وىمؿ ووحد حتى أسفر جداً . ثـ دفع إلى منى قبؿ أف تطمع الشمس حتى أتى الجمرة الكبرى ، فرماىا بسبع حصيات ، يكبر مع كؿ حصاة منيا . ولـ يزؿ يمبي حتى رمى الجمرة ، فمما رماىا قطع التمبية ، ووقؼ عند ىذه الجمرة يقوؿ :" خذوا عني مناسككـ فمعمي لا أحج بعد عامي ىذا ". ثـ أتى منزلو بمنى فنحر ثلبثاً وستيف بدنة بيده ، ثـ نحر عمي بقية المائة ، وىي سبع وثلبثوف بدنة . ثـ أمر مف كؿ بدنة ببضعة ، فجعمت في قدر وطبخت ، فأكموا مف لحميا وشربوا مف مرقيا . وبعد فراغو مف النحر دعا الحلبؽ ، فأعطاه شقو الأيمف فحمؽ ، فقسمو بيف الناس مف شعره وشعرتيف ، ثـ حمؽ الأيسر فأعطاه لأبي طمحة . ثـ لبس ثيابو ، وتطيب قبؿ أف يطوؼ ، ثـ ركب حتى أتى البيت ، فطاؼ طواؼ الإفاضة ، ولـ يطؼ بيف الصفا والمروة ، وصمى الظير ، وأتى عمى بني عبدالمطمب ، وىـ يسقوف عمى زمزـ ، فقاؿ : انزعوا بني عبد المطمب ! فمولا أف يغمبكـ الناس عمى سقايتكـ لنزعت معكـ ، فناولوه دلواً فشرب منو . ثـ رجع - -إلى منى فمكث بيا ليالي التشريؽ -11،12 ،13 ، مف ذي الحجة – يرمي الجمرات الثلبث كؿ يوـ إذا زالت الشمس ، يبدأ بالجمرة الصغرى فيرمييا بسبع حصيات يكبر مع كؿ حصاة ، ثـ الوسطى ، ثـ الكبرى كذلؾ . وقد خطب رسوؿ الله - -خطبة يوـ النحر ، ثـ خطبة في أوسط أياـ التشريؽ . أكد فييا ما سبؽ في خطبة عرفة وزاد عمييا ، وقد نزلت عميو سورة النصر في أوسط أياـ التشريؽ قبؿ الخطبة وفي اليوـ الثالث عشر – وىو يوـ النفر الثاني ، وثالث أياـ التشريؽ ، وكاف يوـ الثلبثاء – نفر رسوؿ الله - -مف منى وبعد رمي الجمرات ، فنزؿ بالأبطح ، وصمى ىناؾ الظير والعصر والمغرب والعشاء ، وبعث عائشة أـ المؤمنيف مع أخييا

عدد الصفحات ٢٤٢